الرئيسية / ترجمات / “حماس” بدأت بانتهاج استراتيجيا “تخفيف” في المواجهات مع إسرائيل
"حماس" بدأت بانتهاج استراتيجيا "تخفيف" في المواجهات مع إسرائيل

“حماس” بدأت بانتهاج استراتيجيا “تخفيف” في المواجهات مع إسرائيل

بقلم: أليكس فيشمان – محلل عسكري إسرائيلي —

قامت حركة “حماس”، في نهاية الأسبوع الفائت، بإملاء استراتيجيا جديدة في المواجهات الدائرة بالقرب من السياج الأمني على امتداد منطقة الحدود مع القطاع: استراتيجيا “تخفيف”. وتتمثل هذه الاستراتيجيا بخفض مستوى النار إلى أن يتبيّن ما الذي ستحصل عليه “حماس” من إسرائيل ومن السلطة الفلسطينية.
إن اصطلاح “تخفيف” مأخوذ من كلمة “خفيف”، المعروفة جيداً للإسرائيليين أيضاً حتى ممن لا يتحدثون اللغة العربية بطلاقة. وفي واقع الأمر فإن ما تفعله إسرائيل الآن حيال القطاع هو خفيف، ويفتقر إلى أي اتجاه حقيقي. والتسوية الصغرى التي يتم الحديث عنها هي مجرد خدعة جرى اختراعها للتملص من اصطلاح الاتفاق.
ويبدو أن “حماس” هي التي قررت سياسة خفض مستوى النار، إذ إنها تقدّر بأنها على وشك أن تحصل في الأيام القريبة المقبلة – من خلال المصريين – على الاتفاق الذي حصلت عليه في نهاية عملية “الجرف الصامد” العسكرية في سنة 2014. وفي حينه فتحت إسرائيل المعابر أمام حركة البضائع، وقامت بتوسيع مجال الصيد إلى عمق 9 أميال، وقطعت تعهدات دولية بإعادة إعمار القطاع وما شابه ذلك. وهذه المرة أضافت إسرائيل إلى الرزمة أيضاً إدخال وقود بكميات تسمح بأكثر من 8 ساعات كهرباء في اليوم في القطاع. فضلاً عن ذلك، تجاوبت إسرائيل لأول مرة مع “حماس” من خلال الالتفاف على السلطة الفلسطينية وإضعافها، حين ضغطت على رام الله كي لا تشدّد العقوبات على غزة، وقامت بالالتفاف عليها أيضاً في مجال نقل الوقود.
تجري الآن مفاوضات لإدخال أموال من قطر إلى القطاع – بخلاف موقف السلطة الفلسطينية- لدفع رواتب موظفي “حماس”. وفي حال نجاح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في إقناع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بأن يسمح بنقل الأموال إلى غزة يمكن لـ”حماس” أن تسجل لنفسها بأن استراتيجيا العنف التي اتبعتها في الأشهر الثمانية الأخيرة كانت قصة نجاح، ويمكن الانتقال إلى “التخفيف”. وهذا يعني عدم التنازل عن الاحتجاج، وعن تظاهرات “مسيرات العودة” الأسبوعية، لكن لا يتم القيام بأي استفزازات بالقرب من السياج الأمني، ويتم وقف عمليات إطلاق البالونات الحارقة والمفخخة في اتجاه الأراضي الإسرائيلية.
لم يعلن بعد عن التوصل إلى أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية بشأن نقل الأموال، إذ إن ذلك يلزم “حماس” بسلسلة شروط طرحها عباس، بما في ذلك التخلي عن الاحتفاظ بقوات عسكرية مستقلة. وهذا لا يشكل العائق الوحيد في الطريق إلى التهدئة، ففي المؤسسة الأمنية يدركون أن “حماس” لن تكتفي بالوقود وبالمال من قطر كي توقف العنف، وتحتفظ لنفسها بورقة أُخرى تخطط لاستلالها فور تلقيها المال القطري لدفع الرواتب. وهذه الورقة هي الميناء البحري الذي لا يكون فيه أي تدخل إسرائيلي. ومن ناحية “حماس” سيكون هذا هو الإنجاز الأهم الذي يبرر سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى خلال “مسيرات العودة”.
إن الميناء هو الرمز الأهم لكسر الحصار. وسبق أن تحدث وزيرا الدفاع أفيغدور ليبرمان والمواصلات يسرائيل كاتس عن فتح ميناء لغزة يكون خاضعاً لرقابة إسرائيلية. ومن ناحية “حماس” فهي اجتازت نصف الطريق. ولديها فقط شرط صغير جداً: تريد ميناء مستقلاً. وبحسب فهمها، مع قليل من الضغط على الحكومة الإسرائيلية التي كل ما يعنيها هو البقاء السياسي، هذا سينجح. فضلاً عن ذلك فإن قيادة الجيش بلغت القيادة السياسية بأنها لا توصي بالخروج إلى حرب الآن. كما أن الجيش يرفض خطة ليبرمان القاضية بتوجيه ضربة نارية قوية إلى القطاع، خشية من أن تتدحرج خطوة كهذه إلى عملية دخول برية.
ما الذي يمكن أن تفهمه “حماس” من هذا كله؟ أنه يمكن طلب المزيد، وأنها لا تواجه تهديداً وجودياً. ولدى حصول “حماس” على إصبع واحدة سترغب في الحصول بعد ذلك على اليد كلها. ولا شك في أن قائد “حماس” في القطاع يحيى السنوار والرجال المحيطين به يعرفون المجتمع الإسرائيلي جيداً، وهم يفهمون أنه عندما يبث سكان مستوطنات غلاف غزة الإحساس بأنهم وصلوا إلى نهاية حدود الصبر، فإن الحكومة عشية سنة الانتخابات ستركع على ركبتيها. وفي مثل هذا الوضع يمكن مواصلة الضغط، وبعد الميناء البحري يمكن طلب مطار جوي أيضاً.
لا بد من القول أيضاً إن استراتيجيا خفيف التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، تتسبب بوضع لا تعرف فيه اليد اليمنى ما الذي تفعله اليد اليسرى. فمن جهة يبذل الوزراء جهداً للتوصل إلى تهدئة، ومن جهة أُخرى اتخذوا مؤخراً قرارين سيشعلان السجون الأمنية، والقطاع والضفة أيضاً. ففي بداية كانون الثاني/ يناير المقبل سيدخل إلى حيز التنفيذ القانون الذي يسمح لإسرائيل باقتطاع الأموال التي تحولها السلطة الفلسطينية إلى عائلات السجناء الأمنيين إلى جانب تعليمات بعدم السماح لهؤلاء السجناء بأن يحصلوا من السلطة على مخصص شهري بقيمة 400 شيكل يسمح لهم بشراء الغذاء والملابس. إذا لم تدفع السلطة فإن إسرائيل ستدفع عشرات ملايين الشيكلات في السنة. لكن ليس هذا هو الموضوع، إنما طريقة حبس السجناء الأمنيين التي تسمح لهم ببعض الاستقلالية في إدارة حياتهم اليومية، والتي ستتحطم. وعندما ستشتعل السجون ستشتعل المناطق [المحتلة] أيضاً. ولا شك في أن الحديث يدور حول قرار شعبوي، سيعود إلينا كسهم مرتد. ومن يحتاج إلى هذا الآن؟

المصدر: صحيفة “”يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الفقر في أميركا

بقلم الدكتور: راجان مينون، أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك والباحث في معهد الحرب والسلام …

ملاقط غسيل في الهواء

سارة حبيب* — 1 من قال بأن كتابة قصيدة طويلة ستضمن لنا الراحة؟؟! ممتلئون نحن …

12 سنة فقط للحفاظ على كوكبنا

بقلم اوليفيا البرستين – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — شدوا الأحزمة يا أعزائي في سيارتكم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.