الرئيسية / آراء / الجذور التاريخية للحرب النفسية

الجذور التاريخية للحرب النفسية

بقلم: د. سليمان عباس البياضي* —
مما لا شك فيه أن الحرب النفسية تعد من أهم الحروب على الإطلاق وقد أدرك القادة العسكريون منذ القدم أهمية التأثير في العدو، ومن أبرز هؤلاء القادة من اعتمدوا الحرب النفسية لفرض سيطرتهم:
الإسكندر الأكبر وهو ملك مملكة مقدونيا القديمة حكم من العام 498 قبل الميلاد إلى العام 454 قبل الميلاد، حيث غزا أجزاء واسعة بنجاح من أوروبا وآسيا، وذلك من خلال إجبار النخب المحلية في البلدان التي احتلها على التعاون معه، ونصح جنوده بإدخال الثقافة اليونانية وقمع الآراء المعارضة في المدن التي يحتلها، وذلك من خلال الزواج من بنات السكان المحليين بمهور عالية وذلك لدمج الجنود بالمجتمع الذي احتلوه.s

جنكيز خان والحرب النفسية
هو زعيم الإمبراطورية المنغولية في القرن الثالث عشر الميلادي، واستخدم أدوات عدة من أجل التأثير في العدو، حيث هدد السكان المحليين بتدمير المدن إذا رفضوا تسليمها. ومن أدواته أثناء العمليات العسكرية الليلية، كان جنكيز خان يأمر كل جندي بإضاءة ثلاثة مشاعل عند الغسق لإعطاء وهم لدى الآخر بأنهم سيواجهون جيشاً ساحقاً.
أما تيمور لنك وهو زعيم مغولي أيضاً 1336 – 1405 م، فقد وضع 90000 من الرؤوس البشرية المقطوعة أمام جدران دلهي، لإقناع الهنود بتسليم أنفسهم خلال حملته على بلادهم، إذ كان جنوده يقطعون الرؤوس البشرية ويعلقونها على أسوار المدينة لتخويف السكان ودفعهم للاستسلام.

الحرب العالمية الأولى 1914-1918م
شهدت الحرب النفسية تطوراً في أدواتها وذلك من خلال استخدام وسائل الإعلام أثناء الحرب العالمية الأولى، من قبل طرفي الحرب وهما دول التفاهم (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا والعرب)، ودول تكتل الوسط (ألمانيا، الإمبراطورية الهنغارية النمساوية، السلطنة العثمانية)، وسنستعرض بعض ممارسات هذه الدول للحرب النفسية:

بريطانيا: امتلكت واحدة من أشهر أنظمة الأخبار في العالم، وخبرة كبيرة في التواصل الاجتماعي وحافظت على علاقات جيدة مع كثير من دول العالم، مما مكنها من التأثير في الرأي العام العالمي، كما قامت بتحريض الشعوب في الطرف الآخر على الثورة على الدول التي تحتلها، ونجحت من خلال إعلان العرب “الثورة العربية الكبرى” ضد السلطنة العثمانية في عام 1916.
فرنسا: فرضت الحكومة في بداية الحرب العالمية الأولى سيطرتها على وسائل لإعلام بهدف قمع التغطية السلبية. وفي عام 1916 أنشأت دار الصحافة (وهي مكان تطبع وتنشر فيه الصحف الفرنسية)، فبدأت فرنسا تستخدم الحرب النفسية، حيث أنشأت قسماً في مكتب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات باسم (الطيران الجوي قسم الدعاية)، برئاسة جان جاك الفالس، وهو رسّام من منطقة الألزاس، حيث قام بتوزيع منشورات من الصور فقط. كما نشروا مبادئ الرئيس الأميركي آنذاك ودرو ويلسون الأربعة عشر وعلى رأسها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وذلك لإقناع العالم بأن الغرب يسعى إلى تحرير الدول المحتلة والارتقاء بها حتى تصبح قادرة على تقرير مصيرها وبالتالي يطبق عليها مبادئ ويلسون.
ألمانيا: حاولت إشعال الثورة داخل الأراضي التي احتلتها الإمبراطورية البريطانية آنذاك، مثل إيرلندا والهند، ولكنها لم تنجح، إذ قامت بريطانيا بابتزاز الشعوب، وإطلاق الوعود بمنحهم الاستقلال إذا ساندوها في الحرب العالمية الثانية.

الحرب العالمية الثانية 1939-1945
ظهرت خلال هذه الحرب لغة الخطاب والخدع كطريق للتأثير في الرأي العام، واشتهر بها المستشار الألماني أدولف هتلر الذي رفع شعار “إكذب.. إكذب.. حتى يصدقك الناس”، وطرفا الحرب كانا دول المحور (ألمانيا، إيطاليا واليابان)، ودول التحالف (فرنسا- بريطانيا- الاتحاد السوفييتي- الولايات المتحدة الأميركية- الصين..). وسنستعرض بعض ممارسات هذه الدول للحرب النفسية أثناء الحرب العالمية الثانية:

ألمانيا: استفادت ألمانيا من التجربة البريطانية في استخدام الحرب النفسية خلال الحرب العالمية الأولى، فعين جوزيف غوبلز وزيراً للدعاية، حيث نجحت الدعاية التي استخدمها كأسلوب من أساليب الحرب النفسية ضد تشيكوسلوفاكيا من خلال تحريض المواطنين ضد حكومتهم، ووصل تأثير هذه الدعاية إلى حد موافقة فرنسا وبريطانيا على احتلال ألمانيا لتشيكوسلوفاكيا ومسحها من الخارطة السياسية للدول في أوروبا وذلك في عام 1938.
بريطانيا: استخدمت بريطانيا الخداع على نطاق واسع في ممارسة الحرب النفسية ضد الألمان كالخداع البصري، والعمالة المزدوجة (إذ نجحت ألمانيا في القبض على مجموعة من العملاء الألمان الذين أرسلهم هتلر إلى بريطانيا للتجسس على العدو، وقامت بريطانيا بتلقين هؤلاء العملاء ما تريده لإيصاله إلى القيادة الألمانية، التي لم تكن تدري أنها وقعت ضحية عملائها)، فكان ذلك من الأسباب التي مكنت بريطانيا وحلفائها من الانتصار في الحرب العالمية الثانية التي دامت لنحو ست سنوات.

حرب فيتنام 1946-1953
استخدمت الولايات المتحدة الأميركية برنامجاً مكثفاً من الحرب النفسية بعنوان “فينيكس” يهدف إلى اغتيال موظفي جبهة التحرير الوطني الفيتنامية، وترويع المتعاطفين معها والمؤيدين لها.

*باحث مصري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

حروب الغرب التي لا تنتهي ضد العالم الإسلامي

بقلم: عبداللطيف مشرف* — الحرب كلمة من ثلاثة حروف ولكن تحمل بحروفها هذه كل معاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *