الرئيسية / آراء / هل يساهم نفط ليبيا في فدرلتها؟

هل يساهم نفط ليبيا في فدرلتها؟

بقلم د.محمد عبدالرحمن عريف —
جاءت البداية مع النتقيب عن النفط في ليبيا بعد صدور قانون النفط لعام 1955. وتعتبر المؤسسة الوطنية للنفط أكبر شركة نفط في ليبيا والمسؤول عن عقود الاكتشاف والتصدير. وبالبحث عن حقول النفط الليبي وأنابيب نقله والمصافي والخزانات، وكذلك الاحتياطيات، يتبين لك أن النفط في ليبيا هو الأكبر في قارة إفريقيا وتحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول لديها أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة لبلدٍ في العالم. بمعدلات تقدر 46.4 مليار برميل (7.38×109 متر مكعب) بحلول سنة 2010. بلغ معدل الإنتاج اليومي بعام 2010, 1.65 مليون برميل (262×103 متر مكعب/ يوم) حيث يقدر أن تستمر الاحتياطات مدة 77 سنة إذا ما استمر الإنتاج بالمعدل الحالي ومالم تكتشف أبار نفط جديدة.
نعم تعتبر ليبيا منطقة ذات جاذبية نظرًا لزهد تكاليف إنتاج النفط (تصل حتى دولار للبرميل في بعض الحقول) ولقربها من الأسواق الأوروبية. تواجه الدولة الليبية تحدى لإبقاء الإنتاج قائمًا في الحقول التامة النمو بينما تبحث وتطور الحقول المكتشفة. تظل غالبية الأراضي الليبية غير مكتشفة نتيجة للعقوبات المفروضة عليها سابقًا بالإضافة إلى الخلافات مع شركات النفط الأجنبية.
وسط ذلك يُصدر السواد الأعظم من النفط الليبي (85%) إلى الأسواق الأوروبية، وقد بلغت صادرات النفط الليبي إلى الاتحاد الأوروبي حتى عام 2010، 11% أو 403 مليون برميل جاعلة إياها ثالث أكبر مصدر بعد النرويج وروسيا. وبلغ معدل الإنتاج التراكمي خلال 2009، 27 مليار برميل حيث يشكل ذلك الرقم ما يبلغ معدل 65% من الإحتياطي.
لم يكن وجود النفط كله خيرًا، فقد جاء ليصب على الفدرالية الليبية صبغة هوس الانشقاق المجاني بلا حجج ولا أسانيد، ذلك منذ بزوغها العفوي بثلاثة مطالب هشة تمهيداً لاستقلال ليبيا عام 1951، وحتى ظهورها الغامض عام 2012، ومتخفية وراء أنشطة حرابية في الهلال النفطي عام 2013 بدون مطالب معلنة وصريحة على طاولة التفاوض، وهو ما يفتح الباب للانتهازية البدائية، والابتزاز الملّفق، والطمع الكسول الذي يعمى الأنظار عن المخاطر التي ستقذف بها المطامع للدول الإقليمية الضالعة في الانقسامية الليبية اليوم لمآرب اقتصادية وجيوسياسية، يكشفها الغد والتي يؤكدها، وينفخ كيرها بدون وعي الانفصاليون، أو بتعبير مخفف، الفيدراليون الليبيون.
سبق أن بحث أستاذ التاريخ صلاح الدين السوري، مبكرّاً في الفيدرالية، وهو الذي عاصر شاباً وتابع باحثاً التوجهات الوطنية نحو الاستقلال وتكوين الدولة الحديثة في ليبيا 1947 – 1952. فكتب على صفحته على الفيس بوك أربع حلقات، عن الكيانات الذاتية الثلاثة التي تُكٓوِّنُ مجتمعة البلاد الليبية والتي نالت استقلالها بقرار أممي مُثْبِتًا في نصه كلا منها بالإسم.. ونبه إلى حقيقة تاريخية وهي أن برقة دخلت الاتحاد مترددة، خوفًا من أن تتضرر بالأغلبية الطرابلسية، راهنة دخولها إياه بشروط ثلاثة: إمارة السيد إدريس السنوسي ونظام اتحادي فدرالي وأن تكون بنغازي عاصمة الدولة. وقبلت طرابلس الغرب بالشرطين الأولين.. ومع كل ذلك ظل الشعور بالتهميش قائمًا في برقة، رغم استقرار الملك وهو من كان يعين رؤساء الحكومات نهائيًا في طبرق، وتسيير أعمال الحكومة وافتتاح الدورة البرلمانية في البيضاء.
ما بعد شباط/ فبراير 2011، هو أن تعالت الأصوات مجدّدًا تنادي بإعادة نظام فدرالي ليكون ضامنًا لإنصاف برقة وحفظ حقوقها غير المحدّدة والمعلنة.. وهو المسار المطالبي الغامض الذي تمت متابعته من قِبل المراقبين للتأزم الليبي، عن كثب، عبر الصراعات في المؤتمر الوطني وانقلاب القائد العسكري الصوري عليه الذي سيصير فيما بعد قائد عمليات الكرامة العسكرية المواجهة للإرهاب الداخلي، وهو ما بوأه أن يصبح قائد مُسمّى الجيش الوطني وصراعات البرلمان وظروف نقله إلى طبرق والعمل على إزدواجية المؤسسات السيادية وسك عملة موازية وصراعات المجلس الرئاسي وعرقلة التسوية السلمية وفشل تشكيل الحكومة مرّتين، كل ذلك يؤكد لكل ذي نظر وفهم أن الهدف هو استعادة الكيانات في شكلها الفدرالي..
طرابلس الغرب، في رأي السوري، لم يكن لها هذا الشعور، فلذلك دخلت متاهة حوار الطرشان وستتعرض للمزيد من المطالبات والابتزازات دون أية نتيجة.. ويخلص في النهاية إلى الاعتقاد مبدئيًا أن ليبيا بهذا الاتساع وترامي الأطراف وبُعْدِ المسافات لا يمكن تسهيل أمورها وتقديم الخدمات فيها وتطويرها وتنميتها إلا بنظام لا مركزي شبه “فدرالي”.
في حوارٍ مع مجلة «ليبيا زينيت» الإلكترونية، 14 كانون الأول/ ديسمبر 2017 تشكّك (فولفرام لاخر) الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، في نجاح سيناريو إقامة نظام لا مركزي في ليبيا دون وجود حكومةٍ مركزية فعالة، موضحًا أنّ “الاقتصاد الليبي مركزي يعتمد على عائدات النفط، ويجب إدارة ذلك بحكومة مركزية. ولهذا لن ينجح النظام اللامركزي”. هذه التوطئة التوصيفية للإشكالين الفيدرالي، واللامركزي تفيدنا في أي كلام يقال عن الدعوى الانفصالية في ليبيا اليوم.
في21 كانون الثاني/ يناير 2018 أشار الكاتب عمر الككلي مقارباً المطلب الفدرالي المفارق بأنه “ليس له في ليبيا قاعدة واسعة على المستوى الوطني العام، لذا فإنه ليس مقيضًا له النجاح في استفتاء عام حر، إلا أنه ثمة خشية من أن تتوفر ظروف ما تؤدي إلى فرضه بالقوة”. رؤيته صدّقها تقرير نشرته الوسط الليبية 14 نيسان/ أبريل 2018 عن موقع يتبع معهد “أميركان إنتربرايز” أشارت مُعدّته، وهو جزء من مشروع «كريتيكال ثريتس» لعدد من السيناريوات السيئة ستحدث باختفاء قائد مُسمى الجيش الليبي من الساحة السياسية، حاليًا أو مستقبلاً فـ”السيناريو الأسوأ هو اشتعال صراع نشط داخل صفوف مسمّى الجيش الوطني وبينه وبين معارضيه، مما يعرقل جهود التوافق الوطني ويعود بالبلاد إلى خانة الفوضى”. في هذه الإشارة الأميريكية ترد المُفارقة الفيدرالية تلميحًا، وليس تصريحًا كما جرى بندوة “التوفيق بين الصمت: إعطاء الكلمة للسلام” في الجزائر وقد حث رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومینیك دوفیلبان، على تشكیل دولة فیدرالیة في ليبيا بضمانات واسعة لحكم ذاتي لبعض الأراضي، وذلك بعد التوصل لاتفاق بين الأطراف السياسية (النزاعية)، برعاية المجتمع الدولي، واصفًا اتفاق الصخیرات وجهود المبعوث الأممي إلى لیبیا غسان سلامة بـ”المسلسلات المعقّدة”، بسبب تعرضها لمزایدات الفاعلین الضالعين في التنازع الليبي – الليبي.
فرنسا استغلّت الانكفاء البريطاني عن نفوذه التقليدي في برقة قبل الانقلاب العسكري على الملكية 1969، لتدعم مكتسبها التاريخي بإنقاذ بنغازي من رتل الدمار إبّان اشتعال ثورة عام 2011 بدعم عمليات الكرامة الحربية التي أدارها رسميًا بعد تسميته من قبل البرلمان قائد مسمى الجيش الوطني ضد الإرهاب الداخلي. الذي أرهق بنغازي وهدد الهلال النفطي. إلا أن الانهمام الفرنسي الاستراتيجي يكمن في إرجاع نفوذها الجيوسياسي في الجنوب الليبي، فيما عرف تاريخياً بإقليم فزان، التي أخرجت منه على مضض بعد إبرام اتفاقية يوليو 1955، قائد مسمى الجيش الذي جيّر نفوذه الشخصي في برقة مسكتاً التوجهات الفدرالية الانفصالية غيابه للسبب الذي ذكرناه آنفاً سيربك المخطط الفرنسي، وبالذات إذا تجدّد التوجه الانفصالي المنكفئ على مصالح برقة بحضوره المتجدد الكئيب.
ما بين الحين والأخر تأتي الأخبار أنه انتهت أزمة تصدير النفط الليبي من موانئ الهلال النفطي بعد أن أصدرت القيادة العامة للجيش قرارًا باستئناف عمليات التصدير. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط لاحقًا رفع حالة القوة القاهرة في موانئ راس لانوف والسدرة والزويتينة والحريقة، مشيرة إلى أنها استلمت هذه الموانئ. فالمؤسسة الليبية المختصة ومقرها طرابلس قد تأتي على الخط لتؤكد أن “عمليات الإنتاج والتصدير ستعود إلى المستويات الطبيعية تدريجيًا”.
سبق أن نادى البعض بفيدرالية دولة واحدة وجيش واحد ورئاسة واحدة وحكومات اقليمية متعددة على أنه الحل المناسب لليبيا وطبيعتها الجهوية العميقة. دولة واحدة بحكومات مناطقية متعددة! دولة (الولايات الليبية المتحدة) التي جاءت الدعوة للعودة اليها دولة وطنية ودستورية واحدة، لها شخصية دولية واحدة وعملة وطنية واحدة وبنك مركزي واحد وجيش واحد وخارجية واحدة ومجلس امة واحد (البرلمان الوطني) ونظام قانوني وقضائي ونقدي واحد وحكومة وطنية مركزية واحدة مقرها العاصمة الاتحادية الفيدرالية للدولة، وتحت هذا الحكم الوطني المركزي توجد الولايات الليبية التي تتمتع بصلاحيات واسعة في الحكم والادارة والمالية والاقتصاد والشرطة المحلية ولكل ولاية حاكم (والي) منتخب او معين من مجلس الولاية المنتخب هو المسؤول المباشر عن امن وتطوير وتنمية الولاية وتحسين احوال سكانها وليست الحكومة المركزية في العاصمة.
كذلك يكون هناك حكم محلي واسع الصلاحيات على مستوى البلديات داخل كل ولاية… تنقسم كل ولاية الى عدة بلديات تتمتع بحكم محلي واسع الصلاحيات في ادارة الشئون البلدية المتعلقة بالخدمات الأساسية للمواطنين من خلال مجلس بلدي منتخب. وقد يتم ذلك بنوايا سيئة.. يؤدي في النهاية إلى التقسيم الحقيقي وليست الفدرالية القديمة والحديثة.
لا شك أن الجميع بحاجة ماسة إلى عقد جلسة حوار وطني حول التوزيع العادل للإيرادات النفطية في ليبيا، لأن هذه المسألة تمثل أحد العوامل الرئيسية للأزمة، والحل الوحيد لمعالجتها هو الالتزام بالشفافية، ويجب الدعوة مجددًا كل السلطات المسؤولة ووزارة المالية والمصرف المركزي لنشر الميزانيات والنفقات العامة بالتفصيل، حتى يتمكن كل الليبيين من رصد كل دينار يتم إنفاقه من ثروتهم النفطية. والعمل مع الجهات الوطنية المعنية الأخرى لتعزيز الشفافية وحل هذه الأزمة – وذلك خدمة لمصالح جميع المواطنين”. وهنا يجب الحذر من أن الفيدرالية لها مزايا حسنة فهذا غير صحيح على الأقل في الوقت الحالي فهناك كذلك عيوب لهذا الأمر.. حيث يجب أن يتميز الدستور بالصرامة، والقوانين في الدستور غير قابلة للتغيير إلاّ من قبل السلطات أو الهيئات التشريعية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.