الرئيسية / دراسات / تداعيات السيطرة على الهلال النفطي في ليبيا

تداعيات السيطرة على الهلال النفطي في ليبيا

بقلم توفيق المديني —

منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في سنة 2011، وعلى امتداد السنوات السبع الماضية، ظل الهلال النفطي الذي يمثل منطقة اقتصادية استراتيجية في ليبيا محل صراع بين قوى مختلفة، وتعد السيطرة عليه ورقة في غاية الأهمية على الصعيدين الداخلي والدولي، وورقة اقتصادية رابحة، نظرًا لقيمة الهلال النفطي على صعيد إنتاج النفط الليبي وتصديره، حتى على الرغم من تراجع الإنتاج. وورقة ضغط سياسية، توظفها القوة المنتصرة في الصراع من أجل تحسين شروط العلاقة مع الدول الكبرى، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي وشركاتها النفطية التي تفضل النفط الليبي لجودته العالية، وقرب الهلال النفطي من الموانئ الأوروبية.
وتُعَدُ المنطقة الساحلية المطلة على البحر المتوسط، والتي صار متعارفا على اعتبارها منطقة الهلال النفطي في ليبيا، وهي تمتد على شريط ساحلي طوله مئتان وخمسة كيلومترات من مدينة السدرة غربًا إلى طبرق شرقًا، أهم منطقة استراتيجية نفطية في ليبيا، إذ تتمدّد بين مدينتي بنغازي وسرت، على مساحةٍ تقدر بنحو أربعمئة كيلومتر مربع، وتحتوي على كميات كبيرة جداً من النفط، حيث تحتوي ما نسبته 80% من احتياطات ليبيا النفطية. كما أن المنطقة تضم أهم مصافي النفط ومنشآت التكرير، وأهم موانئ تصدير النفط الليبي، الزويتينة، البريقة، رأس لانوف، والسدرة، والأخيران يصنّفان أكبر ميناءين لتصدير النفط في الشرق الأوسط، فميناء السدرة كان يصدر نحو 50% من إجمالي إنتاج ليبيا من النفط الذي كان يتجاوز مليونا و600 ألف برميل يوميا. ليأتي ميناء رأس لانوف ثانيا بعده. أما ميناء البريقة فيعد منطقة صناعية نفطية. ويمثل حوض سرت الحوض النفطي الأكبر في الهلال، إذ يضم 80% من احتياطات النفط في ليبيا و19 خزانا بسعة 6 ملايين برميل من النفط. وتبلغ سعة حقل الزويتينة النفطي (180 كيلومترا غرب مدينة بنغازي)، نحو ستة ملايين ونصف مليون برميل، لكن عمليات تكرير النفط متوقفة فيه. ويقدر حجم الثروة النفطية في ليبيا بأكثر من 45 مليار برميل من النفط و52 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى في أفريقيا متقدمة على نيجيريا.

توظيف الريع النفطي للبقاء في السلطة
ترجمت ليبيا، قبل سقوط نظام القذافي سنة 2011، تطبيع علاقاتها مع الغرب على الصعيد الاقتصادي، بعودة شركتي النفط الأميركيتين، أوكسيدنتال وشيفرون، إلى التنقيب عن النفط، وتحديث البنية النفطية المتداعية بسبب 18 سنة من العقوبات الدولية، على حساب الشركات الأوروبية. وكانت طرابلس تطمح، باعتمادها على الشركات الغربية، والروسية والهندية، إلى رفع مستوى إنتاجها النفطي من 1.8 مليون برميل يومياً في 2008 إلى عتبة ثلاثة ملايين برميل يومياً في 2013، أي العودة إلى المستوى الذي كان عليه الإنتاج الليبي في سنة 1970 (قبل تأميم القطاع النفطي) من خلال ضخ الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي بقيمة 30 مليار دولار. وكانت العائدات المالية من مبيعات النفط والغاز قد ارتفعت قيمتها من 8 مليارات دولار في 2002، إلى 29 مليار دولار سنة 2005، وإلى 55.5 مليار دولار في 2007. وتمكنت ليبيا من تحصيل ثروةٍ قدّرت قبل سقوط نظام العقيد بنحو 136 مليار دولار من مبيعاتها النفطية.
وكانت ليبيا تصدر قبل سقوط نظام القذافي نحو 8 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً إلى جنوب صقلية عن طريق خط الأنابيب غرينستريم، المملوك مناصفةً بين شركة النفط الإيطالية العملاقة إيني والمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا التي تُقدر احتياطات الغاز الليبية بنحو 120 تريليون قدم مكعبة. وعلى الرغم من بقائه 42 عاماً في الحكم قبل سقوطه، فإن القذافي لم يتغير، وإن استطاع أن يتقاسم السلطة (ولا سيما في مجال الإدارة والجيش) مع قبائل أخرى، بضمان ولائها عبر توزيع الريع النفطي عليها بشكل واسع، مع محافظة قبيلة القذافي على مركز الريادة في السلطة، إضافة إلى أن أبناء القذافي نفسه كانوا يسيطرون على القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية (الاتصالات، الاستيراد، الاستثمار الخارجي)، فيما أمسك القذافي بملف النفط الذي يعتبر مجالاً محرماً على غيره.
ويكتب الباحث الجامعي في معهد الدراسات والأبحاث الدولية، لويس مارتيناز، في كتابه “مفارقات ليبية” (جامعة كولومبيا، 2010)، أن استراتيجية تقاسم السلطة ضمنت للقذافي الاستقرار. و”بفضل الريع النفطي، استطاع النظام أن يبني أجهزة أمنية متطورة جدا، ضمن بها تحييد أو تصفية المعارضات الليبية التي تضم أنصار الملكية والإسلاميين والديمقراطيين”. وبالمال النفطي، انتزع في عام 2009 الإفراج عن عبد الباسط المقرحي المحكوم في قضية لوكربي. وقد اعترف ابنه، سيف الإسلام القذافي، بأن وراء عملية إطلاق سراح السجين قبل الأوان، عقداً قيمته 900 مليون دولار يمنح شركة “بي. بي” البريطانية (كان العقيد نفسه قد أممها) امتياز التنقيب على النفط والغاز في حقول شاسعة. وبالمال النفطي، عاقب “ملك ملوك أفريقيا” سويسرا التي اعتقلت شرطتها ابنه هنيبعل وزوجته بتهمة التعرّض بالضرب لعامل عربي مغربي وزوجته، فسحب أرصدة ليبيا البالغة قيمتها أربعة مليارات دولار من المصارف السويسرية. وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وطرد الدبلوماسيين السويسريين واحتجز اثنين منهم وأوقف تصدير النفط، ما استدعى أن يزور الرئيس السويسري طرابلس، ويعتذر علنا.

تبادل السيطرة على الهلال النفطي
كان الهلال النفطي في دائرة الصراع السياسي والعسكري على الإمساك به ووضع اليد عليه، بعد سقوط نظام معمر القذافي ودخول ليبيا في مرحلة الفوضى، إذ تعيش البلاد في ظل تراكم الأزمات والاضطرابات، وسط حالة من العجز التام من بقايا الدولة عن بسط سيطرتها على أجزاء من العاصمة الليبية طرابلس، ناهيك عن دولة مترامية الأطراف مثل ليبيا، الأمر الذي جعل جزءا من الجيش الليبي تحت قيادة اللواء خليفة حفتر، مدعوماً من القوات الخاصة في بنغازي، ومسنودًا من شريحة من الشعب الليبي التي سئمت حالة اللادولة واللاثورة، في مدينة بنغازي في شرق ليبيا، منذ 16 مايو/ أيار 2014، يتحرك لكي يضع حدّاً للإنفلات الأمني الذي تشهده البلاد في ظل الحكم الانتقالي المستمر منذ إطاحة نظام القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، حيث سيطرت مليشيات معروفة تحت شعار ثوري على منطقة الهلال النفطي الليبي، وفي يناير/ كانون الثاني 2013، سيطر “حرس المنشآت النفطية”، بقيادة إبراهيم الجضران، على الحوض النفطي بين عامي 2013 و2016، حيث وقعت معارك كرٍّ وفرٍّ بين عدة أطراف في المنطقة. وفي أكتوبر 2016، شكل استيلاء قوات اللواء خليفة حفتر على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي الليبي، الفاصلة بين شرق البلاد وغربها شمالاً، تحولاً استراتيجياً في الصراع السياسي على السلطة. ثم عادت معارك واشتباكات لتندلع في محيط المنطقة بين 2016 و2018. وفي يونيو/ حزيران 2018، نجح الجيش الليبي في السيطرة على منطقة الهلال النفطي والموانئ التابعة لها، حيث دارت معارك في الشهر الماضي بين قوات القائد السابق في حرس المنشآت النفطية، إبراهيم الجضران، وقوات اللواء خليفة حفتر، وبدت امتدادا لصراع بدأ قبل سنوات.
وعلى الرغم من أن الدول الكبرى التي شاركت في التدخل العسكري الأطلسي منذ خمس سنوات لإسقاط نظام العقيد القذافي، لم تتوقف عن إعلان دعمها لحكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج والمجلس الرئاسي، فإنّ بعضها لا يزال على صلة وثيقة بحفتر الذي استضافت قاعدته في بنغازي خبراء وضباطا بريطانيين وأميركيين، بل شاركت قوات فرنسية في القتال في صفوفه. ويقود حفتر، الحليف السابق للقذافي، حرباً في شرق ليبيا، منذ مايو/ أيار2014، تَمَكَّن خلالها من السيطرة على قطاعات من بنغازي ومناطق أخرى، لكنه لم يتوصل إلى نتائج كبيرة مقارنة بطول فترة الحرب التي لم تتوقف بعد.
وفي المقابل، توجد القوات الموالية للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج في المدن الواقعة غرب ليبيا، لكن حفتر ومُوَالِيهِ السياسيين في البرلمان لا يعترفون بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ويعدون القوات الموالية لها “مليشيات إرهابية”، إذ تمّ منع أي تصويت برلماني في الشرق لمنح الثقة لحكومة الوفاق مع تحدّي اتفاق الصخيرات الذي تم بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد ليبيا.
على الصعيد الإقليمي، يحظى حفتر بدعم قوي من مصر والإمارات المناهضتين لتنظيم الإخوان المسلمين، حيث يرى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مقاربته للأزمة الليبية، أن لديه ثلاثة ثوابت في المشهد الليبي: ضمان مكانة معتبرة لحفتر، وتقليص نفوذ “الإخوان المسلمين” في حكومة الوفاق ولجنة المصالحة الوطنية، والاعتماد على جيش حفتر فقط في تأمين الحدود الليبية، والاعتداد به جيشاً وطنياً للبلاد.
وفي المقابل، كانت قوات إبراهيم الجضران تسيطر على أهم موانئ البلاد النفطية منذ سنة 2013، بدعم من قبيلته الكبيرة “المغاربة”، وقد أدّى ذلك إلى تعطيل تصدير النفط، بعدما طالب بزيادة حصة إقليم برقة في شرق ليبيا، الأمر الذي قاد إلى تراجع كبير في إنتاج النفط، واستولد قتالاً مع مجموعاتٍ عسكرية من المنطقة الغربية، نتج عنها دمار كبير، أصاب المنشآت النفطية وأثر على عمليات الإنتاج، لكن اللواء خليفة حفتر، القائد العسكري السابق العائد إلى الميدان بدعم قوي من خارج الحدود، للإمساك بالبلاد بقبضة عسكرية منذ سنة 2014، نجح في إبرام صفقةٍ مع قبيلة المغاربة، أدّت إلى إقصاء الجضران واختفائه شخصياً من المشهد من دون قتال يذكر، في حين انسحبت قواته نحو جنوب البلاد وغربها، وحافظت على وتيرةٍ معينةٍ من العمليات العسكرية، كان أبرزها نهاية 2016، حين سيطرت على ميناءي السدرة ورأس لانوف النفطيين، قبل أن تتمكّن قوات حفتر من طردها والإمساك مجدّداً بالمنطقة الحساسة، وتأمين استمرار إنتاج النفط.
ويعتقد المراقبون المتابعون للشأن الليبي أنّ اللواء حفتر لم يستطع أن ينهي ظاهرة الجضران ومجموعته، حين سيطر على موانئ الهلال النفطي في نهاية سنة 2016، بدلالة أن الجضران، القائد السابق لما يسمى حرس المنشآت النفطية في المنطقة الوسطى، قد عاد إلى واجهة الأحداث، بعد تحالف جماعته مع جماعة “إخوان” ليبيا، وبدعم من مسلحي ما تسمى “سرايا الدفاع عن بنغازي”، التابعة لتنظيم القاعدة، فضلاً عن مسلحين آخرين من الجبهة الليبية التي تأتمر بأوامر عبد الحكيم بلحاج، ومرتزقة أفارقة، في أول أيام عيد الفطر الماضي، بشن هجوم عسكري على منطقة الهلال النفطي، أغنى مناطق ليبيا بالنفط، وبسط خلالها السيطرة على الموانئ النفطية، ما أدّى إلى وقف حوالي أكثر من نصف إنتاج النفط في ليبيا.
ومن الجدير بالذكر أن “غزوة الهلال” التي قادها الجضران جاءت هذه المرّة بنكهة سياسية وعسكرية مختلفة، إذ حظيت بـ”حياد” قبيلة المغاربة، ما عنى عملياً نهاية الصفقة التي أبرمتها معه قبل أعوام، وأدت إلى إقصاء غريمه المتمرد، واستغلال الهجوم الذي كانت قوات حفتر تقوده منذ شهر مايو/ أيار الماضي لتحرير درنة، المدينة الوحيدة في شرق ليبيا التي لا تزال خارج سيطرة الجيش الوطني. وتقع درنة على بعد ألف كلم شرق طرابلس، ونحو 300 كلم شرق بنغازي، ويسيطر عليها إسلاميون وجهاديون منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وتحاصر قوات الجيش الليبي، بقيادة اللواء حفتر، منذ نحو سنتين، هذه المدينة الساحلية البالغ عدد سكانها 150 ألف نسمة، وتقصفها بالمدفعية الثقيلة، كما تستهدفها بغارات جوية.
غير أنّ اللواء خليفة حفتر أصدر أوامره إلى الوحدات العسكرية بتطهير منطقة الهلال النفطي، واستعادتها من “قبضة الجماعات الإرهابية”. وكانت وكالة الأنباء الليبية قد نقلت عن مصدر عسكري تأكيده، يوم 22 يونيو/ حزيران الماضي، أنّ “هجومًا كبيرًا لقوات الجيش بدأ بعد صدور أوامر القائد العام، تشارك فيه مختلف الوحدات، بما فيها السلاح الجوي”. مشدّدًا على أن العملية “ستكون دقيقة للغاية لتجنيب المنشآت النفطية خطر الدمار والمزيد من الخراب”. واعتبرت وكالة الأنباء الليبية أن “هذه ليست المرة الأولى التي تتسبّب فيها أعمال الجضران بخسائر تقدّر بمليارات الدولارات، فقبل حوالي خمس سنوات، فرض نفسه آمرًا لحرس المنشآت النفطية في المنطقة الوسطى، بعدما قاد عددًا من المسلحين واستولى على موانئ نفطية في البلاد، ومنع إنتاج النفط وتصديره، وهو ما ترتبت عليه أزمة اقتصادية، بعد تسجيل خسائر مادية بلغت حوالي 110 مليارات دولار، حسب إحصائيات المؤسسة الليبية للنفط.

خاتمة
يقود اللواء حفتر انتفاضة جديدة في ليبيا من أجل القضاء على ما يسميها “المجموعات الإسلامية الإخوانية والتكفيرية الإرهابية”، انطلاقاً من الشرق الليبي، حيث يحظى بحماية من المليشيات البرقاوية (نسبة إلى برقة)، ولا سيما أن جزءًا من قبيلته (قبيلة فرجان) موجود في بلدة المرج في برقة، في حين أن الجزء الثاني والأهم موجودٌ في مدينة سرت، وهو لا يمكن له أن يقوم بهذه الانتفاضة على “المجموعات” التي يستهدفها من دون مؤازرة ضمنية أو مباشرة.
وبعد العملية العسكرية الخاطفة التي قام بها حفتر، أخيرا، في منطقة الهلال النفطي الليبي، واستعادة سيطرة قواته على أهم منطقة نفطية وغازية استراتيجية، وتُعد رئة الاقتصاد الليبي، وتمسك بمصدر الدخل شبه الوحيد له، والذي يهدّد أيّ مساس بها مصير قرابة مليون ونصف مليون ليبي (يقدر العدد الإجمالي للسكان في ليبيا بنحو خمسة ملايين نسمة)، يعملون في القطاع العام الذي يعتمد بدوره بشكل كلي على عائدات النفط، يعتقد حفتر أن السيطرة على منطقة الهلال النفطي الليبي ستمكّنه من الإمساك بورقةٍ تمثّل أهمية كبيرة في حسم الصراع في ليبيا لصالحه، لا سيما بعدما أعاد الموانئ النفطية إلى مؤسسة نفط موازية تابعة لحكومة مجلس النواب، بدلا من مؤسسة النفط الرسمية التابعة لحكومة الوفاق، ما أثار موجة استنكار كبيرة، انتهت إلى طلب حكومة الوفاق من مجلس الأمن التدخل لمنع تصدير النفط من خلال الحكومة الموازية في الشرق.
وقد كرّر رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، وهي التابعة لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج في العاصمة طرابلس، كرَّرَ تأكيده على أن هذه هي المؤسسة الشرعية، المعترف بها لدى منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، ومن المجتمع الدولي، وهي المسؤولة عن عمليات إنتاج النفط الليبي وتصديره، تحت رقابة حكومة السراج. ودعا صنع الله، خلال مشاركته في افتتاح القمة الليبية – الأوروبية الأولى للنفط والغاز، في الأسبوع الماضي، إلى عدم الالتفات إلى المؤسسات غير الشرعية والموازية، التي تسعى إلى تقسيم قطاع النفط والدولة الليبية وإدانتها، معربًا عن أمله في التوصل إلى حل سريع للأزمة الحالية، والسماح للمؤسسة الوطنية للنفط بمواصلة دعمها لمصدر قوت الليبيين من دون قيود. ورفض اللواء المتقاعد خليفة حفتر الاستجابة للنداءات الدولية بوجوب أن يتم تصدير النفط بإشراف المجلس الرئاسي، بل أعلن برلمان طبرق الذي يُوَالِيهِ حفتر بدء تصدير النفط من ميناء الزويتينة، ورفع القوة القاهرة عن موانئ النفط من خلال مؤسسة النفط التي تُوَالِيهِ، ما جعل حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا، تعرب، في بيان أصدرته الأربعاء الماضي، عن قلقها العميق من إعلان حفتر نقل تبعية حقول (وموانئ) النفط إلى مؤسسة النفط التابعة لحكومة مجلس النواب شرق البلاد، فقد أكد البيان ضرورة “بقاء الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية، وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني”، مشيرًا إلى أنّ قرارات مجلس الأمن الدولي الرقم 2259 لسنة 2015 و2278 لسنة 2016 و2362 لسنة 2017، كلها أكدت ذلك.
ويرى الخبير الاقتصادي سليمان شحومي، أنّ “الصراع الآن ليس على النفط في واقع الأمر، بل على إيراد النفط الذي يتجمع في بوتقة البنك المركزي في طرابلس، والذي يُدَارُ بشكل غير متوافق مع القانون، ويُقْصِي الطرف الآخر”. مُضِيفًا أنه “يجب الاتفاق على إعادة ترتيب إدارة البنك المركزي وتوحيدها والابتعاد عن التعاطي السياسي إذا أردنا المخرج السريع للأزمة”.
في ضوء هذه التطورات المتسارعة، وتغير موازين القوى في ليبيا، بعد المعارك الأخيرة للسيطرة على أهم موارد البلاد النفطية والغازية، والتي جعلت ليبيا تحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول لديها أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في العالم، أصبح المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الخاسر الأكبر، ولا سيما بعدما فرض “القائد العام للقوات المسلحة” سيطرته بشكل نهائي على الهلال النفطي، إذ إنّ قوات حرس المنشآت، برئاسة إبراهيم الجضران، التي أعلنت ولاءها للمجلس، خسرت المعركة، بينما لا يزال حفتر يرفض الخضوع لسلطة المجلس الرئاسي، وهو المنتشي بـ”تحرير” مدينة درنة في شرق البلاد. وقد أصدر في نهاية شهر يونيو/ حزيران الماضي، بيانًا حذر فيه من محاولة أطراف دولية، لم يحدّدها (فرنسا وإيطاليا)، من إنشاء وجود عسكري لها في الجنوب، بحجة التصدّي للهجرة غير الشرعية، فيما بدا كأنه تمهيد لتنفيذ قواته عملية عسكرية في الجنوب الليبي، بعد إعلان تحرير مدينة درنة، شرق البلاد.
بينما تتهم أوساط ليبية، وكذلك بعض الأطراف الإقليمية على غرار الجزائر، اللواء المتقاعد حفتر بالاتصال بالكيان الصهيوني، عبر قنوات عدة، فقد عمل مع المستشار الأمني الإسرائيلي – الكندي، آري بن مناشي، في السابق، وتواصل كذلك مع السياسي البارز في حزب الليكود، أورين حزا، ذي الأصول الليبية، وهو اليوم يتواصل مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، عبر ضابط يدعى موشيه، بوساطة رجل الأعمال الليبي حسونة تاتاناكي (نقلاً عن صحيفة “العربي الجديد” في 1/7/2018)، لتكثيف الوجود العسكري الصهيوني في الجنوب الليبي، وتحديدا في مدينة سبها التي تتوسط الصحراء الليبية، ويتجه حفتر إلى السيطرة عليها، لقطع الرغبة الفرنسية والإيطالية العازمة على بناء قواعد لها في الجنوب الليبي.

المصدر: صحيفة العربي الجديد

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.