الرئيسية / آراء / الصراع على الشرق الأوسط واحتمالات الحرب

الصراع على الشرق الأوسط واحتمالات الحرب

بقلم: نورا يوسف* — تعود أسباب الصراع في المنطقة العربية – الإسلامية التي يطلق عليها الغرب تسمية الشرق الأوسط إلى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية لما تملكه من ثروات طبيعية (نفط، غاز، معادن)، ومواقع جغرافية استراتيجية وجغرافيا سياسية بالغة اﻷهمية.
ويمكننا القول إن المحرك اﻷساسي للصراع خلال العقود السبعة الماضية كان النفط حيث تعتبر المنطقة أكثر مناطق العالم ثراء بهذه المادة الاستراتيجية ومن ثم تم اكتشاف كميات هائلة من الغاز فيها لتزداد أهميتها بالنسبة للدول الكبرى التي تسعى إلى فرض هيمنتها على الطاقة والاقتصاد العالمي.
لقد أصبح الشرق اﻷوسط محط اهتمام القوى الدولية المتمثلة بحلف الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة اﻷميركية من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة مقابلة، فضلاً عن صراع القوى الإقليمية (تركيا، إسرائيل، إيران، السعودية، مصر).
فهذه القوى الكبرى أصبحت تبحث عن تحالفات مع قوى إقليمية وتعاون استراتيجي يحقق مصالحها في المنطقة. وقد حرصت الولايات المتحدة بكونها الفاعل الدولي اﻷهم تأثيراً في المنطقة على وضع ضمان أمن إسرائيل وتفوقها اﻹقليمي في أولوياتها، إضافة إلى تأمين استخراج النفط من المنطقة وحرية نقله إلى الغرب والتحكم بسعره.
من هنا، كان حرص واشنطن على ترسيخ العلاقة مع دول الخليج من خلال التواجد المباشر وتأمين الواردات النفطية منها.
أما روسيا فكانت تسعى بكل الوسائل لاستعادة مكانتها في معادلة توازن القوى العالمية، فوضعت قضايا المنطقة لتحقيق هذا الهدف خصوصاً في الملف اﻹيراني، إضافة إلى تدخلها بشكل قوي ومباشر في سوريا. كما حرصت على تعميق القدرات لدول محورية مع تعميق ارتباطها بإيران لإضعاف الهيمنة الأميركية في المنطقة.
إن هذه المتغيرات التي شهدها الشرق اﻷوسط شكلت نقطة هامة في إعادة صياغة مفاهيم السياسة الخارجية للقوى اﻹقليمية الكبرى، وكان أهم نتائجها ارتفاع وتيرة سباق التسلح. فدخلت المنطقة في دوامة الحروب وأصبحت أطراف عدة تخوض حروباً بالوكالة فيها.
لقد فقدت المنطقة العربية اتزانها كنظام إقليمي له سيادة على الجغرافيا السياسية على أثر التدافع اﻹقليمي والتموضع الدولي. وأضحى المشهد حالة من الاصطفاف اﻹقليمي لخدمة سياسة الهيمنة بين اللاعبين الكبار.
وكان لإيران الدور اﻷكثر فاعلية واﻷهم بين القوى اﻹقليمية من إمكاناتها الثورية والأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية ومن خلال قدرتها على مد نفوذها إلى لبنان والعراق وسوريا واليمن، عبر حلفاء لها في هذه الدول، يتقاسمون معها الرؤية نفسها في ممانعة الهيمنة الأميركية ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ومواجهة عملاء أميركا من دول المنطقة، وهو ما اصطلح عليه بتسمية محور المقاومة.
إن الثورة اﻹيرانية كانت قد طرحت بعداً جديداً من منظور استراتيجي إقليمي كانت له أبعاد دولية مؤثرة في سياسات الدول الكبرى. ويمكن القول إن الملف النووي اﻹيراني قد لعب دوراً كبيراً في المواجهات اﻹقليمية والدولية في العقدين الأخيرين. فهو شكّل ذريعة للغرب، وبخاصة أميركا وإسرائيل، لفرض حصار اقتصادي على الجمهورية الإسلامية ومحاولة إضعافها كي تذعن للمطالب الأميركية والإسرائيلية، وأبرزها وقف البرنامج النووي الإيراني، ووقف دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وعدم مواجهة الهيمنة الأميركية في المنطقة.
وكان الملف النووي الإيراني دائماً ولا يزال وسيلة ضغط تعتمدها أميركا بهدف تغيير سلوك إيران سياسياً ومحاصرتها اقتصادياً وتهديدها بضربات عسكرية أو حرب شاملة.
إن إيران تشكل عقبة كبيرة أمام تحقيق المشروع اﻷميركي في السيطرة على الطاقة إضافة إلى أن تمدد نفوذها إلى دول كانت تحت النفوذ الأميركي أو السعودي يحبط بعض المشاريع الأميركية والإسرائيلية، وبخاصة في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، من خلال تسليح وتمويل حركات المقاومة ودعم الأنظمة المعادية لأميركا من سوريا إلى العراق واليمن.
إن أحد اﻷسباب الرئيسية لانسحاب ترامب مؤخراً من اﻹتفاق النووي مع إيران هو السعي لتغيير النظام في إيران واﻹتيان بنظام بديل موالٍ لأميركا، وذلك من خلال فرض العقوبات الاقتصادية على إيران لإضعافها وتقويض اقتصادها ما قد يثير اضطرابات اجتماعية وربما ثورة ضد النظام قد تستغل لإسقاطه.
لقد تدخلت إيران في سوريا بشكل غير مباشر من خلال الدعم السياسي والمالي والإعلامي والتسليحي وبشكل مباشر من خلال تواجد مستشارين وقوات لها على اﻷرض لمساندة النظام السوري في معركته ضد الجماعات التكفيرية والإرهابية المدعومة من دول إقليمية. كما لعب حزب الله، حليف إيران، الدور الأبرز في حماية النظام السوري من السقوط منذ عام 2012، إضافة إلى دور الحركات العراقية والأفغانية والباكستانية الشيعية كقوات رديفة في سوريا.
وبما أن سوريا أصبحت على قاب قوسين أو أدنى من اﻹنتصار على الجماعات التكفيرية وداعميها، فإن ذلك يجعل أميركا وإسرائيل تسعيان إلى تغيير قواعد اللعبة، مرة من خلال العدوان المستمر على مواقع سورية وإيرانية ولحزب الله في الأراضي السورية، ومرة أخرى بنشر قواعد أميركية في شرق سوريا، ودعم قوات كردية ومعارضة سورية لفرض أمر واقع جديد ومحاولة ملء الفراغ الذي تركته هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق.
ويأتي الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض العقوبات على إيران وفرض عقوبات جديدة عليها والضغط على شركات أوروبية وعالمية لوقف التعامل مع إيران تحت تهديد فرض عقوبات عليها، كل ذلك لإضعاف إيران وإشغالها كي لا تملأ فراغ سقوط “داعش” والانسحاب الأميركي المتوقع من المنطقة.
كل هذا أدى إلى محاولة إسرائيل منذ فترة إلى جر العالم إلى حرب مع إيران لتضع آلية دولية إقليمية وتضييق الخناق على النظام السياسي اﻹيراني كي لا تكون إيران مع حلفائها قوة عسكرية قادرة على تغيير المعادلات.
وعليه، تبقى احتمالات الحرب مفتوحة بين محور المقاومة بقيادة طهران، وإسرائيل بدعم أميركي وخليجي عربي، ويبدو أن الطرفين يستعدان لكل السيناريوهات.
وينتظر الجميع الضوء الأخضر للحرب من كل من أميركا وروسيا. وهذا يتوقف على علاقة موسكو بطهران فإذا ساءت العلاقة كثيراً، جينها قد ترفع روسيا إبطها وتسمح لأميركا وإسرائيل باستهداف إيران وحلفائها في سوريا.

*كاتبة سورية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

إسرائيل .. عدوان لدود للطفولة الفلسطينية

بقلم: د.فياض الفياض — في اربعينيات القرن الماضي كنا اطفالا صغارا نلعب على بيادر القرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *