الرئيسية / دراسات / الرعيل الثالث في عالم الاستخبارات: كيف تستخدم إسرائيل وسائل التواصل الاجتماعي لجمع المعلومات؟

الرعيل الثالث في عالم الاستخبارات: كيف تستخدم إسرائيل وسائل التواصل الاجتماعي لجمع المعلومات؟

خاص “مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط” – بقلم: صالح أبو ناصر*–

لم تعد الممالك الأمنية داخل البنى التنظيمية في أجهزة الإستخبارات الدولية تكتفي باستخدام الآليات التقليدية في جذب المعلومة واستقطابها، لتأمين ما تحتاجه القيادة السياسية العليا من معلومات لتزويد صانع القرار بها، والتي تكفل صوابية الموقف واتخاذ القرار المؤثر في ظل تموضع عالمي تتغير أعماقه باستمرار.
فبعد الطفرة التي أفرزتها الأجهزة الالكترونية المتطورة في عمليات التنصت والمراقبة واعتبارها الرعيل الثاني في تطور العمل الإستخباراتي بعد رعيل العملاء التقليديين، تفاجأت أجهزة الإستخبارات بدخول رعيل ثالث ليس من إنتاجها ولا من صناعتها وهو “الإعلام الاجتماعي”، على خط استكشاف المعلومات واستطلاع التوجهات الأيديولوجية للعدو وقياس مدى توسع نشاط “الإرهاب” حول العالم، ومراقبة عمليات بيع الأسحلة من قبل العصابات والتعرف على تطلعاتها داخلياً وخارجياً.

من ميزات الرعيل الثالث للاستخبارات:
يتميز الرعيل الثالث في عالم الاستخبارات بسهولة تعاطيه لدى شرائح المجتمع المختلفة، ومن ميزاته أيضاً عدم التوجه للمتشرك بطلب يؤكد صحة حالته من الناحية الاجتماعية والأخلاقية والمسلكية، ولا حتى توجيه الطلب له بإحضار ورقة من قبل الجهات الأمنية تثبت سلامة سجله العدلي.

آليات استثمار وتوظيف الإعلام الاجتماعي من قبل أجهزة الاستخبارات :

من الناحية السياسية “المساعدة في تشكيل التحالفات”:
ساعدت الميزات التي يتمتع بها الإعلامي الاجتماعي أجهزة الاستخبارات على الوصول إلى كم هائل من المعلومات التي يريدها قادة دول تلك الأجهزة في عملية تحديد المسارات وزيادة مستوى التعرف النسبي على أصدقائها وخصومها على المسرح السياسي عبر الشبكة العنكبوتية، ما ساعد الحكومات أكثر في رسم خارطة تحالفاتها وفق بيئة سياسية مريحة.
وساندت مواقع التواصل الاجتماعي الحكومات في وضع التكتيكات لمواجهة خصومها وأعدائها، وحين التحدث عن العدو والصديق ليس من الضروري بأن يكون العدو “دولة ما” فالعدو أو الصديق قد يكون حزباً أو تنظيماً.

من الناحية العسكرية.. “ضرب الأهداف”:
صارت أجهزة الإستخبارت تعتمد بنسبة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في جمع المعلومات حول الجهات المعادية لها من خلال تتبع حسابات الساسة والمغردين لتلك الجهات، فأضحت الممالك الأمنية في أجهزة الاستخبارات تشكّل ثكنات أمنية خاصة لعناصرها داخل الإعلام الاجتماعي لمراقبة الحسابات المعادية، ولا تقتصر عمليات التتبع على الحسابات الرسمية للعدو بل يتم تتبع حسابات أفراد تلك المجموعات.
فقد تمكنت أجهزة الاستخبارات من خلال تتبع حسابات تنتمي إلى جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب، الأمر الذي ساعدها في تحديد مواقع تلك المجموعات والمواقع التي تتحصن فيها واستهدافها ومثال ذلك: تتبع أجهزة الاستخبارات الدولية حسابات التنظيمات الإرهابية والتي مكنت الطائرات الحربية لتلك الدول من استهدافها.
وجاء ذلك بعد نشر حسابات تعود لأفراد من تلك التنظيمات تحتوي على مواقع وصور أسلحة، ولعل ما تقوم به أجهزة الاستخبارات في تتبع من أين تحصل التنظيمات الإرهابية على الكم الهائل من السيارات التي تمتلكها كان ذلك بفضل مواقع التواصل التي ينشر أفراد تلك التنظيمات صوراً لهم عبر حساباتهم.

من الناحية الأمنية: “عمليات اغتيال، اعتقال، التعرف على أماكن المراكز الحساسة للدول المعادية و”الإرهاب”
يدفع حماس بعض العاملين في المرافق السياسية والأمنية إلى إنشاء حسابات شخصية بأسمائهم الحقيقية ومرفقة بصورهم على مواقع التواصل الإجتماعي، والمشاركة في تطبيق إشعار المكان الذي يتواجد فيه، والقيام بنشر صور ومعلومات خاصة، تعتبرها أجهزة الاستخبارات طرف خيط تمكّن عناصرها من الوصول للشخصية المستهدفة أو المكان.
ويعتبر هذا السلوك من قبل هذه المجموعات عبارة عن معلومات مجانية تقدم لأجهزة الاستخبارات لتنفيذ عملياتها المتنوعة: إغتيال، إعتقال، التعرف على المراكز الحساسة للدول المعادية أو الإرهاب.

كشف المراسلات بين المجموعات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي:
تلجأ قيادات الجماعات إلى التواصل فيما بينها من جهة وبين قواعدها وخلاياها من جهة أخرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي جراء صعوبة تنقل القيادات لأغراض أمنية أو نتيجة البعد الجغرافي لمساكن أصحاب القرار، فتبدأ عمليات المراسلة على تلك المواقع بين القادة، ما يجعلها عرضة للكشف من قبل أجهزة الاستخبارات التي تمتلك التقنية الوافية لاختراقها، إضافة إلى وجود تنسيق بين الاستخبارات وأصحاب وإدارات تلك المواقع.
ولعل عدم حذف حسابات العديد من قادة وأفراد بعض الجماعات المحسوبة على لوائح الإرهاب تكتيك متعمد بين المواقع الاجتماعية ورجال الاستخبارات ما يبسط تتبع أحوالهم، والتعرف على من يتابعهم من جهة وعلى الحسابات التي يقومون بمتابعتها من جهة أخرى.
ولم تقصتر مزايا الرعيل الثالث للكشف الأمني على عملية التواصل فحسب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث صارت تلك المواقع آلية لإعطاء التعليمات للمجموعات والخلايا العسكرية على الأرض.

من الناحية الاستطلاعية:
تعتبر عملية الاستفادة الاستطلاعية في فضاءات الرعيل الثالث من أبسط عمليات تسخير تلك المواقع، فكل ما تتطلبه عملية الاستطلاع عبارة عن متابعة الحسابات المؤثرة والنخبوية للبيئة المستهدفة وعينة عشوائية من أفراد تلك البيئة.
ومن خلال عمليات الإستطلاع تتمكن الدول عبر ممالكها الأمنية من التعرف على توجهات حكومات خصومها والرأي العام السائد تجاهها في المنطقة المستهدفة من الدراسة.

مكان الاستخبارات الإسرائيلية من هذا الرعيل وآليات استخدامه
إذا كان معيار حضور أجهزة الاستخبارات على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطاً بحجم الخطر الذي تتعرض له فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي صاحبة الحظ الأكبر من هذا الحضور، لأن نصيبها من المخاطر التي تهدد كيانها تساوي 10 على 10، جراء وجود عدو تقليدي يواجهها عسكرياً على جبهة الجنوب وجبهة أخرى في وسطه تتبنى أسلوب التشويش والمشاغبة على مخططاتها وعلى حياة سكانها وفي محيط إقليمي يرفض كيانها.
ولمواجهة هذه المخاطر جندت “إسرائيل” وحدات بشرية وأخرى إلكترونية لتتبع الحسابات التي تعود للتنظيمات الفلسطينية ولكل حساب تشك به الاستخبارات الإسرائيلية.
وذهبت “إسرائيل” في عملها على مسرح الرعيل الثالث لاستقطاب المعلومة إلى تدريب وحداتها على آلية التواصل مع الفلسطينيين وهي تحاول جاهدة نقل تجربة “المستعربين” من الشوارع والطرقات إلى الرعيل الثالث في عوالم الاستخبارات. فقد أدخلت عناصر مراقبة جديدة على الخدمة للوصول إلى حاجاتها المعلوماتية، وهذه العناصر هي:

عنصر الفتيات:
يعتبر عنصر الفتيات من أقوى العناصر التي تتبناها العقلية الاسرائيلية في عملية جذب المعلومات للحفاظ على أمن كيانها، فترصد الاستخبارات الإسرائيلية حسابات لشبان فلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ومن ثم توعز لفتيات الاستخبارات بالبدء بالتواصل مع الشبان عبر حسابات لهن تحمل صورهن بلباس مثير جنسياً ونشر أنشطتهن بصور مدروسة جداً تمتلك عوامل التأثير. وتعمل الاستخبارات الإسرائيلية على إزالة عائق اللغة في عملية التواصل بين المجندات والشبان باعتماد حسابات باللغة العربية لفتياتها، وتعتمد في ذلك على تعليم خلاياها اللغة العربية مسبقاً.

عنصر متابعة الحسابات ضمن عملية تواصل:
لاحظت الاستخبارات الإسرائيلية مؤخراً قيام الشبان الفلسطينيين بنشر صور لهم أو تدوين ما يدور في خاطرهم حول التوجه لتنفيذ عملية ضد المستوطنين. فصارت الاستخبارات تعمل على مراقبة حسابات الشبان الفلسطينيين في الضفة والقدس بشكل منظم للتعرف على توجهاتهم.

عنصر التقنية الالكترونية:
تمتلك “إسرائيل” منظومة إلكترونية متطورة في عملية تحديد مكان صاحب الحساب، فمجرد أن يقوم صاحب الحساب بنشر صورة أو تدوينة له على مواقع التواصل الاجتماعي يتم تحديد مكانه، وتعتمد هذا الأسلوب في مراقبة حسابات الأسماء المطلوبة لها.

عنصر تقديم الخدمة أو عرض عمل :
تستغل الاستخبارات الإسرائيلية الحالة الاجتماعية الصعبة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني، فتقوم بتأسيس حسابات وهمية لمؤسسات خدماتية تقدم العون للمحتاجين، وتعرض هذه المؤسسات على حساباتها وظائف شاغرة أو تعبئة إستمارات للحصول على مساعدة مالية، وفي الحالتين تتمكن الاستخبارات من تجنيده لصفها. ففي حالة الوظيفة تقول له وظيفتنا عبارة عن تقديم قاعدة بيانات للمحتاجين، ووظيفتك أن تحصي سكان منطقة وتحدد أجهزة الاستخبارات عبر المؤسسة المنقطة المستهدفة.

إدارة مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي:
بإمكان جهاز الإستخبارات الإسرائيلي إنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ينشر صوراً لبطولات المقاومة في غزة وعمليات الطعن والدهس في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ومن ثم تقوم هذه الحسابات بإنشاء مجموعات على المواقع وإضافة رموز سياسية ونشطاء في الحراك الشبابي والطلابي، وأبرز الأطر المنظمة للتظاهرات والفعاليات والإعلاميين، للاستفادة من معلوماتهم وفحص النيات القادمة للشبان واستشراف الأعمال القادمة عبر جس النبض. وقد تشجّع هذه المجموعات مبدأ المبادرة في مقابل الحصول على مكافآت والقيام بمسابقات عن بطولات المقاومة لغرض استقطاب المعلومات، فتشجع الصحافيين على تصوير مراكز المقاومة التي تتم فيها عمليات الإعداد والتدريب وإجراء المقابلات مع المدربين وتقديمها لتلك الحسابات المؤسسة للمجموعات، وحث الإعلاميين على تغطية أعمال المقاومة بعناوين مزيّفة بمسمّيات توحي بدعم عناصر المقاومة لإظهار قوة المقاومة كتصوير أماكن إطلاق الصورايخ.

الرعيل الثالث غني بالمعلومات
من الواضح أن مواقع التواصل الاجتماعي عبارة عن مسرح لتداول المعلومات بين الناشطين والإعلاميين والمؤسسات العسكرية التي تتحدث عن إنجازاتها، وأجهزة الإستخبارات التي تسرّب بعض المعلومات لاستفزاز الجهة التي تريد الحصول على معلومات منها، فمعركة المعلومات بين الأجهزة الاستخباراتية والجهات التي تعتبرها معادية سياسياً أو عسكرياً، تولّد خزاناً كبيراً من المعلومات، والأدوات التنفيذية لأجهزة الاستخبارات على مواقع التواصل الاجتماعي عبارة عن مجموعات من الكتاب والباحثين المقرّبين منها حيث تزوّدهم ببعض المعلومات لاستفزاز الخصم السياسي للدولة. وقد يكون الخصم أو العدو دولة أو جماعة، للكشف عما لديه من مخططات فيقوم بعض المتحمسين من الخصم أو العدو بالتحدث عما يضعف ويضعضع المعلومة المسرّبة من قبل أجهزة الاستخبارات وبذلك تكون الاستخبارات قد نجحت في استفزاز العدو.
*كاتب وإعلامي فلسطيني.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

الرئيس مفقود

تأليف بيل كلينتون وجيمس باترسون – حوار: روي نيل – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.