الرئيسية / آراء / هل نصب الأميركيون فخاً لصدام حسين؟

هل نصب الأميركيون فخاً لصدام حسين؟

بقلم: عبد المنعم عيسى* — يروي د. حسن العلوي المفكر والسياسي العراقي الذي كان مقرباً من صدام حسين حتى مطلع الثمانينات في كتابه “أسوار الطين في عقدة الكويت” أن المبعوث البريطاني جورج براون كان يزور بغداد في منتصف السبعينات من القرن الماضي فصاعداً، فلا يلتقي الرئيس العراقي أحمد حسن البكر في العديد من زياراته بل يكتفي بلقاء نائب الرئيس صدام حسين، وعندما كان البكر يسأل نائبه عما يطرحه المبعوث البريطاني في لقاءاته المتكررة، كان صدام يجيب أن البريطانيين يريدون إنشاء مصنع لطائرات الـ”هونتر” في العراق، في حين أن جوهر طروحات براون – يضيف العلوي – كانت تدور في مدارات أخرى.
كانت تلك اللقاءات تجري بالتزامن مع التقارب السوري العراقي الذي جرى في أعقاب زيارة الرئيس أنور السادات للقدس المحتلة في 19 تشرين الثاني نوفمبر 1977 وخروج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي. وفي مرحلة متقدمة من ذلك التقارب كانت تجري محادثات سورية – عراقية لقيام وحدة بين البلدين تحت شعار إحياء الجبهة الشرقية في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، كان بروان في تلك اللقاءات يسأل صدام: لماذا تذهب بغداد باتجاه تحقيق غير الممكن ولا تذهب باتجاه تحقيق الممكن؟ لماذا تفكر بغداد بالوحدة مع دمشق المثقلة بالمشاكل بدءاً من تورطها في صراع “أزلي” مع إسرائيل، مروراً بتورطها في لبنان الذي يصعب اكتشاف آفاقه؟ ووصولاً الى اقتصادها المنهك الأمر الذي سيفرض على العراق القيام بدور “المعيل” دائماً؟ ناهيك عن وجود معيقات أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها.
وفي هذا السياق جدير بالذكر أن الغرب أو الأميركيين تحديداً لم يكن ينظرون الى ذلك التقارب بعين القلق، فقد نشرت في أيار مايو من العام 1985 وثيقة صادرة عن السفارة الأميركية ببغداد وفيها يرى السفير أن على واشنطن ألا تقلق وهي تنظر الى تقارب بغداد مع دمشق. فهذا الأخير لا يملك مقومات الديمومة والاستمرار ولذا لن يكون من الواجب على واشنطن القيام بأي عمل للوقوف في وجه ذلك التقارب الذي يحمل بذرة فناءه بين طياته (وقد أثبتت الأحداث دقة الرؤية الأميركية).
ومن ثم يتابع براون بالقول: لماذا لا يفكر العراق بالوحدة مع الكويت وهي الجار الغني الذي يؤمن للعراق في الآن ذاته شاطئاً على الخليج لطالما شكل بالنسبة إليه عقدة هامة على مر مراحل تاريخه منذ أن تبلور كيانه مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي على النحو الذي نراه عليه اليوم؟
كان بروان مدركاً جيداً أن طروحاته تناغي طموحات صدام السياسية والشخصية بقيام دولة إقليمية كبرى تمتد من اللاذقية في الغرب الى البصرة في أقصى الشرق، وهو يرى أن ذلك سيمكنه من بناء قوة تكون مستقلة في قرارتها بعيداً عن المظلة الأميركية التي سيكون لزاماً عليها- في حينها- أن تعرض خدماتها في مقابل عدم الإضرار بمصالحها في المنطقة. أنذاك لم تنجح محاولات بروان في إقناع صدام بـ”الوحدة مع الكويت”، فقد كان هذا الأخير يرى أن نجاحه في السيطرة على سوريا سيجعل من السيطرة على الكويت تحصيل حاصل. ولذا فإن ترتيب الخطوات، وفق رؤية صدام، هو أن الكويت ثانيا وليست أولاً، وما جرى هو أن صدام قد فشل في تحقيق أي من الهدفين. فالرئيس حافظ الأسد الرابض في دمشق كان يتمتع بدهاء وذكاء يفوقان نظيريهما لديه بدرجة كبيرة. أما الكويت لوحدها فهي لم تغرِ هذا الأخير بالمغامرة .
تغيرت الظروف في خلال ثماني سنوات من الحرب مع إيران، كان فيها الكثير من المخاطر والمحاذير التي تهدد كلا من الكيانين في مرحلة من المراحل. لكن على الرغم من ذلك، فإن صدام قد استطاع الخروج منها وهو أقوى. صحيح أن غالبية الظروف والمناخات الإقليمية والدولية قد ساعدته بشكل كبير فالسعودية لوحدها كانت قد قدمت ما يزيد على 200 مليار دولار وفق ما قاله بندر بن سلطان لمسؤول أميركي غداة الغزو الأميركي للعراق في العام 2003. ثم أضاف أنهم كانوا سيعطونه أكثر فيما لو تطلبت الأوضاع ذلك. الا ان الصحيح ايضاً هو أن القيادة العراقية قد خاضت معركة مديدة برؤية صائبة وقرار تميز بالنفس الطويل. لكن وعلى الرغم من ذلك فإن انتهاء الحرب كان قد شكل بداية لأزمات نظام صدام الحقيقية، فالحرب كانت على الرغم من ويلاتها فرصة لتماسك العراق داخلياً.
واللافت هو أن الشيعة العراقيين كانوا قد غلبوا الوطنية العراقية على احتمالات انزياحهم باتجاه تراصفات مذهبية يمكن أن تفضي بهم الى الوقوف مع إيران، ناهيك عن أن الحرب قد مكنت العراق من امتلاك أسباب القوة. والمؤكد هو أن عراق الحرب كان أقوى بما لا يقاس من عراق ما بعدها، وهو ما يمكن استشرافه عبر العديد من المؤشرات.
يورد نائب الرئيس السوري السابق فاروق الشرع في كتابه “الرواية المفقودة” الصادر في العام 2015 العديد من الرسائل المتبادلة ما بين صدام حسين وبين الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، والمتابع يخلص منها أن صدام كان يريد التفاوض مع هذا الأخير على حدود بحريه بطول 1200 كيلومتر وبرية بطول 800 كيلومتر. وبمعنى آخر كان يفكر في حدود بحرية تصل الى مضيق هرمز، الأمر الذي يستوجب ضم الكويت والإمارات وصولاً الى المضيق المتشاطئ مع سلطنة عمان، وهو أمر لم يكن ممكناً أن يفكر فيه لولا وجود إحساس عارم بفائض القوة الذي يملكه.
ومن المهم في هذا السياق القول إن فكرة ضم الكويت لم تكن وليدة أفكار صدام وإنما سبقه إليها العديد من القاده العراقيين، كان آخرهم الجنرال عبد الكريم قاسم الذي حكم العراق ما بين عامي 1958 و1963. كان التوتر ما بين بغداد صدام حسين وبين دول الخليج قد تولد بعدما أحست هذه الدول الأخيرة بزوال خطر السكين الإيرانية عن رقابها، ثم راحت -تلك الدول- تستذكر الأموال التي هدرتها في ذلك السياق. وعلى الرغم من أن جميع تلك الدول كان قد أظهرت تبرماً من طلبات العراق التي لا تنتهي وديونه التي يعجز عن سدادها، إلا أن الكويت كانت قد ذهبت الى مدى أبعد من ذلك الذي ذهب إليه الآخرون، ولم تكد الذكرى السنويه الأولى لانتهاء الحرب تمضي حتى كانت الضغوط الكويتية قد أخذت طابعاً منغصاً حقيقياً للعراق الذي كان لا يزال يعيش نشوة النصر .
شهدت قمة بغداد في 28 أيار – مايو 1990 أجواء مشحونة. وفي حزيران يونيو من العام نفسه قام صدام بدعوة منظمة أوبك إلى عقد اجتماع استثنائي للاتفاق على تحاصص جديد يحول دون تهاوي أسعار النفط الى ما دون عشرة دولارات للبرميل الواحد. يروي الشرع في كتابه نفسه سابق الذكر أن الرئيس حافظ الأسد كان قد أرسله الى الرياض للوقوف على وجهة النظر السعودية في تلك الأزمة، وفي حينها أخبره العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز أنه قد التقى بصدام حسين قبل أسابيع في مدينة حفر الباطن السعودية، وفي ذلك اللقاء كان هذا الأخير قد طمأنه بما يخص قضية الحصص. إلا أنه قال له: “إن المملكة دولة مهمة فلماذا نترك هذه المشيخات الهزيلة في الخليج، لماذا لا نتقاسمها؟”.
وهنا ليس من الصعب الوقوف على حالة أمير الكويت عندما أطلعه العاهل السعودي على فحوى ذلك اللقاء، ولربما ارتأت الكويت إزاء هذا التصعيد العراقي أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، وبدا أن كل شيء ماضٍ في ذلك الطريق من دون أدنى تفكير بإمكان الوقوف لمراجعة الحسابات. وفي أواخر حزيران يونيو تقدم طارق عزيز بشكوى ضد كل من الكويت والإمارات الى جامعة الدول العربية، ومن ثم قام صدام بمهاجمة دول الخليج يومي 17 و18 تموز يوليو 1990 واتهمها بالغدر وطعن العراق في الظهر.
وإزاء تلك النزعة الهجومية العراقية التي شهدت بدءاً من الاتهامات التي وجهها صدام تحولاً جذرياً، لجأت الكويت الى تغليب السياسة فجال الوزير عبد الرحمن العوضي موفداً لأمير الكويت على العديد من الدول العربية يريد أن يسوق لفكرة ان بلاده تتعرض لابتزاز عراقي. وفي نهاية جولته تلك كان قد أبلغ أميره أن من التقاهم قد عبروا له عن دعمهم للكويت بوجه الابتزاز العراقي بل الكل أوصى بعدم الرضوخ للمزيد منه.
جدير بالذكر أن الوثائق كانت قد كشفت فيما بعد ان بعضاً من الذين كانوا قد اوصوا بعدم الرضوخ هم انفسهم من قاموا بتحريض العراق على غزو الكويت. لكن تلك حكاية اخرى قد يأتي الوقت للحديث عنها. وفي 25 تموز يوليو 1990 جرى اللقاء الشهير ما بين صدام حسين وبين السفيرة الأميركية في بغداد، ابريل غلاسبي، وهو اللقاء الذي كتب عنه الكثير، وفيه اشتكى الرئيس العراقي من أن ديون العراق قد فاقت الـ40 مليار دولار، فما كان من غلاسبي الا ان أجابت وفق اهم الروايات بما فيها الشريط الذي عرضه البريطانيون بعد سنوات من غزو العراق وهو يوثق لذلك اللقاء، أن بلادها تأمل بحل الخلاف العراقي الكويتي في اطاره العربي، وأنها لن تتدخل في هذا النوع من الخلافات لحلها. وفي حينها – تضيف تلك الروايات – وقع جواب غلاسبي موقعاً حسناً في نفس صدام وقد ارتأى فيه ضوءا اخضر، إذ فهم صدام ما جاء على لسان السفيرة على أنه “جواز سفر” غير مشروط يمكن للعراق استخدامه كيفما شاء لحل اشكالاته المالية.
وعليه فقد جرى في أوساط القيادة العراقية تداول لأسئلة عديدة هامة من ابرزها: وهل هناك من طريقة افضل لحل تلك الاشكالات من “السطو” على البنوك الكويتية التي اتخمتها اكداس رزم الدولارات من فئة 1000 دولار؟ كانت نشوة لقاء غلاسبي قد دفعت بصدام الى افشال لقاء جدة للتهدئة برعاية سعودية يوم 31 تموز يوليو 1999.
تقول غلاسبي في لقاء اجرته معها صحيفة الحياة اللندنية ونشرته على جزئين يومي 19 و20 كانون اول ديسمبر 2010 إن هذه الصورة السابقة والمنقولة عن ذلك اللقاء كانت من مخيلة طارق عزيز المعروف بانه كان سيد الكلام بصفته وزيراً سابقاً للإعلام ورئيسا لتحرير جريدة. ولذا فقد أكدت في ذلك اللقاء على أنها لم تتحدث مع صدام بأي شيء يمكن أن يشي بأن أميركا لن تتدخل أو انها ستمارس سياسة غض البصر. وهي لتأكيد هذا الأمر كانت قد ذهبت في ذلك اللقاء الى نعت صدام بالقول إنه كان رجلاً جاهلاً إلى درجه لا تصدق، على الرغم من انه لم يكن رجلاً غشيما ً. ثم أضافت أن التعامل معه كان أمراً بالغ الخطورة لأنه شخص مصاب بجنون العظمة. كانت غلاسبي تريد أن تقول إنها لا تتحمل مسؤولية الفهم الذي خرج به صدام حسين من ذلك اللقاء. لكن على الرغم من ذلك فقد كان هناك أمر ملتبس بشكل واضح الأمر الذي يفسر الطريقة التي تعاطت بها وزارة الخارجيه الأميركية مع غلاسبي بعد تلك الحادثة حيث جرى تهميشها ومن ثم أرسلت كقنصل لبلادها في مدينة كيب تاون في جنوب افريقيا قبل أن تقال من مهامها نهائياً في العام 2002 .
لكن لنعد الى السياق السابق: في 31 تموز يوليو 1990 ، أي قبل يومين من غزو العراق للكويت جرى تسريب خبر كان على درجة عالية من الأهمية ولربما شكل هذا الأخير الدافع الأكبر لاندفاعة صدام نحو الكويت بعد أقل من 48 ساعة على وروده، وفيه كان جون كيلي، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى يقول أمام الكونغرس الأميركي بأن الولايات المتحدة ليس لديها التزام بالدفاع عن الكويت ولا نية لديها للدخول في حرب إذا ما تعرضت هذه الأخيرة لغزو عراقي!.
ومما سبق يمكن التأكيد أن صدام كان في يوم الأول من آب أغسطس مشبعاً بفكرة غزو الكويت ولم تعد قوة في العالم قادرة على إقناعه بالعدول عن تلك الفكرة. وفي الساعه الثانية من بعد ظهر يوم 2 آب أغسطس 1990، أي بعدما استتب الأمر للقوات الغازية، كان تلفزيون “الشباب” المملوك أنذاك لعدي حسين النجل الأكبر للرئيس العراقي يعرض في بث مباشر آراء الشارع العراقي عبر لقاءات يجريها في العديد من شوارع بغداد. وفي أحد تلك اللقاءات كان المذيع يسأل أحد المارة عن شعوره تجاه الحدث، فكانت المفاجآة عندما أجاب بأنه “زعلان” وعلى الفور سأله المذيع: لكن لماذا؟ أجاب المتحدث: لأن الرئيس صدام قد أزعل السيدة ساجدة (يقصد زوجة صدام الأولى ساجده خير الله طلفاح) فازدادت دهشة المذيع وبات منشداً ليصل الى نهاية للحديث مهما تكن نتائجه، فقال: ولكن كيف؟ عندها انفرجت أسارير المتحدث قائلا: لأن صدام “ضم” الكويت. وبعد ساعات كانت النكتة حديث الشارع العراقي وقد قيل إنها لاقت إعجاب صدام الشديد فأمر بمكافآة صاحبها .
اليوم وبعد مرور 28 سنة على تلك الحادثة لا يزال السؤال الأبرز الذي يبحث عن إجابة قاطعة: هل كان ما جرى فخاً لصدام وقد مضى برجليه اليه؟
والإجابة على ذلك التساؤل تبدو مهمة هي في غاية التعقيد على الرغم من وجود العديد من المؤشرات التي لا تزال تتوالى وهي تصب في جعبة الإجابة بالإيجاب. فقد نشرت وكالة عمون الإخبارية يوم 7 آب أغسطسط 2016 مقالاً بعنوان “أسرار الغزو العراقي للكويت” وقد جاء فيه أن صدام كان قد بعث برسالة الى الرئيس الأميركي جورج بوش الاب مؤرخة في 1 تموز يوليو 1990 وفيها يقول: “أنتم الأميركيون من أبلغنا بقيام الكويت بسرقة نفطنا من خلال أنابيب مزدوجة جرى دسها في الأراضي العراقية من دون علمنا”. كما كان لافتا أن صدام حسين كان قد نعت جورج بوش بعد بدء عملية “عاصفة الصحراء” لتحرير الكويت يوم 24 شباط فبراير)1991 بـ”الخائن”، إذ لا يمكن لأحد أن يصف عدوه بهذا الوصف فالخيانة تحصل ما بين الأخوة والأصدقاء ولا تحصل ما بين الخصوم والأعداء.
يتبع
*كاتب سوري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

إسرائيل .. عدوان لدود للطفولة الفلسطينية

بقلم: د.فياض الفياض — في اربعينيات القرن الماضي كنا اطفالا صغارا نلعب على بيادر القرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *