الرئيسية / تقدير موقف / «الجهاديّون» الأويغور: اليوم سوريا.. وغداً الصّين؟!
تظاهرة للأويغور في باريس

«الجهاديّون» الأويغور: اليوم سوريا.. وغداً الصّين؟!

خاص مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: صهيب عنجريني* —
يرتبط حضور المسلّحين الأويغور في سوريا ارتباطاً وثيقاً بقضيّة إقليم شينغيانغ (تركستان الشّرقيّة). في أواخر تسعينيّات القرن الماضي، وتحت كنف جماعة «طالبان» في أفغانستان أعلن حسن معصوم (أبو محمّد التركستاني) تأسيس «الحزب الإسلامي التركستاني»، بهدف «الجهاد من أجل تحرير تركستان الشرقية (الانفصال عن الصين) وإقامة الدولة الإسلامية». وتركستان الشرقية هو إقليم في أقصى شمال غرب الصين، تسكنه أغلبية تركية مسلمة، وتطلق عليه بكين اسم «شينغيانغ»، ومعناه الأرض الجديدة. كان معصوم (المولود في كشغر عام 1964) قد تلقّى علوماً دينيّة في مسقط رأسه، وفي العام 1997 توجّه إلى مكّة، وبالتزامن مع امتداد حركة «طالبان» وسيطرتها على كابل والعديد من مدن أفغانستان سافر التركستاني إلى أفغانستان مع آخرين من المتأثرين بالأفكار «الجهاديّة». في تشرين الأول 2003 أعلن الجيش الباكستاني مقتل حسن معصوم في عملية على الحدود مع افغانستان، وخلفه عبد الحق التركستاني. كان «الحزب الإسلامي التركستاني» قد أقام معسكرات عدّة في مناطق سيطرة «طالبان» وبإشرافها، وتخصّص بعضها في تدريب «الجهاديين الفتيان» وهم مقاتلون تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاماً. لاحقاً، تحوّل هؤلاء إلى رأس حربة في «المشروع الجهادي التركستاني» في سوريا.

بدايات الظهور الفردي في سوريا
مع الظهور العلني لـ«جبهة النصرة» كان عددٌ قليل من المقاتلين التركستانيين (ويُعرفون باسم الأويغور) قد انتظموا في صفوفها، يدفعهم إلى ذلك وجود صلات «عقائديّة» وطيدة بين حاضنهم «الحزب الإسلامي» من جهة، وبين كلّ من «حركة طالبان» وتنظيم «القاعدة» من جهة أخرى. كما كان عدد قليل من من هؤلاء (خمسة يتقنون اللغة العربية) قد انضووا في صفوف «حركة أحرار الشام الإسلاميّة»، قبلَ أن يرفض قادة «الحركة» انضمام آخرين إضافيين لأنّهم «لا يفهمون العربيّة ولا يتكلّمونها»، وفقاً لمصدر من داخل «الحركة». يشرح المصدر أن الرفض كان ناجماً عن «أسباب عدّة، أبرزها المخاوف الأمنية لدى الشيخ أبو عبد الله الحموي (حسّان عبّود، مؤسس أحرار الشام). فكيف يمكن الاطمئنان إلى وجود مجموعة لا نفهم لغتها بيننا؟. وما أدرانا بعدم كونهم مُخترقين استخباراتيّاً؟. قد يتآمرون علينا بحضورنا من دون أن نعلم ذلك». ساهمت هذه المخاوف بإحجام معظم المجموعات السورية عن إنشاء «كتائب» تابعة لها ومخصصة للمقاتلين الأويغور دون غيرهم، خلافاً لما كان الحال بشأن المقاتلين الشيشان. ويعود ذلك إلى أنّ اللغة العربية منتشرة بين الشيشانيين بشكل أكبر من نظرائهم الأويغور، الذين يظهرون تمسّكاً شديداً باللغة التركيّة دون سواها.

العلاقة مع «داعش»
على العكس من معظم المجموعات المسلّحة سارع تنظيم «داعش» إلى استقطاب المقاتلين الأويغور. وتجاوز عقبة اللغة بالاستفادة من وجود عدد كبير من القياديين التركمان في صفوفه. كانت الدعاية التي أتقن «داعش» ترويجها بخصوص «عولمة الجهاد» عاملاً مؤثّراً في نجاحه باستقطاب المقاتلين غير العرب ومن بينهم الأويغور. وتقوم هذه الدعاية على فكرة أنّ «الجهاد واجب على كل مسلم، من دون أي اعتبار للقوميّة». وعزّز وجود بعض القياديين من غير العرب في صفوف التنظيم من فعالية هذه الفكرة. كذلك، لعبت سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من الحدود السورية التركيّة دوراً فاعلاً في استقطابه للمقاتلين الأويغور الذين وفد معظمهم عبر الأراضي التركيّة، وتحوّلت مدينة تل أبيض (ريف الرقة الشمالي) خلال عام 2014 إلى نقطة تجمّع أولى لـ«أويغور داعش». أقام التنظيم في المدينة معسكرات خاصّة بالأويغور كرّر فيها تجربة أفغانستان، حيث ركّز على «الجهاديين الفتيان»، قبل أن يوزّع الدفعات التي تُنهي تدريبها على «الولايات» التابعة له في كل من سوريا والعراق.
لا تتوافر تقديرات دقيقة لعدد المقاتلين الأويغور في صفوف «داعش» في الوقت الراهن، لأن التنظيم عمل بعد بدء غارات التحالف الدولي ضدّه (وتحديداً منذ مطلع العام 2015) على الحد من تداول معلومات من هذا النوع. لكنها لا تزيد عن ألفي مقاتل.

الظهور المنظّم في سوريا
منذ مطلع العام 2013 شكّل «الحزب الإسلامي» فرعاً له باسم «الحزب الإسلامي التركستاني لنصرة أهل الشام». شارك مقاتلو «التركستاني» في معارك متفرّقة في الشمال السوري (إدلب، وريف حلب) وبأعداد محدودة، بالتنسيق مع «جبهة النصرة» حيناً، وراية «أحرار الشام الإسلاميّة» حيناً، ثمّ بالتنسيق مع «جيش الفتح» إبّان معارك إدلب. شكّلت معركة جسر الشغور انعطافةً في عمل «الحزب»، حيث كان مقاتلوه رأس الحربة الأساسي فيها بعد أن تلقّوا منذ أيلول 2014 تدريبات خاصة وطويلة على عمليات الانغماس والاقتحام.

Uyghur-new

مناطق الاستيطان
منذُ دخولهم إلى سوريا، دأب معظم المقاتلين الأويغور على الوفود إليها برفقة عائلاتهم. وتعزو مصادر «جهاديّة» أسباب حرصهم على اصطحاب عائلاتهم إلى «الرحلة الشاقّة التي يقطعونها من تركستان الشرقيّة إلى سوريا»، وهي رحلةٌ «تستغرقُ شهوراً طويلة، وتمرّ بمحطّات كثيرة: الصين، تايلند، الهند، الفلبين، لاوس، تركيا، ثم سوريا». لا تتوافر معلومات دقيقة عن العدد الذي بلغته العائلات «التركستانيّة» في سوريا في الوقت الرّاهن، لكنّه «لا يقلّ عن ألف وخمسمئة» وفقَ مصدر مطلع.
وفيما كانت هذه العائلات حتى آذار 2015 تتّخذ من مناطق ريف اللاذقيّة الشمالي مستقرّاً أساسيّاً لها، فقد بدأت منذ نيسان من العام نفسه في التّوافد إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة السورية في إدلب، وخاصّة القرى المحيطة بجسر الشغور. مع منتصف العام الماضي بدأ عدد كبير من هذه العائلات «انتقالاً مُنظّماً» إلى قرى جديدة في جبل الزاوية مثل إحسم، المغارة، دير سنبل، وبينين وغيرها (معظم هذه البلدات تخضع لسيطرة مباشرة من «جبهة النصرة»). ويقف وراء هذه الانتقالات أسباب عدّة مثل خروج إدلب بأكملها عن سيطرة الحكومة السورية، والحصانة الطبيعيّة التي تحظى بها قرى جبل الزاوية، إضافة إلى عمل معظم التنظيمات «الجهاديّة» على تحويل محافظة إدلب بأكملها إلى ما يشبه معسكراً ضخماً في استحضار لتجربة أفغانستان.
شهد العام الجاري رفداً جديداً لصفوف ««الحزب الإسلامي التّركستاني» في سوريا، حيث عبر المئات منهم الحدود التركيّة وانتقلوا عبر إدلب إلى ريف حلب الجنوبي الغربي (الملاصق لريف إدلب الشرقي). استقرّ الوافدون الجدد في قرية البوابيّة، ويشرح أحد أبناء القرية أنّ «موقع البوابيّة يبدو استراتيجيّاً لهم في هذه المرحلة». ولا تبعد القرية أكثر من كيلومترين عن أوتوستراد حلب دمشق الدولي، وتواجه كلّاً من تل حديّا وإيكاردا. وسبق للمسلّحين أن استخدموها منطلقاً لعمليّاتهم في اتجاه العيس. قبل أن يبدؤوا تحويلها أخيراً إلى «معسكر مفتوح» للأويغور. «احتلّوا البيوت الخالية من سكّانها» يقول المصدر، ويضيف «لم تنفع محاولات من تبقّى من السكّان في منع ما حصل. قوبلوا أوّل الأمر بعبارات من طراز: قدمنا لحمايتكم، ورغم أن هذه العبارات لم تقابل بالتّرحاب لكنّهم واصلوا احتلال القرية». يحاول الأويغور عدم الاحتكاك بالسكّان، ويتولّى هذه المهمّة مقاتلو تنظيم «جند الأقصى» الذي يضم في صفوفه عدداً كبيراً من أبناء ريف إدلب.

العلاقة مع أنقرة
يحظى «الحزب الإسلامي التركستاني» بدعم تركي كبير، وعلى مختلف الصّعد. ويرتبط ذلك بأسباب كثيرة، منها الموقف التركي من قضيّة إقليم شينغيانغ، إضافة إلى السعي التركي المستمر إلى إسقاط النظام السوري عسكريّاً.
كان «الحزب» قد دشّن نشاطه في استقطاب «المجاهدين الأويغور» داخل الأراضي التركيّة بإطلاق موقع إلكتروني «جهادي» باللغة التركيّة. وقال بيان إطلاقه إنه «أول موقع جهادي باللغة التركية، علّه يكون سبباً في إحياء فريضة الجهاد في سبيل الله في نفوس شباب الإسلام في تركيا وغيرها». كما راحت قضية «الجهاد في سوريا» تأخذ حيّزاً واسعاً من «مجلّة تركستان الإسلاميّة» الصادرة عنه.
وبحسب دراسة نَشرها معهد واشنطن في حزيران 2014 فقد «جعل الحزب من سوريا قاعدة ثانية للعمليات المتقدمة له بعد أفغانستان في السنوات الأخيرة». ساهمَ العدد الكبير للاجئين الأويغور في تركيا (حوالي 20 ألف) بسهولة استقطاب «مجاهدين» من بينهم، للانضمام إلى «الحزب» الذي اتّخذ من الأراضي التركية مسرحاً أساساً لنشاطه، مع غضّ نظر ودعمٍ خفي من المخابرات التركية، بحسب اتهامات السلطات الصينية والسورية لها.
يعتقد المقاتلون الأويغور أن هناك علاقة وثيقة بين قتالهم في سوريا وسعيهم إلى انفصال إقليم شينغيانغ عن سلطة بكين، حيث يعتبرون العلاقات الجيدة بين دمشق وبكين على مبرّراً لانخراطهم في الحرب السورية، وانطلاقاً من مقولة «إذا كانت الصين لديها الحق بدعم الأسد في سوريا، فنحن لدينا الحق بدعم السوريين المسلمين»، وفقاً لما جاء في عدد آذار 2013 من «مجلّة تركستان الإسلاميّة». يرى «الجهاديون» الأويغور أن نجاح المشروع «الجهادي» في سوريا سينعكس إيجابيّاً على قضيّة «تركستان»، ويراهنون على أنّ انتصار هذا المشروع في سوريا سيكون مقدمة لـ«إطلاق مرحلة جديدة من الجهاد في تركستان» بدعم من كل الجهات الداعمة لـ«الجهاد في سوريا»، وفقاً لما يتداوله مقاتلو «الحزب الإسلامي التركستاني». ومن الملاحظ أنّ هذا النوع من الوعود كان أحد أبرز عوامل جذب المقاتلين الشيشانيين إلى سوريا، وأعيد استخدامه لجذب الأويغور. من الملاحظات الجديرة بالاهتمام أن مصادر «جهادية» عدّة تؤكّد أن الحكومة الصينية قد خفّفت منذ مطلع العام 2014 القيود المفروضة على إصدار جوازات سفر للأويغور، ما يبدو أنّه شكّل عاملاً مساعداً لسفر الرّاغبين في الانضمام إلى «الجهاد» في سوريا. وإزاء الهواجس المشتركة التي يُشكّلها «الجهاديون» الأويغور للحكومتين السوريّة والصينيّة تقوم الجهتان بإيلاء التنسيق الأمني بهذا الشأن اهتماماً أكبر، عبر تبادل قواعد البيانات والمعلومات المتوافرة لدى الطرفين، وبالإفادة أيضاً من تلك المتوافرة لدى الحليف الروسي المشترك.

*صحافي وكاتب سوري، نشر العديد من المقالات والكتب أبرزها: ديوان «رسومات دائرية» عام 2003، ورواية «الجسر» عام 2008، ومجموعة شعرية «ليس عليك معانقة العشب» عام 2016.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.