الرئيسية / دراسات / المرأة والرجل في موازين السياسة: قراءة تفسيرية في ضوء نتائج الدراسات النفسية

المرأة والرجل في موازين السياسة: قراءة تفسيرية في ضوء نتائج الدراسات النفسية

بقلم: د. علي سالم* — في دراسة قمت بإجراءها عام (2015)**، على عينة من طلاب الجامعة في مصر، تناولت اتجاهات الشباب نحو المشاركة السياسية في ذلك الوقت، وأسفرت الدراسة عن نتائج ثرية ومتنوعة ولكن ما لفت الانتباه هو تلك النتائج المتعلقة بالفروق بين الذكور والإناث في اتجاههم نحو المشاركة في العمل السياسي والحياة السياسية، فقد أسفرت النتائج في هذ الشأن عن أن الذكور كانوا أكثر اتجاهًا نحو للمشاركة السياسية بشكل عام والمشاركة الفعلية السلوكية بشكل خاص، بينما كانت الإناث أكثر اتجاهًا نحو المشاركة السياسية الوجدانية التي يغلب عليها طابع العاطفة، بينما لم يكن هناك أي فروق بينهما في الجوانب المعرفية للاتجاه نحو المشاركة السياسية.
وفي هذا الصدد يجب أن نشير إلى أن هناك مجموعة من المتغيرات النفسية والاجتماعية ربما قد تساعد في تشكيل السلوك السياسي للأفراد، وأن هذه المتغيرات قد تتفاعل مع المثيرات السياسية، هذا التفاعل من شأنه أن يعمل على تكوين ثقافة سياسية لدى الأفراد، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى قرار المشاركة.
فمع تعرض الفرد للمؤثرات السياسية يزداد احتمال مشاركته في الحياة العامة، غير أن التعرض للمنبه السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى المشاركة، ورغم أن هذه المنبهات السياسية قد تصدر عن وسائل الإعلام الجماهيري، والحملات الانتخابية، والاجتماعات العامة والمناقشات، وعلى الرغم من أن هذه الوسائل متاحة لجمهور عريض إلا أن مستوى التعرض لها يرتبط بعوامل متعددة مثل الانتماء الطبقي والحالة التعليمية، بالإضافة إلى الميول الشخصية، فالشخص الإيجابي يرتبط بالمنبهات السياسية بل ويسعى إليها، على عكس الشخص السلبي الذي ينأى بنفسه عن هذه المنبهات ما استطاع إلى ذلك سبيلا(عليوة ومحمود، 2008).
ولو نظرنا إلى ما تم التوصل إليه من نتائج الفرض السابق، فإنه يمكننا تفسيره كما يلي:
أ‌- فيما يتعلق بتفوق الذكور على الإناث في الدرجة الكلية ودرجة البعد السلوكي للاتجاه نحو المشاركة السياسية فذلك قد يرجع لسببين:
أولهما: طبيعة التنشئة الاجتماعية والسياسية التي يتلقاها كلًا من الذكور والإناث، والتى قد سبق وأشرنا إليها في موضع سابق، حيث يتم تنشئة الذكور على الاستقلالية والحرية في تكوين العلاقات الاجتماعية واختيار الأصدقاء والاندماج في المجتمع بصورة أكبر مما يتاح للاناث، اللائي يتم تنشئتهن على الخصوع والاستسلام مع وضع القيود على علاقاتهن الاجتماعية، كذلك تلعب بعض العوامل الأخرى دورًا جوهريًا في الحد من اتجاهات الإناث نحو المشاركة السياسية، والتي قد تتمثل فيما قد يشوب بعض أشكال المشاركة السياسية كالتظاهرات مثلًا من أفعال سلبية (كالتحرش الجنسي أو استخدام ألفاظ نابية في الهتافات)، ولكن ذلك لايمنع من أن الإناث قد يكن أكثر فعالية في أشكال أخرى كالتصويت مثلًا أو المشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
إن مشاركة المرأة فى الحياة السياسية رهن بظروف المجتمع الذى تعيش فيه، وتتوقف درجة هذه المشاركة على مقدار ما يتمتع به المجتمع من حرية وديمقراطية من الناحية السياسية، وعلى ما يمنحه المجتمع من حريات اجتماعية للمرأة لممارسة هذا الدور، ولذا فإنه لا يمكن مناقشة المشاركة السياسية للمرأة بمعزل عن الظروف الاجتماعية والسياسية التى يمر بها المجتمع .
وعلى الرغم من المكاسب التى تحققت للمرأة العربية مؤخرًا، فإنه لا يزال هناك العديد من المعوقات والصعوبات الى تحول دون تفعيل مشاركة حقيقة للنساء فى الوطن العربي. بحيث لم يصبح الحديث عن تفعيل المشاركة السياسية للمرأة ترفًا أو بحثًا عن حقوق على النمط الغربى، وإنما هو ضرورة ملحة يجب أن يتعامل معها مختلف المؤسسات من حكومة وإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، فلا تزال المشاركة السياسية للمرأة تحبو وأمامها الكثير لتصل إلى المشاركة الحقيقية والفعلية فى صنع القرار، وهذه المشاركة هى التى ستكفل لباقى نساء الوطن الحصول على حقوقهن لأن هناك من يطالب بها ويبحث عنها .
ويمكن القول بأن تدني مستوى المشاركة السياسية للمرأة ناتج عن غياب إرادة سياسية مترجمة إلى واقع عملي وتراجع القوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية وحقوق المرأة على صعيد الأحزاب، بالاضافة لعدم وجود حركة نسائية نشطة أو مؤسسات فاعلة تمكن المرأة من تصدر المجتمع والدفاع عن حقها في المشاركة السياسية، إضافة إلى الإرث الاجتماعي والثقافي الذي لا يزال يرى المرأة جزءا تابعًا وليس عنصرًا فاعلًا ، فالنظرة الأبوية والتفكير الذكوري يتحكم بالمجتمع.
بيد أن نتائج الدراسة التي قام بها “برنستين”(Bernstein,2005)، والتي هدفت بالدرجة الأولى إلى التعرف على الفروق بين الذكور والإناث في المشاركة السياسية والفاعلية السياسية من خلال مشاركتهم في الإنتخابات، وقراءة الصحف، وتصفح المواقع الإلكترونية، والإشتراك في الأحزاب السياسية، أظهرت أن هناك فروقًا دالة إحصائيًا في مستوي المشاركة السياسية يرجع لجنس الطلبة، وقد كانت الفروق لصالح الذكور، على الرغم من الصورة العامة حول المساواة في الحياة السياسية، إلا أن النساء كن أقل حظًا في الحصول على المناصب السياسية والإنخراط في العمل السياسي.
مما سبق يمكن القول بأن الفروق بين الجنسين في الاتجاه نحو المشاركة السياسية قد تتحدد وفقًا لنوع وطبيعة النشاط السياسي، فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الامريكية نسبة التصويت في الإنتخابات لدى النساء أعلى منها لدى الرجال، في حين يتساوى الطرفان في المشاركة في الاحتجاجات، ولكن النساء أقل إحتمالًا للمشاركة في الحياة السياسية الرسمية، كما وجد أن النساء أقل ميلًا للتعبير عن معتقداتهم السياسية بصورة علنية(Hooges& Wilkefeld,2008).
ثانيهما: طبيعة أو ثقافة المجتمع السياسية، فعندما نقول أن الذكور أكثر ميلًا للمشاركة السياسية يجب أن نضع في الإعتبار الإطار الثقافي والاجتماعي الذي تدور فيه الأحداث، لأن البعض في الثقافة العربية قد يرى أن السياسة هي عمل مقتصر على الرجال وأن المرأة أقل مشاركة في الحياة السياسية، ومن ثقافة المجتمع قد تكون سببًا في إنخفاض نسبة المشاركة السياسية للإناث.
ويرى “ناى وزملاؤه” (Nay, et al, 1974) أن تفوق الذكور على الإناث في النشاط السياسي مسألة تدعمت بشكل عبر حضارى، وقد تناولت دراستهم خمس دول مختلفة أوضحت جميعها تفوقًا ذكوريًا.
بيد أن أمال ساباغ (Sabbagh,2004,54-55) ترجع هذا الإنخفاض في معدل المشاركة السياسية لدى الإناث في المجتمعات العربية بصفة خاصة، إلى أن ذلك قد يكون نتيجة لوجود بعض العوامل التي تعوق المشاركة السياسية لهن والتي تتمثل في فكرة النظام الأبوي Patriarchy، إضافة إلى بعض التفسيرات الدينية المحافظة والقوالب النمطية الثقافية ويضاف إلى ذلك الخوف من فكرة التغيير بشكل عام.
إن انخفاض نسبة المشاركة السياسية لدى الإناث عنه لدى الذكور قد يكون ناتج عن طبيعة الثقافة الإجتماعية السائدة في المجتمع، بالإضافة لإختلاف أسلوب التنشئة الخاص بالذكور والذى غالبًا ما يكون مشجعًا لهم على الانخراط في المجتمع والاعتماد على النفس والاستقلالية، بعكس أسلوب التنشئة الخاص بالإناث والذي غالبًا ما يكون قائم على أساس الطاعة والخضوع والإستسلام. كما سبق وأشرنا أيضًا أنه فيما يتعلق بمعدل المشاركة السياسية للإناث قد يكون أعلى منه أو متساويًا مع الذكور عبر وسائل التواصل الإجتماعي مثل (فيس بوك وتويتر).
وعلى النقيض من ذلك ففي الدراسة التي أجراها “ماير وشميدت” (Mayar& Schmidt,2004) بعنوان “التنشئة السياسية المرتبطة بالنوع في أربعة سياقات – الاهتمام والقيم السياسية لدى طلاب المدارس الثانوية في الصين واليابان والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية”، وهدفت الدراسة إلى التعرف على العلاقة بين التنشئة السياسية المرتبطة بالنوع وبين اهتمامات الذكور والإناث بالسياسة وإكتسابهم القيم السياسية المختلفة. وقد تم اختيار العينة من البلدان الأربعة بصورة متجانسة، وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج كان من أهمها أنه لاتوجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث في الاهتمامات السياسية في البلدان الأربعة بالرغم من وجود اختلافات ثقافية وسياسية واقتصادية متباينة بين هذة البلدان، كما أظهرت النتائج أنه لايوجد ارتباط بين النوع والاهتمام بالسياسة.
في حين تشير “كونواى” Conway(2001) إلى أنه على الرغم من أن الفجوة بين الذكور والإناث فيما يتعلق بالمشاركة السياسية تتقلص بمرور الوقت إلا أن الذكور لا تزال تمارس النشاط السياسي بصورة أكبر من الإناث(In:Lamprianou,2013,28).
بيد أن (Coffe&Bolzendal,2010)، يريان أنه لايوجد دليل على أن هناك فجوة كبيرة بين الجنسين فيما يتعلق بالتصويت، لكنهما أشارا إلى أن النساء بشكل عام أقل انخراطًا في الأنشطة السياسية الجماعية أو الجماهيرية كالاعتصامات والتظاهرات، وأرجعا ذلك لضيق وقت المرأة أو طبيعة الدور الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية.
ويؤكد “جاروسJaros “(1973) على الفروق بين الجنسين في النشاط والتوجه السياسي، ويرى أن ذلك يرجع إلى المراحل المبكرة، ففي السنوات الأولى من العمر تكون فرص الذكور في الحصول على المعلومات السياسية أفضل من الإناث، وأرجع ذلك إلى نفوذ وسلطة الأب في الأسرة التي تشجع الذكور على الجرأة بينما يكون الاتجاه نحو الإناث في أن وظيفتهن الأساسية هي الأعمال المنزلية(طارق عبدالوهاب،1999، 92).
في حين يرى “بارى” “ومويسر”(Parry&Moyser,1990) أن التفاوت بين الجنسين في الاتجاه نحو المشاركة السياسية انخفض بصورة كبير في بعض البلدان، فعلى سبيل المثال وجد أن هذا التفاوت يكاد يكون منعدمًا في بريطانيا، في حين كان لـ”ضحى عبدالغفار”(1990) وجهة نظر مختلفة، حيث ترى أن عالم السياسة هو عالم ذكوري بامتياز وأرجعت ذلك إلى أن المرأة تتسم بتبعيتها وسلبيتها(فى:المرجع السابق، 93).
وتتفق هذة النتيجة مع نتائج ما توصلت إليه دراسات كلًا من، (عطا شقفة،2011؛ محمود الشامي،2011؛طارق عبدالوهاب،1995؛محمد خطاب،2011؛ محمد الحورش، 2012؛ Bernard &Reuchamps,2008، Coffe&Bolzendal,2010؛ Huntington& Weiner,1987 ؛ Walker,1990)، والتي توصلت لتفوق الذكور على الإناث في المشاركة السياسية، ويعود ذلك للتقاليد الموروثة التي تنعكس بطريقة سلبية علي استقلالية النساء وحريتهن في الحياة السياسية.
بينما تتعارض هذة النتيجة مع نتائج ما جاءت به دراسات كلًا من(شعبان الحداد،2006؛عبدالمجيد الغرام،1991؛ محمود الشامى،2011؛ توفيق عليوة،1996)، والتي تشير لعدم وجود فروق بين الذكور والإناث فى المشاركة السياسية، فى الوقت الذى أكدت فيه نتائج دراسة برنارد وريوشامبس” Bernard&Reuchamps,2008))، على أن هناك علاقة وثيقة بين الجنس أو النوع والمشاركة السياسية.
ولكن تعليقًا على ما سبق إنه في ضوء التطورات التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة التي أصبحت بمثابة أدوات فعالة للمشاركة السياسية الافتراضية، لم يعد بمقدورنا الجزم بالقول بأن عالم السياسة هو عالم ذكوري وهذا ما لاحظناه جميعًا خلال ثورة (25 يناير) المجيدة وما تلاها من تظاهرات واعتصامات فقد كانت المرأة حاضرة وبقوة جنبًا إلى جنب مع الرجل. كما أن المرأة قد تكون أكثر مشاركة من الذكور عبر مواقع التواصل الاجتماعى، نظرًا لأن فكرة نزول المرأة في المظاهرات والاحتجاجات قد تكون فكرة لا تلقى رواجًا كبيرًا في الثقافة العربية بشكل عام.
كما أن المشاركة السياسية للمرأة تختلف بإختلاف البيئة الاجتماعية وصلاحيتها لتلك المشاركة، فكلما امتدت جسور الوعي السياسي وإنتشرت جذور الثقافة والفكر ذادت درجة المشاركة السياسية للمرأة(جمال علي، 2004).
ب‌- فيما يتعلق بتفوق الإناث على الذكور في البعد الوجداني للاتجاه نحو المشاركة السياسية، الحقيقة أنه يمكن تفسير هذة النتيجة في ضوء الوضع السياسي الراهن الذي تعيشه مصر مؤخرًا، والذي شهد إقبالًا ملحوظًا من الإناث من مختلف شرائح المجتمع وفئاته علي المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية الاخيرة، وحقيقة الأمر أن الدافع وراء هذة المشاركة قد يكون وجدانيًا بقدر أكبر مما هو سياسيًا – حتى وإن اتخذ شكلًا سلوكيًا – وذلك نتيجة للتعلق الوجداني الايجابي المرتبط بشخصيات سياسية أو مؤسسات معينة، وكذلك طبيعة الخطاب السياسي الموجه للمرأة على وجه الخصوص في هذة الفترة، وهو ما قد يفسر لنا ارتفاع معدلات مشاركة الإناث في الانتخابات الرئاسية(2014)، وكذلك الاستفتاء على الدستور المعدل(2014).

*د. علي سالم عضو هيئة تدريس بكلية الاداب جامعة حلوان – مصر – متخصص في علم النفس السياسي والاجتماعي.

**المصدر: علي سالم (2017). مشاركة الشباب في الحياة السياسية – دراسات في علم النفس السياسي. القاهرة: منشورات الربيع، مكتبة مدبولي.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.