الرئيسية / آراء / سيكولوجية العمل السياسي المعاصر
سيكولوجية العمل السياسي المعاصر

سيكولوجية العمل السياسي المعاصر

د. علي سالم * — لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك تفاعلًا بين الظواهر السياسية والنفسية، بحيث يمكن القول أنه لا يمكن فهم الظواهر السياسية إلا من خلال تحليل العوامل والأبعاد النفسية لها، وهذا ما أشارت إليه مدرسة التحليل النفسى ولكن بصورة غير مباشرة، حين أشارت إلى أن الصراعات السياسية قد تكون ناتجة عن الحرمان النفسى المرتبط بصراعات مرحلة الطفولة، فمرحلة الطفولة لها أهمية كبيرة فى تكوين شخصية الفرد وسلوكه المستقبلى، وبالتالى أصبح فهم الظاهرة السياسية مرهونًا بالتقدم فى فهم الأبعاد النفسية لها.
ولعله “من الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها علماء السياسة تجاهلهم للبعد النفسي في تحليل الظاهرة السياسية، فمن غير المتصور عدم وضع ذلك الجانب المؤثر والفعال في الاعتبار عند التصدي للظاهرة السياسية، هذة العبارة أوردها عالم السياسة الشهير “ليبمان” Liebman منذ أكثر من نصف قرن أو يزيد معبرًا بها عن غياب المنظور السيكولوجي في معالجة الظواهر السياسية، وعن التباعد الشديد بين علم النفس والسياسة.
كما أن دراسة الشخصية وأنماطها تعتبر ذات أهمية كبيرة في بناء السلوك السياسي، فهناك علي سبيل المثال بعض السمات أو العوامل التي يفترض أنها تعد متطلبات أساسية للنظام الديمقراطي، فالتعامل مع تجارب المواجهة أو تولي المسئولية الاجتماعية للاختيار أو القدرة علي ضبط النفس أو تأكيد الذات أو التعالي علي الاهتمامات الشخصية، أو خلق توازن بين تجارب الإحباط وبين تحقيق الذات، وكذلك توفير قدر من القلق الدافعي تجاه تحقيق الحرية، وتوفير قدرة علي تبني الاتجاهات النقدية تجاه السلطة، والتقييم الجيد للأمور كلها تعتبر عوامل مهمة وتلعب دورًا مهمًا في مجا ل السلوك السياسي وتشدد علي دراستها، فدراسة مجموعة من السمات معًا قد يكون أكثر دقة في وصف سلوك شخص ما أو فئة من الأفراد بحيث يتيح ذلك فهمًا أعمق للنمط الشخصي العام، وقد يتيح ذلك التعرف علي اتجاهات الأفراد السياسية من خلال التعرف علي نمطه الشخصي.
في هذا الصدد نعرض لوجهة نظر “هارولد لاسويل” والتى تشير إلى أن الفرد يتجه للمشاركة السياسية بهدف إشباع حاجته الشخصية، ثم يبرر أي سلوك ضد السلطة على أنه تصرف في صالح العامة من الناس، متعللًا بدوافع الثورية والمساواة والديموقراطية لإرضاء نفسه في صراعه مع السلطة. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك نقدًا يوجه إلى العلاقة بين المشاركة السياسية وتقدير الذات على وجه الخصوص، على أساس أن الحياة السياسية في حياة الناس ليست من الأهمية بحيث تكون هي أساس تقدير الذات، فالناس لا يمارسون السلوك السياسي سوى دقائق معدودات في الأسبوع.
أن العلاقة بين الشخصية والسلوك السياسي ليست بالأمر الخطي الواضح والبسيط الذي يدفعنا للقول بأن حاجة نفسية ما غير مشبعة هي مصدر السلوك السياسي على سبيل المثال، ولذا تقتضي الرؤية الشمولية لجوانب السلوك السياسي باعتباره نتاج لتفاعل شخصية الفرد ونظم المجتمع ومعطيات المجال السياسي والعمل السياسي والخبرات الخاصة بالفرد.
و يجب التأكيد على أن هذا الاتجاه متعدد الأبعاد لا ينطوي على إنكار للبعد النفسي وأهميته في تفسير السلوك السياسي، ولكنه يعلق مدى فاعلية هذا البعد على تفاعله مع باقي الأبعاد ذات الطابع النفسي الاجتماعي. ولكن يجب أن نكون حذرين من الوقوع في عملية اختزال نفسي، بمعنى التركيز فقط على العوامل النفسية، واعتبارها وحدها هي المسئولة عن الظواهر السياسية، فليس كل الظواهر السياسية لها أبعاد نفسية.
بيد أن نتائج دراسات أجريت في هذا الشأن أوضحت أن المؤشرات الدالة على الشخصية السوية مثل تقدير الذات، والاحساس بالفاعلية الشخصية، وإشباع الحاجات البدنية، وحاجات الأمن والاطمئنان وبعض الحاجات الاجتماعية ترتبط بشكل جوهري بالمشاركة السياسية، وفي ظل هذا التناقض يمكن القول أن هناك علاقة تأثير وتأثر بين البناء النفسي للأفراد أو الشخصية والنظام السياسي والاقتصادي القائم الذي نعبر عنه إجمالًا بالبناء الاجتماعى، حيث تؤثر المشكلات والعمليات والمؤسسات والأوضاع السياسية على الحياة النفسية للأفراد، كما تؤثر العوامل النفسية للأفراد على الأوضاع السياسية، فلا يمكننا الجزم بأن العوامل النفسية وحدها هي المؤثرة في الظاهرة السياسية لأنه في هذة الحالة هو تفسير أحادي الجانب، ويعكس ضيق أفق وجمود.
وعن علاقة تقدير الذات كبعد نفسي متعلق بالمشاركة السياسية أكد “هارولد لاسويل ” على وجود علاقة بين تقدير الذات والبحث عن القوة، واعتبر الاشتغال بالسياسية بحثًا عن السلطة مصدر هذه القوة، وأكد على أن الفرد ذو التقدير المنخفض لذاته يطور حاجة قوية نحو القوة متمثلة في السلطة، ليقهر بها تقديره المنخفض لذاته، غير أنه قد أشار إلى أن هذه العملية قد تتوقف على عاملين أساسيين هما أن تكون درجة الحرمان غير ساحقة ، بمعنى أن وصول درجة الحرمان إلى درجة تفوق احتمال ذلك الفرد ، قد تؤدي به إلى الانسحاب تمامًا من مجال التنافس ، أو الصراع ، بل قد يصل الأمر إلى معاقبة الذات بالانتحار ، وأن يكون هذا التعويض باستخدام القوة خاضعاُ لقيم مقبولة اجتماعيًا.
ولعل هناك شبه اتفاق لدى علماء النفس فيما بينهم على أن ثمة دوافع تقف وراء السلوك الانساني ولكنهم يختلفون في تحديدها، فيرى البعض أنه الدافع لتحقيق الذات، ويرى البعض الآخر أنه الدافع للمحافظة على الذات، في حين يرى فريق ثالث أنه الدافع لتقدير الذات، والحقيقة أنه عندما يكون الشخص مدركًا لنفسه فإنه يترتب على ذلك تكوين مفهوم الذات والذي يتحدد من خلال التفاعل الاجتماعي والخبرات والنجاحات المرتبطة بهذة الخبرات، ومن ثم فكلما زادت خبرات الفرد ونجاحاته، زاد معه شعوره بالكفاءة والفعالية وبالتالي تقدير الذات.
إن الفروق في تقدير الذات كمتغير نفسي، تعد بمثابة تأكيد على أهمية سمات شخصية الفرد لما لها من أثر كبير على قرار مشاركته في أي عمل، وقد عرض “دافيز وزملاؤه” لآراء العديد من علماء النفس التي أكدت أن سمات الشخصية تؤدي دورًا فائقًا في التمييز بين المشا ركين وغير المشاركين في العمل السياسي، فسمات الشخصية هي التي تجعل الشخص يرحب أو لا يرحب بالمنبهات السياسية بل يسعى إليها أو يرفضها، وهذا التفاعل بين الشخصية والمثيرات السياسية هو الذي ينتج عنه الانغماس في العمل السياسي من عدمه. ولازال الأمر يحتاج لمزيد من الدراسات والأبحاث.

*باحث مصري مختص بعلم النفس السياسي والاجتماعي

المراجع:
طارق عبدالوهاب. (2000). سيكولوجية المشاركة السياسية. القاهرة: دار غريب للطباعة.
طه مبروك.(2009). بعض المحددات النفسية والاجتماعية للسلوك السياسي “دراسة مقارنة على عينة من طلبة الجامعة من الريف والحضر”. رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بنى سويف.
عزيزة السيد. (1994). السلوك السياسي – النظرية والواقع. القاهرة: دار المعارف.
عطا شقفة. (2008) . تقدير الذات وعلاقته بالمشاركة السياسية لدى طلبة جامعة القدس المفتوحة بغزة. رسالة ماجستير، معهد البحوث والدراسات العربية، قسم الدراسات التربوية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، جامعة الدول العربية.
عفاف العمر. (1995). دراسة لعينة من المشاركين سياسيًا فى بناء القرار بدولة الكويت – دراسة ميدانية. رسالة ماجستير، جامعة عين شمس.
علي سالم(2015). تقدير الذات وعلاقته بالاتجاه نحو المشاركة السياسية لدى عينة من طلاب الجامعة، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة حلوان.
علي سالم(2017). مشاركة الشباب في الحياة السياسية : دراسات في علم النفس السياسي، القاهرة: دار الربيع.
علي سالم(2018). الإقصاء وعلاقته بالاتجاه نحو التطرف الديني والسياسي والاجتماعي لدى الشباب، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة حلوان.
محمد إبراهيم و طارق عبدالوهاب. (2003). بعض متغيرات الشخصية كمحددات للنشاط السياسي والاجتماعي – دراسة مقارنة. مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر، 117.
ناهد رمزى. (1999). الرأى العام وسيكولوجيا السياسة. القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية.
Milbrath, L. &Goel, M. (1977). Political participation – how and why do people get involved in politics? Mcnally College Publishing Company.
Fedi, A. (2001). Political activism and self- representation. Psciologia – Politica, (22), 53-75, Retrived 22/6/2008 from the World Wide Web: http:// webspirs3 .silverplater.comogi-ben/customers.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

سامر الفوز

خارج فوضى سوريا، رجل أعمال يبني ثروة

المصدر: وول ستريت جورنال –  ترجمة: د. نسرين زريق —   لقد أدار سامر فوز هذا …

عن شروط بلوغ البنات

بقلم الشيخ محمد عبّاس دهيني  — تمهيد: بلوغ البنات، بالسنّ أو بالنضج شرطيّة البلوغ في …

قضايا الإمامة في الفكر الشيعي محور “نصوص معاصرة”

صدر أخيراً العدد (51) من مجلة نصوص معاصرة. وجاء فيها: 1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.