أخبار عاجلة
الرئيسية / كتب / الباحثون عن الطعام والمزارعون والوقود الإحفوري
الباحثون عن الطعام والمزارعون والوقود الإحفوري

الباحثون عن الطعام والمزارعون والوقود الإحفوري

كتاب “الباحثون عن الطعام والمزارعون والوقود الإحفوري: كيف تطورت القيم الإنسانية”

تأليف: د. ايان موريس
عرض: اليكسندرو ميسو
ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو —

ينسج الدكتور ايان موريس أستاذ الأدب الكلاسيكي في جامعة ستانفورد عدة حزم من العلوم وعلى الأخص علم التاريخ والأنثروبيولوجيا والآثار والبيولوجيا لإظهار تغير قيمنا لتلبية حاجة بشرية طاغية ألا وهي الطاقة.
هل تعتقد أن مديرك يجب أن يكون أفضل منك في عين القانون؟ وهل من اللائق طعن شخص إذا قام بطعنك بسبب شتيمة؟ وهل من العدل أن تقوم بلادك بقصف بلد آخر وتعيده للعصر الحجري لإنه “العدو”؟ هل يحصل القادة على تفويضهم من الشعب أم من الأله وهل السلطة شيء يجب أن يستحصل بالقوة؟
وهل من العدل إمتلاك البشر؟ وهل تنحصر مهمة النساء في رعاية العائلة والمنزل أم يتوجب عليهن إختيار طريقهن في الحياة؟
لن تتشابه اجاباتك وإجابات شخص عاش في العصر الحجري أو العصور المظلمة مع ردود أفراد عاشوا في ستينات القرن الماضي الجموحة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع لن تتماثل إجاباتك مع فرد يعيش اليوم في مكان مختلف.

تشتق القيم من الثقافة
ستكون مختلفة بالطبع لتأثير العديد من العوامل على طريقة تفكيرنا بتلك القضايا. ولغاية التبسيط سندمجها كلها تحت تعبير شامل يسمى” الثقافة ” والذي يعني ” الأفكار والعادات والسلوك الإجتماعي لشعب أو مجتمع ما.”
أعلم الخطوط العريضة لإجاباتك. أستطيع إلقاء نظرة على تحليلات جوجل وأجد أن معظمكم جاء من دول صناعية متطورة علمانية في معظمها وذات نظم تعليم راسخة.
مما يجعل معظمكم غربيين ومتعلمين وصناعيين وأغنياء وديموقراطيين.
تنحو ثقافاتنا للإختلاف سطحياً (نتحدث لغات مختلفة ولدى كل منا حلوى وطنية أثيرة) ولكن الأمر الأعمق – الأطر التي تتمحور حولها ثقافاتنا- تتسق مع بعضها البعض بشكل جيد (نرى المساواة شيئاً طيباً والعنف سيئاً على سبيل المثال). وبتعبير آخر نحن مختلفون قليلاً ولكننا نتشارك بجوهر من القيم المتطابقة . أي ما يماثل وقت عيد الميلاد عندما يجهز الجميع أشجاراً متشابهة ولكنهم يزينوها بشكل مختلف وهذه الثقافات المتطورة هي تباينات لنفس النمط.
وهو ليس النمط الوحيد هناك ولكنه أحد الأنماط القليلة المفاجئة التي تصلح للعمل .
يمزج البروفسور موريس مستنداً إلى معرفته بالصدمة الثقافية أثناء عمله كعالم آثار وأنثروبيولوجيا في البلدان النامية في نظرة خاطفة للتاريخ مع البيولوجيا وبمساعدة حقول علمية أخرى لاظهار أن مصدر الطاقة السائد لدى أي مجتمع يحيله إلى أحد تكتلات أنماط الثقافة الثلاث- الصيادين وجامعي الثمار والمزارعين(والتي يسميها اجراريا،الزراعية) ومستخدمي الوقود الإحفوري(الصناعية).

سيطرة الثقافة على الطاقة
وبخطوط عريضة ينظر موريس إلى الثقافة كطريقة المجتمع للتكيف مع موارد اقتناص الطاقة. ومع تكيفها بشكل أفضل تتمكن المجتمعات من استخلاص قدر أكبر من الطاقة المتوفرة وتصبح مهيأة بشكل أفضل للحلول محل ثقافات أخرى- سواء كانت على ذات مستوى التطور أم لا. ويكون لتلك العملية نتائج بطرق تبدو غير مرتبطة بمسار حياتنا.
وللحصول على فكرة عن طريقة معالجة موريس لتلك القضية دعنا ننظر عن كثب للفصل الثاني حيث يتحدث عن الأنماط الثقافية الحالية وما قبل التاريخ لمجتمع الصيد وجمع الثمار.
يظهر موريس كيف تتشارك تلك المجتمعات “بمجموعة صارخة من قيم مجتمع المساواة وتتبنى نظرة سلبية متطرفة للتدرج الهرمي الإقتصادي والسياسي ولكنها تتقبل أشكال بسيطة من التسلسل بين الجنسين وتعترف بوجود زمان ومكان للعنف”.
ينبع هذا النمط الثقافي من مجتمع يشتق الطاقة من محيطه دون ممارسة اي تحوير متعمد لمخزن المورثات للموارد المحصودة.” تم الحصاد من المناطق المحيطة ولم تتوفر طريقة لتخزينه وكان المأمول مشاركة الغذاء مع بقية الجماعة. تملك الملاك بعض المواد المصنعة ولكن إضطرار الأفراد للترحال بشكل دائم جعل تجميع الثروة خارج نطاق بعض الأدوات والحلي متعذراً من الناحية العملية شأنه شأن الحكومة المنظمة. ومضت أدوار الجنسين بقدر ما سمحت به القيود البيولوجية- تهيأ الرجال بشكل أفضل للصيد لذلك قاموا بالصيد ولكن عمل الصياد الذكر وجامعة الثمار الأنثى كان مهماً بشكل متوازي لضمان تلبية الإحتياجات من السعرات الحرارية للعائلة والمجموعة- وبتلك الطريقة كان للمجتمع توقعات متساوية ووفر نفس المستوى من الحرية والحقوق للجميع بغض النظر عن جنسهم. ولكن جامعي الثمار لم يمارسوا المساواة في منطقة محددة:
يقول موريس” تركت الزوجات المضطهدات أزواجهن بدون كثير انتقاد أو إعتراض في مجتمعات الجمع” وهو أمر لا يمكن التفكير فيه في العصر الزراعي التالي.
“ولكن مساواة العلافين تتفكك عند الوصول للتسلسل بين الجنسين. ويتابع علماء الإجتماع نقاشهم لامتلاك الرجال عادة اليد العليا في مجتمعات الجمع. وفي النهاية قدمت البيولوجيا للنساء حظوظاً أوفر. تتوافر الحيوانات المنوية بكثرة وبالتالي تكون زهيدة ولكن البويضات نادرة وعزيزة. ويجب أن تتمكن النسوة من تسخير الرجال لتلبية مطالبهن مقابل الوصول لبيوضاتهن” ويضيف موريس في مقطع آخر” ولكن ذلك لا يحدث ملاحظاً أن جامعي الثمار الذكور شاركوا “بشكل أكبر في تربية الأبناء من أقرب جيراننا الوراثيين.”
ولكن السلطة السياسية أو الإقتصادية أمر لا يمكن للذكور التخلي عنه. ويقول موريس”إن الحيوانات المنوية لم تكن الشيء الوحيد الذي يقدمه العلافين الذكور. فالذكور هم المصدر الرئيسي للعنف ويجب على النسوة المساومة مقابل الحماية. ولإن الرجال هم الصيادين الأساسيين تحتاج النساء للمساومة نظير اللحم. ولإن الصيد يدرب الرجال عادة على التعاون والثقة المتبادلة تجد النسوة المتفردات أنفسهن يتفاوضن مع تكتل من الرجال”
وهذه ليست سوى شريحة من ذلك الفصل. وتتوقع وجود مثل ذلك التعليق المعمق والذي يشير إلى سيطرة اقتناص الطاقة على شكل المجتمعات عبر الزمن في ثنايا صفحات هذا الكتاب البالغة 400 صفحة. ولا أريد أن أفسد ما تبقى منه لإنه يمثل قراءة ممتعة ولذلك سأمنحكم النموذج المكثف كخلاصة:
يمارس المزارعون بعض التحويرات الوراثية في أنواع أخرى(التدجين)ويتحملون تسلسل هائل بين الجنسين وعلى المستوى السياسي والإقتصادي وقدر معقول من العنف( ولكن أقل من العلافين).
حدثت الطفرة الصناعية (الوقود الإحفوري) بفعل وفرة هائلة للطاقة ولكن أتباعها أقل تحملاً للتسلسل الجنساني والسياسي والعنف مع تقبل أفضل للهرمية الإقتصادية(أقل من الزراعيين).
ترسخت هذه القيم لإنها ضاعفت من مقدرة تلك المجتمعات على حصاد الطاقة على كل مستوى تنموي. وأصبحت المجتمعات المستخرجة لقدر أكبر من الطاقة قادرة على فرض أنفسها على المجتمعات الأخرى (عبر التكنولوجيا والثقافة والإقتصاد والحروب) وبالتالي إزاحتها أو إرغامها على تبني نفس القيم في محاولة لمنافستها.
ينهج موريس منهجاً دارونياً في الثقافة. ويربط هذا المبدأ بأشكال ثقافية باسلوب ممتع يوازن بين الشمولية دون ملل وتييسر المعلومة دون إسفاف.
ولكن لهذه النظرية بعض القصور ويضم الكتاب أربعة فصول مخصصة لعلماء أكابر مثل الدكتور ريتشارد سيفورد أستاذ الكلاسيكيات والتاريخ القديم في جامعة اكستر والدكتور جوناثان سبنس أستاذ التاريخ في جامعة يال وأستاذة الفلسفة في جامعة هارفارد كريستين كورسجارد ومارجريت أتوود) اللذين شرحوا النظرية وانتقدوا قصورها وهو ما أثار تقديري وبتعبير موريس نفسه نقاشات “تثير عدة تساؤلات لم أفكر بها من ذي قبل.” ولكن هذه الأسئلة لم تبقى دون إجابات.
وهذا كتاب أنصح بقراءته وعملت على هذه المراجعة لعدة أسابيع لإنني أحببته كثيراً وعملت لاوفيه ما يستحق من تقدير. وهو نتاج تجربة حصيلة عمر ممزوجة بأبحاث رصينة أبدعتها يد كاتب موهوب. وهو كتاب يعينك على تفهم منشأ القيم والعالم كما نراه اليوم وطريقة تطورها مع تتالي الأيام ويمنحك نظرة وإن لم تكن وردية على الدوام لرؤية الثقافات البشرية سواء في محيط المنزل أو أثناء قضاء إجازتك على بعد آلاف الكيلومترات.
ولكن الأهم من ذلك كله أن هذا الكتاب يظهر أنه بمعزل عن بعض القيم المتأصلة بيولوجياً يتحكم الإيقاع اليومي للمجتمع بقيمنا بدلاً عن البوصلة الأخلاقية أو السلطة المطلقة وهذا إدراك مريح. وهو يعني حرية تقرير ما هو مهم بأنفسنا وما يجب علينا تحقيقه لتغيير مجتمعنا نحو الأفضل مع توفر موارد جديدة للطاقة على أعتابنا.

المصدر: https://www.zmescience.com/science/ian-morris-foragers-farmers-fossil/

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

كيف تحوّلت رؤية الإعلام العالمي تجاه سوريا

بقلم: فاطمة فاضل* — في بوتقة المؤسسة الإعلامية توضع شتى أنواع الأفكار وخلاصة الخبرات والأعمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.