أخبار عاجلة
الرئيسية / حوارات / إحياء علوم الدنيا يتكفل بإحياء علوم الدين
سياحة في عالم المعنى - 2 في حضرة مولانا

إحياء علوم الدنيا يتكفل بإحياء علوم الدين

حوار مع: عبدالجبار الرفاعي – حاوره: شوقي بن حسن —

– ما الذي يشغلك أمس وهذه الأيام؟
ما كان يشغلني، منذ مرحلة الدراسة الثانوية من عمري، حضورُ الدين بوصفه حاجةً سياسيةً لا يكتمل تكوينُ دولة بدونها، بعد أن اشتعلتْ مشاعري فنام عقلي بكتابات سيد قطب وأدبيات الجماعات الدينية.
ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا تبدّل مفهومُ الدين عندي، بعد أن استيقظ عقلي وصمتتْ في التفكير مشاعري، إذ وجدتُ أن الدينَ الكلامي والفقهي يتعذّر عليه بناءُ مفهومٍ لدولة يتساوى فيها المسلمُ وغيرُه بكلّ الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أساس التساوي بالمواطنة. تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أن بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تبتني إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد. نعم، الدينُ بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي يمنح حياةَ الفرد معنى، ويكون من أهمّ منابع الأمن العائلي والمجتمعي في الدولة.
أما اليوم فيشغلني حضورُ الدين بوصفه حاجةً وجوديةً للإنسان، لا يكتمل تكوينُ معنىً للحياة من دونها. لقد خلصتُ إلى أن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم.
لكن الدينَ قد يتحول إلى تهديدٍ عاصفٍ لحياة الفرد والجماعة، لو لم يتموضع في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي خاصة، إذ يصبح الدينُ أخطرَ ما يهدّد بنيةَ المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقولَ الحياة الأخرى خارج اختصاصه، يتغلّب على ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية ويعمل على تقويضها. ويتحوّل من كونه حلًا للحاجة الوجودية، وضامنًا للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى مشكلة تبدّد العقلَ، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهو ما نشاهد آثارَه الفتاكةَ وصورَه المفزعةَ في العالم اليوم.

– ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
صدر قبل أيام ببيروت كتابي “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، وتأتي أفكارُ هذا الكتاب في سياق ما جاء في كتابَيّ السابقين: “الدين والظمأ الأنطولوجي”، و” الدين والنزعة الإنسانية”، من ضرورة دراسةِ الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، وتموضعِه في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي، والخلاصِ من تلاعب الجماعات الدينية بوظيفته التي ورطته في صراعات السلطة والثروة العنيفة، بعد أن عملتْ على تحويله إلى أيديولوجيا سياسية.

– هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟
ما دمتُ أحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيني بشكل كامل أيُّ منجز. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرتُه أو مقالة نشرتُها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من بعض ما كتبتُه فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل ثلاثين عامًا أجدني كتبتُ أحلامًا وأوهامًا تنتمي إلى مخيلة الجماعة وهويتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحصها. كنتُ أعتقد بأن إحياءَ علوم الدين يتكفل بإحياءَ علوم الدنيا، لكني اكتشفتُ لاحقًا أن هذه المعادلةَ مقلوبة، إذ إن إحياءَ علوم الدنيا هو الذي يتكفل بإحياء علوم الدين.
فرضتْ عليّ: طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفرُ محطاتِه. لعل محطةَ اليوم غيرُ محطة أمس، وربما لا ألبثُ في هذه المحطة للغد. الثابتُ الوحيدُ لدي هو السفرُ الأبدي، والقيمُ الروحية والأخلاقية الملهِمة، ومقدرتي على تذوق مختلف تجليات الجمال في العالم.

– لو قيّض لك البدءُ من جديد، أيَّ مسار كنتَ ستختار؟
لا أعرف، لأني لم أكن مختارًا وقتئذ. فمسيرةُ حياتي في الطفولة صنعتْها أقدارٌ شقية. أنا ابنُ فلاح من قريةٍ متخلفة في جنوب العراق، تفتقر الحياةُ فيها لأدنى متطلبات الحياة. لا أعرف كيف استمرتْ حياتي فيها، وإن كنتُ حتى اليوم أدفع فاتورةً قاسيةً لسوءِ التغذية الحادّ والحرمانِ من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعفِ البصر في أحدى عيني إثر عبث الأمهات بتطبيبهن البدائي عند إصابتي بالرمد.
أجد نفسي كلَّ مرة في بلدٍ لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضتْ عليّ الأقدارُ الشقية ضرائبَ قبل وبعد ولادتي، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهضة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينيةٌ وعشائريةٌ هرمية، تستمدّ قيمتَها من النسبِ الوراثي، والانتماءِ كرهًا لطبقةٍ تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه.

– ما التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
أثق بالعقل الحديث، على الرغم من كل النقد الذي صوّبه له الفلاسفة، منذ نيتشه، وجماعة معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ومفكري ما بعد الحداثة في الغرب. العقل الحديث يضيء لنا كلّ يوم أفقًا في العلم و مجالات المعرفة المختلفة، لينتقل بنا من الخطأ إلى الصواب ومن الظلام إلى النور. ميزةُ العقل الحديث تكمن في أنه يمتلك شجاعةً فذّةً في مراجعةِ ونقدِ نفسه وغربلةِ ما يقوله على الدوام. لا أترقّب ظهورَ أنبياء أو فلاسفة أو مصلحين اليوم يغيّرون العالم، لأن صيرورةَ التاريخ ومعادلات التغيير تبدّلت، بعد أن دخلت التقنياتُ الجديدةُ للجينات والمعلومات والاتصالات والنانو بوصفها عناصر حاسمة في صيرورة التاريخ ومعادلات التغيير. ومن يعاندُ صيروةَ التاريخ تعانده وتقضي عليه.

شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
نموذجي في المستقبل وليس في الماضي. غيرُ متحمّس للقاء أحد في الماضي، لأني عشتُ في التراث كلَّ حياتي الماضية، وتعرفتُ بشكل جيد على أديانه ومعتقداته وثقافاته وشخصياته.
أتمنى أن أرى إنسانَ الغد، الإنسان في القرن 22 الميلادي. كيف يفكر إنسانُ القرن الثاني والعشرين، كيف يرى العالمَ، كيف يعمل، كيف يعيش، كيف يتحدّث، كيف يحلم، كيف يرى أسلافَه نحن، كيف ينظر لمنجزات الأسلاف ومعتقداتهم وثقافاتهم؟

– صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
علاقاتي الاجتماعية واسعة متنوعة، وأحيانًا متضادّة. لدي أصدقاء من جيلي ومن أجيال أخرى: مسلمون وغير مسلمين، مؤمنون وملحدون، عقلانيون وخرافيون. أجملُ صداقاتي مع من تتفاعل كيمياءُ روحه مع روحي، ويقترب مزاجُه مع مزاجي، ويثير أسئلةً مشاغبةً لم أفكر بها، وإن كان ملحدًا وأنا مؤمن. صداقاتي الأثرى هي مع الشباب الذين أرى أجملَ صورةٍ للغد في أحلامهم. جذوةُ الشباب تلهمني أكثرَ من حكمة الشيوخ. يصعب عليّ القولُ بوجود صديق يختصر كلّ الأصدقاء، كلُّ صديق صدوق ملهم على شاكلته.كذلك يصعب القولُ بوجود كتاب يختصر كلّ الكتب. وإن كنتُ أحيانًا أصغي لألحان صوتِ الروح في شيءٍ من أغاني مثنوي صديق الروح جلال الدين الرومي.

– ماذا تقرأ الآن؟
أقرأ الصحافةَ كلَّ يوم، أقرؤها لأرى كيف يرحل العالمُ للغد، ويرحّلنا معه “رغمًا عنا”، عساني ألمح ضوءًا في مصائره ومصائرنا. أقرأ ما أعثر عليه في المكتبات من جديد العلم والمعرفة، أقرأ ما لم أتعرّف عليه من كتاباتٍ عن الأديان والفلسفة والآداب والفنون وعلوم الإنسان والمجتمع.
لدي صلةٌ عاطفيةٌ بالورق والكتب منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما يجعلها تملأ بالتدريج كلَّ بيت أسكنه، وتتكدّس في غرف المنزل، حتى عند وسادتي بشكل فوضوي يزعج عائلتي أحيانًا. لا أبالغ عندما أقول إني اتحسّس الكتبَ ككائنات حية ينبض بنبضها شيءٌ من روحي.

– ماذا تسمع الآن؟ وهل تقترح علينا تجربةً غنائيةً أو موسيقيةً يمكننا أن نشاركك سماعَها؟
أستمع شيئًا من تجويد المنشاوي للقرآن الكريم عند الصباح أحيانًا. وأحيانًا، حيث تتعب الروحُ في اليوم، أستمع “المواقف والمخاطبات” للنفري مسجلة صوتيًا، وتراتيلَ وأناشيدَ وموسيقى روحية. استمتعتُ قبل أشهر بحضور حفلة إنشاد موسيقى روحية في عمان بالأردن للراهبة اللبنانية ماري كيروز، ابتهجتْ روحي بإنشادها وفرقتها الموسيقية أشعارَ رابعة العدوية في العشق الإلهي. ومذ سمعتُها مازلتُ أعود لها بين حين وآخر.

المصدر: “العربي الجديد”

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

كيف تحوّلت رؤية الإعلام العالمي تجاه سوريا

بقلم: فاطمة فاضل* — في بوتقة المؤسسة الإعلامية توضع شتى أنواع الأفكار وخلاصة الخبرات والأعمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.