الرئيسية / دراسات / مساهمة الاستشراق الانغلو أميركي في صعود دراسة المناطق

مساهمة الاستشراق الانغلو أميركي في صعود دراسة المناطق

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: عبد الفتاح نعوم* —

 

مقدمة:

لا تهدف هذه الدراسة إلى بحث موضوع الإستشراق وإن على نحو نقدي، نظرا لأن الموضوع تم استهلاكه على مدار القرن الماضي انطلاقا من الزاوية النقدية، سواء من لدن مستشرقين وجدوا في تسمية الحقل واستخداماته مدعاة للنقد، أو من لدن مفكرين عرب بصرف النظر عن خلفياتهم المنهجية والإيديولوجية، علاوة على ما يعرف بالردود السجالية على الإستشراق التي حفلت بها كتب الدارسين. ولكن الهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على تحول هام سيعرفه الحقل بعد الحرب العالمية الثانية، و للأسف لم يفرد له حتى الباحثون الكبار الذين أسهموا بشكل كبير في نقد الإستشراق سوى بضع اسطر أو فقرات في أحسن الأحوال من مؤلفاتهم الضخمة[1]. لذلك تزعم هذه الدراسة أنها تطرق إشكالا جديدا، وتدقق فيه على نحو يربط بين المستويات التي لا تجد ربطا في مؤلفات محترمة ومؤسسة وضخمة، لكن لا يطعن فيها مطلقا أن أصحابها قاربوا الموضوع من زوايا محكومة بتكويناتهم المفعمة غالبا بالميل الفلسفي أو الأدبي.

بداية لا ضير إن عرجنا على دلالة الألفاظ، للوقوف على ما هو جوهري فيها، وما هو مؤثر في الانتقالات[2] التي سيعرفها الحقل فيما بعد. فلفظة الإستشراق تتصل بالجذر اللغوي “شرق”، وبإضافة أحرف الطلب،  تصبح دالة على كل من أدخل نفسه في أهل الشرق، وصار منهم، وطلب لغاتهم و آدابهم وعلومهم. وهذا التحديد قال به كل من معجم لاروس وقاموس أكسفورد، وكان أول استخدام للكلمة سنة 1630، حيث أطلق على احد أعضاء الكنيسة الشرقية[3]. وقد عرفت الانجليزية مصطلح مستشرق لأول مرة سنة 1779، وعرفته الفرنسية كذلك في سنة 1779، وأضيف بعدها مصطلح إستشراق إلى معجم الأكاديمية الفرنسية سنة 1838[4].

فالكلمة مستمدة من المعنى الذي يحيل على شروق الشمس، وذلك يثير إشكالية دواعي تسمية موقع جغرافي معين. فمن الناحية الجغرافية  تحكمت مركزية حوض البحر الأبيض المتوسط في فترات تاريخية معينة  في نحث الجغرافيا، بشكل  جعل شرقه شرقا وغربه غربا. كما أن المرحلة التي تلتها اتسمت بانتقال مركز القوة إلى أوروبا الغربية، مما زاد من تقوية هذا التصور حول “كينونة الشرق”، والتي ارتبطت بتصورات سادت لفترات طويلة[5]. ويذهب البعض إلى اعتبار هذا الشرق هو البلدان الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط  قبل الفتوحات الإسلامية، وبعدها  سيشمل الشرق كلا من مصر وشمال إفريقيا [6]، وقد استقر الرأي في دائرة معارف العالم على أن الشرق يطلق على الأقطار والجزر الأسيوية، وفي بعض الأحيان يطلق على القسم الغربي من آسيا التي تسمى أيضا شرقا أدنى[7].

يرى هشام جعيط أن البيئة الفكرية التي تهيأت في القرن الثاني عشر الميلادي ثم توسعت وتدفقت في القرن الثالث عشر والرابع عشر، لتمتد حتى القرن الثامن عشر، انطلقت من عداء شديد “للنبوة المحمدية الكاذبة”. وكان الاعتقاد ساريا حول كون نبي الإسلام هو السبب في إيقاف تدفق المسيحية الإنساني  “بنبوءته الكاذبة” تلك[8]، وعلاوة على أن اغلب الباحثين يذهبون إلى أن ظهور الإستشراق كان هدفه الرئيسي هو محاربة الإسلام والنيل منه[9]، فقد كان دخول المسلمين إلى اسبانيا وصقلية في العصر الوسيط هو الذي دفع “الغرب” إلى وجوب دراسة الدعوة الإسلامية [10].

لقد انطبعت العلاقة بين الشرق ممثلا في المسلمين والغرب المسيحي  بالصراع منذ نشوء تلك العلاقة، فمن زحف المسلمين على مناطق غربية تلاها توقف هذا الزحف، ليعقب ذلك موجة من الزحف المضاد من الغرب على الشرق بدءا باسبانيا، وتتويج الزحف الغربي بهجمات الغرب على الشرق إبان الحروب الصليبية.  وخلال هذه المرحلة لم تكن كتابات المستشرقين عملا علميا بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما كانت سلاحا للدعاية الحربية، لدرجة اتسمت معها كتابات القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين بالتهور والاندفاع، و جاءت في هذا الصدد محاولة القس بيتر دوفينيربال الرامية إلى مهاجمة المسلمين ولوم المسيحيين على مهادنتهم، وقام بحت المسيحيين على تبني العنف ضد المسلمين، كما قام بحركة نشيطة لترجمة القران إلى اللغة اللاتينية[11]. وفي منتصف القرن الثاني عشر ستصدر أربع ترجمات للقران، ومقدمة بقلم القس بيتر، وكتب أيضا ترجمة لحياة النبي  ولتاريخ الخلفاء حتى اليزيد  ومقتل الحسين[12]، و يشار إلى أن أول ترجمة للقران ستظهر سنة 1143، وقد نسبت هذه الترجمة إلى الأب بطرس المولود سنـة 1092 والمـتوفي سنــة (1157)[13].

يرى ادوارد سعيد – احد أهم منتقدي خطاب الإستشراق-  أن “المصطلح” كفعل إبيستيمي ظل غائما ونسبيا، لكونه يتضمن موقفا تنفيذيا للاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وحتى إن لم يعد كما كان، فإنه ظل حاضرا في الجامعات والأكاديميات الغربية كخزان للذهنيات وللأطروحات المذهبية عن الشرق والشرقي[14]، إن هذا الإنشاء الذي ارتبط بفترة الحداثة في أوروبا، سيتعمق كثيرا في مرحلة ما بعد الحداثة، بحيث سيُقدم العالم الالكتروني تعزيزا للنماذج المُنمطة التي ينمط بها الغربُ الشرق. فقد دفع التلفاز والأفلام المعلومات إلى قوالب أكثر نمذجة فيما يتعلق بالشرق طبعا، وحسب ادوارد هناك ثلاث أشياء جعلت أبسط التصورات عن الشرق مُسيسة إلى حد بعيد، وهي : 1- تاريخ التحيز الشعبي ضد العرب والإسلام في الغرب، 2- الصراع بين العرب والصهيونية، 3- غياب أي فرصة للتوحد الهوياتي الغربي/العربي الإسلامي. فالشرق الأدنى موحد بسياسات القوى العظمى لأنه يضم اليهود المحبين للسلام والعرب الأشرار الإرهابيين!![15].

ولذلك حينما انفرط عقد الإستشراق، وتناسلت بُنى دراسات المناطق في العالم الأورو– أمريكي، جرى دراسة معظم مناطق آسيا على نحو يغفل هوياتها، أو يَنظر إليها بما لا ينسج مع جوهرها، فدرجت تلك الدراسات على تقسيم آسيا إلى مناطق بصرف النظر عن هوياتها، رغم أن هذا الاعتبار هو احد أهم موضوعات الأنثروبولوجيا، والتي تعتبر رافعة مهمة في الدراسات المناطقية، وهذا ربما هو ما يفسر دور الفكر الإستراتيجي في توليد ذلك النوع من الدراسات كما سيجري توضيحه. بل إن طبيعة المنطقة الهوياتية التي اشتغل عليها الإستشراق، والتي يمكن اعتبارها طبيعة تعددية من حيث هوياتها الفرعية، وجدت أمام صعود المد الشيوعي في العالم، والمد الناصري وباقي التيارات القومية في فترة الخمسينيات والستينيات، وجدت سبيلا إلى القضاء على تأثيرها لصالح صعود هوية جامعة.

التصور العام ومقاربة الدراسة:

نسجل من خلال ما سبق ملاحظتين أساسيتين، نستعملهما كقاعدة لإطلاق فرضيتين، من أجل التحقق منهما خلال هذه الدراسة. فالإستشراق انطلق من خلفيات فكرية، ساهمت في صياغتها جملة من التمثلات عن الشرق بما فيها اختلاق الشرق نفسه، وهذه الخلفيات الفكرية استمرت حاضرة بقوة وبصيغ جديدة في القوالب الأكاديمية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن الالتقاء الأزلي المتفاعل بين السلطة – بذراعيها الاقتصادي والسياسي- وبين المعرفة، هو الذي تحكم في المشاريع الأكاديمية الضخمة التي سيتم الحديث عنها من خلال هذا البحث، والتي تُترجم الالتقاء والترابط الجدلي السالف الذكر.

أغلب الدراسات النقدية التي تناولت الإستشراق، لم تركز كثيرا على امتداداته الأكاديمية، وما تترجمه تلك الامتدادات من أجندات سياسية تخفي وراءها مصالح اقتصادية ضخمة للدول التي أدارت واحتضنت ودعمت ووجهت ما صار يعرف بدراسات المناطق. لذلك سنتبع في هذه الدراسة مقاربة متعددة المستويات، تربط الأساس الإيديولوجي (الأفكار)، الذي يشمل الوعي الذي نسجته كتابات الإستشراق ومترتباته، والمستوى السياسي (الأجندات و المخططات)، المرتبط بأشكال التعاطي المعاصر مع الجغرافيات المصطنعة بعد الحرب العالمية الثانية، والمستوى الاقتصادي (المصالح)، المرتبط بما تمثله مصالح الاحتكارات المالية والصناعية الضخمة، والتي غالبا هي من يملك اكبر النفوذ على صانع السياسة في العالم المدروس.

كما أن الفريد عندنا في هذه الدراسة، هو أننا نقوم بالربط بين ما يتعلق بالإستشراق والتصورات التي نسجها حول “الشرق”، وبين الدور الذي قام به الفكر الاستراتيجي في القرن العشرين، بحيث سيُسهم هذا الأخير في التمهيد للتطورات التي سيعرفها حقل الإستشراق، ويَحدث الالتقاء بعد الحرب العالمية الثانية، بين خلاصات ما وصل إليه الفكر الاستراتيجي، في إعادة صياغته للجغرافيا (ظهور مفهوم الشرق الأوسط)، وبين ما تمخضت عنه أزمة الإستشراق، وسيفصح عن شكل أكاديمي احتضنته الرؤية الأمريكية الجيوسياسية والثقافية للمنطقة، كل ذلك في ذروة الصعود الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية.

أما بخصوص تعاملنا مع الأحداث والكتابات بصدد الموضوع، فلم نتبنى منطقا زمنيا متتاليا، وإنما حاولنا أن ندرس السياقات الموضوعية للأفكار وأبعادها الجيوبوليتيكية، بحيث أن الأهمية الواقعية العملية (الجيوبوليتيكية) للأفكار، هي ما تمنحها قدرة على العيش لمدة أطول، والقابلية لأن تُدرس وأن تُحلل وتُفسر بغية الاستفادة منها.

 

أولا : مميزات المدرسة الأنجلو-أمريكية  في الإستشراق

 

ارتبطت هذه المدرسة بالواقع الاستعماري القوي، الذي فرضته بريطانيا والولايات المتحدة على دول الشرق،  ثم الشرق الأوسط بعد ذلك. ويشار إلى أن الاستعمار العسكري الذي يسمى تقليديا، والاستعمار الثقافي الذي يسمى جديدا، كلاهما يخدمان نفس الأجندة، ويرتبطان بظهور المجتمعات الصناعية، في أوروبا أو أمريكا على حد سواء[16].  والذي يميز هذه المدرسة في الإستشراق كونها ورثت كل تصورات الغرب عن منطقة آسيا وإفريقيا، التي بلغت مداها في القرنين التاسع عشر والعشرين، وجعلت من الإستشراق دائرة فريدة للتكامل بين المعرفة والخبرة، فضلا عن الأبعاد الثقافية والأدبية التي يتضمنها حكما الإستشراق.

* التجربة البريطانية.

لعل ما ميز الإستشراق البريطاني عن الإستشراق الفرنسي، هو العلاقة القوية والمعقدة لبريطانيا مع الشرق، فبعد انسحاب الفرنسيين من مصر عام 1801، وقعت مصر تحت حكم محمد علي الضابط العثماني من أصل ألباني، وهذا الأخير عمد إلى إحداث هيكلة جديدة للاقتصاد المصري، إلا أن ذلك أتى بنتائج عكسية، بحيث ستربطه سياسة الزيادة في إنتاج القطن بالاقتصاد العالمي المتمحور حول أوروبا، وهو الأمر الذي طالما تفاداه محمد علي، كما أن فتح قناة السويس عام 1869 سيعزز حضور مصر في الاستراتيجيات الاقتصادية البريطانية آنذاك. تلا ذلك تراكم الديون البريطانية على مصر، هذا الأمر وجده بعض خلفاء محمد علي وسيلة لإنقاذ مصر من أزماتها، وانتهى ذلك بالتدخل البريطاني في مصر ثم احتلالها عام 1882، ولم تعمد إلى تقزيم سيطرتها المطلقة على مصر إلا عام 1922 ثم سنة 1936، ولم تسحب آخر جندي لها إلا عام 1956، وفقا لمعاهدة الجلاء التي أبرمها جمال عبد الناصر مع بريطانيا، ثم عادت بعد أشهر لتهاجم مصر مع فرنسا وإسرائيل بعد تأميم قناة السويس[17].

ففي هذه الفترة خاصة بعدما قام جمال عبد الناصر بتأميم القناة، أحست بريطانيا بان قوتها قد تهاوت وهبطت، فكان الرد بالعدوان الثلاثي. وفي هذا السياق امتعضت الولايات المتحدة من رغبة بريطانيا وفرنسا الجامحة في الاحتفاظ على سيطرتها على مستعمراتها القديمة، فتدخل إيزنهاور لحمل هذه القوى على التراجع[18]. لعل هذا المدخل سيكون مناسبة لتبيان الدور الذي لعبته بريطانيا في المنطقة، وما ورثته عنها الولايات المتحدة من قوة، وما انعكس على طبيعة الإستشراق الأنجلو-أمريكي برمته، وبالخصوص بريطانيا التي تواجدت في الشرق بأكمله بما في ذلك الخليج الفارسي، وكان الإستشراق بالنسبة إليها امتدادا لمنطق الامبريالية[19].

كان رفائيل بيتاي يرى أن جميع الإهانات التي يوقعها الدارسون العرب بالتجربة الإستشراقية، تفسر أن هناك كبرياء عربية تقبع خلفها، على أساس اعتقادهم أن المستشرقين هم عملاء لوزارات خارجية بلدانهم، يرومون تزوير تاريخ العرب وتشويهه عن قصد. إن هذه المقولة تبين بجلاء أن هناك ارتباطا بين فرضيات الإستشراق عامة وبين الأنظمة الغربية، وصناع القرار السياسي عموما لا يبلورون سياساتهم من فراغ، بل يقوم صانع القرار ببلورة سياساته بناء على معطيات وقراءات –بصرف النظر عن مدى صحتها- عن مناطق بذاتها وعن لغاتها وعاداتها وثقافاتها [20].

ولعل بعضهم قد اعترف بدعم المؤسسات الرسمية لبلاده للدراسات الإستشراقية، وفي هذا الصدد يقول رودي بارث: ” ونحن جميعا المتمتعين بهذه النظم، نعترف شاكرين بأن المجتمع ممثلا في الحكومات والمجالس النيابية يضع تحت تصرفنا الإمكانيات اللازمة لإجراء بحوث الإستشراق، وللحفاظ على نشاطنا التعليمي”. وقد جاء في المذكرة التي رفعها جمع من العلماء سنة 1639 ميلادية إلى المسؤولين في جامعة كمبريدج، والتي طلبوا فيها إنشاء كرسي للدراسات العربية والإسلامية ما يلي: ” يضع المركز نصب عينيه خدمة مصالح الملك والدولة، وذلك بالعمل من أجل ازدهار تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وتوسيع حدود الكنيسة، ونشر الدين المسيحي بين الذين لا يزالون في ظلمات الجهالة “[21].

هذه المقابلات تؤكد على أنه كان للإستشراق البريطاني خلفية سياسية، أو أن من مجالات هذه المدرسة الانشغال بهموم السياسة، وتقديم معطيات علمية لصانع القرار في الإمبراطورية. وهي الخاصية التي تعود عليها الغرب منذ مدة طويلة، والتي تتجلى في إصغاء صانع السياسة إلى العلم ومسايرة مقولاته وخلاصاته،  وإن كان بعض المثقفين العرب لا يرون في الإستشراق عملية سياسية أو استعمارية، وإنما يرونه تعبيرا عن مجال معرفي إبيستيمي أفرزه الغرب في مرحلة معينة من مراحل تطوره[22]. لكن ذلك يهدمه ما يرد في بعض المؤلفات من أمثلة تؤكد أن المستشرقين كثيرا ما قدموا أبحاثهم إلى ساستهم، فمثلا نجد أن  ادوارد لين المستشرق الانجليزي سيأتي إلى مصر عام 1825 للاطلاع على اللغة العربية، ثم سيعود إليها فيما بعد ليقوم بدراسة حياة الناس في القاهرة دراسة مباشرة، وفعلا عكف على تلك الدراسة حيث درج سكان القاهرة على  تلقيبه  بمنصور أفندي، وتوج اعتكافه هذا بإصدار كتاب بعنوان “أخلاق وعادات المصريين المعاصرة” عام 1836، والذي عرف في إبانه إقبالا مُهولا على قراءته في انجلترا وألمانيا وأمريكا، وتم استثماره  أثناء التحضير لغزو مصر و احتلالها[23].

وقد كان النهج الذي اختطه رجال الإمبراطورية البريطانية متمحورا حول أهمية دراسة حياة وثقافة البلدان الواقعة تحت نفوذها الاستعماري، وإبان انعقاد المؤتمر الأول للإستشراق في سنة 1873، كان رجال الإمبراطورية في بريطانيا يضعون نصب أعينهم الأهمية السياسية للمعرفة، على أساس أنها احد مكونات القوة والهيمنة. لكن على الرغم من كون الإستشراق سياسي في جوهره، بحيث انه تنامى ظاهريا في إطار الاهتمامات اللغوية والرحلات داخل المؤسسة الأكاديمية الغربية التي اقترن تأسيسها ببدايات النزوع التوسعي لبلدانها، إلا انه مُساير ومواز لنزعة علمية وفكرية، تختزنها إرادات ذاتية، كما هو الحال بالنسبة لجون ويستليك في كتابه  ” فصول في مبادئ القانون الدولي”[24].

لا يوجد شك  أن كلا من الإستشراق والسياسة كانا في خدمة بعضهما البعض، لكن المهم أن “الصدام بين الحضارتين الغربية والشرقية” لم يكن سلبيا وإنما ايجابيا، يتصل بالتعرف على الحضارتين واستهداف المعرفة المنتجة المفيدة، والتي لا يطعن فيها مطلقا أن بعض روادها كانوا في خدمة الحرب والاستعمار والتجارة والسياسة[25]. وفي نفس السياق فقد كان ايفلين بارنج (1841-1917) الذي لقب بـ إيرل كرومر قنصلا عاما و ممثلا لانجلترا في مصر حينما كانت محمية بريطانية، فكان حاكما فعليا لمصر، وبعد تقاعده نشر كتابا بعنوان “مصر الحديثة” قدم فيه رواية تفصيلية للأحداث التي جرت في مصر في ثلاث عقود، وقام بإجراء تقييم للاحتلال البريطاني[26].

ويذهب بعض دارسي الإستشراق البريطاني إلى أن هذه المدرسة تمتاز بكونها أكثر المدارس موضوعية وحصافة وجدية وصبرا في الحصول علـى النتائـج[27]، وما ذلك إلا نظرا لمصالح بريطانيا التي كانت أضخم من مصالح فرنسا في الشرق [28]، وقد كان هذا هاجسا عند الرحالة البريطانيين في القرن العشرين، ويتمظهر في تمثلهم للعلاقة السياسية التي يجب أن تكون بين بريطانيا وبين شرق المتوسط ( الليفانت )، وحتى المتأدبون منهم مثل دزرائيلي  تانكرد لم تغب هذه الرؤية عن أعمالهم[29].

لقد كانت نوايا المستشرقين الانجليز مزدوجة المنحى، فحينما نتحدث عن مستشرقين امبرياليين أمثال لورنس وادوارد هنري بالمر وهوغارت وجروتوديل وبيرتن، نلحظ بأن هؤلاء استخدموا الإقامة في الشرق للملاحظة العلمية دون التضحية بالذات الفردية من أجل ذلك. واستخدموها في منحى ثان لتحقيق نظرة أوروبية-بريطانية، عبر تحقيق معرفة  كتلك التي يتحصلها المرء في الشرق، ولا تتاح له إلا لأنه أوروبي، بمعنى أن هؤلاء المستشرقون حاولوا أن يكونوا أوروبيين في الشرق، بحيث يرون الشرق كمجال تحكمه أوروبا[30].

 

* التجربة الأمريكية .

 

تعود أزمة الإستشراق إلى عدة أسباب، منها ما يتصل بطبيعة الموضوع (الشرق)، الذي لم يعد بعيدا عن الدارسين الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يعودوا في حاجة إلى علمهم الكلاسيكي لفهمه، ولم يعد أيضا خاضعا للاستعمار الأوروبي (عسكريا على الأقل)[31]. وعلاوة على ذلك فلا وجود لشرق جغرافي فعلي، إذ ارتبط بالوعي الغربي الأورو- أمريكي فقط، و حتى الإسلام الذي يربطه الغربيون بالشرق ليس سوى واحدا من الديانات الشرقية كالمسيحية التي يتبناها الغرب نفسه، كما أن مدنا بكاملها ارتبطت بالشرق، وهي في واقع الأمر أوروبية من الناحية الجغرافية الحقة كالقسطنطينية مثلا[32].

لذلك ولجملة أسباب أخرى، يذهب الكثير من دارسي الإستشراق إلى أنه قد انتهى، وذلك بالانعطاف نحو الدراسات الميدانية، بالرغم من استمرار جوهره في هذه التكوينات العلمية الجديدة، فتزايد المصالح الأمريكية في المنطقة، وتولي مستشرق كهاملتون جب في الخمسينات إدارة معهد هارفارد لدراسة الشرق الأوسط[33]، هو ما جعل الانكفاء يحصل في الحقل، إن ذلك يعد بمثابة تعميد لنوع من الدراسات  أكثر تخصصا في معاهد دراسات الشرق الأوسط التي انتشرت في الحياة*الأكاديمية*الأمريكية[34].

لقد خرج الشكل الجديد المسمى دراسات المناطق في الولايات المتحدة الأمريكية من رحم الأزمة التي عاشها الإستشراق، والتي تُبين ملامحها بشكل كبير- دون أن تفصل شيئا عن المولود الجديد- مقالة أنور عبد الملك الذائعة الصيت، والتي ظهرت عام 1963. وهذه الأزمة أفضت بالدارسين الأمريكيين إلى تبني نماذج معرفية تماشت مع انبعاث حركة قومية عربية قوية، تنضاف إلى تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية[35].

وقد أخذت كلمة الإستشراق في الاختفاء من الأوساط العلمية والأكاديمية الأمريكية، لتحل محلها كلمات أخرى أكثر دلالة على التخصص العلمي. وفي المؤتمر الدولي التاسع والعشرون للإستشراق، وصل المؤتمرون إلى ضرورة التخلي عن مفهوم الإستشراق، انسجاما مع التغيرات الدولية، وتطور نضال الشعوب الشرقية، بحيث سيطلق على مؤتمرهم القادم اسم “مؤتمر العلوم الإنسانية في أسيا و إفريقيا الشـمالية”، وأصبح الإستشراق متشعبا في تخصصات متباينة كالتاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم السياسة وعلم الاجتماع المقارن والتنمية[36].

لقد أصبحت المدرسة الأمريكية رائدة في هذه الدراسات بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سيصبح المسلم شخصية رئيسية في المخيال الأمريكي، الذي انتعش على أسلوب جديد متخصص أنجلو-أمريكي اهتم بالعلوم الاجتماعية، وعمل على تقطيع الإستشراق التقليدي إلى أجزاء جديدة تخدم المذهبيات القديمة، وأصبح العربي حاضرا في الحياة الأكاديمية الأمريكية، وفي عالم الأعمال، بما يعكس تشخصنا جديدا للقوى في المنطقة لم يعد لفرنسا وبريطانيا موقع الصدارة خلاله  كقوى في السياسة الدولية، وقامت الإمبراطورية الأمريكية بدعم التكاثر في التخصصات الفرعية، وأصبح عندهم خبراء إقليميون يرفعون المعرفة والخبرة المناطقية شعارا، وكلها توضع في خدمة الحكومات ودوائر الأعمال على حد سواء[37].

إن الإسهام الحقيقي للمدرسة الأمريكية في تاريخ الإستشراق يتجلى في تحول الإستشراق من فرع فقه لغوي إلى معرفة تجريبية حقة ومفيدة، ومن إدراك غائم للشرق إلى تخصص في العلوم الاجتماعية، بحيث رغب المستشرقون عن تعلم لغات الشرق إلى الظهور بمظهر علماء الاجتماع الميدانيين، الذين يُطبقون معارفهم حول الشرق وعلى الشرق، وقد حدث هذا التحول عندما وجدت الولايات المتحدة نفسها في الموقع الذي كانت بريطانيا وفرنسا قد أخليتاه  منذ عهد قريب، و قد عرف الأمريكيون دراسات متقطعة للشرق بشكل معزول مثل سلفيل ومارك توين[38].  وأصبحت دراسات المناطق حقلا معرفيا يجمع مختلف فروع المعرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية لدراسة مناطق معينة  وتشكيل فرع من الدراسات الإستراتيجية. وتُعتبر المدرسة الأمريكية في الإستشراق امتدادا عضويا للمدرسة البريطانية، وقد تأصلت جذورها من باحثين انجليز ولبنانيين هاجروا إلى أمريكا، وهم من رسم للأمريكيين -الذين شغفوا بالدراسات العربية الإسلامية – منهج البحث وأساليبه. وقد اهتمت أيضا هذه المدرسة بالشرق كله سيما ما يهُم التقلبات السياسية، والتصورات الإيديولوجية، والخصائص الفنية، والثروات الحضارية، والإحصائيات السكانية، وما شاكلها من موضوعات [39].

لقد انبنى الإستشراق الأمريكي على مناخ ثقافي تأثر بالثقافة الشرقية، فضلا عن سعي الفلسفة الأمريكية إلى تحرير نفسها من ماضيها الأوروبي، ومن ثم حاجتها إلى تحويل أنظارها نحو تراث غير أوروبي[40]. ويذهب بعض الباحثين إلى أن جذور الإستشراق الأمريكي تعود إلى ما تصوره الأمريكيون حول اله المسلمين ودينهم، دون إغفال إسهام الرحالة والمهاجرين المضطهدين دينيا أثناء هجرتهم إلى أمريكا، ودورهم في ترسيخ تلك الصورة، سيما بعد استقلال الولايات المتحدة، واستحالتها إلى مملكة رمزية لله، انعكست جل تصورات الأمريكيين داخلها على الإساءة إلى إله المسلمين ونبيهم العربي[41].

ولما أن حدث التحول في الفكر الاستراتيجي الغربي، بسبب ظهور نزعة إلى تقسيم الشرق نفسه إلى مناطق جديدة، كمنطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وأقسام آسيا، وبدأ استعمالها يكاد يصير دارجا جاريا في الاستعمالين الأكاديمي والإعلامي، سواء منه الغربي أو العربي فيما بعد. حينها أعرب برنارد لويس عن دهشته الكبيرة واستغرابه من استخدام هذا المفهوم في العالم العربي، سيما وأنه أصبح مقبولا بشكل غريب عن تعاطي أبناء المنطقة مع مفهوم الشرق الذي سبقه بكثير[42]. علاوة على أنه كما سنبين في المحور الموالي، ظل مفهوما مهتزا وقابلا لإعادة الإنتاج بصيغ مختلفة منذ نشأته وإلى اليوم.

هكذا يتضح أن دخول حقل الإستشراق في طور الأزمة، ومخاض التحول من مناهجه القديمة، ومواضيعه القديمة، بل وصراعه من أجل تبييض ماضيه الذي يزعج على الأقل أهل المنطقة المدروسة، كلها أسباب حدت بكبار المستشرقين إلى البحث عن ملاذات جديدة، فهل ستوفرها لهم طرائق التفكير الجديدة التي اهتدى إليها الفكر الاستراتيجي، والتي كانت وليدة الاستراتيجيات الأمريكية في “الشرق” في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟

ثانيا: تأثير الفكر الاستراتيجي والجيو-استراتيجيا الأنجلو- أمريكية.

منذ مطلع القرن العشرين أصبح علماء الشرق في الغرب يجدون في مفهوم الشرق دلالة غائمة وغامضة. فظهر مصطلح جديد هو الشرق الأوسط، وظهرت مصطلحات[43] أخرى محايثة له، كالشرق الأدنى والشرق الأقصى وشرق قناة السويس، وارتبط ظهور الشرق الأوسط  بالكابتن الفرد ثاير ماهان (1840- 1914)، ضابط  البحرية الأمريكية، مما جعل المصطلح يظهر في الفكر الاستراتيجي الأنجلو-أمريكي، وذلك سنة 1902 في إطار نظرية ماهان حول تأثير القوة البحرية في التاريخ. كتب ماهان مقالته في مجلةnational review   البريطانية تحت عنوان: الخليج الفارسي والعلاقات الدولية، وكانت الفكرة الأساس في أطروحته هي أن بريطانيا إذا أرادت السيطرة على الهند يجب أن تسيطر على الطريق المؤدية إليه، ويتعلق الأمر بالخليج الفارسي، وكان يُلفت بريطانيا إلى أهمية الخليج الفارسي محذرا من وصول روسيا إليه، وتاليا قطع طريق الإمبراطورية إليه بالتالي. وعندما صك ماهان هذا المصطلح، كان يستحضر ما كتبه عن شرق أسيا إبان الحرب اليابانية الصينية، وفرض بريطانيا والولايات المتحدة على الصين سياسة الباب المفتوح، ومن هنا ارتبط في ذهن ماهان الشرق الأوسط بالشرق الأقصى، في الوقت الذي كان فيه مفهوم الشرق الأدنى لا يتجاوز تركة الدولة العثمانية في البلقان[44].

إن تبني هذا المصطلح، وبالتالي النظرية البحرية التي أنتجته في الولايات المتحدة فيما بعد، سيمكن من السيطرة على هاواي وكوبا وبورتوريكو والفيليبين والسيطرة على الكرايبي، وتاليا على أمريكا الوسطى [45]. مصطلح الشرق الأوسط لم يكن يدل على منطقة بعينها فقط، أو يدل على منطقة تتقاسم شعوبها اللغة والدين والثقافة، بل صاغته توجهات سياسية مما جعله متغيرا وليس ثابتا، ومما جعل من شأن استيعابه أن يحقق مكاسب للقوى الاستعمارية في أماكن أخرى من العالم[46]. كما أن تاريخ استعمالاته المعقدة يشي بذلك، بحيث أن كل القوى الكبرى التي تعاملت مع المنطقة المذكورة، وتحديدا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، كل واحدة منها أطلقت تسميات تتناسب مع رؤيتها للمنطقة، وبالتالي عجت القواميس بتحديدات من قبيل: الليفانت أو شرق المتوسط، وشرق قناة السويس الذي كانت تطلقه بريطانيا على الخليج، أو الشرق الأوسط الذي استمر استخدامه إلى اليوم[47].

وكان من دواعي نحث المصطلح أيضا رغبة ماهان في شد انتباه بريطانيا اتجاه الخطر الألماني في المنطقة، فقد كان هناك مشروع ألماني يستهدف إنشاء خط للسكك الحديدية يربط برلين ببغداد[48]، وقد استخدم أيضا للدلالة على المنطقة التي يقع مركزها في الخليج العربي (الفارسي)، والتي لا تنطبق عليها عبارة الشرق الأدنى أو الأقصى، فالأول تركز حول الدولة العثمانية، والثاني حول الصين، في حين يقع الشرق الأوسط فيما بينهما [49].  و حسب جورج لينستووسكي فهذه المنطقة تمتد من مصر غربا إلى الأفغان شرقا، أما معهد الشرق الأوسط في واشنطن فيعتبرها واقعة بين المغرب واندونيسيا، ويذهب المعهد البريطاني للعلاقات الدولية إلى أن الشرق الأوسط يضم كلا من إيران وتركيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب وقبرص[50].

وثمة فكرة خاطئة تقول بأن فكرة الشرق الأوسط تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، التي شهدت مع مطلع الأربعينات إنشاء بريطانيا لمركز تموين الشرق الأوسط بالقاهرة، وقد أعلنت بريطانيا وقتئذ عن تشكيل قيادة عسكرية في القاهرة، سميت بمركز قيادة الشرق الأوسط، والتي شملت صلاحياتها المنطقة الممتدة من ليبيا غربا إلى بغداد والبصرة شرقا، وأنشأت الولايات المتحدة مركز إدارة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط مباشرة بعد الغارة الجوية اليابانية الشهيرة على القاعدة البحرية الأمريكية بيرل هاربر. إلا أن المصطلح كما اشرنا سابقا ظهر مع ماهان، والتقطه شيرول رئيس المكتب الخارجي في صحيفة التايمز البريطانية، وكتب حوالي عشرين مقالة عن مسألة الشرق الأوسط، وقد أشار إلى فضل ماهان في ابتكار المصطلح، إلا أنه لشيرول يعود الفضل في نشر المصطلح في الأدبيات الإستراتيجية الغربية بأكملها، لكن لابد من الإشارة إلى أن توماس ادوارد جوردن كان قد أشار إلى الشرق الأوسط سنة 1900 قبل ماهان بسنتين، و هو ضابط خدم في الهند مدة أربعة عقود يدافع عن المصالح البريطانية[51].

وعموما مسألة تنازع خلق المصطلح من حيث الأسبقية ليست مهمة بقدر أهمية الأغراض التي استخدم لها و امتداداتها الأكاديمية و الإستراتيجية، ناهيك عن أنه في جميع الأحوال يحتسب السبق في ظهوره إلى الفكر الاستراتيجي الأورو-أمريكي. وكان هذا الغموض حول زمن ظهور المصطلح وخلفياته قد لف بعض الكتابات الغربية نفسها، فمثلا المستشرق والعالم الأنثروبولوجي الأمريكي كارلتون كون، في كتابه الصادر عام 1951 بعنوان (القافلة، قصة الشرق الأوسط)، كتب يؤكد بان المصطلح ظهر لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية، واستُخدم آنذاك في تحديد المنطقة العسكرية التابعة للقيادة العسكرية البريطانية في القاهرة[52].

لقد كان يقف وراء صك المصطلح أو استعماله على الأقل رغبة بريطانية جامحة في الاستعاضة عن مصطلح الشرق الأدنى الذي أطلقته فرنسا منذ نهاية القرن التاسع عشر، وذلك للتطابق مع وجهات النظر الإستراتيجية البريطانية في المنطقة، فكان ذلك ضروريا في فترة ما بعد سايكس- بيكو التي قسمت سوريا والعراق بين فرنسا وانجلترا، ووضعت لفلسطين نظاما دوليا خاصا بها منح بريطانيا بشكل أساسي حق الانتداب فيها عمليا، والسيطرة تاليا على الطرق البرية والبحرية للدفاع عن الهند في الخطط البريطانية[53].

وقد شهدت نهاية القرن شيوع مصطلحات أخرى متفرعة عن الشرق الأوسط مثل الشرق الأوسط الجديد، والشرق الأوسط الكبير، والنظام الشرق أوسطي، والسوق الشرق أوسطية، والثقافة الشرق أوسطية. وسيجد المصطلح قبولا في الأوساط الثقافية العربية والإسلامية، إلى الحد الذي تبنت معه بعض المنابر الإعلامية والأكاديمية المصطلح رغم طابعه الاستعماري، كجريدة الشرق الأوسط ومركز دراسات الشرق الأوسط في إيران[54]، ومراكز الدراسات الشرق أوسطية في لبنان ومصر وبلدان شرق أوسطية أخرى.

وفي عام 1911 سيقوم اللورد كيرزون حاكم الهند آنذاك باستخدام العبارة للإشارة إلى مناطق تركيا والخليج العربي وإيران في آسيا باعتبارها تمثل الطريق إلى الهند[55]، وبعد ذلك سيقترح سايكس مارك على مجلس الوزراء البريطاني إنشاء المكتب الإسلامي في المنطقة لجمع المعلومات عنها، وتم الاتفاق على إنشاء مكتب في القاهرة سمي بالمكتب العربي، وهو مكتب يقوم بجمع المعلومات الاستخباراتية عن المنطقة، وتم إلحاقه بالمخابرات البريطانية في السودان، وذلك عام 1916-1918[56]، واهتمت بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين بنشر الإذاعات البريطانية في الشرق الأوسط، لجلب المعلومات الاستخباراتية والتعتيم على الجمهور بالمنطقة[57].

وفي الفترة الممتدة ما بين الحربين، ارتبط مصطلح الشرق الأوسط بالجانب العسكري بالإمبراطورية البريطانية بالمنطقة العربية، فأُطلق على القواعد العسكرية البريطانية لما بين النهرين اسم قيادة الشرق الأوسط، واستقر أثناء الحرب العالمية الثانية ليشمل القيادات البرية والجوية تحت مسمى “قواعد الشرق الأوسط”[58]. وقد أثر المصطلح في العلاقة مع السياسات التي كانت تقف وراءه، فأصبح بالإمكان الحديث عن نظام إقليمي شرق أوسطي، بالرغم من الإشكالات الجغرافية  والسياسية التي طرحها استعمال المصطلح في الأدبيات العربية نفسها، ناهيك عن الإشكالات التي تلُف استخدام مصطلحات أخرى أكثر أصالة كمصطلح الوطن العربي[59]، وهي في الغالب تعابير مفعمة بالحس القومي والوطني وتستمد بريقها من فترة تصاعد المد القومي الناصري المرتبط باستراتيجيا الوحدة القومية العربية المشروطة بالاستقلال الوطني، بما يعني أنها تعابير تحمل في طياتها ممانعة لكل ما هو استعماري، سواء في الإستشراق أو الفكر الاستراتيجي الأنجلو- أمريكيين على وجه التحديد، فبالرغم من أنها لا تعيب من يتبناها، إلا أنها لا تعجب البعض.

مصطلح الشرق الأوسط هيأ الأرضية لتمرير سياسات بريطانية وأمريكية في المنطقة، وفي مقام ثان ساعد على ظهور نظام إقليمي فرعي في شكل منطقة قابلة للدراسة والاستغلال بجميع أشكاله العلمي والاقتصادي والمالي، كظهور مؤسسة بنك الشرق الأوسط البريطاني مثلا[60]. ومؤسسات البحث الشرق الأوسطية كما سيتم التفصيل لاحقا. ولم تستقر دلالة الشرق الأوسط على ما رسمته الاستراتيجيات البريطانية في المنطقة، بل عرف تحولات وتطورات على صعيد ما يعكسه من علاقات لعبت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل الدور المحوري فيها،  وسنعرض للحديث عن مفهومي الشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الكبير، لكن قبل ذلك لابد من إلقاء نظرة على العلاقات المعقدة والمتشابكة للولايات المتحدة  بشكل يجعل بوصلتها في سياساتها تلك خلال القرن الماضي هي إسرائيل.

فالولايات المتحدة لم تهتم بالمنطقة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكل اهتمامها تجسد في مؤسسات التبشير المسيحية، والتي تطور بعضها إلى مؤسسات أكاديمية كالجامعة الأمريكية في كل من القاهرة و بيروت[61]، إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية ستشهد المنطقة عدة أحداث تُعد انطلاقة حركات التحرر في عدد من الأقطار أهمها، وأيضا ابتداء الحرب الفلسطينية التي انتهت بالاستيطان اليهودي، وإعلان قيام إسرائيل في سنة 1948[62]. وفي هذه الأثناء ستنتقل عملية احتضان إسرائيل من بريطانيا، لتضطلع الولايات المتحدة بالقيام بهذا الدور، وذلك لجملة أسباب يرجع أهمها إلى تراجع بريطانيا، وتقوي الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضا لكون اليهود كانوا قد قاموا برص الأرضية المؤسسية اللازمة لذلك في الولايات المتحدة[63]، والاهتمام الأمريكي في هذه المرحلة بالذات لم يكن من منطلق مواجهة التهديدات المحتملة لمنابع النفط فقط، وإنما لمواجهة خطر التحدي السوفياتي على الصعيد الاستراتيجي في فترة الحرب الباردة[64].

وبالرغم من أن صناعة النفط في الولايات المتحدة كانت أكثر أهمية فيها من أهميتها في أية دولة  أخرى [65]، إلا أن الدراسات المتعلقة بشؤون الطاقة منذ أواخر التسعينيات، تشير إلى أن المنظومة الاقتصادية العالمية تتجه صوب الاستغناء تدريجيا عن النفط لصالح مصادر طاقة أخرى اقل تأثيرا على البيئة[66]، علاوة على تقنيات استخراج النفط الجديدة التي ستجعل الولايات المتحدة في أفق 2020 في غنى عن نفط الخليج، الأمر الذي سيعني انقلابا في الاستراتيجيات الأمريكية، وطبيعة النظام الدولي[67].

وقد أدى الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى حماية الولايات المتحدة من الخطر الشيوعي في الشرق الأوسط، وحماية إمدادات النفط إلى أن انتهت حرب الخليج الثانية، وأصبحت أساطيل الولايات المتحدة تملأ الموانئ الخليجية، وكانت إسرائيل مستودعا أمريكيا للأسلحة إلى أن أصبح بإمكانها التخزين في مصر والسعودية[68]، علما أن الولايات المتحدة ستبادر إلى تأسيس حلف شمال الأطلسي في تلك الفترة على أساس استراتيجي، يتمثل في مواجهة السوفياتي، وليس على أساس إقليمي لذلك ضم الحلف دولا لا تجمعها جغرافيا قارية واحدة[69].

و كانت مصر تلعب دورا محوريا في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد اتجه محمد نجيب بقيادة الضباط الأحرار نحو الإطاحة بالملكية عام 1952، و حشد المصريين وراء طموح إنهاء الاحتلال البريطاني الذي كان وقتئذ قد استمر زهاء السبعين عاما[70]. وفي تلك الأثناء أعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها من التطورات في مصر، واحتمال انعكاس هذه التطورات على الصراع المصري البريطاني، وقد قال جيفرسون كافري السفير الأمريكي في مصر سنة 1952 بضرورة توجيه الخارجية الأمريكية نحو مواجهة الحكومة البريطانية، التي تسيء فهم طبيعة الوضع في مصر[71]. فقد كان الصراع الدائر حول مصر في تلك الفترة يعكس صراعا فرنسيا بريطانيا من جهة، وصراعا بريطانيا أمريكيا من جهة ثانية، إلا أن وصول جمال عبد الناصر للسلطة سنة 1654 و تأميم قناة السويس و بناء السد العالي فيما بعد سيسفر عن موجة استقلال وطني بقيادة ناصرية و انتقال مصري صوب المعسكر السوفياتي.

وفي تلك الفترة وما بعدها، والتي عرفت بدايات الصعود الأمريكي، أصبحت الولايات المتحدة تعمل على تجنيد كل إمكاناتها في منطقة الشرق الأوسط، سيما في خضم توالي الإحداث الكبرى، حرب 1973 وميل مصر صوب السلام، ونجاح الثورة الإسلامية في إيران، ودحر المشروع السوفياتي في أفغانستان باستخدام ما يعرف بالجهاد الأفغاني، فلا غرابة في اهتمام الولايات المتحدة بالمعلومات الاستخباراتية عن الشرق الأوسط وقياداته، إذ كانت المخابرات المركزية الأمريكية تهتم في شخص رئيسها ستانسفيلد بالاطلاع على خبايا الحكومات في المنطقة، وأهمها حكومة مصر بعد السادات، كما قامت بتزويده بمعلومات وتحذيرات من خطر الانقلابات والاغتيالات[72]، ناهيك عن حضور قرارات الولايات المتحدة بقوة في المنطقة، فمثلا كان قرار وقف العمليات العسكرية في 27 فبراير 1991 قرارا أمريكيا خالصا إبان الغزو العراقي للكويت[73].

وفي هذا السياق وبالضبط في سنة 1991 بعد نهاية حرب الخليج الثانية، سيظهر مصطلح جديد يدعى “الشرق الأوسط الجديد ” من صنع أمريكي-إسرائيلي، فاعتبر الشرق الأوسط الجديد مرحلة جديدة للسلام العربي الإسرائيلي، ومحاولة لدمج إسرائيل في المنطقة من خلال اتفاقيات سلام وتعاون اقتصادي. وقد روج شمعون بيريس رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق في حكومة شارون اليمينية المتطرفة، أشار إلى هذا المصطلح في كتاب ألفه يحمل عنوان “الشرق الأوسط الجديد”، يؤكد على ضرورة بناء سوق شرق أوسطية اقتصادية تُبنى على أسس ليبرالية[74]. وقضية الشرق الأوسط الجديد باتت تُفهم من خلال مجموعات الدول المؤلفة من الساحة العراقية الإيرانية، والساحة اللبنانية السورية، والساحة الفلسطينية الإسرائيلية، وتتداخل معها ثلاث قضايا حساسة تتمثل في الانتشار النووي والتمذهب وتحدي الإصلاح السياسي، فهذه الأمور مجتمعة تحدد معالم الشرق الأوسط الجديد وفق رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل[75].

بعد ذلك سيظهر مصطلح آخر هـو “الشرق الأوسط الكبير”، الذي ساهمت الولايات المتحدة واستراتيجياتها في المنطقة في ظهوره، وذلك عام 1995 في التقرير الاستراتيجي السنوي الصادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية القومية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، حيث خصص فصلا منفردا للشرق الأوسط الكبير، من المغرب حتى الحدود الصينية ليشمل المغرب العربي، وأعاد بوش الابن استخدامه عام 2004 في قمة مجموعة الثماني[76]. وهذه المرحلة ذهب البعض إلى حد اعتبارها بمثابة قرن أمريكي جديد، بحيث أصبح لمصطلح الشرق الأوسط الكبير فيه حضور غير معزول عن الاستراتيجيات الكبرى في المنطقة، وفي علاقة بأحداث ما بعد 11 سبتمبر، واختبارات القوة التي جرت في أفغانستان و العراق[77]. وهناك الكثير من المحللين والمتتبعين من يعتبرون غزو أفغانستان ثم العراق، ثم الدخول على خط الانتفاضات الشعبية لسنة 2011، كلها محطات ترسم معالم الشرق الأوسط الكبير الذي تريده الولايات المتحدة وحلفها عبر إغراق المنطقة في الفوضى والاقتتال الطائفي، بهدف التقسيم ثم السيطرة على مقدرات المنطقة، وقطع الطريق على القوى الأسيوية الصاعدة.

ومن إضافات مصطلح الشرق الأوسط الكبير، ومما يؤكد الطرح المذكور انه يضع تركيا التي هي عضو في الناتو خارج الشرق الأوسط، ويُدخل إيران وأفغانستان إليه، ويؤكد ذلك كل من جيفري كامب وروبرت هركابي[78]، وهكذا يتضح أن مصطلح الشرق الأوسط ومتفرعاته يعكس طبيعة علاقات المصالح المعقدة بين أمريكا وإسرائيل، إذ يساهم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في رسم السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، كما تساهم الشركات الأمريكية للأسلحة في ذلك، لأن اللوبي يهدف إلى حماية وجود إسرائيل قوية، بينما تهدف شركات السلاح إلى ضمان سوق لبيع الأسلحة وهو  إسرائيل بشكل رئيسي[79]. وضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير وفق الصيغة الأمريكية جاء برنامج ايزنستات الاقتصادي الموجه إلى شمال إفريقيا سنة 1999، وكان يهدف إلى تحويل المنطقة إلى سوق مفتوحة تبرر الولايات المتحدة وجودها بمشروعها لنشر الديمقراطية في العالم العربي، لتنتهي تسمية المنطقة سنة 2004 بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا والتي يشار إليها اختصارا.بـ MENA ـ[80].

ومنذ دخول الألفية الثالثة، بدأت قضية العراق وفلسطين تبرز على الساحة بشكل قوي في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، فقد تدخلت الولايات المتحدة سنة 2002 في قضية الدولة الفلسطينية لتقوم بتهييء الظروف لاحتلال العراق[81]. ونظرا لكون النزاع الفلسطيني أهم مظهر من مظاهر مشكلة الشرق الأوسط، فقد تم الإعلان عن خارطة الطريق ضمن تصريح أمريكي عام 2003، وتم تبليغه إلى السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية[82]، و في هذه السنة أيضا سيتم احتلال العراق عبر غزو أطلسي عسكري، وحسب البعض فالولايات المتحدة بتنفيذها لهذا الغزو تكون قد لبت نداءا للمستشرق الأنجلو-أمريكي الكبير برنارد لويس، مفاده أنه يجب على الولايات المتحدة أن تغزو الشرق الأوسط لوضع بذور الديمقراطية بداخله[83]. إلا أن مثل هذه القراءات في بعض الأحيان تكون مشبعة بأطروحات المؤامرة، وإن كان ذلك لا ينفي حقيقة وجود المؤامرة، لكن القاعدة هي الارتباط الوثيق بين صنع القرار الاستراتيجي الأنجلو-أمريكي وبين إنتاج المعرفة، والمؤامرة لا تعني أنها يمكن أن تصل إلى أهدافها دائما، إذ يمكن كسرها.

ويمكن الانتهاء بكل اطمئنان إلى أن هدف أمريكا الجوهري في الشرق الأوسط كان ولا يزال هو حماية امن إسرائيل، للسماح بتدفق الإمدادات النفطية بسهولة، وأيضا لضمان سهولة التنقل من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، هذا الهدف المحوري كان ولا يزال متاح التحقق إلى حد بعيد [84]. لكن هذا الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة يواجه تحديات تضع مصالحه على المحك أمام صعود قوى جديدة من قلب آسيا و أمريكا اللاتينية و جنوب إفريقيا، وبالتالي فهو حلف بات مجبرا على تغيير أولوياته التي جند لها كل شيء بدءا بالفكر والمعرفة، وانتهاء بالتدخلات العسكرية، ومواكبة كافة التحولات الاجتماعية والفكرية والرسملة عليها.

لكن ما يُهمنا هو الدفق الذي حصل نحو دراسات المناطق، بدءا من تحول المستشرقين على إثر أزمة الإستشراق، والخبراء والمفكرين الاستراتيجيين، وانتهاء ببلورة حقل أكاديمي مُواكب للاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة، فما هي طبيعة تلك الدراسات و نماذجها؟

 

ثالثا: صعود دراسات المناطق.

أصبح واضحا الآن أن هناك ارتباطا جدليا بين المستوى الاستراتيجي، والإرث الإستشراقي في العالم الأنجلو-أمريكي، نجم عنه ميلاد اصطلاحات جغرافية حملها الفكر الاستراتيجي إلى مصانع القرارات الإستراتيجية الحاسمة. وهو ما أسفر بدوره عن ميلاد مناطق فرعية ذات بعد استراتيجي أهمها الشرق الأوسط، وتاليا تقسيم الجغرافيا الأسيوية والإفريقية من أجل رسم السياسات، تلك السياسات في عمقها تتصل بمصالح الاحتكارات الاقتصادية الضخمة  للغاز والنفط وغيرها، وذراعها الفكري والأكاديمي هو ما يخرج من مراكز الدراسات المناطقية، والتي شهدت اتحادا استثنائيا بين خبراء الإستراتيجية ومفكريها، وبين المستشرقين الأنجلو-أمريكيين الذين أغرتهم هذه التشكيلات الجديدة، وعملوا بدورهم على إحداث نوع من التناغم بين اهتماماتهم الأكاديمية، وبين ضرورة التقسيم الجيوسياسي الجديد لمنطقة الشرق إلى نظم إقليمية فرعية.

أهمية هذا الاتحاد تبرز مع ما قام به مستشرق كبير مثل هاملتون جب من خلال دوره التدشيني  لهذا الشكل الجديد في المعرفة الإستشراقية، إذ بعد الحرب العالمية الثانية وبوصفه مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، ألقى جب محاضرة بعنوان “الدراسات الإقليمية، إعادة تقويم”، وأشار إلى أن الشرق هام جدا للحد الذي لا يجب معه أن يُترك للمستشرقين. وكانت دعوة صريحة إلى تكوين الطلبة في ميادين المال والأعمال والقيام بدراسات عابرة للميادين، فلم يعد البحث بحاجة إلى المستشرق التقليدي الذي يطبق على الشرق معلومات تقادم بها العهد، وأصبح من الواجـب الانطلاق نحـو دراسات المناطق[85].

نال الشرق الأوسط[86] حصة الأسد من الدراسات التي تجري في بريطانيا تحت مسمى دراسات المناطق، ولعل الكم الهائل من المنابر العلمية والأكاديمية التي تعنى بشؤون هذه المنطقة على جميع الأصعدة، والتي لا يزال حصر البلدان الواقعة ضمنها محل جدال، فمجلة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تصدر سنويا في لندن، حددت الشرق الأوسط بأنه يمثل كلا من تركيا وإيران وقبرص ومنطقة الهلال الخصيب وإسرائيل وشبه الجزيرة العربية ومصر والسودان وليبيا وأفغانستان وتونس والمغرب والجزائر، علما بأن تونس والمغرب والجزائر يجمعهم مسمى شمال إفريقيا، وذهب المعهد الملكي للعلاقات الدولية ببريطانيا إلى أن الشرق الأوسط يضم كلا من إيران وتركيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب والسودان وقبرص[87].

وهذا المعهد يعود له الفضل في إجراء أهم الدراسات عن سلوكيات الدول الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط في ثلاثينيات القرن العشرين، دراسة شملت الفترة الممتدة بين سنة 1800 وسنة إجراء الدراسة، وكانت هذه الدراسة جزءا من مخطط أكاديمي لدراسة التاريخ الإسلامي، وتكمن أهمية هذا الإشتغال في ما سيفضي إليه من تثبيت دعائم نسق معرفي جديد سمي بدراسات المناطق في بريطانيا، وهذه الدراسات المناطقية عنيت في البداية بمواضيع محددة توزعت حول دراسة العائلات والبوادي والتصنيع وحركة التجارة والمدن والجيش والتدبير الإداري والدين والثقافة والفن والرق والأقليات الدينية في العالم الإسلامي، ويعزى إلى هاملتون جب الدور الهام في القيام بهذه الدراسات[88].

وفي الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ستتعزز هذه الدراسات بأخرى في الميادين الإقتصادية والتاريخية والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها، والفضل في إنجازها يعود لباحثين بريطانيين من أصول عربية مثل ألبرت حوراني[89]، وشارل عيسوي الذي أجرى بحثا هاما حول التطور الإقتصادي في الشرق الأوسط في الفترة ما بين 1815 و1914، بشقيه العام والخاص، قام في دراسته بتشخيص الداء الاقتصادي، والذي لا يرجع في نظره إلى الإستعمار، وإنما إلى القوى المتعارضة قبل الإستعمار وبعده، حيث أدت هيمنة الإقتصاد الأجنبي إلى تنامي الشعور بالخذلان في المنطقة، إضافة إلى الزيادة السكانية، ولم تخفف من حدة الأزمات الإقتصادية المطبقة في الشرق الأوسط الاكتشافات النفطية والمساعدات الخارجية الضخمة[90].

ويقسم تيم نيبلوك الدراسات الأكاديمية البريطانية عن الشرق الأوسط إلى مرحلتين، تمتد الأولى من الخمسينات إلى السبعينات، وتنقسم إلى دراسات عامة تميزت بسيطرة الرؤية التاريخية وتفاوت قدرات الباحثين في التحليل، ومن أهمها دراسة هولت عن تاريخ السودان المعاصر، ومانسفيلد عن مصر الناصرية[91]، وتنضاف إليها أيضا دراسة باتريك سيل عن الصراع حول سوريـا وقـد عنونهـا بـ”الأسد : الصراع على الشرق الأوسط ” وصدرت في كتاب ضخم يضم 842 صفحة من القطع المتوسطة باللغة العربية [92]. وضمت المرحلة الأولى دراسات متخصصة جمعت أكاديميين من التاريخ المعاصر والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وشكل باحثوا أكسفورد نواة هذه الدراسات، وقد تميزت هذه الدراسات بمحدودية قيمتها، نظرا لغياب رؤية فكرية ذات قاعدة شاملة الاتجاهات، حيث لم تساعد هذه الدراسات على فهم الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للشرق الأوسط. وتمتد المرحلة الثانية من منتصف السبعينات وتمتاز هذه المرحلة بسيادة الاتجاه التكاملي بين التخصصات، وتم التركيز خلالها على دراسة الاقتصاد السياسي ووضعية الدولة والايديولوجيا والأشكال الاجتماعية، علما أن محور هذه الدراسات هو وضعية الدولة. وقد برز في هذا الحقل أربعة اتجاهات رئيسية تتناول النظرية العامة للاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط، ودراسات دول الشرق الأوسط وتحليل دور الطبقات والجماعات والتفاعلات الاقتصادية الداخلية والخارجية، ودراسات حول البيروقراطية ودورها الدولتي والاجتماعي، ودراسات حول الاقتصاد وجماعات الضغط. وظهرت دراسات أخرى اهتمت بمصادر الثروة وأشكال الترتيب الاجتماعي[93].

في سنة 1958 أشرف جيمس بيرسون على إعداد عمل سمي “الكشاف الإسلامي” تحت رعاية مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، ولا يزال هذا العمل ساري الصدور حتى اليوم. ولكن أصبحت رعايته قائمة في وحدة البحث البيبليوغرافي الإسلامي لمكتبة جامعة كمبريدج، ويتولى إعداده والإشراف على صدوره الدكتور جيفري روبر بمساعدة هيزر بليني. ويحصر آخر إصداراته المجمعة في قرص مدمج، يجمع حوالي 202051 مادة علمية ما بين مقالة وكتاب وبحث مقدم لمؤتمر أو ندوة  علمية خلال الفترة ما بين 1906 و1997، والموضوع الرئيسي لهذه المادة يتعلق باهتمام البلدان الغربية بالمشرق العربي[94]، ويوضح الجدول التالي نسب التوزيع اللغوي للإنتاج الفكري حول الشرق الأوسط والذي تحتل فيه الانجليزية موقع الصدارة [95].

 

اللغة الانجليزية الفرنسية الألمانية الروسية الاسبانية الايطالية كلي
الأردن ع 199 20 20 1 0 5 245
% 81.2 8.2 8.2 0.4 0 2 99.9
إيران ع 281 105 70 64 1 2 523
% 53.7 20.1 1304 12.2 0.2 0.4 100
تركيا ع 293 107 116 61 2 21 600
% 84.8 17.8 19.3 10.2 0.3 3.5 99.9
الخليج ع 277 21 23 7 1 11 340
% 81.5 6.2 6.8 2.1 0.3 3.2 99.9
سوريا ع 145 111 36 4 2 3 301
% 48.2 36.9 12.0 1.3 0.7 1.0 99.9
العراق ع 210 52 35 5 2 0 304
% 69.1 17.1 11.5 1.6 0.7 0 99.9
فلسطين ع 252 37 47 0 3 3 342
% 73.7 10.8 13.7 0 0.9 0.9 99.9
لبنان ع 119 113 7 3 2 7 251
% 47.4 45 2.8 1.2 0.8 2.8 100
مصر ع 269 274 40 6 5 6 600
% 44.8 45.7 6.7 1 0.8 1 100
كلي ع 2045 840 384 151 18 58 3506
% 58.33 23.96 11.24 3.31 0.51 1.7 99.9
المعدل العام 60.95 23.10 10.47 3.34 0.52 1.65 _

 

يتضح من الجدول أن أعلى نسب الإنتاج الفكري فيما يتعلق باللغات الواردة في الجدول هي اللغة الانجليزية، والتي تصل إلى حوالي 58,33 في المئة وهي نسبة عالية جدا إذا قورنت بنسب باقي اللغات، وهي تعكس الاهتمام الأكاديمي الذي كانت توليه بريطانيا والولايات المتحدة فيما بعد بدول الشرق الأوسط، علاقة بالمجالات البحثية السالفة الذكر. وتهتم جامعة أكسفورد )التي تأسست سنة 1167 للميلاد  ببريطانيا( بتدريس  أهم مقرراتها في كلية الدراسات الشرقية، ومركز دراسات الشرق الأوسط، حيث تمنح الجامعة درجة البكالوريوس في هذا الفرع من الدراسات، وتتمحور أهم مواضيع التدريس في الموضوع المذكور في قسم الدراسات العليا حول الدراسات الشرقية، ثم الدراسات الشرق أوسطية في القرن العشرين، وتحتوي الجامعة على مركز خاص بالدراسات الشرق أوسطية الذي أسسه المستشرق البريطاني الكبير آرثر أربري عام 1920، ومقر المركز يوجد بكلية الدراسات الشرقية، التي تتوفر على مكتبة غنية بالدوريات والكتب والتقارير الرسمية والأنشطة المرئية والمسموعة والصحف والمجلات عن الشرق. ينضاف إلى كل ذلك أرشيف ضخم من الوثائق والصور، والتي أحضرها برترام توماس من رحلته إلى شبه الجزيرة العربية في الثلاثينيات من القرن العشرين، وتهتم هذه الجامعة في مقرراتها بمحاور هامة مثل الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية، ودراسات جنوب آسيا، والشرق الأوسط الحديث، والتاريخ السياسي للشرق الأوسط، ودراسة الشخصيات البارزة في السياسة المعاصرة، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين، إضافة إلى أدب الشرق الأوسط والتاريخ العثماني[96].

لقد ساهمت برامج دراسات المناطق في قطاع التعليم العالي في المملكة المتحدة في توفير فرص متنوعة وديناميكية للطلاب، وذلك لتركيز التعلم على أجزاء من العالم، خاصة تلك التي يشعرون بفضول فكري قوي يدفعهم إلى دراستها. وترتكز تلك البرامج على تكوين منهجي يعمق فهم الثقافة والتاريخ والسياسة والاقتصاد في  مناطق معينة. ومن بين أبرز أساتذة دراسات المناطق  الذين عرفوا في بريطانيا نجد فريد هاليداي، أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة لندن للاقتصاديات، ومن أهم كتاباته التي اشتهر بها بوصفه باحثا في دراسات المناطق بشكل عام، وفي دراسات الشرق الأوسط بشكل خاص، اشتهر بميله إلى الوضوح المنهجي، فهو لا ينسى مقولة الإيمان المطلق بالنجاعة العلمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وينطلق من مبادئ معيارية تحليلية، وبالقدر الذي ينطلق فيه من الخصوصية، بالقدر نفسه الذي يرفض إطلاقيتها في العلاقة مع المجتمعات المدروسة[97]. ومن بين الدراسات الهامة التي قام بها هاليداي يمكن ذكر ” شبه الجزيرة العربية دون سلاطين ” سنة 1974، و”إيران الديكتاتورية والتنمية” عام 1978، و”الثورة والسياسة الخارجية في حالة اليمن الجنوبي خلال عامي 1967 و 1987″ وذلك سنة 1990[98]، إضافة إلى كتابه الهام المعنون بالصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية، والذي صدرت طبعته العربية عام 2002[99].

وبالنسبة للتجربة الأمريكية يُذكر أنه لم تهتم أغلب الجامعات الأمريكية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية بدراسة منطقة معينة بذاتها، كما هو الشأن بالنسبة للعديد من المستشرقين الذين لم يهتموا بدورهم بدراسة التطورات المعاصرة في الشرق الأوسط، ويعزى الاهتمام بالمناطق ودراستها في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية إلى سياق التطورات الأكاديمية التي صاحبت أحداث بيرل هاربر عام 1941، مما جعل علماء الفيزياء المهتمين بتطوير القنبلة الذرية وعلماء العلاقات الدولية هم الأكاديميون الذين تأثروا بتلك الأحداث دون غيرهم. دون أن نغفل أن العداوة لليابان وللاتحاد السوفياتي جعلت المختصين في الأدب الياباني والروسي متخصصين في دراسة مناطق العدو، ونفس الأمر بالنسبة  للباحثين في شؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أصبحوا خبراء في تدبير مناطق وساحات المعارك[100].

وهكذا انطلقت دراسات المناطق في الولايات المتحدة في كنف الحرب العالمية الثانية، وتطورت في ظل الحرب الباردة، بالضبط حينما بدأت الولايات المتحدة تتصرف كقوة عالمية لها ارتباطات مصلحية في كل أنحاء الأرض، فصورت دراسات المناطق نفسها كأسلوب جديد ينتظم ضمنه البحث العلمي، الذي يقوم على أساس الجمع بين التخصصات المعرفية، وعلى الدراسة الميدانية، وأخيرا على الاهتمام بمناطق محددة. وكان الباحثون في إطار هذا الحقل يرون أنه بدل أن يقوم الفصل التام بين الباحثين في إطار علومهم، يجب عليهم أن يقوموا بوضع مقاربات تجمع حقولهم في ما سيتعلق بدراسة منطقة معينة، والقيام بإنتاج معرفة مفيدة متصلة بالسياسة، وتم التركيز على أن هذا الحقل الجديد يقوم على العلوم الاجتماعية، بدل الإستشراق التقليدي الذي يعتبر المجتمعات والثقافات المدروسة بُنى ساكنة[101].

وقد لعب مجلس بحوث العلوم الاجتماعية دورا كبيرا في إرساء هذه الدراسات، بحيث تم تأسيس لجنة بحوث مناطق العالم عام 1946، بهدف تحديد المناطق الأجنبية الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، من أجل دراستها أكاديميا في الجامعات الأمريكية على أساس العلوم الاجتماعية. وستتطور هذه اللجنة لتشمل باقي العلوم الإنسانية، بعد أن تحصل على تمويل من مؤسسة فورد، وقد كان هاملتون جب من بين أعضائها[102]. بعد ذلك ستندفع الجامعات الأمريكية إلى تشجيع هذه الدراسات، وتوسيع مراكز الدراسات الشرق أوسطية في كل من جامعة كولومبيا وبرينستون وهارفارد، وقامت هذه الجامعات بتزويد طاقمها الأكاديمي بباحثين من خلفيات عربية، كفيليب حتي المؤرخ اللبناني الذي أسس برنامج الدراسات الشرق أوسطية في برينستون[103]، واستمر في هذه الجامعة حتى تقاعده سنة 1954[104]، وقد تولى هذا الباحث دراسة مواضيع ذات صلة بالعالم العربي بدعم من اللجنة العربية الإسلامية للمجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية[105]، و اشتهر بدراسة عن تاريخ العرب[106].

وفي الفترة الممتدة ما بين خمسينيات القرن المنصرم وستيناته، صعدت دراسة الشرق الأوسط، بفعل اهتمام نخبة من المدرسين والطلبة بضرورة الحفاظ على سلطة الولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك بفضل كثرة البرامج والمؤسسات الحاصلة على الدعم من مؤسسات وقفية أولا، ثم الحكومات الفيدرالية فيما بعد. وفي نهاية الستينات سيعرف المجال تزايدا مهولا في درجات الدكتوراه الممنوحة في مجال الدراسات الشرق أوسطية بباقي فروعها الهامة مجسدة في العلوم السياسية و الأنثربولوجيا، وقد شابت هذه الدراسات في الولايات المتحدة بعض العيوب، وأهمها افتقارها المستمر لوجود رابطة تجمع شتاتها، إلا أنه في سنة 1946 سيفتتح معهد الشرق الأوسط في واشنطن، ليشرع في إصدار مجلته الفصلية المعنونة بــ”مجلة الشرق الأوسط”، وكان اهتمامها يراهن على السياسة المعاصرة والعلاقات الدولية، خصوصا في ظل تزايد الاهتمام الأمريكي بالمنطقة كما أسلفنا القول، لكن لم تعمد إلى البحث الأكاديمي كما نفهمه من دراسات المناطق. ويشار إلى أن الرابطة الأمريكية لدراسات المناطق كانت قد نشأت في الخمسينيات ثم توقفت في الستينات، ليتم بعدها تأسيس رابطة دراسات الشرق الأوسط (MESA) عام 1966 بتمويل من مؤسسة فورد، وعقدت مؤتمرها الافتتاحي عام 1967، ليتم الشروع في إصدار المجلة البحثية الفصلية الخاصة بالرابطة والمسماة “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، وسرعان ما ستتسع هذه الرابطة لتضم أكبر منظمة في مجال دراسات المناطق في فرعها الشرق أوسطي[107] .

وكما أشرنا آنفا، يعزى الفضل الأكبر لتطور هذه الدراسات إلى الأحداث التي عرفتها المنطقة، إضافة إلى الاهتمامات الفكرية، واهتم الدارسون الأمريكيون في هذه الفترة بدراسة التوراة والسامية، ولم يكن هناك في السابق باحثون على صلة بالشرق الأوسط سوى جيمس هنري بريستد المتخصص في الدراسات المصرية، وهو الذي كان قبل ذلك قد قام بتأسيس معهد شيكاغو سنة 1919[108]. لقد تطعمت المدرسة الأمريكية في الدراسات المناطقية بهجرة رواد الإستشراق الأوروبي إلى أمريكا أمثال هاملتون جب من بريطانيا، وفون غرونباوم من النمسا، وفرانز روزنتال من ألمانيا، وذلك في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على أن هذه الدراسات قد دخلت طور المهنية بعد تأسيس رابطة الشرق الأوسط كما سبقت الإشارة إلى ذلك[109].

و اجتازت هذه التجربة أربعة مراحل، تأثرت فيها بنظريات حقل العلوم السياسية، وباهتمامات السياسة الأمريكية وأهدافها الإستراتيجية، والتي اتجهت بالأساس إلى احتواء المد السوفياتي، وضمان تدفق النفط، و أمن إسرائيل، و المحافظة على الأنظمة الموالية لها، وقد أثرت هذه العوامل على دراسات المناطق في أمريكا، وهذه المراحل هي كالتالي[110]:

  • المرحلة الأولى امتدت من بداية الخمسينات حتى نهاية الستينات، واهتمت بمواضيع تتعلق بالحداثة والديمقراطية والليبرالية، في سعي نحو فهم طبيعة مجتمعات دول العالم الثالث، والعوامل المؤثرة على العملية السياسيةّ، من أجل إقناع الدول المستقلة حديثا بتبني نظرية الحداثة كبديل للماركسية، وقد غلبت على هذه المرحلة التفسيرات الثقافية عوض التحليلات العملانية، مما يوضح تأثر دراسات المناطق بالإرث الإستشراقي، وإن كانت ترى في العسكريتارية فرصة للتنوير السياسي[111].
  • في المرحلة الثانية التي بدأت منذ السبعينات واستمرت حتى أوائل الثمانينات وكانت تعنى بموضوع المشاركة السياسية، وتأثرت فيها الدراسات بالأحداث التي عرفتها المنطقة، كالثورة الإيرانية واغتيال السادات، الذي كان قد عمد إلى طرد الخبراء السوفيات، والاحتلال الإسرائيلي للبنان، وهي الأحداث التي أبانت عن خطأ نظرية الحداثة، مما جعل الاهتمام ينصب على محاولة فهم الإسلام السياسي، ومحاولة تفسيره سياسيا ونفسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وقد غلبت على هذه المرحلة التحليلات الصحفية فـي إطار مـا سمته أندرسون بـ “مراقبة المُلالــي”[112].

 

  • المرحلة الثالثة ابتدأت من الثمانينات حتى التسعينات، وتميزت بالعودة لدراسة الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني، وكيفية صنع السياسات العامة، ودور الدولة كمنظم لعملية التحول الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في المجتمع، ومن بين هذه الدراسات الأعمال التي قام كل من جياكومو لوتشياني حول”الأمة والدولة والاندماج في العالم العربي” في أربع مجلدات ضخمة، وفؤاد خوري حول “القبيلة والدولة في البحرين”، وإيليا زريق حول “الاعتبارات النظرية للدراسة اجتماعية الدول العربية”، وجبرائيل بن دور حول “الدولة في تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي”، إلا أن جل هذه الدراسات غابت فيها الدراسات المقارنة بين النظم الاقتصادية والسياسية بالمنطقة[113].
  • وفي المرحلة الرابعة التي ابتدأت منذ فترة التسعينات، عادت دراسات المناطق إلى تناول مواضيع تتعلق بالمجتمع المدني والديمقراطية والليبرالية، وحاولت بعث الأمل في إحراز  الديمقراطية، وإيجاد توازن بين سلطة الدولة والقوى الاجتماعية، وشملت هذه الدراسات الإنتاجات التي قدمها ريتشارد نورتن عن المجتمع المدني في الشرق الأوسط في مجلدين، وريكس براينن وبهجت قرني وبول نوبل بخصوص عملية التحرر السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي، وقد باءت محاولات هذه الدراسات في فهم طبيعة السلطة والمجتمع في هذه الدول بالفشل، نظرا لغموض المفاهيم والمصطلحات المستعملة فيها، والتي تتجسد في عدم تحديد ماهية الديمقراطية والمشاركة السياسية، وتاليا العلاقة بينهما في المجتمعات الشرق الأوسطية[114].

ولعل السمة المميزة لدراسات المناطق كما تبلورت في الولايات المتحدة، هي اعتمادها الشديد على البحث المؤسسي، وليس على الجهود الفردية، فالبحث المؤسسي المدعوم رسميا والمرتبط بسياسة الدولة العامة، وتحديدا بالسياسة الخارجية، جعل عدد مؤسسات البحث المناطقية تصل إلى حوالي 4015 حسب الإحصاءات المقدمة من طرف مؤسسسة بروكينغ[115]. وتكمن أهميتها في التقارير والأبحاث التي تمد بها صانعي السياسة، فاستراتيجيات التدخل في الشرق الأوسط، كالحرب على أفغانستان والعراق، كانت موجودة على رفوف هذه المؤسسات والمراكز قبل تنفيذها بسنوات[116]، وأشهر هذه المؤسسات في الولايات المتحدة التي تعنى بدراسات المناطق :

*  مؤسسة بروكينغ

* مؤسسة هيرتياج

* المؤسسة الأمريكية للسياسات العامة التي تأسست 1942.

* مؤسسة هوفر للدراسات الحربية المؤسسة عام 1919.

*  معهد كاتو الذي تم تأسيسه عام 1977.

* مؤسسة كارنيجي

*  مركز نيكسون تأسس عام 1994.

*  مركز وودرو ويلسون للأبحاث المؤسس عام 1968.

*  مركز جورج تاون للدراسات الإستراتيجية والدولية تأسس سنة 1962.

* معهد هودس الذي تأسس سنة 1961.

* معهد الدراسات السياسية المؤسس عام 1963.

إضافة إلى معهد السياسة المستقبلية، ومعهد السياسة العالمية، ومركز التحليل البحري، ومركز التحاليل الدفاعية، ومؤسسة راند، وعدة مؤسسات أخرى[117].

ومنذ التسعينات بدأت هذه الدراسات تزداد باطراد في كبريات المعاهد والمراكز، وفي هذا الصدد تشير آنا بيتريدج (رئيسة جمعية الشرق الأوسط بشمال أمريكا)  إلى أن الدراسات حول منطقة الشرق الأوسط زادت باعتبار الباحثين المتخصصين في الأديان بحوالي 8 في المـائة بعد سنـة 1996[118]. وبالرغم من ذلك لم تسلم هذه الجهود من النقد على أساس استمرار الماضي الإستشراقوي في إنتاج هذه المؤسسات، خاصة من طرف الباحثين العرب والنقاد،  فهؤلاء يعيبون على كل هؤلاء الباحثين الارتباط الوثيق بسياسة الأمن القومي الأمريكي، أمثال كناداف سافران الخبير في الجيش الإسرائيلي والأستاذ في هارفارد، وليونارد بيندر الأستاذ بجامعة شيكاغو وعضو الاستخبارات الأمريكية CIA في السعودية، علاوة على كل من كارلتون كون وهالبرن اللذان ارتبطا بوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، وفي نفس الوقت برابطة دراسة الشرق الأوسط، وبالمؤسسات الأمريكية المهتمة بدراسات المناطق على المستوى السياسي بالدرجة الأولى، فهذه الوقائع كانت هي من بين انتقادات أخرى وجهت لهذا الحقل برمته، من جذوره الإستشراقية إلى مظاهره الأكاديمية الراهنة[119].

هكذا بات جليا أن دراسات المناطق ولدت في الولايات المتحدة كامتداد للتحولات التي عرفتها ثلاث دوائر: 1- دائرة حقل الإستشراق المأزوم، 2- دائرة تحولات الفكر الاستراتيجي والاستراتيجيات الأمريكية، 3- دائرة الحياة الأكاديمية للعلوم الاجتماعية. فالالتقاء بين نواتج تلك الدوائر هو الذي ولد حقلا أكاديميا بينيا ملتزما بسياسات الدولة التي ولد في كنفها اتجاه منطقة بعينها، لكن توسعا في نطاق عمل الحقل المناطقي سيحدث ليشمل الدراسات الإفريقية والآسيوية، وحتى الأوروبية والأمريكية في بلدان أخرى، كما ستتسع دائرة الاهتمام بدراسات المناطق لتظم باحثين من بلدان أخرى في بلدانهم وهذا موضوع لبحث آخر، لكن كل ذلك التطور صوب البحث المناطقي لم يسلم من مخاوف بعض الباحثين من تزايد الإغراق في المناطقية بشكل يصطدم مع مضامين العولمة.

 

خاتمة:

لقد بات جليا أن الأمم لا تقوى، ولا تجد لها مكانا مرموقا في التاريخ، إلا إذا استوعبت المعادلة التي يقف على طرفيها كل من المعرفة والقوة[120]، بحيث اتحاد هذين العنصرين فقط هو الكفيل بأن يصنع أمة متمكنة في الأرض. لا شك أن ما يعرف بالغرب قد استوعب هذا الدرس، وبعد أن عاش قرونا من الزمن ضعيفا أمام شرق اكتسح عليه الجغرافيا، وجثم على صدره يعد عليه أنفاسه. لذلك اتجه أبناؤه منذ القرن الحادي عشر الميلادي إلى اقتحام كل سبيل يمكنهم من فهم هذا العالم الذي زاحمهم في أرضهم، اتجهوا بشغف لمعرفة خباياه وأسراره ولغاته وماضيه وأديانه، تساءلوا كيف تمكن من أن ينطلق من خيام الجزيرة العربية بدعوة دينية ليصل إليهم بجيوش جرارة.

وكانت النتيجة أن سار التاريخ وفق منحيين متعاكسين، منحى بلغت معه حضارة الشرق ذروتها، وشرعت في النكوص على عقبيها، و منحى دشنت فيه أوروبا الغربية نهضتها على العلم والمعرفة بالآخر وبالذات، وانطلقت من جديد لترد الصاع صاعين. صراع قال عنه الكثيرون انه صراع حضارات، وصراع صيرورة هدامة بين ثقافتين، حاولوا تغليفه باستيهامات جغرافية لم تكن في الواقع يوما، فإذا كان الشرق الأوسط وما رادفه وتاخمه من مصطلحات مجرد اصطناعات لغايات معينة، وأصبحت دارجة ولا مندوحة عن استخدامها، فإنه يمكن القول وبكل ثقة أن مفاهيم من قبيل الشرق والغرب والشمال والجنوب، هي الأخرى اصطناعات لا مفر من استخدامها بحيث فرضها على الإنسانية واقع المركزية الأوروبية في وقت سابق، و فرضها قبل ذلك جبرية الإنسان على أن يتخذ له موقعا في المكان و الزمان يتصرف و يتمثل العالم على أساسه.

ربما اختتام هذا البحث على نحو تأملي سيكون ضروريا لإعادة النقاش إلى جوهره الفلسفي، والربط بين أطراف القضية الكبرى، التي تنضوي تحتها هذه الدراسة قضية العلاقة الأزلية بين القوة والمعرفة، فلولا تلك العلاقة الجدلية بين المعرفة الإستشراقية الأنجلو-أمريكية، وبين سياسات بريطانيا والولايات المتحدة في الشرق، بحيث تُوجه السياسةُ المعرفة، وتَخدم المعرفةُ السياسة، لما وجدنا أمامنا ما بات يعرف بدراسات المناطق. وعلى الصعيد الإجرائي شكلت ولادة فكر استراتيجي عملي صلةَ الوصل بين ذينك الرقمين في المعادلة، فأنجب هذا الفكر نظاما إقليميا فرعيا من النظام الدولي العام، بشكل سهل عمل المستشرقين، وعبد أمامهم الطريق لإقامة مراكز البحث وبيوت الخبرة وشعب البحث الجامعي، بتناغم تام مع الاستراتيجيات، التي توضع بتفاهمات غالبا بين أصحاب المصالح وبين محترفي السياسة.

  • باحث في جامعة محمد الخامس في الرباط – المغرب

 

—————————————————————————————————–

الهوامش

[1]  يقصد كل من ادوارد سعيد وحسن حنفي وعبد الله العروي وصادق جلال العظم وغيرهم، و هناك منهم من اكتفى بالحديث عن الأزمة التي         يعرفها الحقل مثل أنور عبد الملك دون التفصيل في الظاهرة التي ندرسها في هذه الدراسة، بل حتى مؤلف زكاري لقمان الذي سيأتي ذكره، لم     يربط بين ما صار يعرف بدراسات المناطق و بين الإستشراق، ربطا يسترعي المستويات الجيو-اقتصادية بالسياسية بالإيديولوجية، وإن كان       إسهامه جديرا بالاهتمام.

[2]  بخصوص هذه الانتقالات فقد كان أهمها إلى ميادين كالأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، وقد أفردت مجلة الاجتهاد خمسة أعداد متتالية عن            الموضوع هي: 47 و48 و49 و50 و51 في صيف وخريف العام 2001، وشتاء العام 2001، وربيع العام 2001. إلا أن الانتقال الذي يُهمنا      هو المتعلق بدراسات المناطق، وهي حقل بيني ستُسهم فيه مختلف العلوم الإنسانية بما فيها الأنثروبولوجيا.

 أحمد سمايلوفيتش، فلسفة الإستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998، ص 21-23.[3]

 عمر الطيبي، المجتمع المغربي  في الإستشراق، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة، العدد 195، ص86.[4]

 محمد فتح الله الزيادي، ظاهرة انتشار الإسلام، المؤسسة العامة للنشر – طرابلس، (د،ط)، (د،ت)، ص 55- 56.[5]

 احمد سمايلوفيتش، فلسفة الإستشراق، مرجع سابق، ص 23.[6]

 محمد فتح الله الزيادي، ظاهرة انتشار الإسلام، مرجع سابق، ص56.[7]

 لطفي بن ميلاد، الإستشراق في فكر هشام جعيط، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة، عدد376، 2010، ص119-120.[8]

[9] زاهر عواض الألمعي، مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي من زينب بنت جحش، مطبعة عيسى البابي، القاهرة، ط2، 1976، ص23.

عبد الجليل شلبي، الإسلام والمستشرقون، مطبوعات الشعب، القاهرة ، (د.ط)، (د ت)، ص 27.[10]

 عبد الجليل شلبي، صور استشراقية، الكتاب الأول، دون مطبعة، (د.ط)، (د ت)، 25-26.[11]

 نفسه، ص27.[12]

 يوهان فوك، تاريخ حركة الإستشراق، ترجمة عمر لطفي العالم، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، الطبعة الثانية، ص17. [13]

 ادوارد سعيد، الإستشراق: السلطة – المعرفة – الإنشاء، ترجمة كمال أبوديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، 1981،  ص37.[14]

  نفسه، ص59.[15]

 طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة، الجزء الأول، نشر دار ابن خلدون –بيروت، ط2، 1978، ص 193 . [16]

 زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، ترجمة شريف يونس، دار الشروق – القاهرة، ط1، 2007، ص 136-137.[17]

 حسن مصدق، أبعاد الصراع الفرنسي الأمريكي حول المغرب والشرق الأوسط وإفريقيا، دفاتر وجهة نظر (8)، ط1، 2005، ص 152-153.[18]

 اندرو ادجار وبيتر سيدجويك، موسوعة النظرية الثقافية، ترجمة هناء الجوهري، المركز القومي للترجمة، ط1، 2009، ص 43-44.[19]

 محمد جاسم  الموسوعي، الإستشراق في الفكر العربي،  مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 1993، 27.[20]

  محمد فتح الله الزيادي، ظاهرة انتشار الإسلام، مرجع سابق، ص 84-85.[21]

 عبد المتعال محمد الجبري، الإستشراق وجه لاستعمار الفكري، نشر مكتبة وهبة – القاهرة، ط1 ، 1995، ص126.[22]

 نفسه، ص133.[23]

 محمد جاسم الموسوعي، الإستشراق في الفكر العربي، مرجع سابق، ص 29-31.[24]

[25]  عبد الكريم غلاب، عرض تمهيدي في ندوة بعنوان: المغرب في الدراسات الإستشراقية، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، مراكش 1993،      ص 19.  ويشار أيضا إلى أن الكثيرين من دارسي الإستشراق العرب أدركوا أهميته كنجيب العقيقي، وذلك من حيث اعتباره ساهم في تحرك        العرب نحو دراسة تراثهم، يراجع:  نجيب العقيقي، المستشرقون، الطبعة الثالثة، الجزء الأول، دار المعارف، القاهرة، 1964، ص 7-8.

 زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، نفس المرجع السابق، ص 165.[26]

 احمد سمايلوفيتش، فلسفة الإستشراق، مرجع سابق، ص 223.[27]

 ادوارد سعيد، الإستشراق، مرجع سابق،  ص 203.[28]

 نفسه، ص 204.[29]

 نفسه، ص 208.[30]

[31] يانوش دانيتسكي، الإستشراق بين الشرق والغرب، ترجمة عدنان مبارك، سلسلة كتب الثقافة المقارنة: الإستشراق، ع1، كانون الثاني 1987،                                                  ص 51  .

 خليل سمعان، الإستشراق والمستشرقون، مجلة اللسان العربي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ع20، 1983،  ص 191.[32]

[33]  سنأتي على الحديث بخصوص مصطلح الشرق الأوسط وسياقات ظهوره واستخداماته، بل وتحوله إلى اصطلاح على منطقة تمت تسمية                                                       كل الدراسات التي كانت منصبة عليها باسمها تارة وباسم دراسات المناطق في أحيان أخرى.

 احمد جاسم الموسوعي، نفس المرجع السابق، ص 36-37.[34]

 نفسه، ص 45-48.[35]

 نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة، دار القارئ العربي – القاهرة، د-ط، د- ت،  ص 135.[36]

[37]  ادوارد  سعيد، الإستشراق، مرجع سابق، ص 285.

[38]  نفسه، ص 290.

 احمد سمايلوفيتش، فلسفة الإستشراق، مرجع سابق، ص224.[39]

 جي جي كلارك، التنوير الآتي من الشرق، ترجمة شوقي جلال،  سلسلة عالم المعرفة،عدد 346، ص185.[40]

 غسان غصن، الإستشراق الأمريكي، مجلة شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجة،  عدد 105، 2002، ص92-93. [41]

 أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط  والتفكير الاستراتيجي الغرب، مجلة جامعة الشارقة، مجلد 3، ع3، أكتوبر 2006، ص 140.[42]

[43]  نتجاوز في هذا الصدد عن إغفال التدقيق الواجب في التفرقة بين دلالة كلمتي: “مصطلح” و”مفهوم”.

[44]  أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغرب، مرجع سابق، ص  145.

 زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، نفس المرجع السابق، ص 170. [45]

[46] عماد الدين شاهين، الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية وفي دراسة العلاقات الدولية، دورة المنهاجية الإسلامية في العلوم                   الاجتماعية: حقل العلوم السياسية نموذجا، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2000، ص 118.

[47]  للاطلاع باستفاضة على تاريخ هذا المفهوم، يراجع: يوسف القروي، سنوات بوش في الشرق الأوسط (2000/2008): الشرق الأوسط الكبير                                                                                       أهو حقيقة أم اختراع؟، سلسلة دراسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوليو 2012.

[48]  في إطار التنافس الأوروبي على المستعمرات الآسيوية والإفريقية والذي انتهى بتقسيم سايكس- بيكو وتحميل الخسائر للدول التي خسرت                           الحرب العالمية الأولى وتحديدا الإمبراطورية العثمانية وألمانيا.

     ممدوح محمود منصور،  الصراع الأمريكي السوفيتي في الشرق  الأوسط، مكتبة مدبولي-القاهرة، د-ت، د- ط، ص 40.[49]

[50] أحمد عارف، الآثار السياسية في النظام الإقليمي العربي في ضوء احتلال العراق، مجلة جامعة دمشق، المجلد 25، ع2، 2009،                                                              ص 622.

أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغربي، مرجع سابق، ص 146.[51]

 كارلتون كون، القافلة: قصة الشرق الأوسط، دار الثقافة- بيروت، 1959، ص10.[52]

 عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، منشورات الأهالي – بغداد، ط2، 1935، ص 326.[53]

 أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط  والتفكير الاستراتيجي الغربي، مرجع سابق، ص 140.[54]

 ممدوح محمود منصور،  الصراع الأمريكي السوفيتي في الشرق الأوسط، مرجع سابق،  ص 39.[55]

 أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغربي، مرجع سابق، ص 148.[56]

 دوغلاس بويد، إذاعة الشرق الأدنى صوت بريطانيا، حوليات القدس، عدد 5، 2007،  ص 85-86.[57]

 أحمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغربي، مرجع سابق، ص 150.[58]

 فواز جرجس، النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت، ط1، 1997، ص 25  وما بعدها.[59]

 فريد هاليداي، الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية، تعريب محمد الرميحي، دار الساقي –بيروت، ط1، 2008، ص 214.[60]

 أحمد عبد الرحيم مصطفى، الولايات المتحدة والمشرق العربي، عالم المعرفة – الكويت، ع4، ابريل 1978، ص 5-6.[61]

[62] المعهد الدولي للصحافة بسويسرا، أخبار الشرق الأوسط في الصحافة العالمية،  ترجمة عبد اللطيف حمزة، دار الفكر العربي- القاهرة، ط1،

دت، ص 4.

 عبد المالك خلف التميمي، الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي، عالم المعرفة- الكويت، ع71، نوفمبر1983، ص 91.[63]

 حسين أغا وآخرون، الوجود العسكري الغربي في الشرق الأوسط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر– لندن، د-ن، د-ت، ص 2.[64]

 محمد الرميحي، النفط  والعلاقات الدولية، عالم المعرفة- الكويت،ع52، ابريل 1982، ص29.[65]

[66]  في إطار ما نصت عليه اتفاقية كيوطو، القاضي بكون الانبعاثات الرئيسية المخلة بالتوازن البيئي قادمة من دول الغرب الأوروبي الصناعي        والولايات المتحدة بشكل أساسي.

[67]  تتحدث معظم المصادر الإخبارية والتقارير المتخصصة عن هذا المحتوى.

 منير الحمش، السلام المدان، مكتبة مدبولي – القاهرة، ط2، 1997،  ص 315-316 .[68]

 محمد عزيز شكري، الأحلاف والتكتلات في السياسة الدولية، عالم المعرفة- الكويت،ع7، يوليو 1978، ص 33-34.[69]

 فاروق جويدة، من يكتب تاريخ ثورة يوليو؟، توزيع دار غريب- القاهرة ،د-ط، 2000،  ص 255.[70]

[71] ظاهر محمد الحسناوي، الرؤية الأمريكية للصراع المصري البريطاني، دراسات إستراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث                 الإستراتيجية، عدد 26، ص 43-44.

 بوب وود، الهدف: الشرق الأوسط، سينا للنشر – القاهرة، ط1، 1990،  ص 17.[72]

حسن نافعة، ندوة حول:  الغزو العراقي في الكويت، عالم المعرفة-الكويت، ع195، مارس 1995،  ص 464.[73]

 احمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغربي، مرجع سابق، ص 154-155.[74]

[75] مارينا اوتاواي وآخرون، الشرق الأوسط الجديد، تقرير صادر عن مؤسسة كارنيجي،  www.carnegieendowment.org/pubs                                                         ص 5.

[76] أحمد سليم البرصان وآخرون، مبادرة الشرق الأوسط الكبير، مجلة المتابع الاستراتيجي، مركز الكاشف للدراسات الإستراتيجية، كانون              الثاني 2000، ص 20.

[77] عماد الدين شاهين، الشرق الأوسط الكبير…أصداء الرؤى الغربية، سلسلة أمتي في العالم، مركز الحضارة للدراسات السياسية، د- ط، د- ت،        ص 214.

 احمد سليم البرصان، تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغرب، مرجع سابق، ص 157.[78]

 [79] هذا بصرف النظر عن كون تأثير اللوبي الصهيوني في أمريكا قد شرع في الانكفاء ترتيبا على نتائج الحرب الإسرائيلية اللبنانية لسنة 2006،       عبد الله صالح، من يرسم السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، المتابع الاستراتيجي، مركز الكاشف للدراسات الإستراتيجية، حزيران                                                               2008، ص 8.

[80] حسن مصدق، وثائق ويكيليكس وأسرار ربيع الثورات العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2012، ص69.

 ماهر عابد، الدولة الفلسطينية بين أمريكا وإسرائيل، جريدة القدس العربي، عدد 6331، الاثنين 30 ماي 2011.[81]

 ماهر ملندي، خارطة الطريق بين النص والتطبيق، مجلة جامعة دمشق، المجلد 25، العدد 2، 2009،  ص 392.[82]

[83] إسلام ديلي، مخطط برنارد لويس لوضع بذور الديمقراطية العربية يتم اختباره في العراق، دراسات إستراتيجية، مركز الكاشف للمتابعة                 والدراسات الإستراتيجية، تشرين الثاني، 2005،  ص 8-9.

[84] فلنت ليفيريت وتامارا ويتس، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال الفترة الثانية لإدارة بوش، ترجمة منار الشوربجي، سلسلة                 ترجمات، المركز الدولي للدراسات المستقبلية و الإستراتيجية- مصر، ع14، السنة الثانية، 2006 ، ص 18.

 ادوارد سعيد، الإستشراق، مرجع سابق، ص 130.[85]

[86]  نحن نركز على الشرق الأوسط نظرا لكونه جغرافيا اعتبارية من الناحية الإستراتيجية بالنسبة للقوى الغربية التي تقودها الولايات المتحدة،          ونظرا لكونه أيضا يجمع بين دول تقع في آسيا وإفريقيا من الناحية القارية فهو نظام إقليمي استثنائي يعتبر محور الدراسات المناطقية في           العالم الأنجلو-أمريكي.

[87]   ممدوح محمود منصور،  الصراع الأمريكي السوفيتي في الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 41.

[88] Timothy Mitchell, The middle east in the past and future of social sience, Uc berkely.GAGA                                 BOOKS 2003, p4.

[89] Ibid. p5.

[90]   شارل عيسوي و آخرون، التطور الاقتصادي في الشرق الأوسط، مؤلف جماعي بعنوان: الشرق الأوسط الحديث، الجزء الثاني، إشراف            ألبرت حوراني، ترجمة اسعد صقر، نشر دار طلاس – دمشق ، ط1، 1996،  ص 32.

[91]  عماد الذين شاهين، الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية وفي دراسة العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص120 ــ 121.

[92]   باتريك سيل، الأسد: الصراع على تفسير الشرق الأوسط، شركة المطبوعات للنشر و التوزيع – بيروت، ط10، 2007.

[93]  عماد الذين شاهين، الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية وفي دراسة العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص 121 و122.

[94]  هاشم فرحات، دول الشرق الأوسط في الإنتاج الفكري الأجنبي، جامعة الملك سعود – الرياض، قسم العلوم والمكتبات                                 والمعلومات، د- ت، د- ناشر، ص 3 ــ 4.

[95]  نفسه،  ص 17.

[96]   محمد وقيع الله احمد، الإسلام في المناهج الغربية المعاصرة، بحث لنيل جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة النبوية  والدراسات              الإسلامية المعاصرة، ط1، 2006،  ص 234 ــ 239.

[97]  فريد هاليداي، الإسلام وخرافة المواجهة، ترجمة محمد مستجير، مكتبة مدبولي القاهرة، ط1، 1997، ص 223/224.

[98]  نفسه، ص 5.

[99]  فريد هاليداي، الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية، تعريب محمد الرميحي، دار الساقي –بيروت، ط1، 2008.

[100]   زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، نفس المرجع السابق، ص 206 / 207.

[101]   زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، مرجع سابق، ص 209.

[102]   نفسه، 210.

[103]  نفسه، ص 213.

 شوقي أبو خليل، موضوعية فيليب حتي، منشورات دار الفكر- دمشق ، ط1، 1985، ص 14.[104]

[105] Timothy Mitchell, The Middle East in the past and future of social science, ibid, p 3.

 [106] يقصد كتابه: تاريخ العرب المطول، وهو في ثلاثة أجزاء نشرت تباعا في السنوات: 1949-1951- 1953 عن دار الكشاف للنشر والطباعة       والتوزيع.

[107]   زكاري لقمان، تاريخ الإستشراق وسياساته، مرجع سابق،  ص 214 و216.

[108] Timothy Mitchell, The middle east in the past and future of social science, ibid, p3.

[109] Ibid, p 6-10.

[110] عماد الذين شاهين، الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية وفي دراسة العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص124.

[111] نفسه، ص 125.

[112] نفسه، ص 126 -127 .

[113] نفسه، ص127-128.

[114] نفسه، ص 128-129.

[115]  حسن مصدق، أبعاد الصراع الفرنسي الأمريكي حول المغرب والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مرجع سابق،  ص 140.

[116]   نفسه، ص 132.

[117]  نفسه،  للمزيد من الاطلاع، من ص 142 إلى 166.

[118]  برانون ويلر، إدماج الدراسات الإسلامية في المنهاج الدراسي للعلوم الفلسفية والإنسانية، مجلة إسلامية المعرفة، السنة الرابعة، العدد 14،          دون ناشر ولا مكان النشر ولا تاريخ النشر، ص 233 ــ 234.

[119] Timothy Mitchell, The Middle East in the past and future of social science, ibid, page 11.

[120]  بخصوص هذه الإشكالية فقد أُثيرت ملاحظة من طرف الكثيرين تعليقا على رؤية ادوارد سعيد نفسه للإستشراق كتشكيل خطابي ارتبط بالقوة وولد إنشاء خطابيا عبر ذلك الإتحاد، وتلك الملاحظة كانت تتعلق بكون الإستشراق ظهر أيضا في بلدان لم تكن دولها استعمارية أو لها مصالح استعمارية في الشرق، و قد رد ادوارد على تلك الملاحظة وغيرها في كتيب أسماه: تعقيبات على الإستشراق، أما بخصوص وجهة نظر الباحث بخصوص الملاحظة نفسها، فان المسألة ترتبط بسياق طغى ودفع إلى انتشار الظاهرة خارج مسبباتها، على النحو الذي لم يتعلق فقط بظهور الإستشراق ببلدان غير استعمارية، وإنما امتد نسق الفكر الإستشراقي إلى بلدان الشرق نفسه، وهذا موضوع بحث آخر.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

الرئيس مفقود

تأليف بيل كلينتون وجيمس باترسون – حوار: روي نيل – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.