الرئيسية / ثقافة / رواية “رجل السماء الأول”.. الإدراك الذهني للواقع وتطبيع الوجع

رواية “رجل السماء الأول”.. الإدراك الذهني للواقع وتطبيع الوجع

بقلم د. محمد سعيد المخلافي —

لا أدري فيما إذا كان الأمر مقصودا ابداعيا في الاجتراح المستفز الروعة لحالة مبتكرة في الأدب الروائي، تصير فيه الرواية مجرد عنوانا لواقع يحاكي تفاصيل روحه الكئيبة المظلمة المرة المذاق، إلا أن هذا ما وجدته على أية حال وما كانت عليه بحق رواية “رجل السماء الأول” للدكتور مجدي صالح، والذي تشرع بقراءتها مصحوبا بتصور عام مبدئي لمحتواها تبعا لعنوانها المطروق الدلالة، وتنتهي إلى أشد ما يكون التقمص الوجداني شاغلا لإدراك مغزى العنوان _المجانب قطعا لدلالته اللغوية الاجتماعية_ الذي لم تجد له مصداقا في جميع شخوص الرواية.

والواقع من هذا الأمر بدا كأحجية تتجاوز الاختبار الذهني الترفيهي إلى اختبار القدرة على كشف واحتمال المعاني التي ما كانت لتبدو خفية لولا حدتها الواخزة. وغير بعيد من بدء الوعي بهذا، يتكشف لك معنى مخترع بإزاء عنوان الرواية، مستفاد من روح الأسلوب ومن باب دلالة الالتزام (العقلية)، وفي سياق مجاز تهكمي مستطرف وشيء من سُريالية لا غنى عنها، وكل هذا بحيث يصبح العنوان مقال حال لواقع يخبرك بنزعة (تعبيرية) وبخلاف ما تعتقد، عن شيوع الاعتقاد بمبعوثية العناية الالهية. وسهولة اليقين جهلا بالخيرية المطلقة وحيازة الحق والحقيقة. وكيف يستحيل محض اضطراب ضلالي واغترار، مهاما مقدسة وافعالا ملهمة.

وهذا ما عرضت له الرواية بوسيلة تعبير خطابية بدت متفردة باستقلالها التام عن النزعة الغنائية من جهة وبغائيتها في توخي مجاوزة الأحكام الوضعية إلى المعالجة_ على المستوى النظري_ وإعمال النقد الذاتي على نحو ديالكتيكي يتحرى المعيارية من جهة أخرى.

المسلك الذى ظهر مركزا وبشكل رئيس في أحد أبرز موضوعات الرواية والمتعلق بعمل جهاز المخابرات في الدولة، بما يتضمنه من رمزية واضحة المعنى في الذهن الجمعي .وهذا بعض ما برعت فيه الرواية بصدد نهجها (البوهيمي) _ المستساغ _ الكاشف بطعم العلقم للحقائق والتفاصيل، مثال حقيقة كون الإرهاب نارا من مستصغر شرر جهلنا, وحماقاتنا، وبؤسنا، واخفاقاتنا، وخيباتنا الصغيرة قبل الكبيرة.

وعلى مرأى ومسمع من سعينا الحثيث لإشباع غرائزنا الأساسية الأولية، وعلى الظاهر من محيطنا الغاص بمختلف صنوف الفساد والامتهان والقهر. وهذا الجوهر في المسألة والحد الذي وقفت الرواية عنده بمعافاة بعيدا عن جلد الذات المرضي العقيم أو التمحل البائس للأعذار فضلا عن ممارسة الاعلاء القيمي الساذج للأخطاء، بالاجترار الأخرق لنظرية المؤامرة، والذي يشكل في الواقع إذكاء لهذه النار وصب مزيد زيت عليها. وكذلك حقيقة الزواج من القاصرات بوصفه لون من الخطل الجنسي (بيدوفيليا). تواضعت على تجريم النظم الوضعية بمحض التزام أخلاقي.

في حين أريد للتنظيم الديني للزواج وصبغة القداسة المضفاة على رابطة الزوجية بموجبه، أن يصبح مجال ذرائعي للتحلل من وطأة الإحساس بالأثم جراء ممارسة هذا الخطل الجنسي. وبحيث يعد الزواج في الحقيقة ووفق منطق الأشياء مجرد حيلة دفاعية مرضية للتخفيف من الصراع مع هكذا رغبة شاذة مقززة. وإن كنت أعتب على الرواية بهذا الخصوص بأنه ما كان ينبغي بعد أن رفعت رأسا شاخص الهمة والبصيرة إلى هذا الموضوع أن تعود فتدسه في رمل الوجل أو حتى أن تكتفي بهذا التبيان وتمضي غير راشدة في حال سبيلها، فما كان مأمولا لمسلم مثلي _يؤمن يقينا بكمال وسمو دينه_ هو أن تنتصر الرواية لدينه ولرسوله ولو من اشارة مقتضبة إلى الأبحاث والدراسات العلمية الرصينة التي أثبتت زيف شرعية هذه الشائبة التي الصقت بدين الإسلام ظلما وعدوانا ولغرض في نفس ملتاث.

ومع ذلك أعود فالتمس العذر للرواية لإدراكي مدى تسيد فوبيا الاقتراب من التراث الديني المحمي بسياج من الإرهاب الفكري ورجال سماء أوائل منبرون للذود عن قضه وقضيضه بفائض شعور خادع بحسن الصنيع. كما يغفر للرواية أيضأ انني خبرت من خلالها (الظهور الخارق) من غثاء وتفاصيل رتيبة حد السأم. واستحساني فيها إجمالا تحليها بنزعة (تمثيل الحقيقة) وتمسكها بذلك حتى آخر حرف من حروفها من دون أدنى تواضع متكلف لقبول تهمة لم تهتم بالأصل بنفيها، أو إظهار تملق أو محاولة استدرار عطف. كما راقني منها ذلك التصوير الواضح غير الفاضح وبعض تصوراتها غير المشوهة بتأويل ذاتي.

كما حمدت لها غوصها في روح المكان والزمان دون فناء أو حتى امتزاج. وبكونها بدت أقرب ما تكون ضرب فريد من (الاوتوبيا)، تتمثل مثاليتها في الانسياق وراء الواقع المبتذل دون القبول به ناهيك عن إمكانية تغييره إيجابا بمحددات واقعية سهلة المنال. وأخيرا أجدها تتضمن تنبؤ واضح لقادم صراع بسطت إرهاصاته بنحو يحمل على الاعتقاد المريح بأن الرواية لن تقف عند هذا الحد المبتور غير المبرر. إذ من الجدير أن نشهد ولادة جزء ثان من الرواية، أو هذا ما اتمناه على كاتبها بالأحرى فمازال في الأوجاع بقية ومتسع لتطبيع.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

12 سنة فقط للحفاظ على كوكبنا

بقلم اوليفيا البرستين – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — شدوا الأحزمة يا أعزائي في سيارتكم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.