الرئيسية / آراء / الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة

الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة

د. جورج جبور * —

اولا: مقدمة:
أشكر مؤسسة القدس لدعوتي الى الكلام بمناسبة ذكرى يوم خالد في التاريخ الفلسطيني الا وهو يوم الارض . تمتلئ المفكرة الفلسطينية بذكريات الايام الخالدة ، ومن عادة المتكلمين في المناسبات الفلسطينية اعلاء شأن المناسبة التي يتكلمون عنها. لن أشذ عن هذه القاعدة ولكتنني سأستثمرها في محاولة الوصول الى نتيجة سعيدة لانشغال فلسطيني عالق منذ زمن بعيد. من هنا كان العنوان المتحدي: الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة.
الا انني قبل ذلك سأبدا بالقاء ضوء على كلمة الارض قبل يوم الارض، ثم انتقل الى بحث عنوان هذه الكلمة ، واختمها بتوصية رئيسة مركزة قابلة للتنفيذ المباشر . اما الختام فسيكون بأفكار اخرى من وحي مناسبتين قادمتين قريبا هما مؤتمر القمة العربي وسبعون عاما على يوم النكبة.
ثانيا: الأرض قبل يوم الأرض عام 1976:
لغيري ان يؤرخ للانشغال بالارض عند الفلسطينيين . الا ان عندي قليل اقوله هنا من خبرة شخصية تعود الى عامي 1971 و 1972 وربما الى ما بعدهما. أنشا المناضلون الفلسطينيون في ” اسرائيل” من ذوي الانتماء القومي العربي، في النصف الثاني من الخمسينات ، زمن الوعود العربية الباذخة، حركة اسمها “حركة الأرض” . التقيت بواحد من اركان تلك الحركة — وربما كان الشخص الاول فيها – خلال مؤتمر عقد في الكويت ( شباط 1971) ، هو المناضل الاستاذ حبيب قهوجي . لا اذكر التفاصيل ولكنني اعلم انني تحدثت باعجاب عن المناضل قهوجي الى من كنت اعمل معه في تلك الايام . وبنتيجة جهود متنوعة من جهات متعددة ولدت في دمشق مؤسسة الارض للدراسات الفلسطينية.
وحديثي اليوم عن مؤسسة الارض يفرض علي ذكر امر لا بد من ذكره وقد بلغت اواخر العقد الثامن. حاولت جهدي آنذاك، من موقعي الرسمي مديرا في رئاسة الجمهورية ، ان ترتبط المؤسسة بجامعة دمشق أو ان تكون هيئة مستقلة قائمة بذاتها. بل وكان لدي ميل الى الاعتقاد بان انشاءها انما كان، في جزء منه على الاقل، استجابة على نحو ما الى ما كنت وما ازال انادي به من ضرورة انشاء مؤسسة لدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن . بل وحاولت ان ادفعها لكي تسير في ذلك الاتجاه. اكتفي بما سبق ولغيري ان يؤرخ ويبحث عن الوثائق والدقائق ، كما قلت قبل قليل. ورحم الله المناضل حبيب قهوجي الباحث المؤسس.
وحديثي اليوم عن المؤسسة يفرض علي ان استغرب عدم دعوة مؤسسة تحمل اسم مؤسسة الارض للكلام في يوم الارض. واذ ارسل هذه الكلمة قبل ايام من انعقاد ندوتنا فانني واثق من ان مسؤولي مؤسستنا سوف يتداركون الامر.
ثالثا: الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة، فلتكن جامعة دمشق:
الاستعمار الاستيطاني ظاهرة قديمة . كانت ، في معظم الأحيان، شائعة ومقبولة بل ومشروعة في القانون الدولي التقليدي . ربما ان الاهتمام الانساني بالشعوب المستوطن عليها ، اي التي انتزعت منها ارضها ونحن نحتفي بيوم الارض، انما ابتدأ مع بعض رجال الكنيسة بعد اعوام طويلة من اكتشاف العالم الجديد ، الا ان هذا الاهتمام الانساني بالشعوب المستوطن عليها لم يتبلور في القانون الدولي الا مؤخرا . واسارع الى القول ان قمة هذا الاهتمام انما تتجلى الآن ، في القانون الدولي، بالقرار 2334 الصادر عن مجلس الامن في 23 كانون الاول 2016.
هل الاستعمار الاستيطاني ظاهرة ام مفهوم ام علم؟ لا ضرورة للدخول في معارك التعاريف . هي معارك لا بد منها من جهة، ولا نهاية مقبولة لها من قبل الذين يحتكمون اليها، من جهة اخرى. من الشائع الحديث عن الاستعمار الاستيطاني بوصفه ظاهرة. قد يرتقى به الى درجة وصفه بانه ” مفهوم”. الا انني اود الارتقاء به الى مرتبة العلم، وباستطاعتي الدفاع عما اراه ، مستندا اساسا الى الهشاشة العلمية لما يعرف بالعلوم الاجتماعية. واقول ببساطة ان لعلم الاستعمار الاستيطاني قواما علميا يتفوق على ما لعلم الانثروبولوجيا من قوام علمي. وقد تبنيت هذا التعبير عربيا عام 1972 ، في محاضرة حاشدة دعتني اليها نقابة المحامين السورية، كما سنحت فرصة اشهار التعبير عالميا في شباط 1976 في محاضرة شفهية بجامعة كيمبردج البريطانية ، ثم في نيسان 2002 في محاضرة مكتوبة ومنشورة ضمن مؤتمر حافل عقده مركز العودة الفلسطيني في لندن . كان التجاوب مرضيا لمتكلمي الانجليزية في محاضرتي بلاد الضباب .
ولأذكر ما لكلمة “علم” من فائدة. توحي الكلمة بنوع من الحتمية في المآل ، وهذ امر مفيد للنضال الفلسطيني.
من يتعهد هذا العلم؟ من تباشيره ما نصت عليه المادة 11 من دستور البعث العربي . ثم من تباشيره ما اهتمت به دوائر كثيرة ، سياسية وعلمية، بمناسبة ثورة الجزائر في الخمسينات. كذلك تحفل بتعبير الاستعمار الاستيطاني ادبيات البعث السياسية.
وفي عام 1971 تبنى الرئيس حافظ الاسد مشروعا موجها الى جامعة الدول العربية لانشاء مؤسسة بحثية تعنى بدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن في العالم . أنتج التبني كتابا في مجلدين عنوانه” الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين” صدر عام 1975، عن معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة التابع للمنظمة العربية للتربية والعلم والثقافة ويقع في ما يزيد عن الف صفحة. لا تبحثوا عنه تحت اسم صاحب المشروع بل تحت اسم مؤلفين مكنا او تمكنا من اقتناصه هما الزميلان الاستاذ السيد يس والدكتور علي الدين هلال. وفي ايضاح مكتوب منشور القى الثاني منهما باللوم على رئيس المعهد . المجلدان خطوة ضالة في معظمها. لم تنفق الحكومة السورية قرشا واحدا على المشروع، ولم تبذل ما ينبغي من جهد علمي – دبلوماسي للنهوض به، ولو فعلت لكان من الممكن للمنتج ان يكون خطوة على صراط مستقيم .
ثم في عام 1984 ، وضمن نشوة عامة ابتدأت في آذار 1984 بالنجاح في اقناع الحكومة اللبنانية بالغاء اتفاق 17 ايار 19983 ، أعاد الرئيس حافظ الاسد التاكيد على ضرورة الاهتمام بدراسات الاستعمار الاستيطاني. فلنستمع اليه يقول في كلمة وجهها الى مؤتمر التضامن العربي مع النضال التحرري في الجنوب الافريقي ( تونس آب 1984) :
يستدعي العمل المشترك منا جميعا مواقف محددة تترجم الى اعمال لانقاذ المنطقتين الافريقية والعربية خاصة ، والبشرية عامة، من آفة العنصرية . أحد جوانب هذا العمل المشترك هو ان نعمق بالدراسة ، وعبر مؤسسة مناسبة، معرفتنا بالاستعمار الاستيطاني في المنطقتين العربية والافريقية. ” ( الجرائد السورية في 8 – 8 – 1984)
لم تكن صدفة وضع تعبير” عبر مؤسسة مناسبة”. هي المؤسسة التي تبنى مشروع انشائها الرئيس حافظ الاسد عام 1971 ولم ينتج عنها الا كتاب الخطوة الضالة.
هل نجحت الجهود لانشاء ” المؤسسة المناسبة” التي اتت بها كلمة الرئيس السوري عام 1984؟ كلا. شاركت في دفن الجهود امور كثيرة . وكان للجنة اللثقافية في مجلس الوزراء السوري دور تثبيت المسمار الاخير في نعش مشروع علمي نافع. ولمزيد من التفصيل عن المسمار الاخير يمكن الرجوع الى كتاب صاحب هذه الاسطر بعنوان:”مذكرات الى رئيس مجلس الوزراء السوري: 1989 ” ( دمشق ، 2017 ، الصفحات: 45-52).
نحن في يوم جديد.
يطلب منا قرار مجلس الامن 2334 ( 23 – 12 – 2016) ، بشكل غير مباشر طبعا ، الاهتمام باقامة علم الاستعمار الاستيطاني على ارض صلبة ، والاهتمام بتنوير العالم به ، دعما للجهود واجبة البذل ، من اجل تنفيذ قرار واجب التنفيذ ، اجمع عليه العالم ضمن ظرف مؤات. ذلك ما دفعني ، وقد انتهيت من الانشغال بمئوية تصريح بلفور مع نهاية عام 2017، الى كتابة بحث عن مستقبل اسرائيل في ضوء علم الاستعمار الاستيطاني ، وفد نشرت جريدة البعث ( 20- 3 – 2018) خلاصة وافية عنه. واذ اذكر تصريح بلفور فانني اتوجه بالشكر الى الرابطة السورية للامم المتحدة التي كان لها الفضل الاكبر في التنبيه الى اهمية المئوية بدءا من عام 2007، على نحو ما شهد به عدد من متكلمي هذه المؤسسة في مناسبات عدة.
يطلب منا احترامنا لانفسنا علميا ان ننهض نحن بهذا العلم . ما كان ينبغي علينا ان نترك تطوير هذا العلم والاعتماد على نتائجه الى لجنة خبراء انشاتها الايسكوا فاصدرت تقريرا نشرته الامينة التنفيذية لايسكوا فاجبرها الامين العام للامم المتحدة على الاستقالة . أحيي الدكتورة ريما خلف ، كما احيي رئيس لجنة الخبراء ، الصديق عن بعد الدكتور ريتشارد فولك، وكنت تبينت منذ عام 1964 حسه العدالي السليم. ختمت محاضرة عام 1972 بما اكرره قبل ختام هذه الجزئية من كلمتي اليوم:
” هذا الاطار النظري المقترح المتمثل في مفهوم الاستعمار الاستيطاني ، المفيد لنا من جهة، والمستحق علميا من جهة ثانية، لن يكون فحسب ذا فائدة لنا كعرب ، بل سيكون ايضا ذا فائدة للشعوب الافريقية ولمجمل الشعوب الصاعدة وللبشرية التقدمية . وفي الجهد لتطوير هذا الاطار النظري لن يكون بوسعنا — كما يحلو لكثير من مفكرينا – ان نتتلمذ على أحد. لن يكون بوسعنا ان نتلقى علم الاستعمار الاستيطاني عن أحد. فليس ثمة من جامعة غربية او عالمية ، تدرسه وتدرسه. انه رهاننا. جهد تطوير هذا الاطار النظري يقع علينا اذ نحن اصحاب المصلحة فيه. وقد يكون لهذا الجهد، اذا بذلناه، فضل آخر هو فضل استعادتنا لثقتنا بقدؤتنا العلمية ، حين ينتقل بنا بذل الجهد من حيز تلقي العلم عن غيرنا – كما درجنا – الى حيز صناعته بأنفسنا…”. ( مجلة المحامون وليست بين يدي التفاصيل ،والمجلة المصرية للقانون الدولي ، مجلد عام 1971 ص 181- 196)
يبقى ختام هذه الجزئية.
من المناسب لجامعة دمشق احداث مؤسسة خاصة بدراسات علم الاستعمار الاستيطاني المقارن، تعتمد اسلوب الاختصاصات المتداخلة، بما يعنيه ذلك من تعاون كليات العلوم السياسية و الحقوق والآداب والاقتصاد والشريعة .
والتنفيذ فوري.
وهل اجمل من ان يقترن تنفيذ ريادة فكرية بمناسبة احياء ذكرى يوم خالد في ضمير الانسانية ، هو يوم الأرض؟
بالوسع تفصيل القول في ما سبق على ضوء الكثير الذي نشرته عن الاستعمار الاستيطاني على مدى 48 عاما، كما ان بالوسع العودة الى بحث سهل التناول على مسؤولينا الجامعيين ، الذين يمارسون الكسل البيروقراطي في معظم الحالات، دعتني الى القائه ، في ايار عام 2003، وزارة التعليم العالي ضمن مؤتمر عربي لتطوير كليات الحقوق والاقتصاد في الجامعات العربية. نشرت الوزارة البحث وعنوانه:” اقتراح بانشاء مقرر خاص بالستعمار الاستيطاني المقارن في كليات الحقوق العربية” . لم يرد في البحث ذكر لكلية العلوم السياسية لانها كانت ما تزال معهدا حزبيا. وانصح ، في كل حال، بالعودة الى كتابي :” نحو علم عربي للسياسة “، وقد نشرت الطبعة الثالثة منه االادارة السياسية للجيش عام 2010.
رابعا: أفكار في مناسبتين قريبتين — قمة وذكرى:
القمة العربية في 15 نيسان 2018:
لا يستطيع متابع يتحدث يوم 28 – 3 – 2018 اغفال مخاطبة مؤتمر القمة العربي الذي أجل انعقاده من اواخر آذار الى منتصف نيسان. حين اقول ” القمة” استعيد ان فلسطين جمعت قادة العرب عام 1946. واستعيد ان جهدا سوريا لم يؤرخ بدقة هو الذي استدعى القمة ، وان كانت مصر قد دعت اليها. واستعيد ان الجهد السوري المستدعي انما اتى بناء على تقرير لجنة من الامم المتحدة.
أقول بكل بساطة:
اول ما على القمة المقبلة فعله تقديم الاعتذار الى سورية وبذلك تلغي اقصاءها عن الجامعة. يحسن بمؤسستنا مخاطبة نظيراتها في مختلف دول العالم لكي تخاطب القادة العرب منذ هذه اللحظة .
وثاني قراراتها ان يعتبر القادة العرب انفسهم لجنة عمل لتنفيذ القرار 2334.
وثالثها اعلان يوم 2 تشرين الثاني من كل عام يوما عربيا لمناهضة الاستيطان في جهد معنوي لتنفيذ القرار 2334.
ورابعها الطلب الى مجلس الامن بالذات الموافقة على اعتبار الثاني من الشهر الحادي عشر يوما عالميا لمناهضة الاستيطان في جهد معنوي لتنفيذ القرار 2334. وبعد مجلس الامن تتخذ الجمعية العامة الاجراءات المناسبة.
أكتفي بهذا القدر من نصح القمة ، مستذكرا انه يحق لي كمواطن عربي ان اخاطب القمة . كيف لا، وهي التي تخاطبها — كما يقال — الخارجية الامريكية معقبة بشكل تفصيلي على كل بند في جدول الاعمال.
الذكرى السبعون ليوم النكبة:
تتزاحم الأفكارعن سبعين يوم النكبة ونحن في يوم الأرض. . ما العمل؟ هل ادعو الى اعادة قراءة كتابي قسطنطين زريق: معنى النكبة و معنى النكبة مجددا؟
أو الى قراءة مقالي عام 1980 في صدر مجلة المستقبل، الاسبوعية الباريسية المحتجبة ، قبيل قمة عمان وعنوانه: ” لو كنت مكان الشاذلي القليبي وامامي مؤتمر قمة عربي”، وكان قد سر به الرئيس حافظ الأسد؟
أو الى قراءة كتاب ” النار والغضب” ، متوقعا من المؤلف اصدار طبعة مجددة منه ، اثر زيارة الرئيس ترامب الى القدس محتفلا باستيطان السفارة الامريكية ارضا مقدسة خاضعة للاحتلال؟
هيجت أشجاني يا يوم الأرض.
أشكر الهيئة الداعية، واشكر لكم استماعكم ، والسلام عليكم ورحمة الله.

*الكلمة ألقيت في ندوة مؤسسة القدس الدولية (سوريا) بمناسبة يوم الأرض في دمشق، الاربعاء 28 – 3 – 2018 دمشق.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

سامر الفوز

خارج فوضى سوريا، رجل أعمال يبني ثروة

المصدر: وول ستريت جورنال –  ترجمة: د. نسرين زريق —   لقد أدار سامر فوز هذا …

عن شروط بلوغ البنات

بقلم الشيخ محمد عبّاس دهيني  — تمهيد: بلوغ البنات، بالسنّ أو بالنضج شرطيّة البلوغ في …

قضايا الإمامة في الفكر الشيعي محور “نصوص معاصرة”

صدر أخيراً العدد (51) من مجلة نصوص معاصرة. وجاء فيها: 1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.