الرئيسية / آراء / عارف عبد الرزاق أبو الانقلابات العسكرية في العراق
عارف عبد الرزاق
عارف عبد الرزاق أبو الانقلابات العسكرية في العراق

عارف عبد الرزاق أبو الانقلابات العسكرية في العراق

د.محمد عبدالرحمن عريف —
نعم انقلابات وليس انقلاب.. فهو رجل الانقلابات العسكرية.. إنه اللواء الركن الطيار عارف عبد الرزاق (1921 -2007). اشتهر بلقب (ابو الانقلابات العسكرية في العراق)، فقد شارك في انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 الذي اطاح بالنظام الملكي واقام النظام الجمهوري بقيادة عبد الكريم قاسم وشارك في محاولة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 اذار/ مارس 1959 وساند انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 الذي قاده حزب البعث الذي اطاح بعبد الكريم قاسم وشارك في الانقلاب الذي قاده عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 والذي اطاح بسلطة البعث الاولى. كما قاد عارف عبد الرزاق محاولتين انقلابيتين على الاخوين عارف. الأولى استهدفت عبد السلام عارف في 15 أيلول/ سبتمبر 1965 والثانية استهدفت عبد الرحمن عارف في 30 حزيران/ يونيو 1966.
ولد عارف عبد الرزاق عام 1921 في بلدة كبيسة بمحافظة الأنبار ابنًا لملاك صغير فقد ابوه وعمره 10 سنوات انهى دراسته الثانوية عام 1939 وفي العام نفسه دخل القوة الجوية وتخرج فيها عام 1943 ثم التحق في الكلية البريطانية للطيران في تشرين الاول/ اكتوبر من العام نفسه وتخرج فيها عام 1945. شارك في حرب فلسطين عام 1948 كطيار مقاتل ضمن الجيوش العربية ضد اسرائيل. وفي عام 1949 اصبح طياراً للعائلة المالكة في العراق وعاد مرة اخرى في ايلول/ سبتمبر 1953 كمرافق للملك فيصل الثاني وولي العهد الامير عبد الاله مما مكنه من الاقتراب من العائلة المالكة التي سقطت في 14 تموز/ تموز 1958. التي شارك فيها بعد انتمائه للتيار القومي عام 1956. درس في كلية الأركان بين سنتي 1951 و1952. وعمل منذ قيام انقلاب 1958 وحتى كانون الأول/ ديسمبر 1958 آمراً لقاعدة الحبانية الجوية.
في 8 آذار/ مارس 1959 اعتقل لعلاقته بثورة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل لأنه اتخذ موقفاً معارضاً لسياسة عبد الكريم قاسم المعادية للقوى القومية مما دفعه بالتالي إلى تأييد حركة الشواف هذه. ولكنه أعيد إلى الخدمة في 5 آب/ أغسطس من السنة نفسها بعد أن قضى ثلاثة اشهر في السجن فافرج عنه واعيد مرة اخرى إلى القوة الجوية ضمن قيادة قاعدة الحبانية في 21 آب/ أغسطس 1962. غير أنه سعى مع الكثيرين للتخلص من عبد الكريم قاسم بعد ذلك حتى نجح البعثيون في انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 وتم تعيينه قائدًا لقاعدة الحبانية غير أنه سرعان ما قدم استقالته بعد عشرين يومًا بسبب الموقف المعادي للقوى الناصرية والقوميين العرب وبسبب الصراعات بينهم وبين البعثيين.
عقب انقلاب عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر وتولي الفريق طاهر يحيى رئاسة الحكومة اصبح عارف عبد الرزاق وزيرًا للزراعة. إلا أنه استقال من المنصب واعيد قائدًا للقوة الجوية بعد اقل من شهر وظل في منصبه حتى الرابع من أيلول/ سبتمبر 1965 حينما كلفه الرئيس عارف بتشكيل وزارة للتقرب من خلاله لحركة القوميين العرب والقوى الناصرية. غير أن ذلك لم يمنعه من القيام بمحاولة انقلابية بعد اقل من عشرة أيام استهدفت الاطاحة بعبد السلام عارف. إلا أن محاولته لم يكتب لها النجاح وهرب على اثرها إلى القاهرة.
عبد السلام عارف الذي كان قد اصدر أمرًا بتعيين عارف عبد الرزاق قائدا للقوة الجوية في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 1963 حاول تجنب القطع التام مع الناصريين ولذلك فانه استثمر المشاعر الودية التي يكنها العميد الجوي عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية الذي كان على علاقة حميمة بحركة القوميين العرب لكونه ابن عم باسل الكبيسي أحد قادة الحركة. وذهب عبد السلام عارف خطوة أخرى ابعد من ذلك فعين في 6 أيلول/ سبتمبر 1965 عارف عبد الرزاق رئيسًا للوزراء ووزيرًا للدفاع وعين صديقه الشخصي عبد الرحمن البزاز نائبًا لرئيس الوزراء ووزير الخارجية والنفط بالوكالة.
بدلًا من أن تقنع تحركات عارف عبد الرزاق الحركيين والناصريين الآخرين فإنها لم تؤد بهم إلا إلى دفع خلافهم مع عبد السلام عارف إلى نقطة اللاعودة. وفي 15 أيلول/ سبتمبر حاول عارف وجماعته من الناصريين والقوميين العرب الاستيلاء على السلطة مستفيدين من غياب الرئيس عبد السلام عارف خارج العراق لحضور مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء. إلا أن محاولتهم فشلت اذ تصدى لها العميد سعيد صليبي آمر موقع بغداد والقريب من عبد السلام عارف قبليًا بعد أن كشف نياتهم وتمكن من توجيه الضربة الأخيرة وهرب الضباط الناصريون والقوميون الرئيسيون بمن فيهم عارف عبد الرزاق من البلاد حيث وصل إلى القاهرة. فأصبح عبد الرحمن البزاز رئيسًا للوزراء خلفًا لعارف عبد الرزاق الذي التجأ إلى القاهرة.
كان العراقيون ينتظرون ترجمة البيان الذي اصدر رئيس الوزراء عبد الرحمن عارف لحل القضية الكردية يوم 29 حزيران/ يونيو 1966 إلا أنهم فوجئوا في اليوم التالي 30 حزيران/ يونيو 1966 بمحاولة انقلابية ثانية قام بها عميد الجو عارف عبد الرزاق وعدد من أعوانه. حين قطع راديو بغداد برامجه العادية ليبدأ باذاعة بيانات ونداءات بتوقيع اللواء الجوي عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء السابق وقعها عما وصفه باسم المجلس الوطني لقيادة الثورة كان يذيعها العقيد هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية من اذاعة ابي غريب. وطالب الانقلابيون الرئيس عبد الرحمن عارف بالاستسلام حقنًا للدماء وانقاذًا لحياته. كما فرض الانقلابيون الحكم العرفي ونظام منع التجول في البلاد، واغلقوا جميع الحدود والمطارات. وقال البيان أن من يخالف هذا الأمر سيتعرض لاطلاق النار عليه.
كما اعلن مجلس الثورة في بيان اخر أنه يمارس جميع صلاحيات الرئيس عارف. وقال بيان ثالث أنه يسعى إلى تحقيق الوحدة العربية الشاملة وخاصة. كما أعلن عارف عبد الرزاق التزام مجلس قيادة الثورة بالمنهاج الوزاري الذي اعلنه البزاز رئيس الوزراء مساء يوم 29/6/1966. الذي عالج فيه المشكلة الكردية. وقال البيان أن الثورة ستلتزم بمقررات مؤتمرات القمة العربية والجامعة العربية وتلتزم باتفاق القيادة السياسية الموحدة المعقودة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة.
اما سياسة العراق الخارجية فأعلن عارف عبد الرزاق تمسك العراق بسياسة عدم الانحياز القائم على مبدأ الحياد الايجابي والسعي لحل المشاكل العالمية بالطرق السلمية. والالتزام بسائر مقررات هيئة الامم المتحدة والمعاهدات والمواثيق بين العراق والدول الصديقة وأعلن كذلك أن هدفه الوحدة والاشتراكية وأنه سيعمل على حماية وحدة العراق وسلامة اراضيه. وناشد عارف عبد الرزاق الرئيس عبد الرحمن عارف اصدار الأمر إلى قواته باطاعة مجلس الثورة بعد الاتصال الهاتفي الذي اجراه عميد الجو عارف عبد الرزاق مع الرئيس عارف أن يترك مكانه ويعود إلى منزله وأن يقيل رئيس وزرائه عبد الرحمن البزاز. إلا أن الرئيس عارف رفض شروط الانقلابيين واجرى اتصالات بالقطعات العسكرية في الموصل التي سارعت إلى تطويقها.
وعن تفاصيل الحركة وأهدافها فقد أدلى عارف عبد الرزاق بكل تفاصيل الحركة أمام اللجنة التحقيقية قائلًا “تسللت من القاهرة إلى العراق عن طريق قطاع غزة والاردن ثم الحدود العراقية عن طريق الرمادي في بغداد، ودخلت الموصل يوم 4 حزيران/ يونيو 1966 وقضيت متخفيًا في عدة أمكنة اجمع المعلومات والاتصال بالعقيد الركن عرفان عبد القادر الذي كان حلقة الاتصال بالكتلة القومية الموقف السياسي والموقف الداخلي وعلاقة العراق بالأقطار الأخرى.. وكنت أزود عرفان بتدابير الحركة.. ويضيف عارف عبد الرزاق أن وزير الدفاع اتصل بي، اثناء الحركة، وقلت له (لا مانع من إبقاء الرئيس عبد الرحمن عارف في منصبه وتشكيل حكومة ائتلافية شرط اقالة وزارة البزاز، استجابة لرجاء وزير الدفاع وحقنًا للدماء، وأكدت أنه اذا نفذتم هذا الشرط سأصدر أوامري إلى القطعات العسكرية بالعودة إلى ثكنتها، بعد اقالة وزارة البزاز واعلان ذلك من الإذاعة”.
عند سؤاله عن دوافع الحركة قال عارف إنه سعى إلى تحقيق الوحدة العربية وهو لا ينتمي إلى أية جهة او حزب سياسي، واعتمدت خطتي على ثلاثة عناصر هي القاعدة الجوية والدروع والاذاعة، والافادة من عامل المباغتة… اما عن المناصب بعد نجاح حركته، فقد اشار إلى الغاء منصب رئيس الجمهورية وايداع سلطاته إلى مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، ويعين عددًا من الاشخاص نوابًا لرئيس الوزراء كي يتفرغ لواجباته.. اما مجلس قيادة الثورة فيشكل من العسكريين الذين أسهموا فعلًا في التنفيذ وبرتبة لا تقل عن رائد ولا يمارس عضو هذا المجلس أي منصب آخر في الجيش أما الوزراء فيوافق عليهم مجلس قيادة الثورة، وخصص منصب رئاسة أركان القوة البرية إلى العقيد عرفان عبد القادر، ومنصب القيادة العامة للقوات المسلحة للعقيد صبحي عبد الحميد ورئاسة اركان القوة الجوية للرائد الركن نعمة الدليمي، اما المناصب الأخرى في القوات المسلحة فقد ترك أمر معالجتها لقيادة القوات المسلحة ورئاسة الأركان.
بعد اعتقاله والعناصر الناصرية الأخرى، ومنهم صبحي عبد الحميد وعارف عبد الرزاق ومحمد مجيد ونهاد الفخري وفاروق صبري وشهاب أحمد ونعمة العزاوي، وأثناء وجودهم في السجن يذكر صبحي عبد الحمد أنه زار المقدم إبراهيم الداود (قائد الحرس الجمهوري آنذاك) السجن وعرض على عارف عبد الرزاق القيام بانقلاب ضد عبد الرحمن عارف، ويصبح هو (عارف عبد الرزاق) رئيسًا للجمهورية على أن لا يفكر بالاشتراكية والوحدة مع مصر، وقد نهره عارف عبد الرزاق، وهمّ بضربه بالنعال، وقال له “أنا الأن في السجن بسبب الاشتراكية والوحدة العربية، فكيف اتخلى عنهما” وحين اراد الداود مغادرة المكان طلب عارف منه حمل سلة البرتقال التي جلبها معه”.
كذلك جرت اتصالات مع كوادر قومية أخرى كرجب عبد المجيد وفؤاد الركابي، لكن النتائج لم تكن ايجابية!! ويذكر سيف الدين الدوري في كتابة (الفريق طاهر يحيى.. ضحية الصراعات السياسية والعسكرية في العراق ص174 – 176) قائلًا (إنه التقى أحد الضباط القوميين في الجبهة الاردنية ضمن قوات صلاح الدين العراقية هناك وأنه جرى اتصالات من قبل عناصر يقودها عبد الرزاق النايف لكسب بعض الضباط القوميين لحركتهم لكنهم جميعًا رفضوا العرض، وأرسل هؤلاء الضباط أحدهم إلى بغداد للاتصال بالضباط القوميين لحركتهم لكنهم جميعًا رفضوا العرض، امثال عارف عبد الرزاق وصبحي عبد الحميد فاخبرناهم بأنهم رفضوا العرض الذي سبق أن تقدم به النايف لهم بسبب عدم وجود وحدة فكرية بيننا وبينهم” ويضيف سيف الدوري في ذات المصدر قائلًا (أن صبحي عبد الحميد سرد لهذا الضابط بأن المحاولة بدأت منذ نيسان/ أبريل 1968 حينما اتصل بنا السيد محمد كبول -سوري الأصل- عمل معاون ملحق عسكري في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بغداد واخبرني بأن عبد الرزاق النايف يطلب زيارتكم في داركم، فقلت له بيتي مفتوح ولا يرد زائرًا، وخلال الزيارة قال النايف “يا سيدي إننا نكن لك، بشكل خاص ولجماعتكم كل حب وتقدير واعتزاز وإننا من المخلصين لهذا الوطن، ولكن مع الأسف أنكم دائمًا تتهمونا بالجاسوسية والعمالة مما يؤثر في سمعتنا بين الضباط) فرد عليه صبحي عبد الحميد قائلًا (بالنسبة لي وللأخ عارف عبد الرزاق لم نتحدث عنكم ولا علاقة لنا معكم فكريًا ولا أي ارتباط اخر معك او مع إبراهيم الداود او سعدون غيدان سوى علاقة عملنا في مؤسسة الجيش العراقي كضباط” وانتهت الزيارة عند هذا الحد… وبعد حوالي شهر التقاني محمد كبول راجيًا قبول دعوة النايف في داره لشرب الشاي كرد لزيارته لي ولم امانع.. وخلال الزيارة تحدث النايف قائلًا “يا سيدي أنتم تعلمون وضع البلد الحالي وضعف رئيس الجمهورية (عبد الرحمن عارف) واشتداد التنظيمات داخل البلد والكل يفكر بعمل انقلاب للسيطرة على الحكم الحزب “البعثيين او الشيوعيين” لذا في نيتنا الاستيلاء على السلطة بصورة سلمية، واضاف النايف (كما تعلمون بان القوات المسلحة والاذاعة والحرس الجمهوري تحت سيطرتنا وعندنا تنظيمات داخل القوات المسلحة ونحن مستعدون لتسليمكم الحكم ولا اطماع لدينا بأي منصب وإنما سنكون بنفس مناصبنا. اجابه صبحي عبد الحميد (نحن لسنا طلاب كراسي والرئيس عبد الرحمن عارف، سبق أن عرض علينا هذه المناصب ولم نوافق ولا نرى أية عقيدة او فكر تربطنا معكم..
انتهت الزيارة، وبعدها مباشرة التقيت عارف عبد الرزاق وسألته هل صحيح أن النايف ما تحكم بهذا الموضوع، فقال عارف نعم وكان جوابي الرفض لعدم التقائنا معهم عقائديًا او فكريًا، في حين يقول سيف الدين الدوري في المصدر نفسه أنه التقى عارف عبد الرزاق في لندن العام 2002 فنفى من جانبه أن يكون النايف قد اتصل به، وقال “أنني علمت بتنظيم النايف من خلال الضابط الطيار الملازم علي عواد”. في نهاية العام 1967 أطلق سراح عارف عبد الرزاق والعناصر القومية العربية الأخرى وبعد انقلاب 17 تموز/ يوليو 1968 غادر العراق إلى القاهرة وبعد مدة اعتزل العمل السياسي، وظل في القاهرة حتى وفاته عام 2007.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

سامر الفوز

خارج فوضى سوريا، رجل أعمال يبني ثروة

المصدر: وول ستريت جورنال –  ترجمة: د. نسرين زريق —   لقد أدار سامر فوز هذا …

عن شروط بلوغ البنات

بقلم الشيخ محمد عبّاس دهيني  — تمهيد: بلوغ البنات، بالسنّ أو بالنضج شرطيّة البلوغ في …

قضايا الإمامة في الفكر الشيعي محور “نصوص معاصرة”

صدر أخيراً العدد (51) من مجلة نصوص معاصرة. وجاء فيها: 1ـ في المقالة الأولى، وهي بعنوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.