الرئيسية / مقالات / الشّيخ مصطفى عبدالرّازق وريادةُ الدّرسِ الفلسفي
الشّيخ مصطفى عبدالرّازق

الشّيخ مصطفى عبدالرّازق وريادةُ الدّرسِ الفلسفي

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: خالد محمد عبده* —
لا يمكن الحديث عن درس الفلسفة الإسلامية والتصوف في مصر دون أن نذكر المُعلِّمَ الأوّل لها، الشيخ مصطفى عبد الرّازق (1302-1366 هـ / 1885-1946م) كان الشّيخ عقلاً كبيرًا حوّل في نفسه ما عرفه من هدي الدّين وفلسفة الرّأي إلى حكمة الخلق الراجح واللفظ النزيه والعمل المبرور، وتحلّى بالصوفية العقلية العملية التي تُربّي مريدها بالأدب الرّفيع، الذي أخذه عنه بدون قوالب ألفاظ وفلسفات ومجالات أغلب تلاميذه، وسرت فيهم بساطته مع اقتدار، وصدقه مع هدوء، ومعارفه مع حكمة.

أجمع النّاس على سماحته ونبله وفضله، فهو من بيت نمط لا واحد له في تقاليده وتربيته وبيئته، يمثّل نوعًا من الفتوة الإسلامية، له خصائصه وله سننه، يرى العزّة في سموّ الإنسانية، ويجد المزيّة في سؤدد الفكر المهذّب-على حد تعبير الأستاذ أحمد حسن الزيّات.

كتب عن الشّيخ مصطفى عبد الرّازق ومعارفه كثيرون من أقرانه ومعاصريه وتلامذته، كلّهم يؤكدون ريادته ومعرفته ودوره في تاريخ التعليم في مصر، في جامعة القاهرة والجامع الأزهر، كتب عنه العقّاد ورثاه بمرثية ألقاها في حفل تأبينه في جامعة الأزهر، وكذلك فعل طه حسين وقدّم المجموع من آثاره بعناية أخيه علي عبد الرّازق، وكتب عنه الزيّات في الرسالة وغيرها، وكتب عنه إبراهيم مدكور أكثر من مرة، ومحمد فريد وجدي، ومحمد كرد علي، ومنصور فهمي، وأمين الخولي.

وكتب عنه من تلامذته الراحلين: أبو العلا عفيفي، ورأى أنه ما مات من خلف سيرة كسيرته، وكذلك فعل تلميذه النجيب محمد مصطفى حلمي وسرد لنا ما تميّز به الشيخ في الدرس الفلسفي، وظلّ متذكّرًا له كلّما ألّف كتابًا أهداه إليه، وكذلك فعل محمد كمال جعفر وناقش منهجه ورؤيته للفلسفة الإسلامية، وكتب عن مدرسته أبو الوفا غنيمي التفتازاني، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة الذي تأثّر به تأثّرًا واضحًا نلمسه في كتاباته وترجماته النادرة، واحتفى به تلميذه علي سامي النشّار، وحفظ لنا بعض أوراقه العلمية ونشر بعضها في مقدمة تحقيقاته، كما فعل في كتاب الرازي اعتقادات الفرق، وظل مدينًا له في نشره لبعض الكتب الأخرى ككتاب السيوطي في نقض المنطق، الذي نبّه الشيخ إليه في وقت مبكّر. كذلك تناول جهود الشيخ في الدرس الفلسفي بالتحليل والنقد كلّ من الأستاذ ماجد فخري، ومعن زيادة، ومحمد عابد الجابري.

كانت كتابات الشيخ مصطفى بمثابة الفتح الجديد للدرس الفلسفي في مصر، ولا شكّ أنها حددت خط السّير لتلاميذه ودفعتهم إلى مزيد من التّعمق في دراسة الفكر الإسلامي والتصوف، لاكتشاف وجه الأصالة فيه، كذلك حفّزتهم على نشر عيون التراث الإسلامي، فنشروا قدرًا منه، كما أنهم قاموا بدراسات علمية جادّة لعديد من الشخصيات الفلسفية والصوفية، يقول الأستاذ التفتازاني: “التحقتُ بقسم الفلسفة بعد أن تركه أستاذنا ببضع سنوات، فوجدتُ بالقسم نخبة ممتازة من تلاميذه الذين أخذوا على عاتقهم آنذاك إكمال رسالته العلمية التي بدأها، فأنستُ إليهم، وأحببتهم وشجعوني منذ كنت طالبًا على المضيّ في دراسة الفلسفة الإسلامية لما لاحظوه من ميلي الواضح إليها. ويتحدث التفتازاني في سياق آخر عن تلميذ مصطفى عبد الرازاق قائلاً: لقد ظلّ محمد مصطفى حلمي أكثر من ثلاثين سنة عاكفًا على دراسة التراث الفلسفي الإسلامي بوجه عام، والتراث الصّوفي بوجه خاص، وما ذلك إلاّ بدفعة روحية قويّة من أستاذه مصطفى عبد الرازق، وقد استطاع هو أيضًا أن يُحبب التصوف الإسلامي إلى كثير من تلاميذه، وأن يجذبهم إلى دراسته واكتشاف مجاهله طيلة الأعوام التي قضاها في الدّراسة والبحث.

ويتأكد كلام التفتازاني إذا نظرنا نظرة سريعة إلى ما تركه الأستاذ محمد مصطفى حلمي من كتابات صوفية، نذكر منها على سبيل المثال: (ابن الفارض والحبّ الإلهي- الحياة الرّوحية في الإسلام- حكيم الإشراق وحياته الرّوحية- الخصائص النفسیة للریاضات والأذواق‌ الصوفیة- آثـار السـهروردي المـقتول- الحب الإلهی في التصوف الإسلامي- ابـن‌ الفارض‌ سلطان العاشقین- كنوز في رموز-صفحات ونفحات- العشق عند ابن سينا).

ومما‌ یدلنا‌ علی مدی الأثر الكبیر الذي ترکه‌ الشیخ مصطفی عبد الرازق فی نفسه تلامیذه‌، تـلك العـبارة التـي وجهها محمد مصطفی حلمي، في اهدائه أحد مصنفاته إلی روح أستاذه قائلا: کنت‌ من‌ زکاء الفـطرة، وجـلاء البصیرة، ونقاء السیرة، وصفاء السریرة حتی لم أجد فیك‌‌ إلا‌ القدوة الحسنة فی العلم، والأسـوة الصـالحة فـي‌ العمل‌. وکنت‌ من البرِّ لي والنصح والعطف‌ عليّ‌ حتی‌ لم أعهد منك إلا المثل الأعلی في الأسـتاذیة والأبـویة والصداقة جمیعا. وإذا لم‌ تتح‌ لي الأقدار أن أهدي إلیك في‌ عالمنا الدنیوي‌ ما‌ تهیّأ‌ لي مـن‌ نـتائج البـحث العلمی التي لیست‌ في الحقیقة إلا نفحة من نفحاتك، وثمرة من ثمراتك فلا أقل‌ من‌ أن أهدي إلیك في عالمك‌ العلوي هذه الصـفحات، إجـلالاً لشـخصك، واعترافا‌ بفضلك، ووفاء بعهدك، وإحیاء لذکرك.[إهداء كتاب: توفیق التطبیق في إثبات أن الشيخ الرئيس من الإمامية الاثنى عشرية ، نشرة الحلبي، القاهرة 1954].

آمن الشيخ مصطفى عبد الرازق بحرية الفكر والقول والعمل، وكان يقول: اللهم إن كانت خطواتي في سبيل الحياة تقرّبني من الحذر وتجعلني أخاف بشرًا فاقبضني إليك! وكان يقول: على أننا نحبّ لخير الإنسانية أن يشيع في الناس الشعور بحريتهم واختيارهم ، لأن هذا الشّعور ينعش النشاط البشري، ويدفعه في سبيل العمل وهو يُكبر في المرء الثقة بنفسه، ويجعل آماله عالية.

كان الشيخ مثلاً أعلى في الإيمان والتقوى وحبّ الخير وصفاء النّفس، مما يجعل منه صوفيًا عارفًا بالله- كما يقول التفتازاني، وقد رأى فيه ما يجعل بيت أبي الفتح البستي واصفًا حاله: صافي فصوفي حتى سمى الصوفي.

من آثار الشيخ مصطفى عبد الرازق:
– “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، وهو أبرز كتبه وأهمها في الدرس الفلسفي المصري، ظلّ أثره واضحًا وملموسًا في الكتابات الفلسفية العربية، تناوله بالعرض والتحليل والنقد أساتذة عدّة نذكر منهم الأستاذ إبراهيم مدكور، ومحمد كمال جعفر، وسعيد زايد، وماجد فخري، وحامد طاهر، ومحمد عابد الجابري.

– “كتاب فيلسوف العرب والمعلم الثاني”، کشف‌ فـیه مؤلفه الشيخ مصطفی عبد الرزاق، عن‌ خمسة أعلام‌ من قادة‌ الفـکر‌ العربي: الکندي، والفارابي، والمـتنبي، وابـن الهیثم، وابن تیمیة.

– “الإمام الشافعي”، وهو من الكتب المهمة للشيخ، ومن جميل ما يذكره عميد الأدب العربي طه حسين في مقدمة آثار الشيخ مصطفى عبد الرازق التي جمعها أخيه ونُشرت في دار المعارف قوله: (كان وفيًّا للشافعي رحمه الله لأنه ذهب مذهبه في الفقه، ويرى الوفاء له دينًا عليه، وأثّر هذا الوفاء للشافعي في حياته العقلية نفسها، وفي نهجه الفلسفي تأثيرًا شديدًا، وفتح له أبوابًا من العلم لم تُفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين. فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأيًا خصبًا .. فقد رأى أن الشّافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة واستنباط الأحكام من النصوص.. وكذلك جرّه الوفاء للشافعي رحمه الله إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته.

– “الصوفية والفرق الإسلامية”، محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ في مؤتمر الأديان بلندن عام 1932، وأعاد نشرها الأستاذ علي سامي النشّار عرفانًا بجميل أستاذه في تحقيقه لكتاب الرازي اعتقادات فرق المسلمين والمشركين.

*باحث فى الإسلاميات والتصوف

المصدر: موقع الحضارات – الأهرام

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

خرائط المستوطنات التي صدمت أوباما

عندما أظهر جون كيري الخرائط للرئيس الفلسطيني محمود عباس، إقتنع الأخير بأن الأميركيين يؤمنون بأن …

افتتاحية “هآرتس”: لنمزق هويتنا الإسرائيلية

افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية — •يضغط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على شركائه في الائتلاف الحكومي …

إذا نجحت صفقة القرن مع إيران، فإن هذا مدعاة للسرور في تل أبيب ودمشق

بقلم تسفي برئيل – محلل سياسي إسرائيلي — •يحتل علي أكبر ولايتي مكانة خاصة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.