الرئيسية / تحقيقات / أزمة الإسكان في لبنان بين دعم الدولة ومخالفات المصارف

أزمة الإسكان في لبنان بين دعم الدولة ومخالفات المصارف

ملخّص: أزمة القروض السكنيّة تنضمّ إلى أزمات لبنان وتنتظر تشكيل الحكومة الجديدة.

 

بقلم: د. هيثم مزاحم

 

يعيش اللبنانيون على الأزمات، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتامعية والخدماتية. وكلما حُلّت أزمة ما برزت أزمة أخرى، لتضني عيش المواطنين وتجعلهم يسعون إلى الهجرة والخلاص من هذه المعاناة – الدوامة اليومية. وعلى الرغم من دخول أزمة تشكيل الحكومة شهرها الرابع ولما يبدو أن ثمة انفراجاً لها، برزت أزمة القروض السكنية والتي تحتاج إلى حكومة عادية لحلّها عبر إقرار قانون يدعم القروض السكنية أو اعتمادات مالية في الموازنة لدعم الإسكان في لبنان.

 

وعلى الرغم من أزمة تشكيل الحكومة في لبنان، ثمة جهود تبذلها وزارة المالية وكتل نيابية لإيجاد حل لأزمة قروض الإسكان في لبنان.

 

فقد أعلن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل الاثنين 27 آب – أغسطس الجاري عن موافقة وزارة المالية على تحمل فارق الفوائد المطلوبة للقروض الإسكانية الجديدة، وأعلن أن تحضير الآليات القانونية المرتكزة على هذه الموافقة بدأ العمل على إعدادها لتكون جاهزة خلال فترة وجيزة جداً.

 

كلام خليل جاء خلال استقباله المدير العام لمؤسسة الإسكان روني لحود حيث تفاهما على البدء بتحضير الآليات القانونية التي تجد حلاً لأزمة القروض السكنية.

وكان عضو تكتّل “لبنان القويّ” النائب شامل روكز قد أعلن في 9  آب/ أغسطس عن تقديم تكتّله اقتراح قانون لحلّ أزمة الإسكان يقوم على دعم الدولة بنسبة 5 في المئة لكلّ قرض إسكانيّ ويموّل الدّعم من ضريبة الدخل على المصارف.

 

هذه الأزمة قد استفحلت عندما قررت المؤسّسة العامّة للإسكان في لبنان في 9 تمّوز – يوليو الماضي، وقف قبول أيّ طلب قرض سكنيّ جديد، وذلك على خلفيّة النقص في التمويل المخصّص للقروض السكنيّة المدعومة. ولقد أدّى ذلك إلى أزمة طالت المواطنين، الذين تعاقدوا مع المالكين على شراء مساكن، أملاً بتمويلها من المؤسّسة العامّة للإسكان عبر قروض المصارف الخاصّة.

 

وفي إطار التحرّكات السياسيّة لوضع حلول للأزمة، قدّمت “كتلة المستقبل” النيابيّة اقتراح قانون ينصّ على التزام الدولة دعم فوائد القروض الممنوحة من المؤسّسة العامّة للإسكان، بتمويل من وزارة الماليّة بدلًا من المصرف المركزيّ، كما كان سابقاً.

 

وساهمت هذه الأزمة في إلغاء بعض مشاريع الزواج والخوف من هجرة بعض الشباب، الأمر الذي دفع برئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون إلى متابعة القضيّة.

 

وفي 25 تمّوز/يوليو، أشار عون خلال استقباله في قصر بعبدا وفداً من جمعيّة منشئي وتجّار الأبنية في لبنان إلى أنّه يتابع بشكل حثيث أزمة قروض الإسكان مع المصرف المركزيّ، التي نتجت من تراكمات، لافتاً إلى أنّ إيجاد الحلول لها يتطلّب بعض الوقت.

 

وأوضح روني لحّود في تصريح لصحيفة الحياة أنّ وقف قبول طلبات القروض الجديدة يعبّر عن «رفضنا التمييز بين طالب قرض وآخر استوفى كل منهما الشروط الكاملة”. ونقلت “الحياة” عن المكتب الإعلامي للمؤسسة قولها إن هذا الإجراء يهدف إلى منع التدخلات والوساطات، “بعدما لاقت بعض المصارف صعوبة في الموافقة على كل طلبات القروض السكنية المستوفاة شروط بروتوكول التعاون الموقع بين المؤسسة وجمعية مصارف لبنان، ولجوء أخرى إلى الاستنسابية في التعاطي مع المقترضين”.

وأوضح لحود أنّ القروض الموافق عليها في الأشهر الستّة الأولى من السنّة بلغ عددها 1200 وقيمتها 250 بليون ليرة، وأنّ الحاجة الفعليّة إلى التمويل حتّى نهاية سنة 2018 تصل إلى 500 بليون ليرة (333 مليون دولار) تغطّي 2500 قرض.

 

وعن سبب الأزمة، قال الخبير الاقتصاديّ اللبنانيّ جاسم عجاقة في مقابلة مع “شجون عربية”: “لم يتوقف مصرف لبنان عن دعم القروض السكنيّة، بل قام بتعديل آليّة الدعم، بعدما استنزفت المصارف التجاريّة موازنة العامين 2017 و2018 في الشهرين الأخيرين من عام 2017.  وبدل أن يموّل هذه القروض من أموال مصرف لبنان بفائدة 1 في المئة، طلب من المصارف تمويل هذه القروض من أموالها، على أن يقوم مصرف لبنان بدعم الفائدة على القروض، وهذا ما ترفضه المصارف”.

 

ووفقاً لجريدة الحياة نقلت جمعية منشئي وتجار الأبنية في لبنان في بيان لها عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قوله أنّه “تمّ تخصيص نحو 2.3 بليون دولار قروضاً إسكانيّة طويلة المدى ومدعومة من البنك المركزيّ، إضافة إلى 800 مليون دولار تموّلها المصارف الخاصّة مباشرة، لكنّها استُنفدت كلّها على مدى الأشهر الـ13 منذ بداية عام 2017 ويجب انتظار مطلع عام 2019 لإعادة طرح قروض إسكانيّة مدعومة جديد.

 

لا يرى جاسم عجاقة تأثيراً كبيراً لتوقّف القروض السكنيّة على سوق العقارات، لأنّ عدد طلبات القروض المدعومة هو 5000 من أصل 53000 عمليّة عقاريّة سنويّاً، وهذا يعني أنّ هناك انخفاضاً بنسبة 9 في المئة تقريباً، وهذا لا يعني انهيار القطاع العقاريّ. وبالتّالي، سنشهد في المرحلة المقبلة ليونة أكثر في الأسعار، لا عمليّة تصحيح لأنّ هذا القطاع لا يزال أحد أهمّ القطاعات الواعدة.

 

ورأى عجاقة أنّ الحلّ السريع هو عبر تحرير الــ100 مليار ليرة لبنانيّة المنصوص عليها في موازنة عام 2018 لدعم القروض السكنيّة، فالأموال موجودة ويتوجّب إعطاء الأمر بتحريرها. أمّا على الأمد البعيد فسيكون على الحكومة اتّباع سياسة إسكانيّة واعية وعقلانيّة تتضمّن خطوات عدّة، منها فرض ضرائب على الشقق الشاغرة، والتي وحدها تسمح بتلبية طلب القروض السكنيّة من ناحية المسكن على فترة 10 سنوات.

واعتبر سيمون سمعان في مقال لمجلة المسيرة في 16 تموز/ يوليو أن الأزمة لم تعد عقاريّة فقط، بل “تحوّلت إلى مسألة اقتصاديّة واجتماعيّة وإنسانيّة قاتلة ومنذرة بخطر كبير”، من مؤشّراتها إلغاء أو تأجيل العديد من حفلات الأعراس بنسبة 30 في المئة هذا العام.

 

أمّا عجاقة فلا يرى تأثيراً كبيراً للأزمة على القطاع العقاريّ أو الزيجات، إذ قال: “إنّ الأزمة الاقتصاديّة والبطالة هما المسؤولان الأساسيّان عن ضعف القدرة الشرائيّة لدى القطاع الخاص”.

 

يشار إلى أن أسعار الشقق في لبنان خارج المناطق التجارية والفخمة من بيروت بين 150 الف دولار و500 ألف دولار، ولا يقدر الشبان الموظفون أو الذين لديهم تجارات صغيرة على شراء شقق بهذه الأسعار نقداً ويلجأون إلى المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان للحصول على قروض بفوائد ميسرة تدفع بأقساط شهرية لمدة 10 إلى 20 عاماً.

 

من جهته، أشار رأفت (30 عاماً)، وهو  شاب[N2]   يعمل في التجارة ويسكن في بيروت، في حديث لـ”شجون عربية” إلى أنّه اتّفق مع مالك بناية على شراء شقّة، فدفع له ثلث ثمنها، على أن يحصل على قرض إسكانيّ لتسديد بقيّة ثمنها، ولكن بعد توقّف قروض الإسكان اضطرّ إلى التخلّي عن الشقّة وتأجيل الزواج من خطيبته، ريثما تعود مؤسّسة الإسكان إلى منح القروض.

أمّا سعاد (27 عاماً)، وهي معلّمة تسكن في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، فلفتت في حديث لـ”شجون عربية” إلى أنّها خُطبت لشاب موظّف، وكانا يخطّطان سويّاً للزواج في الربيع المقبل بعد حصولهما على قرض سكنيّ، لكنّهما الآن قرّرا تأجيل الزواج إلى حين عودة دعم قروض الإسكان.

 

ويرى الخبير الاقتصادي غازي وزنة في حديث لـ”شجون عربية” أنّ حل أزمة قروض الإسكان يكون بعد تشكيل الحكومة، التي بإمكانها زيادة الاعتمادات المالية لهذه القروض في موزانة 2019 أو الموافقة على مشروع قانون بزيادة دعم القروض السكنية.

وحتّى القانون الذي يعوّل عليه البعض كحلّ للأزمة يلزمه انعقاد الهيئة العامّة لمجلس النوّاب، التي يلزم انعقادها وجود حكومة عاديّة، لا حكومة تصريف أعمال. ويعتبر وزنة أن كلاً من مشروع القانون الذي تقدمت به كتلة المستقبل ومشروع القانون الذي تقدمت به كتلة “لبنان القوي” يتضمن مخالفة قانونية بسبب طلب كل منهما بإعفاء للمصارف من دفع بعض الضرائب على أرباحها السنوية لمصلحة دعم فوائد القروض، وهو ما يعتبر مخالفة لقانون المالية العامة من جهة تخصيص إيرادات محددة لإنفاق محدد. فقد دعا مشروع كتلة المستقبل إلى “التزام الدولة اللبنانية بدعم فؤائد القروض التي تمحنها المؤسسة العامة للاسكان وذلك عبر تسديد المصارف مباشرة قيمة هذا الدعم عبر إجراء مقاصة بين المبالغ التي تمثل هذا الدعم والضرائب التي تدفعها المصارف.

ويعتقد عجاقة أن الحل يكون بعدم تخصيص هذه الإيرادات لإنفاق محدد في مشروع القانون وتقديم مشروعي قانونين، الأول لخفض الفوائد على المصارف، والثاني لدعم القروض السكنية، مشيراً إلى أن كل ذلك مرتبط بتشكيل الحكومة التي ينبغي أن تبحث مشروع القانون لما له من تداعيات مالية على الموازنة إثر تخفيض الضرائب على المصارف.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الجيش الإسرائيلي: حشر “أبو مازن” في الزاوية قد يشعل العنف في الضفة

ذكر موقع “المصدر” الإسرائيلي أن المنظومة الأمنية في إسرائيل ليست مرتاحة للسياسة الأميركية إزاء السلطة …

قراءة في اتفاق إدلب وتداعياته

بقلم توفيق المديني* — في غضون عشرة أيام تم عقد لقائين بين الرئيس الروسي فلاديمير …

الدين والدولة في إيران: أثر ولاية الفقيه على السياسات الداخلية والخارجية

بقلم د. هيثم مزاحم*– لعب الدين ولا يزال دوراً أساسياً في حياة البشر السياسية والاجتماعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.