الثلاثاء , أغسطس 22 2017
الرئيسية / مقالات / السيطرة الغربية على العالم العربي من خلال القروض و”القانون الدولي”

السيطرة الغربية على العالم العربي من خلال القروض و”القانون الدولي”

بقلم: ماجد قروي* — إنّ المنظومة الإستعمارية الغربية لا تقتصر على الاستعمار العسكري بالمعنى التقليدي بل هي منظومة فكرية ثقافية ومالية تقوم على قاعدة “أساعدك ولكن ماذا ستعطيني في المقابل”. هذا الاستغلال الفاحش للشعوب المنكوبة جعلها ضحية ترسانة من المصالح الغربية، وساهم في تمزيق الأمّة العربية. وتغلغلت هذه المنظومة أكثر في الدول العربية بعد الانتفاضات العربية.

1. القروض كآداة للسيطرة والتحكم:
استعدت الكتلة الغربية بقيادة أميركا لدعم مصالحها في الشرق الأوسط، وأظهرت في قمة مجموعة الثمانية بأنها ستدعم الثورات العربية بعشرين مليار دولار. لكن النظر في حقيقة الدعم للثورات يأتي في سياقين:
– الأول وهو تقديم قروض ميسرة تسدد على فترات، وتكون بمثابة قيود فرضت على تلك الدولة.
– الثاني وهو تقديم مشروعات في مجال التنمية والمشاريع التي تدعم حقوق المرأة والطفل وهي برامج ومشروعات ينحصر تنفيذها على منظمات أهلية مدعومة من الغرب مثل (اليونسيف) و(أطباء بلا حدود) و(السي اتش اف) وغيرها..
فالحركة الثورية لم تكن وليدة لحظة وإنما جاءت نتاج تراكمات، هذه التراكمات كانت بسبب الفئات الحاكمة وحالة الإهمال الاجتماعي والفشل السياسي، فأصبح المواطن العربي يرى نفسه يعيش في حالة جحيم دائم فرض عليه، وسلبت إرادته، وانتقصت كرامته، فهو يجد نظاماً سياسياً في بلده لا يوفر الحقوق التي توفرها أنظمة حكم أخرى في العالم، يتطلع لنظام صحي يحميه ونظام اجتماعي يمنحه الأمل واستقرار اقتصادي في بلاده وحكومة تعمل لتوفير مستقبل أمن لأطفاله وحرية في التعبير والرأي.
في بعض الدول العربية لا تزال إلى يومنا هذا تمنع كتب الإسلام السياسي وبعض كتب الشعراء المعارضين، ولو استطاعوا فرض رقابة على الهواء لفرضت. جاءت شرارة تونس وتأزم الوضع الاقتصادي لتبدأ فاتحة ثورات حركها رغيف الخبز لكنها توسعت في مطالبها لتشمل السياسة والتعليم والاقتصاد والإدارة وأصبحت طموحات الشعوب تحرك عزائمهم في الميادين.. كان الأساس هو الحرية والعدالة ورفض الهيمنة المتواصلة التي يفرضها الغرب على العالم العربي، وبدأت هذه الثورات تشعر العالم الغربي بأن رأياً عاماً جديداً في الشرق الأوسط بدأ يتشكل يغذيه أصحاب الفكر والمثقفون، ويوجه نحو مطالب عادلة، وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية.
جميع الثورات تسير في نفس الاتجاه لأن معاناة الأمة واحدة امتدت لعشرات السنين. حاولوا السيطرة على هذه الثورات وتوجيهها وفق أولوياتهم وحساباتهم الخاصة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك فأصبحوا يسايرونها حتى يحافظوا على علاقاتهم مع تلك الشعوب.
المصالح الغربية مع العرب كثيرة مثل النفط والأمن للكيان الصهيوني والتنمية الاقتصادية والسوق الاستهلاكية الواسعة، كل هذه عوامل يتم التعامل معها، فحينما يقرر الغرب اتخاذ قرارات بشأن النهج الذي يسلكه في التعامل مع العالم العربي يجب عليه تقييم الموقف، هل سيتعاطى مع الثورات العربية وفق نهجه الديمقراطي أم سيتجنبها لأنها خالفت قواعده، وأصبحت تهيئ لإنشاء نظم حكم تعمل لصالح شعوبها..
يعلم الساسة الغربيون كيف أثّرت الثورات الأوروبية ضد النظم الإقطاعية في العصور الوسطى وأعادت تشكيل مبادئ المجتمعات، وهذا ما تتجه إليه منطقة الشرق الأوسط، حيث الثورات تتميز بمشاركة مقدرة للتيارات الفكرية الاسلامية في توجيه الرأي العام الشعبي الذي بدوره يكون المقرر الرئيسي لأساليب الحكم في تلك البلاد.
استقرار تلك البلاد يعني استقرار الوضع الاقتصادي فيها ووقف الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا وبالتالي تخفيف العبء الاقتصادي عن أوروبا، وكذلك وجود فرص عمل تحد من نسبة البطالة وعودة الاستثمارات الخارجية إلى تلك البلدان، وبذلك تضمن أوروبا تدفق النفط ووقف تدفق الهجرة وهذه نقاط مهمة لأوروبا، لكن الوضع سيتغير سياسياً، وأسلوب التعامل مع القضايا العربية في الأمم المتحدة ومع دول الغرب سيختلف، فلن تكون استهانة واستهتار بقضايا الشارع العربي من جديد، لكن في حال بقت الأوضاع سيئة في مجال التنمية الصناعية سيبقى العرب تابعين للغرب لسنوات طويلة. وخير مثال على ذلك حينما فتحت مصر معبر رفح مع قطاع غزة الذي كان مغلقاً منذ أربع سنوات بسبب رغبات إسرائيلية، ردت “إسرائيل” بالاحتجاج باعتباره قراراً لا يخص مصر وحدها، فكان لموقف وزير الخارجية المصرية نبيل العربي صدى أسعد الشارع المصري حينما خاطب الإسرائيليين بالقول بأن القرار سيادي مصري فقط.
سيكون هناك العديد من الأمور الأخرى التي سوف تتغير لكن المرحلة القادمة ستطول وهي مرحلة الخروج من عنق الزجاجة وولادة مجتمعات جديدة وتشكيل حكومات ووضع أجندة سياسية مناسبة لطموحات الشعوب ومشاركة التيارات الإسلامية بقوة، كل هذه الأمور ستؤثّر على الأداء الإداري والسياسي للحكومات وستعيد موازنة الوضع الإعلامي للدول العربية، وستخلق شركاء اقتصاديين بمستويات قريبة ولن يكون للمعاملة الفوقية مكان.
ويعوّل الكثيرون على مرحلة ما بعد الثورة ألا وهي مرحلة وحدة الأمة وتقاربها، فحينما هاجم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي شعبه بالقنابل كان الموقف العربي والإسلامي هو التزام الصمت دون التدخل لوقف هذه الجرائم، ولم يكن قراراً عربياً واحداً بالتدخل لوقف هذه المهزلة وانتظرنا الغرب ليشجعنا على حل مشاكلنا. تطلعات الشعوب جزء مهم منها وحدة العالم الإسلامي وسياساته للتعرف على الأعداء والأصدقاء ولكسب احترام الآخرين.
وخلاصة الموضع بأن الهدف من الدعم الغربي للثورات العربية يأتي في سياق الحفاظ على قدر من الإحترام بشأن الوعود الذي يتغنى بها من أجل الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، وكذلك الحفاظ على تفوق “إسرائيل” العسكري على المنطقة العربية المحيطة، وتأمين وصول النفط العربي إلى المستهلك الأوروبي، والتأكد من عدم وصول الإسلام السياسي إلى الحكم مثلما حدث في قطاع غزة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات عام 2007، وبذلك يبقى الغرب غرباً ويسعى للتقرب من الحكومات الناشئة لتوريط الدول العربية بالمزيد من الديون وإنشاء الجمعيات والمؤسسات الدولية التي تدعم طموحات الدول الغربية في السيطرة الثقافية والاقتصادية وإقامة حكومات غربية داخل الدول العربية تسيطر على البلاد ثقافية واقتصادياً تحت مظلة الدعم الغربي والدولي لحركة التغيير، والحفاظ على التبعية العربية، لكن سيكون الغرب مخطئاً إذا فكر بذلك لأن المواطن العربي أصبح لديه الوعي الكافي في هذه الأيام لما يحيط به من مؤامرة

2. القانون الدولي: الأبعاد الإستعمارية والإستراتيجية
إن القانون الدولي في معناه العام هو جملة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول. وبذلك يكون القانون الدولي هو السلطة الأعلى من القانون الداخلي، و بالتالي فإن كل الدول المنظوية تحته تخضع له وتفرض إحترامه. لكن ما يبدو من أهداف نبيلة لهذا القانون مجرد أحلام يكذبها التاريخ. فهو قانون أميركا التي بواسطته تقرر الحرب متى شاءت وعلى أي دولة تريد. إذ أن أميركا التوليتارية والدول الغربية تسعى بالإستمرار إلى قولبة هذا القانون بصفة مستمرة للحفاظ على مصالحها الإقتصادية وتقوية علاقاتها الديبلوماسية، وفرض مناهج إقتصادية تقوم على عولمة الإقتصاد المحلي وغيرها. فمن يعتقد أن دول العالم الثالث والبلدان العربية قد تحررت من الإستعمار فهو مخطئ، لأن إستعمار القرن الحادي والعشرين أشنع من الإستعمار المباشر. فهو إستعمار يقوم على إستنزاف خيرات الدول بأثمان زهيدة.
وبواسطة القانون الدولي تفرض الدول الكبرى قوانين وسياسات على بقية الدول في شتى الأصعدة. يضاف ذلك إلى تنامي أزمات بلدان العالم الثالث وعجزها المالي والإقتصادي ما يجعلها مضطرة إلى الإستقراض من البنك الدولي الذي تموله البلدان الغربية وخاصة أميركا. وبالتالي مقابل القروض التي يسندها البنك الدولي تفرض الدول الكبرى سياسات تمس حتى من إستقلالية الدولة وهيبتها ونستحضر هنا تونس. فمقابل القرض الأخير التي إستلمته من البنك الدولي قبلت بسياساته المجحفة التي تقوم أساسا على رفع الدعم عن المواد الأولية وغيرها من الشروط. فالقانون الدولي إذن هو قانون إستعماري وجد لخدمة أميركا وحلفائها. “فالكونية الغربية لخطيرة على بقية الشعوب”، على حد تعبير صامويل هنتنغتون.

*ماجد قروي باحث تونسي في علم الاجتماع.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مخطوطات الموصل والمصير المجهول بعد «داعش»

بقلم: مهند مبيضين — مع تنامي حدّة الصراعات الداخلية في البلاد العربية، التي ما زالت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *