الرئيسية / مقالات / ​جلال أمين: مَوت ناقِد الرموز الكبيرة في مصر
​جلال أمين
​جلال أمين: مَوت ناقِد الرموز الكبيرة في مصر

​جلال أمين: مَوت ناقِد الرموز الكبيرة في مصر

05
​جلال أمين: مَوت ناقِد الرموز الكبيرة في مصر
د.محمود حدّاد

من الظواهر السلبيّة في ثقافتنا السائدة، المُبالَغة، مَدحاً أو ذمّاً، في وصف أمورنا على اختلافها. إلّا أنّ السياسي والطبيب المصريّ المرموق محمّد أبو الغار لم يكُن مُبالِغاً عندما نعى د. جلال أمين قائلاً: ” رحل عن عالَمنا مصريّ نادر الوجود، عظيم الوطنيّة، موسوعيّ الثقافة، عميق التفكير، أستاذ قدير في جامعته، غزير الكِتابة في مختلف الآفاق، صديق المثقّفين والغلابة والشباب والفنّانين…”. وإذا كان وصْف إنسان يعمل في الحقل العامّ بأنّه ” لم يكُن يأخذه في الحقّ لَومة لائِم” يتكرّر إلى حدّ أنّ هذا القول فَقَدَ معناه، إلّا أنّني استطيع القول بضميرٍ مرتاح إنّ القول المذكور يَنطبق أكثر ما ينطبق على د.جلال أمين الذي عَرفته متأخّراً بعض الشىء.

ظَهرت شجاعته الفكريّة عندما انتقَد طه حسين على كِتابه ” في الشعر الجاهلي” وتوفيق الحكيم على كِتابه “عودة الوعي”، الذي أصدره بعد وفاة الرئيس عبد الناصر واصفاً إيّاه بالكِتاب السيّىء؛ كما انتقَد يحيى حقّي وأحمد بهاء الدّين، أحبّ أصدقائه إليه، بسبب تحليلهما الذي يركِّز على أنّ نقْص الحداثة في المجتمع العربي يفسِّر هزيمة 1967. كما انتقَد نجيب محفوظ لمَواقفه الاجتماعيّة والسياسيّة ومنها مدحه لما كان ينشره الكاتِب المصري ثروت أباظه وهي كِتابات اعتبرها غير ذات قيمة أدبيّة. ونَقد رجاء النقّاش لمديحه غير المُبرَّر لحسني مبارك وكذلك لفيلمَيْ يوسف شاهين ” المُهاجِر” و” المَصير” اللّذَين حازا شهرة واسعة بين المثقّفين العرب بسبب “ريادتهما” كما قيل، بينما اعتبرهما رائعَين من الناحية التقنيّة/ الفنيّة، لكنّهما يرسلان رسالة غير صادقة عن العرب وتاريخهم. وهو كان يرفض شيوع الثّناء على شخصٍ أو عملٍ والإصرار على تمجيده وتعظيمه من دون وجه حقّ.

أن يكون جلال أمين مثقّفاً، فهذا أمرٌ بديهي لإنسانٍ نَشأ في بَيت والده المؤرِّخ أحمد أمين صاحب ” فجر الإسلام”، و”ضحى الإسلام”، و”ظهر الإسلام”، و” زُعماء الإصلاح في الإسلام” وكذا كِتابه الصغير:”الشرق والغرب”. وأن يكون جلال أمين اقتصاديّاً مرموقاً فهذا تحصيل حاصل لشابٍ دَرَس العلوم الاقتصاديّة في القاهرة ولندن و نال أرفع رتبها وأصبح أستاذاً جامعيّاً في أكثر من مركز ومؤسّسة. لكنّ خصوصيّة جلال أمين وتفرّده يكمنان في أنّه جَمَعَ الثقافة إلى السياسة إلى التاريخ إلى الاقتصاد إلى عِلم الاجتماع وإلى عِلم النفس، فكان ذا نظرة شموليّة، ولَمع في تفسير كثيرٍ من ظواهر الحياة المصريّة والعربيّة في أكثر من مَجال.

لم أكُن أعرفه على الإطلاق، ولسببٍ غير مفهوم لديّ، ما كنتُ قد قرأتُ أيّاً من مؤلّفاته. اشتركتُ في مؤتمرٍ فكريّ حول عصر النهضة العربيّة في القرن التاسع عشر في لبنان منذ خمس سنوات مُستخدِماً تعبير “التنوير الزائف” ناقِداً بعض ممثّلي المرحلة وبعض المَفاهيم والأفكار التي راجت خلالها. بعد المؤتمر جاء مَن يسألني: “هل أنتَ من مدرسة جلال أمين؟” أجبتُ بأنّني لا أعرف الرجل ولا شيئاً عن أفكاره، لكنّ فضولي كان كبيراً، فأخذتُ أبحث عن كُتبه وأقرأ زاوية “الرأي” في صحيفة “الأهرام” صباح كلّ إثنين لأطَّلع على ما فاتني منذ سنوات غربتي في الخارج. صعقتُ! لدَيه كِتاب بعنوان ” التنوير المزيّف” وعشرات المقالات المتعدّدة الاهتمامات حول كثير من الشؤون التي أهتمُّ عادةً بها. اعتبرتُ نفسي طالِباً من طلّابه من دون أن أراه، وصرتُ أحدِّث طلّابي في الجامعة عن أفكاره؛ ولمّا حانت فرصة لزيارة القاهرة، استطعتُ الإثقال على صديقٍ مُقيم في مصر لأحصل على رقم هاتفه واتّصلتُ لأطلبَ موعداً منه وقد كان: من مطار القاهرة إلى الفندق ثمّ على الفور، وسْط دهشة مجموعة الأساتذة الأصدقاء الذاهبين إلى الكنانة، بسرعة إلى بيت جلال أمين القريب من ثكنات الجيش في المعادي، جنوب القاهرة.

لم يكُن صاحب نظريّة شامِلة، ربّما لأنّه أعطى أهميّة كبيرة للظروف المتغيّرة في تفسير الأمور المُترابِطة. استعرض معكم بعض أهمّ قناعاته:

كانت لديه قناعة مركزيّة –أشاركه فيها- بوجود تحكُّمٍ خارجي بمجتمعات العالَم الثالث ودوله، وعلى رأسها العربيّة منها. إنّ أسباب المشكلات الاقتصاديّة العربيّة ليست اقتصاديّة! ( أي أنّها تتعلّق بقرارات أو مَصالِح سياسيّة/اقتصاديّة).

إنّ نسبة زيادة الدخل القومي السنويّة تُحدِّد ما إذا كانت الزيادة السكانيّة تضغط سلباً على الاقتصاد الوطني أم لا. فإذا كانت نسبة الزيادة السكانيّة السنويّة أكبر من الزيادة السنويّة في الدخل القومي كان الحاصل سلبيّاً وإذا كان العكس صحيحاً كانت الزيادة السكانيّة مقبولة.
إنّ سلوكيّات المجتمعات العربيّة تغيَّرت لسببَيْن. الأوّل، قيام الدولة الوطنيّة منذ منتصف الخمسينيّات حتّى منتصف الستينيّات بفتْح أبواب التقدّم الاجتماعي للطبقات الفقيرة من خلال توفير الخدمات الصحيّة والتعليم المجّاني. لذلك بدأ عندها الحراك الاجتماعي الذي أفضى إلى زيادة حَجم الطبقة الوسطى، وبخاصّة في مصر. وهو يُطلِق على تلك المرحلة تسمية ” الزمن الجميل” لِما صاحَبها من تطوّرٍ ثقافي وفنّي لم نشهد مثله بعدها. أمّا السبب الثاني فهو تدفّق أموال النفط بعد 1973 على الطبقات الاجتماعيّة العربيّة المختلفة، بحيث أصبَح مَن كان في السلّم الاجتماعي الأدنى يريد أن يقلِّد مَن كان أعلى منه في مجالات كثيرة. وهو يأخذ حفلات الزواج كمثال: تقوم عائلة العروس أو عائلة العريس- بحسب التقاليد- بتنظيم حفلة صاخِبة تُعزَف خلالها الموسيقى بصورة خادشة لآذان المدعوّين، ويُقدَّم فيها العشاء الفاخر، وتُنظَّم الرقصات الغربيّة الطّابع. الهدف من ذلك كلّه ليس الاحتفال والاستمتاع، بل الهدف الحقيقي هو الإعلان الضمني لصاحب الدعوة أنّه أصبح لديه من المَوارِد الماليّة ما يُمكِّنه من إقامة احتفالٍ صاخب ودفْع أجرة عالية للراقصين والموسيقيّين وتقديم أشهى أنواع المأكل والمشرب. إنّ الحفلة هذه تُعتبر بمثابة إعلان مُغادَرة المُضيف طبقته الاجتماعيّة القديمة ودخوله طبقة اجتماعيّة أعلى.
كان له رأي واضح في أهميّة استقلال مصر الاقتصادي، وله رأي شديد السلبيّة في المؤسّسات الماليّة الدوليّة التى كان يعتقد أنّها خطِرة على الأوطان واقتصادها وأنّها تجرّها إلى التبعيّة. وكان لا يتردَّد في تدرِيس ذلك في الجامعة الأميركيّة في القاهرة.
كانت بداية التعبير عن هذا المَوقف في كِتابه الذي كَتبه بالإنكليزيّة في أوائل السبعينيّات، وقد نُشر بالإنكليزيّة تحت عنوان (The Modernization of Poverty) أي “تحديث الفقر”، لوصْف تجربة كثير من بلاد العالَم الثالث في التنمية، وعرَضَ فيه تجربة تسع دول عربيّة في التنمية في ربع القرن التالي للحرب العالميّة الثانية، ورأى فيهاً شيئاً أقرب إلى إلباس الفقر رداءً حديثاً من دون نجاح كبير في تخفيض الفقر نفسه.
لا يقول بالتمسّك المُبالَغ بالدّين والتراث والقول بمناسبة ومن دون مناسبة إنّ ” الإسلام هو الحلّ “، لكنّه يرفض في الوقت ذاته الاستهزاء بالدّين والاستخفاف بالتراث، لأنّه كان يعتبر أنّ المَوقف الأخير يَعكس استغراقاً في ماضٍ آخر هو ماضي الأجنبي وتراثه. كان يميِّز بين الدّين والتديّن.المهمّ تجديد شباب الأمّة بتراثها وحبّها للحياة في آن. كان حرصه على التراث يصدر عن نظرة سوسيولوجيّة أكثر منها ميتافيزيقيّة، وتعاطفه مع الدّين واحترامه له وحرْصه على حمايته ينبع من تعاطفه مع أمّته واحترامه لها. إلّا أنّه أسف لانقضاء ذلك العصر الذي كان يُمكن أن يقول فيه مكرم عبيد، “ذلك القبطي الفذّ”، كما وصفه، ” إنّي قبطي ديناً ومُسلِم وطناً، فالإسلام- بالنسبة إليه- دينٌ، ولكنّه أيضاً وطنٌ وثقافة. ولكنّ التفكير على هذا النحو يتطلَّب ظروفاً سياسيّة واجتماعيّة كانت مُتوافِرة في العشرينيّات والثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي، ولكنّها لم تعُد متوافِرة الآن.
كان يعتقد أنّ الديمقراطيّة ليست -كما يظنّ بعض المثقّفين- حلّاً لكلّ المشكلات. وهو يقول في تفسيره لهزيمة 1967، مثلاً، إنّه لا يعفي هذه القيادة أو تلك من المسؤوليّة عن هذا الخطأ العسكري أو ذاك، ولا ينكر أنّ مزيداً من الديمقراطيّة كان من شأنه أن يجعل النتيجة أفضل قليلاً، والخسائر أقلّ قليلاً. ” لكنّي على يقينٍ تامّ بأنّ نتيجة حرب 1967، بأبعادها الرئيسة، كانت واقِعة لا محالة في ظلّ ظروف العالَم ونَوع العلاقات الدوليّة السائدة وقتها. بل إنّي أذهب إلى حدّ القول إنّ كثيراً من الأخطاء التي ارتكبها العرب، عسكريّة أم سياسيّة، وأدَّت إلى تضخيم حجْم الهزيمة، كانت في الأساس نتيجة أنّ هذه الظروف الدوليّة نفسها قد وضعت العرب حتّى قبل 1967 بسنوات، في وضْعٍ يَفرض عليهم فرضاً الوقوع في هذه الأخطاء”.
كما أنّه لم يتحمّس قطّ لما يُسمّى بالديمقراطيّة الأميركيّة، بل وجد فيها الكثير من الزيف والادعاء، إذ اعتبر أنّ أقلّ أنواع النُّظم حريّة وديمقراطيّة هي التي يظنّ فيها الناس أنّهم أحرار ويتمتّعون باستقلال الرأي والفكر من دون أن يكونوا كذلك في الحقيقة. وقد اعتبَر أنّ مصر وأمثالها، ممّا شاع اعتبار نظام الحكم فيها شموليّاً، قد ينعم أهلها بدرجة أكبر من الاستقلال وحريّة التعبير عن النفس ممّا يتمتّع به الأميركيّون، لمجرّد أنّ المصريّين لا يعتريهم أيّ شكّ في أيّ وقت في زيف ما يزعمه نظامهم من ديمقراطيّة، ولا تثير فيهم الدعاية السياسيّة من خلال وسائل الإعلام إلّا السخريّة المُعلَنة الصامِتة، بينما يُبدي الأميركيّون استعداداً مُدهشاً لقبول ما تقوله لهم وسائل الإعلام! كما رأى أنّ العَولَمة تُثبت رؤية الروائي البريطاني جورج أورويل في انتشار التوتاليريّة في الكثير من مجتمعات العالَم.
كان أحمد بهاء الدّين أقرب أصدقائه إليه. وكانا من ضمن قلّة من المثقّقين المصريّين المؤمنين بالعروبة والعاملين لها قبل 1967. إلّا أنّه تميَّز عنهم بعدم التركيز على أخطاء القائلين بهذه الفكرة، لأنّه اعتقد أنّه مهما كانت قوّة العوامل السلبيّة المؤثِّرة في فكرة القوميّة العربيّة وحركتها، من داخل العالَم العربي، فإنّ الأهميّة الكبرى تقع على العوامل المؤثِّرة فيها من الخارج. أمّا ضعف الولاء النّاتج عن اشتداد حركة التغريب في العالَم العربي، فيعود إلى حدٍّ كبير إلى ما طبَّقته الدول العربيّة من سياسات الانفتاح على الغرب في أعقاب تلك الحرب، وهي سياسات كانت في رأيه نتيجة ضغوط خارجيّة أكثر من كونها اختياراً حرّاً من جانب السياسيّين العرب.

*كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر: مؤسسة الفكر العربي

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

فورين بوليسي: مؤسسة السياسات الخارجية الأمريكية يائسة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبروفيسور ستيفين والت، الذي يشغل كرسي (روبرت اند ريني بيلفير) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.