الرئيسية / آراء / اللغة .. وجدوى الإحياء

اللغة .. وجدوى الإحياء

بقلم: علا الجبر* — إذا أردنا تعريفاً بسيطاً للغة، سيتبادر إلى الذهن في البداية أن اللغة هي وسيلة تواصل بين البشر، هذا ما هو متعارف عليه.
ولكن إذا عدنا قليلاً إلى الوراء، إلى عصر الإمبراطوريات تحديداً، نجد أن اللغة لم تكن مجرد وسيلة تواصل بين الناس، وإنما كانت وسيلة هيمنة أيضاً، وذلك لأنها أداة تعبير فكري وثقافي وحضاري، كما تحمل هوية شعب كامل. ولهذا كانت أولى ممارسات الاستعمار، إلغاء اللغة الأصلية للبلاد، وفرض لغته، التي تعني فرض هويته وثقافته، وإلغاء الذات الأصلية للشعوب.
إن عمليات تشويه الهوية أغلبها، قام بها الاستعمار عن طريق اللغة، سواء أكان من خلال التعليم، أم من خلال نشر فن الرواية، الذي ساند الإمبريالية في نشر ثقافتها، وهذا ما أكد عليه جميع نقاد ما بعد الاستعمار. فالأدب المكتوب بلغة المركز، والذي تمتع بصفة النخبوية، كان من أكبر العوامل التي أسست للفكر الاستعماري، ورسخته في وعي الشعوب المستعمَرة. وعليه كانت اللغة من أهم عناصر تشكيل الذات عند الشعوب.
ولاحقاً جاءت صيحات العدمية مع الناقد جاك دريدا الذي نادى بانفصال الدال عن المدلول وهي نظرية مختصرها أن اللغة فقدت قيمتها كهوية، وهذا ما جعل الناقد ونظريته محط انتقاد وهجوم معظم النقاد، وعدّوا نظريته هجوماً على المشروع الإنساني بأسره.
ربما كانت نظريات دريدا سابقة لآوانها، أو ربما كانت تنبؤاَ لما نعيشه اليوم من تطور تقني وإلكتروني، أفقد اللغة قوتها في التعبير عن الهوية والذات ودخلت اللغة في حالة من الضمور أمام انتشار اللغة الإكترونية والتقنية. ولم يعد هذا العصر عصر لغة أو كلمة مع انتشار مواقع التواصل الافتراضية، فأداة التعبير قد تكون صورة، أو إيموشن، أو حتى كلمة، ولكن من دون أن تحمل تعقيدات اللغة، هذا في العالم الافتراضي. أما في واقعنا الحقيقي، لم يعد للكلمة الكثير من التأثير، بل فقدت قيمتها كأداة للتعبير أمام الأسلحة والدماء.
لم تعد ثقافة أي شعب مرتبطة بلغته، أو أصالة هذه اللغة. فشعوب كثيرة استطاعت التخلص من كون اللغة محدداً لهوية ثقافتها، واستطاعت نقل ثقافتها إلى العالمية رغم أنها عانت من ممارسات الاستعمار على لغتها وثقافتها، مثل الهند، التي استطاعت إيصال ثقافتها عبر الشاشات رغم أن لغتها مزيج بين اللغة الأصلية والإنكليزية، بل وغالباً ما تصل مدبلجة. وكذلك اليابان رغم أن لغتها من الدرجة الثانية في التصنيف كونها تعتمد على المقطع الصوتي لا الحرف إلا أنها أوصلت ثقافتها إلى العالمية عبر العلم والاختراعات، لا اللغة.
أما نحن العرب فلا نزال نقول لا يجب أن تقول (يعتبر) بل قل (يعد) لأن الاعتبار من العبرة وهي الدمع. ولا نزال نعقد اجتماعات تحت عنوان الأخطاء الشائعة…
في ظل انتشار اللغة الإلكترونية والتقنية، أما آن الأوان لأن تتحلل اللغة العربية من قواعدها الصارمة، والتي تعيق تطورها ووصولها إلى العالمية؟
*كاتبة سورية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.