أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / صفقة القرن الماضي: كيف خضعت السعودية للولايات المتحدة
صفقة القرن الماضي: كيف خضعت السعودية للولايات المتحدة

صفقة القرن الماضي: كيف خضعت السعودية للولايات المتحدة

الكاتب الأسير كميل أبو حنيش[1]

تهدف هذه الدراسة لتسليط الضوء على الطرق والوسائل التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية في اخضاع المملكة العربية السعودية بالكامل والسيطرة على مقدراتها وثروتها في الماضي والحاضر. وتحول هذه الدراسة الإجابة عن المشكلة الرئيسية التي تتمثل في السؤال التالي: ما هي الصفقة التي غيرت مجرى التاريخ؟ وما علاقة هذه الصفقة التي حصلت في القرن العشرين وبين صفقة القرن الأمريكية المطروحة حالياً؟، حيث كتب ” جون بيركنز” في كتابه المعروف ” اعترافات قاتل اقتصادي” العبارة التالية (كنت جزءاً من الفريق الذي صنع صفقة القرن التي غيرت مجرى التاريخ، لقد اشتركت في وضع اتفاقية ضامنة لاستمرار تدفق النفط إلى أمريكا وتأمين حكم آل سعود) [2].

قبل الكشف عن مضمون صفقة القرن الماضي يتعين علينا التعريف بجون بيركنز الذي وصف نفسه بأنه قاتل اقتصادي ( فالقتلة الاقتصاديون رجالٌ محترفون يتقاضون أجراً عالياً لخداع دول العالم، وابتزاز تيريليونات الدولارات، وسبيلهم إلى ذلك تقارير مالية محتالة وانتخابات مزورة ورشاوي وابتزاز وغواية جنس وجرائم قتل)[3].

وجون بيركنز هو أمريكي تدرب في شركة ” مان” الهندسية ليكون قاتلاً اقتصادياً في بدايات سبعينيات القرن الماضي، وعمل كخبير اقتصادي وظيفته رسم تنبؤات وتوقعات كاذبة وغير واقعية عن النمو الاقتصادي بهدف إيقاع دول وتوريطها بقروض مالية ضخمة من الولايات المتحدة، وعندما تعجز هذه الدول عن تسديد القروض تضمن الولايات المتحدة سيطرتها الكاملة على هذه الدول.

وبهذا يكشف بيركنز في اعترافاته عن الدور الخطير الذي كانت ولا زالت تلعبه الشركات الأمريكية الخاصة في الخداع والابتزاز بهدف السيطرة على الأسواق، وإخضاع الدول، فإن عجزت هذه الشركات عن أداء المهمة عندئذ تتدخل المخابرات المركزية الأمريكية ” السي آي إيه” لإزاحة الحاكم أو إسقاط نظام الحكم، وفي حال فشلها هي الأخرى يتدخل الجيش من خلال القوة العسكرية. ويستخدم القتلة الاقتصاديون المؤسسات المالية العالمية لاختلاق ظروف تجعل الشعوب الفقيرة خاضعة للسيطرة الأمريكية من خلال قروض لتطوير البنية التحتية كمحطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والطائرات والمدن الصناعية…الخ.

ويتعين على البلد المدين أن يسدد وصول القرض الكاملة مع فوائدها، وعندما تعجز هذه الدول عن سداد القرض تجري عملية ابتزازها من خلال (عملية السيطرة على التصويت في الأمم المتحدة – إقامة قواعد عسكرية – السيطرة على ثرواتها…إلخ).

ورغم ذلك يضل البلد مديناً، وبهذه الطريقة سيطرت الولايات المتحدة على القرار السياسي والاقتصادي لعشرات الدول الفقيرة.

كيف خضعت السعودية بالكامل للولايات المتحدة؟

أما كيف وقعت السعودية في أحابيل الولايات المتحدة الأمريكية فقد حدثت العملية بصورة معاكسة. ويروي مؤلف الكتاب أن الحكاية بدأت عند انتهاء حرب تشرين عام 1973 وإعلان السعودية ومعها دول الخليج عن رفع أسعار النفط ورفع نسبة الإنتاج بنسبة 5%، وحظر بيع النفط للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لمعاقبتها على موقفها الداعم “لإسرائيل” حيث كان لهذه الخطوة تأثيرها الكبير على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.

وعلى اثرها قررت مراكز الرأسمال والولايات المتحدة أن مثل هذا الحظر لن يقبل تكراراه أبداً، حيث بدأت عملية التخطيط لإخضاع السعودية والسيطرة عليها وعلى ثرواتها، فبعد انتهاء الحظر شرعت واشنطن للتفاوض مع السعودية عارضة عليهم مساعدات فنية وأسلحة وتدريبات وتطوير للدولة وكل ذلك مقابل نفط واستقرار سوق بيع النفط، ومقابل ضمانات بألا تتكرر عملية الحظر على النفط، وقد نتج عن هذه المفاوضات إنشاء اللجنة الأمريكية السعودية الاقتصادية المشتركة (شيكور) التي اعتمدت على المال السعودي لتشغيل الشركات الأمريكية لبناء السعودية، وكان هذا الاتفاق في بداية تجذر الولايات المتحدة عميقاً في ارض الجزيرة العربية والمنطقة.

ويقول المؤلف (كانت مهمتي وضع توقعات مما قد يحدث للسعودية إذا استثمرت كميات هائلة من المال في بنيتها التحتية) [4].

لقد كانت مهمته ابتكار وسائل لعودة أموال النفط السعودية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذه العملية جرى توريط السعودية وأصبح اقتصادها متشابكاً باقتصاد الولايات المتحدة ومعتمداً عليه.

ومن الطريف أن الماعز السعودي شكّل إلهاماً لهذا القاتل الاقتصادي، وكما يروي فإنه ولغاية بداية السبعينيات كان قطعان الماعز يتولوا مهمة التخلص من القمامة لأن السعودية كانوا يأنفون عن العمل في جمع النفايات.

وتبين لي أن الماعز الذي يتجول في شوارع الرياض بات المفتاح الرمز، فقد كان هذا الماعز يدعونا لاستبداله بشيء جيد، وذلك باستخدام عائدات النفط مع استخدام الشركات الأمريكية لإحلال أحدث نظام في العالم لجمع القمامة، وبهذا أخذت الفكرة من الماعز باعتباره أحد طرف معادلة يمكن تطبيقها على معظم قطاعات الاقتصاد في المملكة  [5].

وفقاً لهذه المعادلة يمكن تكريس المال لإيجاد قطاع صناعي يركز على تحويل النفط الخام إلى منتجات مصنعة للتصدير، وبهذا ستظهر مجمعات كيماوية تنتشر حولها مجمعات صناعية ضخمة، الأمر الذي يقتضي بناء مولدات كهربائية وشبكة مواصلات واتصالات وموانئ…الخ.

ولأجل ذلك لابد من استيراد العمال من الخارج الأمر الذي يحتاج إلى بناء مجمعات سكنية ضخمة وأسواق ومستشفيات والنتيجة إنشاء مدن حديثة في الصحراء، بحيث تصبح هذه الخطة نموذجاً لبقية دول العالم، وبهذا قدّمت فرصة اقتصادية لا مثيل لها في التاريخ لبلد متخلف لديه موارد مالية غير محدودة، ورغبة في دخول العصر الحديث.

ويضيف المؤلف (كنت دائماً أضع في ذهني هدفين، رفع ما تقبضه الشركات الأمريكية إلى الحد الأعلى، وجعل السعودية تعتمد أكثر فأكثر على الولايات المتحدة الأمريكية) [6].

أما الحيلة الأخرى كما يراها المؤلف تقوم على فرضة أن تحديث المملكة الغنية بالنفط سيسبب ردود فعل معادية من جانب الدول المجاورة، الأمر الذي سيولدّ نمو صناعة أخرى، حماية السعودية، وبهذا يمكن للشركات الأمنية والعسكرية أن تباشر في بناء الجيش والتدريب والتسليح وبناء المطارات والقواعد العسكرية، وبهذا تحوّلت السعودية إلى ” بقرة أمكن للولايات المتحدة حلبها إلى اليوم”. كما علق المسئولون الأمريكان.

لكن الأخطر في الأمر كما يروي المؤلف ” أن الولايات المتحدة فرضت على السعودية شرطاً آخراً حساساً حاولت لاحقاً تطبيقه على دول أخرى، وكان الشرط أن تشتري السعودة بمال نفطها سندات مالية تصدرها الولايات المتحدة، وبالمقابل تنفق دائرة الخزينة الأمريكية فوائد هذه السندات لتجعل السعودية قادرة على الخروج من مجتمعها المتخلف إلى العالم الصناعي الحديث، بمعنى آخر سوف تُشتغل الفائدة المقدرة بمليارات الدولارات المكتسبة من نفط المملكة لكي تدفع للشركات الأمريكية، وبهذا تستخدمها الخزينة التابعة لأمريكا على حساب السعودية لبناء مشاريع بنية تحتية بل ودن كاملة في أرجاء المملكة” [7].

ويروي المؤلف أنه جرت عملية إقناع بعض الأمراء السعوديين المتحفظين على هذه الصفقة، من خلال الإغراء الجنسي، وتوفير مموسات لإخضاعهم.

وهكذا جرت عملية الإيقاع بالسعودية والسيطرة عليها وعلى ثرواتها ونفطها طوال العقود الماضية.

ويضيف المؤلف (إن إدارات ريجان وبوش الأب كانتا مصممتان على تحويل العراق إلى سعودية أخرى في ثمانينات القرن الماضي، ولو أن صدام قبل بهذا المشروع لكان ضامناً لنفسه حكم العراق إلى هذا اليوم، بعد أن نفرض عليه سندات مالية أمريكية مقابل دولارات النفط لقاء وعد باستمرار تدفق النفط وصفقة تنفق بموجبها الفوائد المترتبة من السندات على شركات أمريكية، وكنا مستعدين لبيعهم الدبابات والطائرات المقاتلة، ونبني محطات طاقة كيماوية ونووية) [8].

ماذا كانت نتائج هذه الصفقة على المنطقة؟

لقد مكنت هذه الصفقة الولايات المتحدة من السيطرة التامة على السعودية وإخضاعها وابتزازها بتريليونات الدولارات هي ودول الخليج الأخرى، التي استنسخت ذات صفقة السعودية مقابل حمايتها، وضمنت الولايات المتحدة استمرار تدفق النفط الخليجي وإقامة القواعد الأمريكية في هذه الدول، وبسقوط الخليج سقطت المنطقة بيد الولايات المتحدة، وبهذا سيطرت على أهم منطقة في العالم من حيث الثروات الطبيعية والمالية والموقع الجغرافي.

ويمثل نفط الخليج 65% من التجارة الدولية السنوية في العالم [9]، وتمتلك البلاد العربية النفطية 630 مليار برميل من النفط، وقدرتها الإنتاجية اليومية 32% من الإنتاج العالمي [10]. ووفقاً لصندوق النقد عام 2010 وصل الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الخليجية الست إلى 993 مليار دولار [11].

أما الناتج المحلي للسعودية وحدها فبلغ 657 مليار دولار سنة 2011، وتنتج السعودية 11 مليون برميل يومياً وبها مخزون نفطي يُقدر بـ265 مليار برميل[12].

أما على صعيد صفقات السلاح فقد أنفقت دول الخليج بين أعوام 1992-2007 على التسليح 315 مليار دولار وفي سنة 2010 أنفقت السعودية على التسلح 45 مليار دولار، والإمارات العربية 16 مليار دولار. في حين أنفقت ” إسرائيل” 14 مليار دولار [13].

وتشير تقارير إخبارية أن الحرب التي تشنها السعودية وبعض دول الخليج على اليمن تبلغ تكلفتها 200 مليون دولار يومياً، وهذا يعني أن التكلفة الإجمالية لهذه الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 سنوات  قد كلفت أكثر من 2 تريليون دولار، ولنا أن نتخيل حجم الاستفادة الكبيرة التي جنتها ولا زالت تجنيها الولايات المتحدة من الأموال الخليجية.

أما الكوارث التي نتجت عن صفقة القرن الماضية وكان للولايات المتحدة دوراً مباشراً فيها فهي (كامب ديفيد وإخراج مصر من معادلة الصراع الإسرائيلي، الحرب الأهلية في لبنان، اجتياح لبنان عام 1978 وعام 1982، الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت وضرب العراق عام 1991، اتفاقيات أوسلو، مشروع السلام مع الأردن، احتلال أفغانستان، احتلال العراق، تقسيم السودان، حروب 1993-1996- 2006 على لبنان، حروب 2008-2012-2014 على قطاع غزة- الحروب الأهلية الدائرة في عدد من الدول العربية حالياً – ظهور التنظيمات الجهادية والسلفية بتمويل سعودي وإشراف أمريكي…الخ”، والنتيجة هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة، وتحويل ” إسرائيل” إلى القوة الإقليمية الأبرز في المنطقة.

ويشهد الوطن العربي في مطلع الألفية الثالثة نهاية رسمية لحقبة تاريخية استغرقت القرن الماضي بأكمله، ولعل أبرز سماتها بأن الأمة قد وقعت في حبائل القرن الأمريكي على المستوى العالمي والقرن الإسرائيلي على المستوى الإقليمي [14].

ماذا عن صفقة القرن الحالية

أما عن صفقة القرن الحالية التي يجري الترويج لها فهي ليست منفصلة عن صفقة القرن الماضية، بل تأتي استكمالاً لها.

وقد جاءت تصريحات ” ترامب” الابتزازية الأخيرة في إطار هذه الخطة، حيث صرح قائلاً: ” لماذا يتعين علينا حماية دول ثرية كالسعودية، فمن يريد الحماية عليه أن يدفع”، وقد عاد الكّرة بعد أيام حيث قال ” إن السعودية لن تستمر أسبوعين إذا توقف الدعم الأمريكي لها ولهذا عليهم أن يدفعوا”.

فما الذي يجري وراء الكواليس؟ ولماذا تضغط الولايات المتحدة على السعودية؟

صحيح أن صفقة القرن المطروحة تستهدف القضية الفلسطينية، ولكنها أيضاً تستهدف المنطقة العربية والإسلامية برمتها. وفعلياً بدأت صفقة القرن وكان أول فصولها هو تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد، فضلاً عن ابتزاز السعودية التي تعهدت باستثمار نصف تريليون دولار في الولايات المتحدة الأمريكية قبل عدة أشهر، وتوثيق العلاقات بين دول الخليج و”إسرائيل”، وتوريط السعودية في الحرب الطاحنة والمستمرة ضد اليمن.

أما الأهداف الاستراتيجية لتلك الصفقة فتتمثل في تصفية القضية الفلسطينية بالكامل، وضرب إيران أو احتلالها كما جرى في العراق، وتحويل ” إسرائيل” إلى دولة عظمى وحيدة في المنطقة، وإشعال الحروب الطائفية وتقسيم العالم العربي إلى دويلات طائفية ومتناحرة خاضعة للسيطرة الأمريكية والإسرائيلية، وربما تكون أول دولة يجري تقسيمها هي السعودية نفسها.

[1] هذه الدراسة للروائي والكاتب الأسير الفلسطيني كميل أبو حنيش المحكوم عليه تسع مؤبدات من قبل الاحتلال الإسرائيلي ، وهذه الدراسة إهداء من الأسير إلى مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، لمواقفة الداعمة للقضية الفلسطينية.

[2] جون بريكنز، اعترافات قاتل اقتصادي، ترجمة بسام أبو غزالة، دار ورد للنشر، عمان، ط1، 2012، ص 122.

[3] نفس المصدر السابق صص 117 – 120.

[4] نفس المصدر السابق صص 117-120

[5] نفس المصدر السابق.

[6] نفس المصدر السابق.

[7] نفس المصدر السابق.

[8] نفس المصدر السابق، ص 220.

[9] علي عبد فتوني ، العرب ومخاطر الشرق الأوسط الجديد، دار الفارابي للنشر، بيروت، ط1، 2014، ص 30.

[10] نفس المصدر السابق ص 30.

[11] كريستوفر م.ديفيدسون، ما بعد الشيوخ الانهيار المقبل للممالك الخليجية

[12] عمر الشهابي وآخرون، الخليج بين الثابت والمتحوّل، ط1، 2014، ص 250.

[13] نفس المصدر السابق ص258.

[14]  العرب ومخاطر الشرق الأوسط الجديد، مصدر سبق ذكره، ص 70.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

الرئيس مفقود

تأليف بيل كلينتون وجيمس باترسون – حوار: روي نيل – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.