الرئيسية / آراء / معركة الجنوب والصراع الدولى على سوريا

معركة الجنوب والصراع الدولى على سوريا

بقلم: عبد الله أحمد* — قد يكون توصيف ما يحدث في المنطقة على أنه صراع استراتيجي ما بين القوى الإقليمية والعظمى، حيث تشكل هذه المنطقة معضلة استراتيجية تختصر التعارض الحاد في الرؤى والأهداف الجيوسياسية. وكلما ظهرت مؤشرات للحل والتوازن الاقليمي والدولي تظهر معضلات جديدة وكأننا في متاهة استراتيجية. فالحسابات وإن تقاطعت أو تلاقت تارة، الا أن التنافر يعود وتختفي ملامح الطريق، ليعود الصراع من جديد بأشكال وأساليب مختلفة.
من الواضح أن دمشق وموسكو لا تزالان عازمتين على تحقيق انتصار عسكري في بقية أنحاء سوريا بعد الانتصار الكبير في مناطق مختلفة وبالأخص في دمشق وريفها، وهذا ما أتاح لمحور سوريا فائض قوة من أجل تحرير ما تبقى من الأرض السورية.
تدرك الولايات المتحدة أن هذا السيناريو لا يمكن أن يمنعه سوى التعاون بين الولايات المتحدة وتركيا، بالتوازي مع العودة الى أساليب التضليل والخداع من أجل كسب الوقت وتحضير البيئة الإقليمية لعرقلة هذا السيناريو المحتمل.
ومن هنا، يجري التركيز على الجنوب السوري والترويج لتفاهمات حول مصير تلك المنطقة بالتزامن مع محاولة لتمرير المشروع الأميركي – التركي في شرق وشمال سوريا، حيث يضغط الجانبان الإسرائيلي والأميركي على روسيا، باستخدام ورقة تواجد قوات إيرانية وحزب الله التي يتم تضخيمها من أجل عرقلة أي عملية للجيش السوري في الجنوب.
لغة التهديد، بالتزامن مع المناورات السياسية تشير الى عدم نية الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من سوريا. على العكس من ذلك فهي تسعى الى تكريس الأمر الواقع في الشرق والشمال السوريين بالاعتماد على الأتراك. كما أنها سوف تعتمد على إسرائيل والى حد ما على الأردن (الأحداث الاخيرة في الأردن قد تقلب الحسابات الأميركية )من أجل عرقلة تحرير درعا والجنوب السوري. فواشنطن تسعى إلى كسب الوقت والمناورة السياسية والعسكرية ريثما يتم ترتيب الأوضاع في العراق والأردن وإعادة تدوير المجموعات الإرهابية لاستهداف الجيش السوري من جديد.
وقد جرت محادثات تركية – أميركية في الرابع من حزيران/يونيو في واشنطن. وبعد الاجتماع، غرّد وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قائلاً إنه اتفق مع نظيره الأميركي مايك بومبيو على خارطة طريق في منبج، وأطلع المراسلين في وقت لاحق عن المزيد من التفاصيل حول “النتائج الملموسة” المنبثقة عن القمة “المثمرة والناجحة”.
ووفقاً لمصادر أميركية وتركية مختلفة، تشمل الخطة بدء «حزب الاتحاد الديمقراطي» في التراجع عبر نهر الفرات، ربما خلال تسعين يوماً إذا سمحت الظروف ذلك. وسوف تتولى القوات الأميركية والتركية عمليات الدوريات في المنطقة، وتعمل مع أجهزة الأمن والحكم المحلية. وهذه الخطة هي الخطوة الأولى وإشارة إلى بدء تنفيذ المشروع الأميركي التركي في شرق شمال سوريا. وتتمثّل الفكرة في الضغط المشترك على سوريا وإيران، ومن ثم على روسيا لقبول حل سياسي من خلال عملية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، وهو هدف تركي مهم طويل الأجل توافق عليه الولايات المتحدة،.
وعندما يتحدث المسؤولون الأتراك بشكلٍ عام عن “الضغط” على معسكر سوريا، فإن ما يقصدونه عادةً هو احتلال القوات التركية والأميركية لشمال سوريا بشكلٍ شبه تام تقريباً، وهي المنطقة التي تضم أكثر من 40 في المائة من أراضي البلاد، وعشرات الآلاف من حلفاء تركيا المحليين المسلحين تسليحاً جيداً.
لكن إلى حين بدء تطبيق هذه الخطط بشكل فعلي، شعرت تركيا بأنها ملزَمة بالانخراط مع روسيا وإيران بشأن فض النزاع العسكري بشكلٍ محدود في سوريا، ويشمل ذلك إلى حد بعيد ما فعلته القوات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مع موسكو. ومع ذلك، يبدو أن الأتراك يعتقدون أن “دمشق وطهران لا تزالان عازمتين على تحقيق انتصار عسكري في بقية أنحاء سوريا – وهو سيناريو لا يمكن أن يمنعه سوى التعاون بين الولايات المتحدة وتركيا”.
ومن هنا تمكن أهمية تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد بأن المشكلة الأساسية هي مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأنه لا بد من تحرير شرق سوريا سلماً أو حرباً، وتصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم بأن أي اتفاق لا يمكن أن يتم إلا بتفكيك قاعدة التنف وسحب قوات الاحتلال الأميركي منها. وهذا يعني أن القرار الاستراتيجي قد أتخذ لتحرير جميع المناطق السورية، وما يعني ذلك من حسابات دقيقة في المواجهة المرتقبة على المستوى العسكري والسياسي.
الأحداث الأخيرة في الأردن تشير الى خلل في موازين القوى لصالح سوريا وحلفائها، حيث أن الانتفاضة الشعبية في الأردن هي دعوة ليست فقط لتغيير السياسات الداخلية التي يعاني منها الشعب الأردني، واننما هي تعبير عن رفض الشعب الأردني لسياسات حكومته المدمرة وبخاصة مستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني ومشروع “صفقة القرن” لتصفية القضية الفلسطينية والتهويد الكامل للقدس.
تدرك سوريا وحلفاؤها أنه لا بد من فرض واقع جديد وتحرير درعا وريف القنيطرة ومواجهة التهديد الأميركي والإسرائيلي بتهديد مماثل، وعدم تمكين واشنطن من الرهان على كسب الوقت، والتفرغ ليس فقط لمواجه المشاريع الأميركية – التركية في الشرق والشمال السوريين، وإنما لتداعيات التطورات الدراماتيكية المحتملة في العراق والأردن.

*باحث سوري

الآراء الواردة في المقالة تعبّر عن رأي الكاتب. ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هل يدمر ترامب حلف الناتو؟

ينظر الحلفاء بخوف إلى قمة الناتو هذا الأسبوع مع استمرار الرئيس ترامب في حملته لتقويض …

عن المصالحة بين القوميين والإسلاميين

بقلم توفيق شومان — طوال العقود الماضية ، أظهر المناخ السياسي والفكري العربي ، وجود …

تساؤلات حول الهوية الدينية للعلم والمعرفة

د. عبدالجبار الرفاعي — اكتشافُ هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة كان وما زال أحدُ الأحلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.