الرئيسية / آراء / شهادات عن أحداث 1965 في الجزائر
شهادات عن أحداث 1965 في الجزائر

شهادات عن أحداث 1965 في الجزائر

بقلم د.محمد عبدالرحمن عريف —
نعم هي مغامرة.. بكل المقاييس، أن تقدم نخبة عسكرية مجهولة على مستوى دولة، خرجت للتو من قبضة الاستعمار، ولاتزال ترتبط معها باتفاقيات أمنية واقتصادية مصيرية، وفي زمن كانت فيه الانقلابات العسكرية في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية واسيا، تحمل بصمات واختام الأقطاب الدولية المتصارعة على مناطق النفوذ، من هنا لم يكن انقلاب العقيد بومدين على غريمه بن بلة، خارج موجة التجاذبات.
الحقيقة أنه لا يزال الجدل قائمًا بشأن خلفيات وخفايا، حركة 19/06/1965، التي حملت جماعة وجدة بقيادة هواري بومدين للسلطة، واقبرت أول رئيس للبلاد أحمد بن بلة ثلاثة عشر سنة في السجن.. ولو أنه خلال السنوات الأخيرة، برزت عدد من الكتابات بقلتها وشحاحة معلوماتها، تلك التي استهدفت البحث في حقائق “التصحيح” الذي قيل أنه رهن هوية، وقدرات البلاد عقود، بين يدي نخبة تغريبية، ولنا أن نتساءل إذا نجحت تلك الدراسات، بإرساء أطروحات علمية، فيما يخص ماهية الحركة العسكرية، واتجاهات قادتها الفكرية، ومحتوى إفرازاتها طوال سنوات، بيد أن كل ما قيل عنها، خلال فترة تجاوزت العشرات من السنوات، على مستوى الإعلام الحكومي، والمؤسسات الرسمية، والندوات المناسبتية، لا يتعدى الإشارة إلى “تصحيح فرضته الجماهير الثورية، انتقل بالجمهورية الفتية، من سياسة العبودية الفردية الحاكم، إلى القيادة الجماعية، وجنة الثورات الثلاث الشهيرة. فهل هذا ما حدث بالفعل؟. لنطرح ذلك عبر العديد من الشهادات التالية لهذه الحركة الانقلابية الصريحة.
شهادة هواري بومدين عقب الانقلاب على أحمد بن بلة
لنصغي أولًا إلى هواري بومدين، الذي أدلى بحديث مع الكاتب اليساري لطفي الخولي أوخر 1965 حيث ينفي مهندس الانقلاب، الطابع العسكري عن الحركة، ويخفي أسرار وحقائق فيقول (الانقلاب العسكري هو عملية عسكرية بحتة، يقوم بها بعض المغامرين العسكريين، في جيش تقليدي محترف، من أجل السيطرة على الحكم، لمصالحهم الخاصة، أو مصالح قوى رجعية، تأييدهم لمصلحتها ضد الشعب، ونحن لسنا جيش محترف، نحن مناضلين.. أبناء الفلاحين، والعمال..) ثم يضيف (ليس انقلابًا، وإنما ممارسة ثورية، نعم نزلت الدبابات إلى بعض الشوارع، ولكن لمدة 24 ساعة فقط، ضد أي محاولة تخريب، وانسحبت على الفور، بعد أن لاذ المخربون بالجحور خوفًا من الشعب، وارادته الكاسحة)، ويتساءل قـائلًا (هل فرضت حالة طوارئ، أو منع التجوال ولو لدقيقة؟ هل شنت حملة اعتقالات ضد المواطنين؟ كل المعتقلين لم يزيد عن خمسة أفراد).
في ملف أعدته “الخبر الأسبوعي” في عددها الصادر بتاريخ 16/06/2005، نقرا عن محتوى الهدوء وحالة اللاطوارئ التي تحدث عنها قائد الانقلاب أعلاه (في عنابة كان القمع رهيبًا، المتظاهرون كانوا مسالمين، ويقول بعض الشهود أن جنود الجيش الشعبي، أطلقوا النار على المدنيين ومناضلين في جبهة التحرير، فيما رفض آخرون،.. الاٍعتقالات والقمع لم يتوقف بعد الأحداث الدموية التي تواصلت عدة سنوات) “يعني تداعياتها”، في حين يتحدث بومدين عن 24 ساعة، ويقول الصحفي منتصر اوبترون الذي أعد الملف بكل جرأة وموضوعية، “أن العديد من أعضاء الآفلان، وحزب الشعب،المعارضين لحركة 19/06 ، كانوا ممنوعين من مغادرة التراب الوطني، إلا بعد صدور دستور 1989)، ويمضي في عرض سير المظاهرات، والاعتقالات التي استمرت أياما، إلى أن يصل لـ احداث 21/06، حيث تحولت مظاهرة سلمية حاشدة، إلى مذبحة حقيقية”.
اتجهت المظاهرة صوب الولاية.. كانت الساعة منتصف النهار، عندما بدأت المجزرة بالثكنة، الجنود يتفرجون بهدوء، كانت فرقة تصوير قد انسحبت، صاح عطايلية (الجنرال فيما بعد) فرات.. فرات هنا خطاب من العاصمة، سنلقيه عليكم، فدخل الناس إلى الثكنة، وبقي البعض في الخارج، أمر عطايلية، بغلق الباب ثم أعطى أوامر إطلاق النار على المدنيين، وجاء جنود من ثكنة تابعة لسلاح المدفعية وقت الاستعمار، واطلقوا النار على المتظاهرين، خارج الثكنة، وأعلنت عنابة مدينة مغلقة، وفر المواطنون عبر الجبال والطرق غير محروسة للالتحاق بمنازلهم ومداشرهم، وتم اعتقال الكثير منهم’.
بعد هذا التشخيص الدقيق لما جرى في كبرى المدن الجزائرية، هل يمكن وصف المدنيين المتظاهرين،سلميا بالمخربين؟ وهم الذين لم يكسروا واجهة محل عمومي واحد! وكيف يقنعنا كلام بومدين عن الذين قادوا الانقلاب من الفلاحين والعمال، وصاحب التحقيق الموثق بشهادات واقع، يقول أن المعارضين عادوا لمداشرهم، أليس هؤلاء فلاحين وعمال وزيادة؟ أليس هذه إرادة الشعب الكاسحة، التي لم تواتيها الظروف الأمنية المشددة للتظاهر في مدن أخرى؟..
حسين زهوان عضو المكتب السياسي للافلان زمن بن بلة، وعضو منظمة المقاومة الشعبية للانقلاب، ورئيس رابطة شهيرة لحقوق الإنسان فيما بعد، قدر عدد القتلى ما يفوق 70 شخصًا في عنابة وحدها.
رابح لونيسي وكتاب: “الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين”
يقول رابح لونيسي لقد أبرزنا في كتابنا “الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين”، كيف أن من خصوصيات النظام الجزائري منذ إسترجاع الإستقلال هو الصراع بين ثلاث أطراف، وتتمثل هذه الأطراف في كل من مؤسسات الجيش والحزب والرئاسة، ففي بداية الثورة المسلحة، كان الصراع السياسي يتم على أساس الإقصاءات، فمثلًا منذ إختطاف طائرة الزعماء الخمس ظهر صراع بين كل من عبان رمضان وكريم بلقاسم، انتهى بإغتيال عبان رمضان في نهاية عام 1957، ليظهر صراع آخر بين الباءات الثلاث وبالضبط بين عبدالحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبال من جهة وكريم بلقاسم من جهة أخرى، لينتهي بإضعاف كريم بلقاسم أثناء إجتماع العقداء العشر في نهاية عام 1959، وانتهى بصعود هواري بومدين إلى دفة قيادة هيئة أركان جيش التحرير الوطني.
كان عبدالحفيظ بوصوف يعتقد أن بومدين صنيعته، لكن وقع ما لم يكن في حسبان بوصوف، حيث استقل بومدين عنه، وأصبح يعمل لنفسه، ويخطط لأخذ السلطة، مما أدى إلى عودة التماسك بين الباءات الثلاث، لكن تمكن بومدين من إبعادهم في أزمة صيف 1962 من خلال إبعاد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بإستخدامه زعيم تاريخي آخر هو أحمد بن بلة.
وتمكن تحالف بن بلة-بومدين من أخذ السلطة عام 1962، لكن تحول بن بلة إلى رهينة في يد بومدين الغير المعروف لدى الشعب الجزائري، وانتقل الصراع بعد ذلك إلى الشخصيتين المتحالفتين أثناء أزمة صيف 1962، وقد لعب بومدين مع بن بلة نفس دور عبد الناصر مع محمد نجيب في مصر، وعمل هواري بومدين أثناء فترة حكم بن بلة على تحضير الأرضية الملائمة لأخذ السلطة كاملة، ولهذا السبب عرفت هذه الفترة العديد من الإضطرابات، ونعتقد أن هذه الإضطرابات وعدم الإستقرار، لم تكن فقط كنتيجة لما وقع في أزمة صيف 1962 وإقصاء الكثير من الزعماء التاريخيين للثورة، بل يبدو أيضًا أن لبومدين وجماعته مسؤولية في ذلك، فقد عمل بومدين ومعه مجموعة وجدة والضباط الفارين من الجيش الفرنسي على تشويه صورة بن بلة في أعين الشعب، وذلك بخلق العديد من المشاكل له، خاصة مع بعض زعماء الثورة، واستطاع بذلك هؤلاء المتحالفين كلهم على عزل بن بلة عن حلفائه الطبيعيين.
تم إبعاد محمد خيدر بضغط من بومدين، ثم إعتقال محمد بوضياف، ونفي كريم بلقاسم، والسعي لإعدام آيت أحمد لولا نصيحة محمد بجاوي لبن بلة بخطورة ذلك وعدم تكرار عملية إعدام محمد شعباني، إلا أن بومدين ينفي هذا الطرح، ويقول أن بن بلة هو الذي كان مصرًا على تنفيذ حكم الإعدام في شعباني وتصفية آيت أحمد الذي تحصن في جبال القبائل، كما دفع بن بلة إلى الإصطدام بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي وغيرهم، بدعوى أنهم “رجعيين ومعادين للثورة الإشتراكية”، لكن تمكن بومدين فيما بعد من إستمالة الكثير من هؤلاء الذين اختلف معهم بن بلة إلى جانبه عندما أخذ السلطة كاملة عام 1965، لكنه استثنى في ذلك الزعماء التاريخيين الكبار، الذين كانت له عقدة تجاههم، بسبب ماضيهم الثوري وتفوقهم عليه من ناحية الشرعية الثورية والتاريخية.
شهادة طاهر الزبيري عن بداية ونهاية التخطيط للإطاحة ببن بلة
يقول العقيد الطاهر زبيري في مذكراته أن قادة الجيش أجمعوا على إنهاء الحكم الفردي وذلك بعد أن تحولت انتقادات سياسة الرئيس أحمد بن بلة إلى إجماع بضرورة الإطاحة به والقضاء على سياسة الحكم الفردي التي يتبناها، وجاء هذا بعد جس النبض الذي قام به العقيد هواري بومدين وما يعرف بجماعة وجدة للإطارات السياسية والعسكرية للدولة، وتزامن ذلك قبل أيام معدودة من انعقاد المؤتمر الآفروآسيوي دخل ما أسماهم العقيد الطاهر زبيري بالستة زائد كل من سعيد عبيد ويحياوي والعقيد عباس (6 + 3) دار بومدين، وعبر الباب السري ولجؤوا إلى منزل الطيبي العربي في غرفة سرية خاصة بهذه الاجتماعات، ولم تكن عائلة العربي تقيم في هذا البيت بعد تعيين هذا الأخير سفيرًا في دولة في أمريكا اللاتينية، حيث اتفقوا في هذا الاجتماع على أن تكون ليلة 19جوان 1965 تاريخًا لإنهاء الحكم الفردي للرئيس أحمد بن بلة، ولكن بقي السؤال كيف يتم الإطاحة به؟ وأين؟.
طرح الزبيري السيناريوهات الأولى للإطاحة بالرئيس بن بلة، حيث أنه طُرحت فكرة إلقاء القبض على الرئيس بن بلة عندما يذهب لوهران لمشاهدة مباراة ودية في كرة القدم بين الفريق الوطني الجزائري ونظيره البرازيلي، ولكن اعتقاله في مطار وهران من شأنه أن يخلق لنا مشاكل، لأن قادة الجيش خشوا أن يهجم الشعب عليهم ويحبط العملية، خاصة وأن الرئيس بن بلة كان يتمتع بشعبية كبيرة، ولم تتفق الجماعة في تحليلها على تبني هذه الخطة في وهران، ولكن بالمقابل لم يكن أمامهم الكثير من الوقت لذلك اتفقوا على اعتقاله مباشرة من مقر إقامته في فيلا جولي.
لم يخف الطاهر زبيري خلافه مع العقيد هواري بومدين حول كيفية العودة إلى الشرعية وهي النقطة الحساسة التي حرص على إثارتها في حينها، “كيف ومتى نعود إلى الشرعية بعد نجاح التصحيح الثوري الذي يعد في أصله خروجًا عن الشرعية من الناحية الدستورية” لذلك قال لبومدين ومن معنا في الاجتماع:” نغير الوضع ولكننا غدًا لا قدر الله قد لا نتفق، فهل سنبقى دائمًا داخل الأزمات؟ يجب تحديد الوقت لإعادة الشرعية للبلاد”، فردّ عليه قايد أحمد “نعيدها بعد عام أو عامين”، لكن بومدين كان قاطعًا في هذه المسألة “لا عام ولا عامين… لا يجب أن نضع أنفسنا في قالب ضيّق، فإذا ساعدتنا الظروف سنعيد الشرعية في أقرب وقت سواء عبر مؤتمر جبهة التحرير أو عبر الانتخابات”.
كانت خطة قادة الجيش على بساطتها تحتاج إلى رجال ثقة وأخذ كل الاحتياطات لتجنب أي مفاجآت غير متوقعة، خاصة وأن بن بلة كان رجلًا ذكيًا ومقاتلًا وله رجال مسلحون يخضعون لسلطته المباشرة، بل شرع منذ شهور في تشكيل “ميليشيات” وضع على رأسها محمود قنز ونائبه قنان وساعده في تشكيلها الرائد علي منجلي، وكانت هذه الميليشيات تقلق بال بومدين كثيرًا، بل أكثر من أي شيء آخر لأنه كان يعتبرها تنظيمًا موازيًا للجيش، لذلك سعى إلى تحييدها باستعمال دهائه السياسي واستقطاب محمود قنز إلى صفه وهو أحد الرجال الذين كان يعوّل عليهم بن بلة لمواجهة بومدين، كما كان بن بلة يقيم في فيلا جولي بالطابق الخامس وتحرسه وحدات من الأمن الوطني التي لم تكن قيادات الجيش تثق في ولائها.
كانت الخطة وباقتراح من سعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى تعتمد على استبدال حرس بن بلة بالطلبة الضباط المتدربين بالأكاديمية العسكرية بشرشال ليتم تأهيلهم ليكونوا قادة فيالق وكان من بينهم العقيد علي تونسي المدير السابق للأمن الوطني على حد ما رواه للعقيد زبيري شخصيًا في مكتبه. وأضاف الطاهر زبيري في شهاداته أن أحمد دراية مسؤول وحدات الأمن الوطني أخذ في يوم 18 جوان 1965 ضباط الأكاديمية العسكرية بشرشال معه وأعطاهم ألبسة خاصة بوحدات الأمن الوطني، استعدادًا لتغيير الحراسة على التاسعة ليلًا بحرس ليسوا حقيقيين ولكنهم من رجال الجيش وليسوا من الأمن الوطني، فمن طبيعة أفراد الجيش أن يتضامنوا مع مؤسسة الجيش، ومن جهة أخرى عقد بومدين اجتماعًا مع قادة النواحي العسكرية قبل أقل من 24 ساعة من تنفيذ العملية.
جاء سعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى (البليدة)، الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية الثانية (وهران)، صالح السوفي قائد الناحية العسكرية الثالثة (بشار)، أما أحمد عبد الغني قائد الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة) فكان قادة الجيش يخشون من ولائه لبن بلة فأرسلوه في مهمة إلى الصين وكوريا الشمالية لمدة شهر ولم يعد إلا بعد انتهاء العملية، وفي هذا الاجتماع وضع بومدين قادة النواحي العسكرية أمام حقيقة الوضع فلم يلق منهم سوى الاستجابة، ولم يبق في الجيش أي ضابط سامي يقف ضد التصحيح الثوري وحتى وإن كان هناك ضباط وجنود يتعاطفون مع بن بلة إلا أنهم كانوا أفرادًا ولم يكن بإمكانهم القيام بأي شيء بعد أن اتفق كبار ضباط الجيش على تنحية بن بلة من الحكم.
في ليلة 18 إلى 19 جوان 1965 كان الرئيس بن بلة قد ارتدى ملابس نومه وتمدد في سريره، الأكيد حسب العقيد زبيري أنه لم يكن يعلم أن أمرًا جللًا سيحدث بعد ساعات سيغير مسار حياته، وعلى الساعة الواحدة ليلًا وصلت –يقول العقيد زبيري- إلى فيلا جولي مرفوقًا بالرائد محمد صالح يحياوي والرائد سعيد عبيد والرائد عبد الرحمان بن سالم ومعنا نحو عشرة جنود مدججين بالسلاح، وصعدنا الدرج بثبات إلى الطابق الخامس أين كان الرئيس أحمد بن بلة نائمًا في غرفته، وعند وصولهم إلى الطابق الخامس دقت ساعة الحسم، فتقدم العقيد الزبيري من غرفة نوم الرئيس بن بلة وطرق بابه، ودون أن يفتحه صاح بن بلة: اشكون (من)؟ فقال العقيد زبيري: سي أحمد.. أنت لم تبق رئيسًا للجمهورية، وقد تشكل مجلس الثورة، وأنت تمشي معنا الآن في أمان الله، تقدم بن بلة من الباب وفتحه قليلًا بحيث يراني ويرى من معي، وكان يرتدي لباس النوم ثم خاطبني قائلا: لو جئت وحدك مع السعيد عبيد لأتيت معكما أينما أردتما، فلماذا كل هذه الخوذات والأقنعة؟ سأرتدي ملابسي وآتيكم. بعد لحظات خرج بن بلة مرتديًا سترة ذات لون بني فاتح وسروالا من القطيفة، ودون أن نلمسه أو نقيد يديه أو أن يبدي أدنى مقاومة نزل معنا في المصعد إلى الطابق الأرضي رفقة عدد من الضباط، وكلفت السعيد عبيد وأحمد دراية بأن يأتيا بسيارة عسكرية من نوع “لاندروفر” لنقل بن بلة إلى المكان المحدد في الخطة، فنزلا رفقة بقية الجنود عبر الدرج، ولكن الغريب حسب العقيد زبيري” أننا ونحن محيطين ببن بلة بأسلحتنا وخوذاتنا لم ألمح في عينيه لا القلق ولا الفزع بل كان متينًا وهادئًا وهو يعيش آخر لحظات حكمه كأول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة”.
رابح بلعيد ودراستة “المتغربون الجزائريون وحلفائهم الجدد”
يقول المؤرخ المغضوب عليه رابح بلعيد، في دراسة نشرت قبل سنوات بعنوان “المتغربون الجزائريون وحلفائهم الجدد” (فرنسا والمتغربون كانوا في حاجة لبومدين، لتخدير الشعب، ولو لم يوجد بومدين لخلقوا بومدين)، فيما أشار أحمد بن بلة، في شهادته على العصر سنة 2003 بقناة الجزيرة القطرية “أن ديغول وافق على تسليم بومدين الحكم بشرط أن يتم الانقلاب سلمي” ويضيف “أن نحو 22 انقلابًا في العالم الثالث على أشكال الاستقلال الحضاري أعقب الانقلاب عليه”.
بصرف النظر عن الاتجاه الاديلوجي، الذي حرك في الانقلابين كوامن حركتهم، أو القطب الدولي الذي تحالفوا معه بعد سنوات، من استقرار سلطتهم، فالمهم أنهم لم يخرجوا حركتهم عن منطق موضة الانقلابات التي يقودها ضباط، يجهلون أي طرف خارجي قد يتآمر على “ثورتهم” أو أي جهة إقليمية تسعى لتأييدهم، ومن ثم تراهم أول مرة في كل واد يهيمون، والأمر شبيه بالنسبة لجماعة بومدين، التي ظلت حليفًا لموسكو، وهي التي صعدت للواجهة بدعم أمريكي، إذ أن المجاهد والدبلوماسي السابق رابح مشحود، المشهود له بالنزاهة والعفة، أعلن في سابقة 2005، أنه بحوزته وثائق تثبث أن انقلاب 19 جوان كان بدعم وتخطيط، الملحق العسكري الأمريكي بسفارة واشنطن بالجزائر، دون أن يطرح إلى اليوم تلك الوثائق للنشر.
بالاظافة إلى ما يخص على الأقل الرضي الأمريكي، أن لم نقل توجيه للحركة واستثمارها لخدمة المصالح الامبريالية الاقتصادية والاستخبارتية، حتى وإن ادع الانقلابيون وأزبدوا لأعوام في الحب الروسي،… هناك مؤشر قوي يحمل دلالات على الارتباطات النسبية، لحركة 19 جوان بالأجهزة الأمريكية التي كانت تحرك الانقلابات بامتياز في دول القارة الإفريقية، فرشيد زكار رجل الأعمال الجزائري الاستخبارتي، الذي أحيل على العدالة، بعد وفاة بومدين، حسبما جاء في قرار الإحالة أنه بعد انقلاب 19 جوان 1965، أتصل زكار بمسئولين أمريكيين، وطمأنهم بأن أصدقائه وصلوا إلى الحكم، يعني جماعة بومدين وبوتفليقة، وإن كان الاحتمال السياسي وارد في محكمة الرجل بداية ثمانينات القرن الماضين، فان زكار المدعو كازا كان وسيط ممتاز بين الأمريكان وبومدين نفسه حتى وفاة الأخير عام 1978، وللرجل علاقات مثيرة مع رجال البيت الأبيض، ووكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية… خلال السبعينات حين كانت الحكومة بومدين تنام في خط الروس، وكان زكار في هذه الفترة يعقد صفقات اقتصادية مع كبرى الشركات الأمريكية الامبريالية للاستثمار في الجزائر.
يدعم هذه المعلومات عدد من المواقف السياسية والشخصية للشخصيات المرتبطة بالأحداث، فأحمد بن بلة مثلًا كان أحد حلفاء القطب الاشتراكي (زيارات لموسكو، بكين، القاهرة، عقود مع كوبا)، فيما قوبل الانقلاب عليه، بتوجس واستنكار خفي من قبل عواصم دولية، لاسيما القاهرة، التي اضطرت الانتظار سنوات لسبر أغوار ونوايا الرجل الجديد، وعلى مستوى آخر نجد ألف سؤال وسؤال، في التوجهات البورجوازية والتغريبية لقادة الانقلاب، والتي تتقاطع مع خطابتهم وتفكيرهم بالغة الفرنسية، بالإضافة حساباتهم السرية في سويسرا، وبالأخص نيويورك، حسب شهادة مثيرة لزميلهم في السلطة أحمد بن شريف قائد الدرك، في حوار أدلى به سنة1989، لجريدة منبر أكتوبر، ونعثر في دور الملحق الأمريكي الخفي خيطًا يربط ممارسات الانقلابيين خلال سنوات لاحقة، ولن يهم بعد هذا النوم في أحضان موسكو ليلًا، وفتح حسابات جديدة في واشنطن نهارًا، فشتان بين خطابات الثوريين، وممارستهم الفردية وحياتهم الشخصية “معظم زوجاتهم أرستقراطيات، حالة آنسة بومدين، التي لا تجيد العربية إطلاقًا… ولو آمنا بخرافات القومية، والثورة الزراعية والثقافية، لصدقنا منذ أمد بعيد بعودة بومدين ليرى كيف يتضوع الشعب على الجوع والحرمان، وكيف تحولت الجزائر إلى جنات تجري من تحتها الأنهار!، بسبب كارثة المخططات الثلاثية، والرباعية.. وسياسة التاميمات التي انتزعت أملاك الأشخاص ووزعتها على زعامات الولاء، وجعلت المواطنة والتوظيف رهينة الانتماء للحزب.
الكاتب عبد العالي رزاقي في عموده “مالا يقال”
الأخطر والأهم والمثير في آن، ما ذكره الكاتب عبد العالي رزاقي في عموده “مالا يقال” أن حركة 19 جوان وضعت طائرات عسكرية في مطار بوفاريك، محملة بالأموال للفرار في حال فشل الانقلاب، ومن هنا كان الهروب أوتوماتكيا نحو طرف أجنبي يعلم بخفايا الحركة مسبقا، ولن يضمن الآمان للانقلابيين غير هذا الطرف، وإذا افترضنا أن الموافقة والتخطيط الخارجي، كانا ضروريان لاستتباب سلطة القيادة الجديدة، وانسجام خطابها وتوجهاتها مع أحد أقطاب الحرب الباردة، لكي تلقي الدعم السياسي والاقتصادي والاستقرار الأمني لادارة البلاد، فإن أدوات وكوادر التحرك الداخلي لابد أن تكون امتداد وتعبر عن العقل الخارجي المدبر، وانقلاب 19/06 لم يخرج عن هذه النظرة، فقد وجّه له حسب شهادة رابح بلعيد الضباط المتغربون الثلاثة (شابو- هوفمان- زرقيني)، الذين يمثلون العسكريين الفارين من الجيش الفرنسي 58/59 حيث راقب هؤلاء كل تفاصيل الحدث في اليوم الموعود من فيلا، فيما اسند تحريك الوحدات على الأرض للضباط “الوطنيين” لجيش التحرير سابقا، كالطاهر الزبيري، وسعيد عبيد.. اللذين قادوا محاولات انقلاب مضاد ضد زمرة بومدين من ضباط الجيش الفرنسي في ديسمبر1968، ولكن المحاولة بائت بالفشل بعد أن تجدر نفوذ المتغربين واصبحوا كما يقال بعد فترة (أمخاخ وزارة الدفاع).
خطّط بومدين، فدعم الملحق الأمريكي، ووافق ديغول، فنفذّ أتباعه.. فماذا كان الحصاد بعد عقود.. نخبة تغريبية، سيطرت على الإدارة والجيش، وكونت لاحقًا جهاز بيروقراطي جاثم على صدر الأمة، وقائم على الطفيلية، والمحسوبية والتغريب، كان أيضًا في هذه الدائرة يسري عقد هواري بومدين مع حزب الطليعة الشيوعي الذي يتقاسم مع الانقلابيين قواسم مشتركة في الفكر والممارسة، فكان أن تخلوا عن مقاومته لصالح السيطرة على الإدارة،.. وجاء أيضًا ميثاق الصومام الثاني “الميثاق الوطني” الذي ربط الجزائر بخيار الاشتراكية إلى يوم الحشر، وشهدت فترة السبعينيات عدد من الوزراء والمسؤولين المركزيين الذين لا يعرفون للهوية العربية قدر، ولا يعترفون بالجذور الإسلامية للجزائر إلا في إطار الامتداد المتوسطي الوثني القائم على حضارات بائدة، وخدر الشعب لفترة بشعارات وأماني العيش الرغيد في القرى الاشتراكية والثورة الزراعية، التي كانت حسب عدد معتبر من المفكرين، من بناة أفكار ديغول لحصر الثورة، “مشروع قسنطينة”، تلك القرى التي لم تفك العزلة ولم تكون قاعدة عمرانية، تقضي على أزمة السكن على المدى الطويل، وتلك الثورة لم توقف الاستيراد ولم تحيي الجياع، فكان أن رحلت النخبة التغريبية الانقلابية تدريجيًا أوخر السبعينيات.
شهادات متنوعة على حقبة بومدين
يقول بلعيد عبد السلام رئيس الحكومة الأسبق، “كل مشارك في ثورة التحرير اصبح مشبوها خلال مرحلة بومدين، وفي تقييم شخصي منه لمرحلة حكم بومدين يعلق قائد أركان الأسبق الطاهر الزبيري في حديث أدلى به للشرق الأوسط سنة 1997 ‘بومدين كان يعتمد على الانتهازية، والضعفاء الذين لم يكن لهم ماضي، أو نضال فكان يقلدهم المناصب في السلطة، ويضيف “أنا أتحفظ إزاء إطلاق صفة الثوري على كل من كان في الرباط أو تونس أو غيرها”.
يدعم هذا الطرح ما ورد على لسان الدكتور محمد العربي الزبيري مناضل الآفلان في كتابه “المؤامرة الكبرى” (مع انقلاب 19 جوان، ازداد الانحراف خطورة، وفتحت الأبواب للأجانب يعبثون بالمجتمع الجزائري من جهة، ويخربون الاقتصاد الوطني من جهة أخرى، وبالنسبة للمجتمع.. أضحى الخطاب السياسي لا يتحدث إلا عن المجتمع الاشتراكي، وكان الإسلام قضي عليه بجرة قلم).
على مستوى أخر نجد أن جماعة وجدة، التي زعمت بتصحيحها، القضاء على سلطة الفرد الواحد، سلمت السلطة بانتهازية وجبن، لهواري بومدين دون مسائلة، حيث أصبحت بيده وزارة الدفاع والرئاسة وأمانة الحزب ورئاسة مجلس الثورة والحكومة، إلى وفاته، بالإضافة إلى أن حركة 19/06 التي أطاحت برئيس منتخب، ومن قبله انقلبت على الحكومة المؤقتة 1962، حين أدخلت جيش الحدود إلى العاصمة وقادت حربًا ضد الشرعية، جمدت العمل بالدستور لمدة 11 سنة (65/76 ) وخلال هذه الفترة جرت استقالات أعضاء مجلس الثورة الذي اصبح فارغًا، فاجتماعات المجلس بدأت بـ62 عضوًا وانتهت بعد سنتين ب08 أعضاء فقط، وبرزت معارضة سياسية لمشاريع السلطة الديكتاتورية، جماعة لحول فرحات عباس، وخير الدين، الزعامات التي فرضت عليها المخابرات الإقامة الجبرية، كما حدثت نهايات غامضة لعدد من القيادات والوزراء مدغري، احمد قايد.
دفع انغلاق الدولة على محاولة انقلاب خطيرة قادها قائد الأركان الزبيري 1968 وايدها الثلاثي يحياوي، محمدي سعيد، ومحساس، وتبعها تخطيط لاغتيال بومدين من قبل ضباط من ناحية الأوراس يرأسهم عمار ملاح، نجى فيها الرئيس بأعجوبة من الموت، فهل كانت تجري هذه الدوامة التي دفع فيها رجال حياتهم بين السجون مجانًا، (حالة العقيد لخضر بورقعة المأساوية)؟.
إذا كان بن بلة “راح يخلق العداوات بين المناضلين، في حملة واسعة لتصفيتهم” فما كان موقف سلطة جماعة وجدة، وأجهزتها الأمنية الرهيبة، اتحاورت مع رجال الثورة المعارضين، أشركتهم في حكمها، فكم من مؤامرة خلقتها أجهزة الدول الشمولية في فترة السبعينيات؟ وكم مناضل ومفكر ومواطن أجبرته على الرحيل لمجرد اطروحات أو فكرة أو مقال؟ وكم من دستور وقانون حرم على البشر الذين ولدوا احرار التفكير والنضال خارج أبجديات الاشتراكية.
يقول الدكتور معمر بوضرسة صاحب الكتابات العلمية الجريئة والموثقة، في دراسة عن العلاقات السرية بين جزائر بومدين وفرنسا، (إحدى اوجه هذه العلاقة أن يبقى في الجزائر حكم غير معادي لفرنسا، ..تاريخ الجزائر بعد الاستقلال لا يزال مسجونًا وسريًا، ومليء بالفراغ والكذب والإشاعة والشعوذة والمحسوبية والتحزب والخرافات والصراعات المصطنعة).
فبهذا الشكل انتهى أحمد بن بلة وجاء مكانه هواري بومدين الذي أتى ببن بلة إلى السلطة عام 1962، لكن تواصلت نفس السياسة والممارسات تقريبًا التي وضعها نظام بن بلة-بومدين عام 1962، عنما أستولوا على السلطة سويا بواسطة جيش الحدود وعلى حساب مجاهدي الداخل، الذين لم يرحمهم هذا الجيش بقيادة بن بلة –بومدين، كما لم يرحمهم الجيش الإستعماري من قبل، ويرى الكثير أنه هنا تكمن بدايات مأساة الجزائر المزمنة والممتدة إلى حد اليوم، ومنهم بن بلة ذاته الذي اعترف بأخطائه القاتلة في نقد ذاته.
من هذه الإعترافات هو قوله صراحة بإنحرافه عن مباديء أول نوفمبر1954، وتسليمه الحكم لأناس لاعلاقة لهم بالثورة، حيث قال “انحرفت ثورة أول نوفمبر عن خطها، وصودرت السلطة على يد أناس كانوا يعيشون في المغرب وتونس أثناء الثورة التحريرية، وكانت أفكارهم السياسية وسلوكاتهم اليومية غريبة وأجنبية عن مباديء أول نوفمبر”، كما تأسف على عدم حل حزب جبهة التحرير الوطني، كما كان يطالب به بوضياف آنذاك وتعويضه بمجالس التسيير الذاتي، التي كان من المفروض تعميمها على كل المجالات والميادين، فيحكم الشعب نفسه بنفسه من خلالها.

المقالة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الرسالة القطرية التي لم تصل إلى نتنياهو

كشف المحلل السياسي والمراسل في القناة الإسرائيلية العاشرة، باراك رافيد، الخميس، عن رسالة قطرية رسمية …

الجيش الإسرائيلي: حشر “أبو مازن” في الزاوية قد يشعل العنف في الضفة

ذكر موقع “المصدر” الإسرائيلي أن المنظومة الأمنية في إسرائيل ليست مرتاحة للسياسة الأميركية إزاء السلطة …

الدين والدولة في إيران: أثر ولاية الفقيه على السياسات الداخلية والخارجية

بقلم د. هيثم مزاحم*– لعب الدين ولا يزال دوراً أساسياً في حياة البشر السياسية والاجتماعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.