الرئيسية / مقالات / هل كان بوذا بلطجيّاً؟!
هل كان بوذا بلطجيّاً؟!

هل كان بوذا بلطجيّاً؟!

بقلم: أحمد فرحات* —

في حانة قديمة شبه خشبيّة بوسط مدينة “يانغون” في ميانمار، التقيتُه. كان مُنكبّاً على كِتابة قصيدة له شبه طويلة بلغة بلاده الأمّ: الميانماريّة، مُناكِفاً بذلك الأغلب الأعمّ من جيله الأدبيّ (مواليد العام 1960) الذي يَكتب الشعر والسرد الروائي بالإنكليزيّة، لغة المُستعمِر البريطانيّ السابق لبلده الذي استقلّ في العام 1948. وعرفتُ منه في ما بعد، أنّ هذا المقهى الذي اختاره كمَكان للقاءٍ بيني وبينه، هو أثيرٌ للغاية عليه، ولا يرتاح إلّا فيه، وقد كتَب فيه أكثر من ديوانَين شعريَّين، فضلاً عن قصصٍ قصيرة جدّاً أشبه باسكتشاتٍ شعريّة تُقرأ في لحظتها.

إنّه الشاعر الميانماريّ “كياو سو مونغ” صديق العرب “أباً عن جدّ” كما قال لي، والمُعجب بإرثهم الحضاري النادر، وبخاصّة حكاية “إرم ذات العماد” المدينة المفقودة، التي تحدّث عنها القزويني زكريا بن محمّد بن محمود في كِتابه الموسوم: “آثار البلاد وأخبار العباد”.

كما وَرَد ذكر “إرم ذات العماد” في “ألف ليلة وليلة”، ودخلَت في السرديّات الروائيّة والحكائيّة لكتّاب غربيّين كِبار من أمثال: “هوارد لافكرافت” و”فرنك هربرت” و”شون مكمولين” و”جيمس رولينز”. أمّا خورخي لويس بورخيس فقال في حوارٍ لي معه في باريس في العام 1983: ” إنّ إرم ذات العماد هي أهمّ مَصدر من مَصادر الإلهام الحكائي في المشرق العربي القديم، وإنّني بصدد الكتابة استلهاماً منه، وبخاصّة شخصيّة باني المدينة شدّاد بن عاد، جبّار جَبابرة ذلك الزمن الغابر”.

وإرم، التي قيل إنّ آثارها اكتُشفت في العصر الحديث في العام 1998، هي المدينة التي يروي القزويني “في آثار البلاد وأخبار العباد”، أنّ شدّاد بن عاد، كان بناها في أرض اليمن بين صنعاء وحضرموت، وجَعَل بيوتها من الذهب والفضّة.. علاوة على الزبرجد والدرّ والياقوت؛ ثمّ أجرى إليها نهراً ساقه إليها من أربعين فرسخاً تحت الأرض، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السّكك والشوارع، وأمَرَ بحافّي النهر والسواقي، فطُليت بالذهب الأحمر، وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر، ونصب على حافَّي النهر والسواقي أشجاراً من الذهب، وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت… كما جَعَل ترابها من المسك والزعفران، لكنّ هذه المدينة سرعان ما اختفت في تلك الأرض اليمنيّة بعدما غضب الإله على بانيها، وسلالته من بعده، لتجبُّرهم وعِنادهم وشِركهم.

وبالعودة إلى الشاعر الميانماري الصديق “كياو سو مونغ”، فقد أفادني بأنّ جدّه لقَّنه قصّة مدينة “إرم ذات العماد” بسرديّة فائقة المُتعة، وسمع القصّة بعد ذلك من والده بصيغة مُختلفة ومتنوّعة الدهشة والإدهاش.

كما قرأ عنها في أدبيّات “سايا غيي يونو” (1762 – 1822)، وهو كاتِبٌ بورميّ مُسلم في الأصل، واسمه محمّد قاسم، وقد أطلق عليه الاسم البورميّ، الملك البورميّ “نونغداو غي” من أسرة “كونباونغ”. وممّا كَتبه الكاتِب “سايا” عن مدينة “إرم” أنّها مدينة كلّ إنسان يحلم بعالَم يشبه الجنّة على الأرض، ولكنّ هذا العالَم يظلّ في حالة بناء دائمة. أي أنّك تظلّ ترى الإدهاش يولِّد إدهاشاً جديداً.. وهكذا إلى ما لا نهاية.

وهذا الكلام كلّه شعرٌ عظيم بشعر عظيم، بحسب الشاعر “كياو”، والذي بدَوره يريد أن يستطلعه الناس من مُنطلق شعريّة هذه الصورة المخياليّة العميقة. ففي البدء كان الشعر.. وفي المنتهى كذلك.

حياة داخل الحياة

على مستوى آخر من التناول الشعري، ينبغي في رأي شاعرنا “كياو”، تحرير القصيدة من الالتباس المغذّى بالأوهام السطحيّة والرومانسيّات والوجدانيّات المُملِّة، ومنْحها كلّ ما يؤكِّد تعزيز رؤاها النّافِذة والغالِبة لنفسِها فيها، وجعْلها أداة لتأسيس “حياة صحيّة جديدة من داخل الحياة المريضة التي يحياها بني البشر جميعاً” على حدّ رأيه.

وهل حرَّرتَ أنتَ قصيدتكَ ممّا تشكو منه في قصائد الآخرين؟.. سألته فأجاب:

أعتقد أنّني حرّرتها، نعم، وباتت قصيدتي الآن بمثابة “دستور شعري إنساني جديد” يتبرّم منه الآخرون، وخصوصاً أولئك الذين يطبقون على جانبٍ كبير من العقل الجمعيّ في بلدي، ليس العسكر منهم فقط، وإنّما أغلب رجال الدين البوذيّين ممَّن انخرطوا في تحريف تعاليم مُعلّمهم الكبير: بوذا، بل وتشويه هذا المعلِّم ومَسْخه والهزء من مَبادئه، بدخولهم فصول الكراهيّة والبغض والعصبيّة والعُصاب وارتكاب المَذابح البشعة في حقّ جزء لا يُستهان به من شعبهم الماينماري المُسلم، لا لشيء إلّا لأنّهم من دينٍ آخر. والحجّة الجاهزة التي يروّجون لها تزعم بأنّ المُسلمين يسعون للاستيلاء على السلطة، وتحويل ميانمار إلى دولة إسلاميّة، وهو زعمٌ باطل وافتراءٌ أثيم، إذ كيف لأقليّة فقيرة، ضعيفة، مهمَّشة وضائعة أن تُسيطر على أكثريّة قويّة، مُتماسِكة وتمتلك كلّ عناصر القوّة الماديّة وغير الماديّة؟!.. ثمّ متى كان بوذا بلطجيّاً، سيّافاً، يقطع الرؤوس، ويبقر بطون الحبالى، ويدمِّر البيوت، والمستشفيات، والمَدارس، والمَساجد، ويُهلك الحرث والنسل؟!.

ويضيف صديقي الشاعر “كياو سو مونغ” (وهو من أتباع العقيدة البوذيّة التي تشكّل أغلبيّة سكّان ميانمار البالغ عددهم 57 مليون نسمة):

نعم يا صديقي، بتّ على الضدّ من كلّ هؤلاء الرهبان البوذيّين المُجرمين وأتباعهم من الدهماويّين العضاريط في بلدي. لقد بلغَت الوقاحة ببعضهم حدّ تأسيس منظّمة سياسيّة إرهابيّة، مهمّتها الحرب على المُسلمين، واجتثاث شأفتهم من أرضِ آبائهم وأجدادهم.

تقصد الراهب البوذي “آشين ويراثو” وجماعته، أليس كذلك؟.. ثمّ لماذا برأيك يفعل البوذيّون ذلك، وخصوصاً أنّ هذا المُعتقد تعايَشَ مع مُعتقدات أهل الديانات الأخرى، الإسلاميّة والمسيحيّة تحديداً، منذ قرونٍ طويلة غابرة؟ وقبل أن أكمل سؤالي.. أجابَني بالقول:

نعم هو ما أقصده، وهو – في المناسبة – سيكون سبب تركي شخصيّاً ميانمار إلى غير رجعة. كما سيكون سبب خروجي، ونهائيّاً، من مُعتقد البوذيّة. تصوَّر أن تنطقَ بلسانِ البوذيّة هذه الأيّام منظّمةٌ إرهابيّةٌ دمويّة تُعرَف بـ969 ويترّأسها آشين ويراثو، هذا المُجرم المُنتحِل صفة راهِب، والذي جَعلته مجلّة “التايم” الأميركيّة على غلافها بالكامل ذات أسبوع!!. تصوّر أن تُحوّل البوذيّة بكل إرثها التاريخي العريق وتعاليمها المتسامحة والمحبّة إلى مجرّد رقمٍ أسود شرير؟!… أوَيُعقَل هذا؟!

والأنكى من ذلك كلّه بعد أن يدّعي دهماويّو “منظّمة 969″، أنّ منظّمتهم، إنّما قامت لحماية الهويّة البوذيّة النقيّة.

أمّا لماذا يُقبِل بعض زعماء البوذيّة المُنحرفة في بلادي على مثل هذه السياسات المشوّهة والّلا أخلاقيّة؟.. فلاستكمال برنامج الغرب الأميركيّ لحروب الأديان وتعزيزه، وبثّ الفوضى والرّعب والانشقاقات المفتوحة بين ظهراني دُولِ آسيا وإفريقيا وشعوبها.. هذا أوّلاً. ثانياً، العمل الحثيث على إيقاف نموّ هذه الدول وتطوّرها العِلمي والتكنولوجي المُتسارِع، وضرْب مُزاحمتها، الرّاهنة والمستقبليّة، للأسواق الغربيّة المضطرِبة والخائِفة على مصيرها.

هل ترى أنّنا أوغلنا في السياسة أكثر ممّا ينبغي؟

هنا انبرى صديقي الشاعر الميانماري مُنتفِضاً على نفسه وعليّ قائلاً: لا.. لا.. إنّنا لا نتكلّم هنا في السياسة يا صاحبي. إنّنا نتكلّم في الحياة وانسدادها بالخراب والدمار والدمّ والكوارث التي تتوالى أمامنا. ثمّ إنّ الشعر، يا صاحبي، ليس احترافاً فنيّاً بذاته ولذاته، ومعه، بالطبع، سائر الأجناس الإبداعيّة. الشعر مسؤوليّة أكبر من قائله وناقده ومُصنِّفه، سواء أداخِلَ الإيديولوجيا نفسها (أيّ إيديولوجيا هنا، بما فيها الإيديولوجيا اللّيبراليّة) أم خارجها. الشعر هو الحياة نفسها.. والحياة الحقيقيّة التي أنشدُها كشاعرٍ ترفض هذا الانحطاط المادّي والروحي الذي يسود عالَمنا اليوم، وكما ليس من قبل على الإطلاق.

لا..لا.. إنّني أرفض لنفسي كشاعر، وأرفض لكَ كشاعر أيضاً ولكلّ شاعر على وجه هذه الأرض، أن نذهب جميعاً إلى خارج الحياة، إلى المجهول، أو في أحسن الأحوال إلى العَيش في الهامش، بحجّة حرّية الشعر والتجريب الشعري.

مقطع القول، لا أريد أن أتذاكى على نفسي، ولا على لساني، تجاه الذين يُطلقون ألسنتهم ضدّي وضدّ الإنسان والحياة برمّتها. وأردَف صاحبي الشاعر الميانماري يقول: أنتَ تعرف، وفي الصميم، أنّني أُتقن فنّ العبث والسرّيَلَة والتهكّم والسخرية، وكلّ تلك الخلائط الأسلوبيّة العجيبة الغريبة التي تُجترَح باسم الإبداع الشعريّ وحرّيته، ولكن كفى غشّاً للشعر نفسه وللحياة نفسها بالسكوت على ما يجري. وعلى قصائدنا بصراحة أن تنزل إلى الميدان لتُقاتل أعداء الإنسان في كلّ مكان.

العالَم كلّه بات حقل ألغام، ولا يفكِّك ألغام هذا الحقل، إلّا الصفوة البشريّة، التي يتقدّمها الشعراء والمُبدعون في المقام الأوّل.

في المحصّلة، ومهما يكُن من أمر، فإنّني أريد أن أنهي كلامي على صديقي الشاعر الميانماري الكبير بقصائد له نقلتها عن الإنكليزية، التي قام هو خصّيصاً بنقلها إليها عن لغته الأمّ الميانماريّة، ليسهل عليّ لاحقاً نقلها إلى العربيّة.. وهاكم هي:

رسالة إلى بوذا

بوذا/ لماذا تبحث حتّى الآن/ عن فراغٍ تبثّ فيه وجودَك/ وسيادتك المهمومة/ والمعتذرة عن كلّ شيء؟/ شمسكَ غير بائِنة الآن يا عزيزي/ ومع ذلك فهي جهيرة/ مُزعِجة حتّى لقلبِها المُغيّب والممروض في البعيد/ كلّ يوم/ أراهم يتدافعون بضجيج الصلوات إلى وحدتكَ/ وأنتَ غير مُكترثٍ بهم/ وبتراتيلِهم التي تشجّ/ صخر الصمت/ ماذا تريد يا عزيزي؟/ شغف الطَّعن؟/ دويّ الشرائط الملوَّنة؟/ صفرة الفقراء المسودّة؟/ مُنسربات ما ليس موجوداً/ ماذا تريد؟.. قلْ يا عزيزي/ لأنّك مثلنا شاعرٌ فقط/ أعلَنَ وردةَ المحبّة بتطوّح/ وتركها للامتحان المفتوح.

زيارة ظلّ

لا يعود البتّة مَن يذهب إلى هناك/ ولكنْ، كيف عُدتَ أنتَ من الموت يا شاعر؟/ أنا لم أعُد/ هو الذي عاد محمَّلاً بظلّي ليزوركم/ فلقد طردته من نعيمي الدائم/ واشترطَ كي لا يفكّر بإزعاج ظلّي مرّة ثانية/ أن يصحبه الظلّ لزيارتكم/ ولو لمرّة واحدة/ وما سبب هذه الزيارة المُدهشة؟/ كي لا تخافوه مرّةً أخرى/ إذا ما فاجأكم/ على حين غرّة/ فالموتُ ينزعج أيضاً/ من أداء مهمّته بمُقتِ الآخرين المسبّق له.

مُمثّل الحياة

غيومه على الدوام داعِرة هذا الشاعر/ ومع ذلك تظلّ تهطل بمَطرِ الأخلاق/ والفضائل السامية/ أنا ممثّلكِ رغماً عنك أيّتها الحياة/ ولكنّني لا أعرف أبداً كيف أستقرّ/ على تمثيلي لشخصي/ يحبّني الناس/ يكرهني الناس/ لا فرق/ غير أنّني أقلّ من أن أفهم نفسي بالتأكيد.

زواج الملِكة

الملكة الشابّة في التراب/ أو متحجّرة في الصخر/ أو متحلّلة في الهواء/ لا فَرق/ والملك يظنّ أنّها فَلتت منّي بالتأكيد/ أنا عاشقها الوحيد/ بعدَه/ الملك مطمئنٌ جدّاً لموتها/ أمّا أنا فأقوم بواجباتي الزوجيّة يوميّاً/ والملكة الشابّة سعيدة/ بي وبأولادنا/ التسعة.. كلّ دقيقة/ بل كلّ ثانية.

لَمعان موسوعة السماء

أيّها المتجمّلون بالصمت/ والأحزان والموت/ تعالوا إليّ مبكّراً/ لأخلّصكم ممّا أنتم فيه/ فأنا لمعانُ موسوعةِ السماء/ وستحتاجونني في كلّ الأحوال/ لأنّ لمعاني سائب/ ونعمته دَوماً زرقاء/ هيّا.. عجِّلوا مبكّراً/ لتنتَظم أموركم/ قبل أموري.

سيزيف جديد

لا أراكِ/ إلّا في ثملي/ وحين أهمّ للقبض عليكِ/ يهرب منّي الثمل/ وأتهيّأ مرّة أخرى/ إلى ثملٍ جديد/ أنا سيزيف من نَوعٍ جديد/ أليس كذلك؟

المصدر: مؤسّسة الفكر العربي

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.