الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / غير مصنف / تقصير الجيش الإسرائيلي في معالجة أنفاق غزة: فشل معروف مسبقاً

تقصير الجيش الإسرائيلي في معالجة أنفاق غزة: فشل معروف مسبقاً

بقلم: عمير رابوبورت – محلل عسكري إسرائيلي —

•في سنة 2008 حذّرتُ من أن الجيش الإسرائيلي لا يفعل ما يكفي لمواجهة التهديد الكبير لمنظومة “حماس” الموجودة تحت الأرض. إن التكنولوجيا ليست بالضرورة حلاً للمشكلة، كما أن تحميل المسؤولية لهذا الشخص أو ذاك وإقالته لا تساعد في شيء.

•أحد الأمراض المزمنة الخطيرة في الجيش الإسرائيلي هو الذاكرة القصيرة الأمد بصورة خاصة. ففي أسلحة الجيش “الأخضر” يتبدل القادة بسرعة فائقة، والمعرفة التي تراكمت تتبدد مرات عديدة، أو يجري تعلمها من جديد مقابل دماء تسيل من جديد. وتظهر نتائج هذا الفشل البنيوي في كل معركة جديدة. ومن الطبيعي أن تبقى في الأيام العادية العديد من الأخطاء خفية عن الأنظار.

•تعتبر قضية الفضشل في معالجة الأنفاق في قطاع غزة، التي برزت بقوة خلال عملية “الجرف الصامد”، نموذجاً واضحاً لانعكاسات هذا المرض العضال، واستمراراً لتقصيرات أخرى سابقة. وعلى خلفية هذا الفشل يشعر كبار المسؤولين في المستوى العسكري في هذه الأيام بقلق شديد بسبب تقرير مراقب الدولة الذي يحقق في المعلومات المتعلقة بتهديد الأنفاق والرد عليه. ومن المنتظر أن ينشر التقرير في وقت قريب، ويعمل عشرات المحامين في هذه الأيام على التقرير مع موظفي مكتب مراقب الدولة، في محاولة للتخفيف من المسّ بسمعة “موكليهم”.

•بالإضافة إلى ذلك، جرى الكشف في إذاعة الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن نتائج لجنة التحقيق العسكرية برئاسة العميد يوسي بكار، التي درست هي أيضاً الموضوع بعد عملية الجرف الصامد واكتشفت أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعداً كما يجب لمواجهة تهديد الأنفاق.

•من المؤسف تضييع الوقت والجهد، فقد اشتمل التقرير بشأن التقصيرعلى خلاصات بسيطة سبق أن كتبتها قبل العملية في موقع “NRG” في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2008، تحت عنوان “المفاجآت التي تنتظر الجيش تحت الأرض في غزة”.

•كتبت حينها: “هناك بناء في غزة لا نراه لكنه مزدهر. نعرف ذلك من خلال الطلب الكبير على الإسمنت، ولأننا لا نستطيع أن نرى على أرض الواقع إلى أين يذهب كل هذا الإسمنت، إذ لا توجد في أنحاء القطاع أبنية شاهقة، وحتى عدد الأبنية المنخفضة قيد الإنشاء قليلة. ثمة تفسير واحد لهذه الفجوة: إن الذي يُبنى ليس فوق الأرض بل تحتها. والجزء الأكبر من أعمال البناء كانت تجري في تلك الأيام بعيداً عن الأنظار تحت الأرض”.

•”ماذا يبنون هناك؟ اسألوا مقاتلي حزب الله الذين ابتكروا “المحميات الطبيعية” في لبنان. هذه المواقع الخفية تحت الأرض والتي لا يمكن التسلل إليها، استطاعت تغيير قواعد اللعبة في صيف 2006 [حرب تموز/يوليو]. وهذا ما يجري الآن في أنحاء القطاع- منظومات تحت الأرض ضخمة ومحصنة، سراديب، وبصورة خاصة شبكة لا تنتهي من الأنفاق وخنادق قتال.

•”إذا انهار اتفاق التهدئة ودخل الجيش الإسرائيلي إلى عمق القطاع، فإن آلاف المقاتلين سينتشرون في هذه الأنفاق وسيحاولون تكبيد القوات الغازية خسائر جسيمة”.

•وأشرت تالياً: “في تقدير جهات أمنية، أن “حماس” تبني أنفاقاً من أجل غرضين أساسيين – الدفاع والهجوم. لقد بنيت أنفاق تحت مدن أساسية مثل رفح وغزة نفسها، حيث يقدر عناصر “حماس” أن قتالاً واسع النطاق سيدور عندما يدخل الجيش الإسرائيلي إلى غزة.

•”الهدف من الأنفاق داخل المدن هو السماح لعناصر “حماس” بالتحرك بحرية تحت الأرض من أجل مفاجأة القوات الإسرائيلية في كل مرة من مكان مختلف. وترتبط خنادق القتال بمواقع للسيطرة والتحكم تحت الأرض وكذلك بتحصينات للعتاد العسكري.

•”في المقابل بنيت أنفاق خارج المدن مرتبطة “بحُفر ملغمة” هي عبارة عن مساحات واسعة من الأرض تحت المحاور الأساسية للدخول إلى القطاع، تستطيع “حماس” أن تملأها بالمواد الناسفة من أجل تفجيرها عندما يحين الوقت تحت قوافل مركبات الجيش الإسرائيلي.

•”والبناء تحت الأرض بحسب التقديرات يشمل مئات المواقع لمنصات صواريخ القسام والكاتيوشا التي ستكون محصنة من القصف الإسرائيلي من الجو. وهي تشبه مواقع كشفتها عمليات محدودة قام بها الجيش الإسرائيلي في شمال قطاع غزة قبل عشرة أشهر. إن المبدأ المهم في هذا المخطط أن كل بناء تحت الأرض يبنى بالتوازي مع مباني فوق الأرض معدة للقتال من أجل التنسيق.

•”عاجلاً أم آجلاً، سيسجل التاريخ طبيعة الحرب التي ستجري تحت الأرض، خاصة عندما يكون المقصود مواجهات بين جيوش كبيرة ومجموعات تخوض حرب عصابات”.

•وكتبت أيضاً: “يبدو أن “حماس” تبني الأنفاق كي يستطيع مقاتلوها تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر جسيمة من خلال القتال من داخل الأنفاق، وإزاء الخسائر الجسيمة سيتعرض المستوى السياسي للضغط لسحب القوات العسكرية لأن القتال سيبدو عديم الفائدة. على الصعيد التكتيكي ثمة شك في أن الجيش الإسرائيلي يملك حلاً فعالاً لمواجهة شبكة الأنفاق التي تبنيها “حماس”(…). وفي وقت تبدو فيه خطط “حماس” واضحة جداً يُطرح السؤال: ماذا يفعل الجيش؟ يبدو أن ما يفعله ليس كافياً”.

•والخلاصة الواضحة لما نشرته سنة 2008 هي أن جميع التفاصيل بشأن منظومة الأنفاق وأهدافها كانت معروفة جيداً، وعرفت تفاصيل أُخرى بالإضافة إلى المكان الدقيق لجزء من هذه الأنفاق حصلت عليها المؤسسة الأمنية بواسطة وسائل استخباراتية.

•ماذا حدث لهذه المعلومات التي كانت بحوزة الجيش الإسرائيلي بعد 2008؟ لم يحدث الكثير. فالقادة القلائل الذين أقلقهم هذا الخطر تركوا مناصبهم. البعض منهم عاد إلى الحياة المدنية في سن مبكرة للغاية. والقادة الجدد كانوا مشغولين وفقاً للثقافة العسكرية بتهديدات محلية مباشرة أكثر، وليس بما يعتبر تهديداً بعيداً.

•في صباح اليوم الذي بدأت فيه عملية “الجرف الصامد” استخدم رئيس الأركان خطة عسكرية لا علاقة لها بقتال الأنفاق، ولم تتضمن الخطة هذه المشكلة. وفي شعبة العمليات تحدثوا عن إرسال قوات إضافية إلى ساحة القتال في حال حدوث تسلل، لا أكثر.

•لقد كان حجم التهديد معروفاً منذ سنوات، لكن الجيش لم يهتم به ولم يفهمه ونسيه. لذا فالتعامل مع الأنفاق في اليوم الأول للقتال كان هامشياً، على افتراض أنه كان موجوداً، وهذا من دون التطرق إلى الجدل بين الشاباك والجيش بشأن التحذير من الأنفاق – هل حدث أم لم يحدث.

•في القيادة الجنوبية فقط كانت هناك خطة قتال ضد الأنفاق اسمها “الدفاع الأمامي”، وهي ركزت على التوغل بضعة كيلومترات داخل غزة. وقد عرض قائد المنطقة الجنوبية آنذاك سامي ترجمان الخطة على الطاقم الوزاري المصغر للمرة الأولى بعد خمسة أيام من نشوب المعارك.

•لقد كانت الاستخبارات على معرفة بكل شيء، لكنها فشلت في نقل الصورة الشاملة للتهديد إلى المسؤولين الكبار في الجيش والحكومة. وعندما بدأت عملية “الجرف الصامد” كانت شعبة الاستخبارات مشغولة قبل كل شيء في إخفاء آلاف التفاصيل الاستخباراتية – الدرس الذي تعلمته من حرب لبنان الثانية – وهذا أمر يستحق الاهتمام بحد ذاته. ولم يعتبر أن تهديد الأنفاق له أولوية كبيرة.

•إن خط الدفاع لدى جهاز الاستخبارات [في هيئة الأركان] أمام مراقب الدولة هو أن موضوع الأنفاق كان مسؤولية استخباراتية حصرية لاستخبارات قيادة المنطقة الجنوبية، لأن مهمة هيئة الأركان العامة هي معالجة التهديدات على المستوى الاستراتيجي. ويبدو أن قيادة المنطقة الجنوبية رفضت نقل المسؤولية إلى استخبارات هيئة الأركان العليا، ووافقت فقط على أن تنقل إلى الاستخبارات العسكرية مسؤولية العثور على الصواريخ البعيدة المدى التي تعتبر تهديداً استراتيجياً ومراقبتها. وحتى المعالجة الاستخباراتية للصواريخ القصيرة المدى، فإنها بقيت ضمن مسؤولية استخبارات القيادة الجنوبية.

•على الصعيد العسكري لم يقم الجيش الإسرائيلي خلال الفترة الممتدة من 2008 وحتى 2014 بأي استعدادات لمواجهة تهديد الأنفاق. وكان القتال ضد الأنفاق في “الجرف الصامد” ارتجالياً بصورة كبيرة. من الصعب تصديق ذلك، لكن القوات العسكرية لم تتدرب على كيفية القتال داخل الأنفاق.

•وحتى أثناء عملية “الجرف الصامد” كان الجهد الأكبر ضد الأنقاق تكنولوجياً. وعلى الرغم من الجهد الكبير، فإن عشرات المخططات لإحباط المنظومة الموجودة تحت الأرض منيت بفشل ذريع. في سنة 2011 أعلن مدير تطوير وسائل القتال والبنى التحتية التكنولوجية في وزارة الدفاع خطة طوارئ، وفي سنة 2012 أعلنت مناقصة لهذه المشروع. والتكنولوجيا التي فازت في المناقصة كانت تستند إلى فكرة تحدث عنها قبل سنوات الرئيس الراحل شمعون بيرس. لكن المشروع فشل حتى بعد “الجرف الصامد”. وحتى بعد أن جرى رفع الجهد التكنولوجي إلى حده الأقصى الممكن، فليس في إمكان التكنولوجيا تقديم حلول سحرية.

•على خلفية الخوف من تقرير مراقب الدولة، فإنه يمكن رؤية أن قرار البدء ببناء جدار من الباطون تحت الأرض بين إسرائيل وغزة اتُخذ في الفترة الأخيرة من دون نقاش معمق، ويمكن رؤيته تصرفاً هستيرياً تقريباً. وعلى الرغم من أن التجربة على الأرض التي بدأت محدودة كي تكون ناجحة، فإن الخطة كلها تبدو فكرة غير عقلانية: إن تكلفة بناء جدار من هذا النوع على طول 60 كيلومتراً يمكن أن تبلغ مئات مليارات الشيكلات. ومدة البناء ستستمر سنوات طويلة، وفي النهاية يمكن خرق الجدار بواسطة أدوات ميكانيكية هندسية.

•تدل تجربة الماضي على أن تقرير مراقب الدولة سيشير إلى شخصيات مسؤولة أكثر من غيرها عن التقصير. وإذا لم يفعل المراقب ذلك، فالإعلام سيبحث عن إدانات، وقد برز اسما رئيس الأركان السابق اللواء بيني غانتس، ورئيس شعبة الاستخبارات السابق اللواء أفيف كوخافي الذي يتولى اليوم قيادة المنطقة الشمالية، في وسائل الإعلام. كما طرح سؤال بقوة وهو: ماذا عرف الطاقم الوزاري المصغر وماذا لم يعرف؟، ومن المنتظر أن يدور جدل سياسي قوي في هذا الشأن أيضاً.

•إن التركيز على الاتهامات الشخصية هو بالتأكيد خطأ – تماماً مثل الأخطاء التي ارتكبتها لجنة أغرانات بعد حرب الغفران [حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973]. إن مشكلة أداء الطاقم الوزاري المصغر وإدارته المشوبة بالخلل في مواجهة المستوى العسكري، أعمق بكثير من السؤال الذي قد يطرح في هذا الشأن: “من هم الوزراء الذين عرفوا بتهديد الأنفاق؟”.

•إن الإخفاق البنيوي ومرض الذاكرة القصيرة للجيش الإسرائيلي سيكبداننا أثماناً في المعارك المقبلة أيضاً. وإذا كان من الصعب إثبات ذلك قبل فوات الأوان، فإن هذا واضح تماماً من الأمور التي كتبتها مسبقاً.

المصدر: مجلة ISRAEL DEFENSE، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الدول العربية وقطر- حان وقت الحساب

بقلم: أيال زيسر – باحث إسرائيلي في معهد دايان لدرسات الشرق الأوسط وأفريقيا — •قرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *