أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / أنظمة السلام: نموذج كوريا
أنظمة السلام: نموذج كوريا

أنظمة السلام: نموذج كوريا

بقلم: جيسي كينديغ – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو —

لطالما كان السلام مصطلحا معذبا و مطواعا مثله مثل “الديمقراطية” و”الحرية” وتمدد إستخدامه إلى ما بعد حد الإنكسار. ولننظر مؤخراً إلى لقاء الرئيس ترامب بالزعيم الكوري كيم جونج أون في منتجع فاخر في سنغافورة، وهو موقع بريطاني استعماري سابق، حيث وقعا على تصريح قصير يعد بأن “الولايات المتحدة ستعمل مع جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية ويجمعان جهودهما لبناء نظام سلمي مستديم ومستقر في شبه الجزيرة الكورية.”
و”نظام سلمي” هو استخدام مستنبط وموحي في توتراته. فالنظام يفرض من الخارج مما يستحضر عدة تساؤلات:
سلام من يضمن في هذا النظام السلمي ومن المقصود في فرضه؟ وعندما نصر على أن مثل ذلك النظام هو نوع من السلام ننسى عن عمد العنف الذي نثيره
ومع ذلك استخدمت فكرة “النظام السلمي” كثيراً في العلاقات الكورية- الأميركية. وكانت المعاني الكثيرة في هذا الإطار ساحة معركة لمناقشة القوة الأميركية والعنف في زمن الحرب و عنصريات السياسة الأميركية. وحافظ الاحتلال العسكري الأميركي لجنوب كوريا بعد التقسيم(1945–1948) على سلام الحرب الباردة عبر قمع المعارضة. ووصفت الحرب الكورية التي كانت عنيفة ومدمرة لكافة الأطراف من قبل الرئيس ترومان بأنها “ حرب من أجل السلام”. ونتذكر أنه خلال الحرب الكورية بني التعاطف ضد الحرب حول الحرب و جيم كرو عبر نموذج منافس من “السلام”.
ومع دخولنا المحتمل ل”النظام السلمي” الرابع لكوريا من المهم أن نفهم الإدعات المتنافسة ونسأل أي سلام حقيقي قد تكرسه في شبه الجزيرة الكوريةوكما ناقش العديد من النشطاء الكوريين مرارا وتكرارا أن المصالحة الديموقراطية الحقيقية لن تأتي من ترامب أو كيم ولكن عبر التقدير الفعلي لعنف الحرب الأهلية والتقسيم الذي فرض على شبه الجزيرة بإسم السلام
كان النظام الأميركي السلمي الأول في كوريا احتلالا عسكريا. إذ قسمت كوريا — والتي كانت مستعمرة يابانية- عند خط العرض 38 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى دولتين يشرف الإتحاد السوفيتي على الشمال والولايات المتحدة على الجنوب
وفي يوم 15 آب عام 1945 إنتقل الفيلق الأميركي ال24 من أوكيناوا ليحل محل الحكومة اليابانية الإستعمارية في سيؤول
شجع تقسيم البلاد والذي تم بدون رغبة كوريا آلاف الكوريين على الانخراط في السياسات الديمقراطية ظناً منهم أن نهاية الاستعمار ستجلب دولة كورية مستقلة وموحدة. شكلت شبكة من اللجان الشعبية بسرعة حكومة إنتقالية ودعت إلى إصلاحات تقدمية بما في ذلك إعادة توزيع الأراضي وحقوق المرأة
كانت السياسية الخارجية الأميركية مهتمة بسلام متشنج لاحتواء الشيوعية وليس الديموقراطية الشعبية. كان “المبدأ الأساسي” للقوات الأميركية في كوريا كما ذكر في تأريخ عسكري رسمي فسر في عام 1947 “ في الحفاظ على كوريا صديقة منظمة وفعالة” والتي كانت “أكثر أهمية من إرضاء وكسب التعاون الحماسي لكافة أبناء الشعب الكوري.”
كان طابع النظام السلمي الأول إستعمارياً. ووحدد القائد الأميركي جون هودج اللهجة بتسمية الكوريين “نفس الفصيلة من القطط” كاليابانيين. وحذر هودج في خطابه الأول الشعب الكوري بأن “ الأفعال المتهورة وغير المسؤولة من جانب مواطنيه سوف تفضي إلى فقدان غير ضروري للحياة والدمار.”
أخبر هودج الكوريين بأن لدى الأمريكان “تراث عريق من الديمقراطية” وأنهم سيقودون تحولهم نحو حكومة جديدة ولكن حكومة النظام العسكري السلمي الجديد استعارات الكثير من المؤسسات اليابانية الإستعمارية. وكانت أولى أفعال هودج فرض حظر تجول يبدأ من الساعة الثامنة مساء على الكوريين المحتفلين بتحريرهم من 30 سنة من الحكم الإستعماري
هددت عدة ثورات شعبية شرعية الحكومة العسكرية مما دفع هودج إلى تطبيق نظام مراقبة عالي التنظيم ومنع الاجتماعات السياسية واستحداث إجراءات مضادة للتمرد في الأرياف والتوقيف الوقائي الجماعي. وأخبر مسؤول أمريكي الصحفي مارك جاين عام 1946 “وجدنا نفس الآلة عندما حضرنا إلى هنا . وبالنسبة لأهدافنا تلك هي ترتيبة مثالية……كل ما يتوجب عليك فعله الضغط على الزر وبعدها يبدأ بعض الجنود في مكان ما بشق الجماجم. لقد تعلموا الدرس من اليابانيين على مدى 30 عاما.”
وخلال إصرارهم على أن الضباط الأميركيين يعلمون كيفية إدارة الحكومة أفضل من الكوريين كان النظام السلمي تكرارا لحمل الرجل الأبيض. وكما كتب هودج في إحدى المرات “لم تكن امبرياليتنا امبريالية سيئة”- والمحاربين الباردين في واشنطن وحافظت تلك الإمبريالية على السلام
وفي عام 1947 أعلن الرئيس ترومان في خطابه الشهير ب”وثيقة ترومان” أن القوة العسكرية الأميركية ستسخدم لمنع الشيوعية في أي مكان في العالم حتى لو اضطرت لدعم الأنظمة الديكتاتورية أو الفاسدة
وقال ترومان”تنظر شعوب العالم الحرة إلينا لتقديم الدعم للمحافظة على حرياتها. وإذا ترددنا في زعامتنا قد نعرض السلام العالمي للخطر- وسنعرض رفاهية أمتنا للخطر.” وللمحافظة على ذلك السلام إنتشرت القواعد العسكرية الأميركية بسرعة حول العالم
استمر الاحتلال العسكري الرسمي لكوريا ثلاثة سنوات (بالرغم من تواجد الجنود الأميركيين هناك لغاية اليوم). وفي أواخر عام 1947 حولت الولايات المتحدة الملف الكوري — الذي كان يضج بالمعارضة الشعبية- إلى الأمم المتحدة. رعت الأمم المتحدة سلسلة من الانتخابات والتي ساعدت على إنتخاب الدبلوماسي الكوري المحافظ سينج مان ري الذي بنى نجاحه بالتملق في أروقة واشنطن بدلاً من شوارع سيؤول
تطورت جمهورية كوريا الجديدة المستقلة بالإسم تحت زعامة ري إلى دولة مستبدة بنيت على أساس فلسفة سياسية فاشستية تمجد نقاء العرق الكوري والإعتماد على القوات العسكرية الأميركية وحراسة المجموعات الشبابية اليمينية. واعتمدت الولايات المتحدة على استمرارية النظام السلمي الذي قدمه ري كما فعل خلفائه المستبدين حتى ازاحهم توجه كوريا الجنوبية العارم نحو الديموقراطية عن السلطة عام 1987
كان النظام السلمي الثاني في كوريا حرباً شعواء
كانت الحرب الكورية أساساً حربا أهلية على مصير الدولة الكورية المستقلة حديثاً. ولكنها كانت مغشاة بالسجال الأميركي-السوفيتي العالمي وسرعان ما ضمت الصين الشيوعية الجديدة التي قاتلت مع كوريا الشمالية. وهي حرب خاضتها الولايات المتحدة ما بين عام 1950–1953 للمحافظة على ساحة للنفوذ الغربي في شرق آسيا:وكانت العسكرة وسيلة تصدير السلام
وبعد عدة أشهر من بداية الحرب دعا السفير الأميركي في الأمم المتحدة مجلس الأمن “للتوحد من أجل السلام “ضد التهديد السوفيتي. وهذا ما حصل بالفعل وشاعت لغة الحرب من أجل السلام طوال السنوات الثلاثة عبر الإتصالات الرسمية ونشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية الخاصة زمن الحرب
ولكن السلام المضمون عبر عنف زمن الحرب لم يكن موجهاً للمدنيين الكوريين على طرفي النزاع. كانت تلك حرب تجري للسيطرة والأرض وبسبب انتشار وتفوق الميليشيات الشيوعية في الجنوب واستخدام كوريا الشمالية لتكتيكات حرب العصابات سرعان ما أصبحت حرباً ضد التمرد. وتنقلت خطوط الحرب خلال الأشهر الأولى شمالا وجنوبا عبر شبه الجزيرة الكورية.
وبدلت سيؤول أياديها أربعة مرات وتركت مدمرة
مما يعني أن من كان يعيش في مناطق المعارك، والتي شملت الجميع في وقت ما ، كان على الجانب الخطأ لبعض الوقت
وبدأت القوات الأميركية والكورية الجنوبية بالقوة إخلاء البلدات التي ظن إنها متعاطفة مع العصابات الشيوعية وهو نفس التكتيك الذي استخدم لاحقا في فيتنام
وبالتالي أوجدت المناطق المدمرة الحيادية الخالية من السكان على طرفي خطوط الأمم المتحدة لضمان غياب قوات العصابات. وأحرقت العديد من القرى أحياناً لإبقائها آمنة..وكما ذكرت صحيفة النيويورك تايمز أشعل الجنود الأمريكان ولاعات سجائرهم بأسقف الأكواخ المقشقشة والسكان في داخلها
وأمرت القوات الجوية باستهداف أي لاجئ يتنقل نحو المواقع العسكرية. وفعلوا ذلك حقيقة. وتقول شن شون جا التي كانت في العاشرة من العمر عندما استهدفت الطائرات الحربية الأميركية قريتها الخالية”شعرت بأن السماء انطبقت علينا.”
عثرت دراسة لجنة المصالحة والحقيقة في كوريا الجنوبية والتي بدأت عام 2005 على أدلة ل 1461 مذبحة للمدنيين الكوريين نفذتها القوات المسلحة أثناء الحرب
ويقول رئيس الإستخبارات الأميركية تشارلز ويلوجبي لاحقا إن”مذابح ماي لايز حدثت طوال الوقت “ في كوريا
وبعكس ساحة المعارك في الجنوب خاضت الولايات المتحدة الحرب في الشمال عبر حملات القصف الجماعي التي استهدفت بشكل خاص البنى التحتية. وبحلول عام 1952 كانت معظم أجزاء شمال ووسط كوريا مدمرة واضطر سكان كوريا الشمالية المتبقين على قيد الحياة إلى تشكيل مجتمع خفي في الكهوف وشيدوا مجمعات للمدارس والمصانع والمشافي وأماكن العيش هناك. وسقط ما يقدر بثلاثة ملايين قتيل خلال الحرب — أي ما يعادل 10% من السكان- وشرد أكثر من خمسة ملايين آخرين
لم تضمن الحرب السلام للجندي الأميركي. كان معظم الجنود الأميركيين فتيان غير مدربين و منهكين وخائفين وجدوا أنفسهم في خضم حرب عصابات و تبدت لهم أشباح المعارك اعتادوا على إطلاق النار على أي تهديد محتمل
طلب من الجنود الأميركيين السود ، رغم إدماجهم التقني المفترض في القوات العسكرية الأميركية، خوض معارك خطرة أكثر دون وقت كاف للراحة النفسية. وعند شعورهم بالخوف ساعدت العنصرية على تبرير الحالة بالجبن العرقي
كما وصمت العنصرية عنف الحرب الكورية. وعندما خرج مراسل الحرب البريطاني ريجنالد تومبسون من سيؤول في عربة جيب عسكرية أمريكية سارت فوق اللاجئيين الكوريين كان الكوريين”أعداءً” وإلا لما قتلهم الأمريكان الكرماء اللطفاء دون تمييز أو سحقوا بيوتهم وممتلكاتهم الفقيرة.”
كان ضغط الشهور الأولى من الحرب ملموساً: يتراوح بين الخوف وانعدام الخبرة والإرهاب العنصري مما دفع الكثير من الجنود إلى الإضطراب وإطلاق النار بدافع الخوف وقتل المدنيين بشكل محموم. وسجلت أعمال المصور دافيد دوجلاس دنكان في مجلة لايف والذي توفي الأسبوع الماضي التخبط النفسي للشباب الأميركي واعتبرتها التجربة الأكثر مغزى للحرب

وكان التخبط النفسي شائعاً بشكل خاص: إذ أخليت أعدادا أكثر من الجنود الأميركيين خلال الأشهر الأولى من الحرب كضحايا نفسية أكثر من الجراحات الجسدية. وكشفت إحصائية عام 1987 أجرتها وزارة شؤون المحاربين القدماء الأميركية أن 35% من المرضى النفسيين المشخصيين الذين حاربوا في كوريا حاولوا الإنتحار وهو معدل يفوق أربعة أضعاف معدلات الحرب العالمية الثانية
بعد هدنة عام 1953 كان النظام السلمي في كوريا الجنوبية إبان الحرب الباردة تحالف معتمد على الوجود العسكري الأميركي . ومنذ أيام الإحتلال العسكري الأولى درب البنتاجون ومول وحافظ على القوات العسكرية الكورية الجنوبية (وفيما بعد السي اي اي) وحافظت الولايات المتحدة على دعمها السياسي والعملي للأنظمة الديكتاتورية لري و بارك شونج هي وشون دو هوان الذين استخدموا قوة القمع ضد مواطنيهم
عندما تصدت القوات الحكومية بعنف المظاهرات المنادية بالديمقراطية في المدينة الجنوبية الغربية جوان جو تأمل الكثير من النشطاء أن تتدخل الولايات المتحدة إلى جانبهم نظراً لتركيز الرئيس كارتر على حقوق الإنسان. ولكن النظام السلمي لم يسمح بذلك
وكما يظهر بحث الصحفي تيم شوروك المعمق كانت الولايات المتحدة على علم بالأحداث واختارت عدم التدخل والتعليق أو الإعتذار عنها وفضلت عوضاَ عن ذلك الحفاظ على “القانون والنظام” وفق تعبير المسؤولين الأميركيين.
تقدر الأرقام الرسمية ضحايا جوان جو ب 200 قتيل ولكن النقاد يقدرون الأرقام بالآلاف.
أخذ النظام السلمي الأميركي الثالث مكانه في الولايات المتحدة وعرف بمحاربة الشيوعية. وبعد الحرب العالمية الثانية توحد نشطاء السلام- بما في ذلك سلسلة متنوعة من العلماء ومنظمي الحقوق المدنية وزعماء العمال والشيوعيين والليبراليين- لمعارضة الأسلحة النووية وعسكرة الحرب الباردة. ورأى بعضهم المنظمات الدولية الجديدة مثل الأمم المتحدة أفضل ساحة لهذا العمل
وعمل آخرون عبر الشبكة العالمية لمجلس السلام العالمي الذي أسسه بعض الأحزاب الشيوعية المحلية- وهي مبادرة بدأت في موسكو وسرعان ما أصبحت مراكز لنشاط اليسار. وكانت عريضة ستوكهولم ضد الأسلحة النووية والتي وقعها أكثر من 100 مليون شخص حول العالم- بما في ذلك مليون أمريكي- معيارا لمدى تأثيرهم.
عندما انضمت القوات الصينية إلى الحرب الكورية في خريف 1950 هدد الرئيس ترومان باستخدام الأسلحة النووية لحماية” نظام عالمي مسالم وعادل”. وبدا أن الإنتصار الأميركي السريع في كوريا أصبح يتمدد إلى ورطة عنيفة شديدة الدموية وبدأ الرأي العام بالتحول. نظم نشطاء السلام الراديكاليين تظاهرات تطالب بالوقف الفوري للحرب في كوريا
وفي تشرين الثاني عام 1950 تزعم المغني الشيوعي الشهير بول روبسون مجموعة إحتجاجية مؤلفة من 150 مراهق أمام المقر الرئيسي للأمم المتحدة. وفي ذات اليوم حضر 21 باص إضافي ملأى بالنساء والأطفال الذين طالبوا بالإستماع إليهم في إجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي
وكتبت صحيفة النيويورك تايمز أن “ربات المنازل من أقاليم نيويورك الخمسة وغالبيتهم من بروكلين شغلن كل مقعد وممر بينما حمل الأطفال بالونات ملونة طبعت عليها كلمة “السلام”
وكانت التظاهرة الثانية من فعل حركة النساء الأميركيات من أجل السلام وهو تحالف ركز على مصير النساء على الأخص في نشاط السلام كأمهات وأمهات المستقبل. وبدأت الحركة بتأطير السلام كقضية رفاه اجتماعي و قضية طبقية. ووصفت اليانور روزفلت مظاهرات ذلك اليوم “بالسخيفة” وطلبت من النساء والأطفال العودة إلى المنازل والتزام الهدوء. وقالت الحركة إنها لا تستطيع التوقف: “إن كل قرش ينفق على تجهيزات الحرب وتجميع القنابل النووية يعني اقتطاع الغذاء والمأوى والمدارس الملائمة من أطفالنا.”
وقالت إن نظام السلام لم يضمن السلام لعائلاتهم. وشجعت النساء على إرسال بطاقات عيد الأم إلى الرئيس مطالبة بنهاية الحرب في كوريا وتكديس القنابل
وكانت النساء السود أكثر النساء المعارضات للحرب أكثر من أي مكون من الشعب الأميركي. وأصبحت شخصيات ثقافية ناشطة من أمثال بيولا ريتشاردسون وشيرلي جراهام واسلانا روبسون وكلوديا جونز زعماء في الحركة وشكلت منظمات أخرى (مثل زوار الحقيقة والعدالة ومنظمة هاريت توبمان) لربط العسكرة الأميركية بالتمييز العنصري الأميركي
وبيعت آلاف الأزرار المكتوب عليها” أعيدوا الشباب إلى الوطن لمحاربة جيم كرو” خلال تلك السنوات
وذكرت مطبوعة الحركة المعنونة صانع السلام أن” امرأة زنجية عجوز قالت عندما سؤلت عن الحرب الكورية”عزيزتي الشابة يجب أن لا تسأليني عن شعوري تجاه السلام. نحن الزنوج كنا على الدوام في حالة حرب.”
وسرعان ما تحولت تلك الحركة التقدمية النشطة إلى حركة تخريبية في نظر البعض. وتم اعتقال نشطاء السلام وتهديدهم وإيذائهم واتهامهم بالانتماء للحزب الشيوعي
وكان بعضهم أعضاء في الحزب الشيوعي وبعضهم لم يكن كذلك ولكن ما ميز هذا النظام السلمي الخاص عزلة التهديد وشرعنة قمعه
وبعد الحرب بشهرين سجنت ثلة من النشطاء لمدة ستة أشهر لرسمهم كلمة “السلام” و”لا للقنابل الهيدروجينية”في حديقة بروسبكت في بروكلين. وعندما حشد مؤتمر العمل للسلام في نيويورك تجمعاً لعدة آلاف (قدرت الشرطة العدد ب2000 شخص بينما قدره المنظمون ب 15000 شخص) تم تفريق الحشد بواسطة رجال الشرطة الممتطين للجياد وهم يلوحون بالهراوات
سمح قانون ماكاران للأمن الداخلي والذي أجيز في أيلول عام 1950 بالتوقيف والترحيل القانوني لليساريين المولودين خارج البلاد وطلب من أي وكالة يشتبه بتعاطفها مع الشيوعية بالتسجيل لدى المدعي العام كعملاء أجانب
حرم “المخربين” من أمثال دبليو دو بويس وشيرلي جراهام وكلوديا جونز من تأشيرات السفر وأجبرت المنظمات الشيوعية ومنظمات السلم على التسجيل كعملاء أجانب مما أفضى إلى حلها. ونشرت لجنة مجلس النواب للنشاطات غير الأميركية، والتي حققت بحماس مع المشتبه بعدم ولائهم، تقريراً عام 1951 في “هجوم السلام الشيوعي” ووصفته ب”أخطر خدعة مبتدعة”
تحولت استباحة القمع السياسي بسرعة إلى عنف بحراسة القانون. وضرب إثنان من أعضاء الحركة في مصنع في ليندن بولاية نيوجيرسي لتوزيعهم منشورات تدعو للسلام . وعندما سلم عامل يبلغ من العمر 55 سنة في ميلواكي عريضة ستوكهولم حمل من مصنعه وألقي من نافذة في الطابق الثالث وكسر ظهره. وفي بلدة ريفية في جورجيا وصف كاتب مجهول يعمل في مراكز النشطاء في نيويورك تجميع تواقيع لعريضة ستوكهولم و تلقي الضرب من جماعة كو كلوكس كلان العنصرية
استعرض الصحفي الاستقصائي اي ستون في كتابه “التاريخ الخفي للحرب الكورية” عام 1952 أكاذيب ومراوغات نظام السلم في زمن الحرب واستخرج معظمها من البيانات العسكرية والتقارير الإخبارية. وقال أن حكاية الحرب الكورية كانت “ تتمركز على الحرص على عدم تفلت السلام.” وكان ستون يعني في المقام الأول التركيز على الدافع الخاطئ للمسؤولين العسكريين والساسة الأميركيين ولكنه كان محقاً في جانب آخر: كان النظام السلمي الآخر في الوطن يعني احتواء السلام البديل ومنعه من الطفو على السطح
والأمر المثير للفضول في النظام السلمي في كوريا من وجهة نظر أمريكية هو حكايا عنفها التي كانت تروى أثناء حدوثها- من داخل وزارة الخارجية ومن الصحافة الرئيسية ومن قاعات الأمم المتحدة بواسطة اليساريين ودعاة السلم والراديكاليين من كافة الأطياف
وصف الصحفي والمصور في مجلة لايف كارل مايدنس الثوار اليساريين الذين تعرضوا للضرب المبرح والسجن من قبل الشرطة الوطنية في كوريا الجنوبية في يسو وسنشون. وانتحب مايدنس مع العائلات التي كانت تندب أقاربها الذين تركوا “جثثاً متفحمة” في الطرقات.

ومنذ عام 1945 كتب العالم المحترم جورج ماكون والذي كان ذراع وزارة الخارجية في الشأن الكوري عبارة”حمل الرجل الأبيض” في حواشي مذكرة عن مخططات الوصاية لكوريا ما بعد الإستقلال وفي مطبوعة نشرت لاحقا عام 1950 استنكر “ العداء المتعمق والمستديم” الذي ولدته السياسات الأميركية في كوريا
ذكر والتر سوليفان في تقريره لصحيفة النيويورك تايمز في ربيع عام 1950 قبيل اندلاع الحرب أن ديناميك الحرب الأهلية الوشيكة في كوريا كانت” سحابة إرهاب لا يوجد لها مثيل في العالم.” وفي منتصف الحرب أطلقت الصحفية في مجلة ناشيون فريدا كيرشو على الحرب “حفلة تفجع” و”تحرير عن طريق الموت”.
جلبت مجموعة من النساء التقدميات في العالم واللاتي تجولن في كوريا الشمالية زمن الحرب تقريرا عن القصف وإبادة المدنيين والعنف الجنسي التي قامت به القوات العسكرية الأميركية والكورية الجنوبية إلى قاعة الأمم المتحدة. وذكر طبيب دانماركي زائر أن مشفى اللاجئيين الذي كان تديره أمريكا في كوريا كان في “منظور متعذر” وكتب جريج ماك جريجور في النيويورك تايمز أن اللاجئين في المخيمات العسكرية”أجبروا على العيش حياة أسوأ من حياة أي حيوان لدى مزارع أمريكي.”
وذكر هارولد ايسك في آذار عام 1951 قصف المدنيين الكوريين في مجلة نيو ريببليك:” كنا سعاة وننقل المعونات والراحة والوحدة. ولكن تبين لنا أننا كنا نحضر أشياء أخرى- جراح وتقطيع أوصال وموت.”
ومما لا شك فيه أن إظهار الإبادة لا يقتضي بالضرورة إدانة مؤلفيها. كما أن لغة النظام السلمي أصبحت استراتيجية مفاهيمية للإنكار والتنصل. إن استخدام السلام لوصف السياسات المعتمدة على العنف يشبه صياغة قصة عن النهايات التي تبرر كل الوسائل الممكنة.

وثمة حقيقة أخرى هي أن السلام كان على الدوام أرضية متنازع عليها. وبقدر القوة التي كانت تحظى بها أنظمة السلم تلك، والمجموعات المتبدلة والمشاكسة من الصحفيين والنشطاء والمحاربين القدماء ومن المسؤولين المنشقين والمثقفين والمؤرخين والمصورين ومن الباقين على قيد الحياة والمتبنين وأطفالهم، صمدت إمكانية السلام كمستقبل يستحق النضال.
لا يوجد هذا السلام الآخر في الفيديوهات الناعمة والتصريحات المقتضبة لقمة سنغافورة ولا في شراكة عسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ولكنه يتجسد في الرسائل التي يدبجها الكوريين الجنوبيين لأحبائهم على إنشوطات ويعلقونها على الأسلاك الشائكة في المنطقة المنزوعة السلاح وتتمثل في شهادات آلاف الكوريين أمام لجنة المصالحة والحقيقة في كوريا الجنوبية وفي الحدائق والمراكز الإجتماعية التي ضمت المزارعين الكوريين المهجريين بفعل بناء القواعد العسكرية الأميركية وفي شجاعة المثقفين الكوريين من أمثال كيم دونج تشون ولي حاي وي الذين وثقوا عنف أنظمة السلم المتعاقبة
وهو كل من الجندي الأميركي الذي رفض الأوامر بإطلاق النار والجندي الذي أطلق النار وعبر لاحقاً عن مشاركته في الجريمة
تكمن إمكانية السلام في كل من ينظر ولا يرفض الرؤية. وهذا ليس نظاماً: هذا هو السلام الذي لم يأتِ بعد.

المصدر:
Peace Regimes
By: JESSIE KIDIG
BOSTON REVIEW
JUNE 20, 2018

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وزير الطاقة الإسرائيلي يجتمع بنظيره الأردني سراً

ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أنه وفق تقارير إسرائيلية، فقد جرى لقاء سري بين وزير الطاقة …

هزيمة الجماعات الإرهابية

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

صبحي غندور* — ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق …

الرئيس مفقود

تأليف بيل كلينتون وجيمس باترسون – حوار: روي نيل – ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو — …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.