الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / دراسات / النفاذ الإسرائيلي في أزمتي الحكم في جنوب السودان وشماله

النفاذ الإسرائيلي في أزمتي الحكم في جنوب السودان وشماله

 

 

sudan-map

 

 

بقلم: السفير  بلال المصري* — 

 

مقدمة :-

كادت ثورات الربيع العربي أن تقترب من البداية الحقيقية للديموقراطية منذ ديسمبر 2010 عندما ثارت تونس ثم لحقتها مصر وليبيا واليمن وسوريا لتطيح الشعوب لا الإنقلابات العسكرية بحكام غير مؤهلين , لم تختارهم إلا إرادات حكام قضوا أو عمليات إتخابية مزيفة لإرادة الشعوب , وقد أدركت إسرائيل وبوضوح أن هذه الثورات الشعبيىة من شأنها أن تُنشيئ أوضاعاً جديدة لم تعتدها فالثورات الشعبية التي تنتج أمماً واعية تنتج أيضاً مؤسسات حقيقية لا كرتونية تابعة ,  كمؤسسات هؤلاء الطغاة الجهلة الذين أطاحت بهم ثورات لطالما أشرأبت أعناق الوطنيين في عالمنا العربي إليها وحلمت بها , فإذا بهذا الحلم قد تحقق ليوقظ إسرائيل فتري محيطها وقد أشرقت فيه شمس ساطعة بواقع جديد رأت في ضياءها ديموقراطيات وليدة تقترب الواحدة تلو الأخري إن نمت فستنهي مقولة ” إسرائيل واحة الديموقراطية الوحيدة في صحراء الطغيان والحكم الفردي” , وهي المقولة التي كلما ترددت إستطاعت من خلالها إبتزاز مشاعر الغرب كثيراً , لأن هذه الواحة مهددة دائما في هذه صحراء الطغيان العربي , وكان أن شرعت إسرائيل مع حلفاءها في العمل وبسرعة لإجهاض الثورات العربية فيما يعرف بالشرق الأوسط  .

ومع إنهماك إسرائيل في وضع هندسة الثورات المُضادة فإنها لم تتجاهل أو تغفل عن متابعة النظم القائمة الأخري في عالمنا العربي فأستمرت في متابعتها والإحاطة بمستجداتها لأن الثورة التي تفجرت في ديسمبر 2010 في تونس التي طمرها نظامان متعفنان متتاليان هناك , نبهت هذه النظم القائمة إلي ضرورة إعادة النظر في علاقاتها بالمعارضة وبالتيارات المعارضة أي ما يمكن الإصطلاح علي وصفه بعملية الإصلاح السياسي  التي تتسع وتضيق وفقاً لخبرات القائمين علي هذه النظم في ممارسة المناورة مع المعارضة وكذلك علي ما لدي التيارات المعارضة من قدرات علي الفعل بل والإملاء في مساحات جديدة أتاحها تفجر ثورات الربيع العربي بشكل أدي إلي عمليات نحر في الصخور التي تتمترس خلفها هذه النظم القائمة التي كانت غير ذات قيمة فعلية لمجتمعاتنا ومصدراً للخسائر , ولما كانت هذه النظم ضعيفة بذاتها وتأسست علي أسس ضعيفة وعلي إجماع شعبي محدود أو إفتراضي, لذا فقد أدركت إسرائيل أيضاً أن عليها التحرك إستباقياً وإن من مدخل مختلف للفعل في نطاق النظم القائمة بالدول العربية التي لم يشملها مد الثورات العربية , ومن بين هذه الدول السودان جنوبه قبل شماله ذلك أن المدي المتاح لإسرائيل بالتحرك فيهما مُتسع في حالة الجنوب وضيق في حالة الشمال , لكن واضع السياسة الإسرائيل بخبراته المتراكمة وإنضباط عمل جهازه الإستخباري القائم علي حماية الدولة لا النظام – كما في حالة معظم إن لم يكن كل أجهزة الإستخبارات العربية – توفرت لدية خاصية مرونة الحركة وتنوع البدائل في المدي المتسع والضيق وإن بشكل نسبي , فجنوب السودان يعاني رأس الحكم فيه من أزمة سياسية دافعها الأولي قبلي , فيما شمال السودان أزمة الحكم فيه دافعها الأولي فئوي فقائد ثورة الإنقاذ الوطني رجل عسكري أزاح مع فريق من العسكريين مؤيد من الجبهة الإسلامية التي كان يرأسها د . حسن الترابي , حكومة ديموقراطية منتخبة في 30 يونيو 1989 وهو مازال قابضاً علي السلطة حتي الآن والمعارضة السودانية لم تنفك عن المطالبة بتغيير هذا الوضع المُتأزم مع إستمرار مهددات تفكك الدولة بسبب الصراعات الكامنة والمكشوفة بين الحكومة المركزية في الخرطوم وإقليم غرب السودان ” دارفور” وشرق السودان وكردفان بعد أن إنفصل جنوب السودان من جسم الدولة في 9 يوليو2011 , ولم تدخر إسرائيل جهداً في تطويع التغييرات التي تحدث في السودان شماله وجنوبه لمصلحتها وهو ما يجب أن تقوم به أي ” دولة” تتطلع لبناء مكانة بناء علي إستراتيجيات ثابتة وسياسات مرنة , ولما كانت التطورات الحالية في شمال وجنوب السودان تتعلق بصفة أساسية بأزمة الحكم بتداعياتها السياسية والإقتصادية ولأمنية والعسكرية لذا شرعت إسرائيل في الوقت المناسب بالتحرك نحوهما وفقاً للمتاح لها من الوسائل وفي الإتجاه الذي يناسب كل منهما , وفيما يلي عرض للنفاذ الإسرائيلي علي مساري أزمتي الحكم في جنوب وشمال السودان :

أزمة الحكم وتداعياتها في جنوب السودان

سدت القبلية الطريق أمام الوطنية في دولة جنوب السودان الناشئة , فبالرغم من أن جيش تحرير جنوب السودان  SPLA كان إئتلافاً لمجموعات إثنية متعددة وربما إعتبره البعض – وقتذاك – تعبيراً عن الوحدة بين الإثنيات المختلفة بالجنوب السوداني ولهذا وُقعت إتفاقية السلام الشامل معه وليس مع  SPLA/M أو غيرها من الحركات الجنوبية الأقل قوة ميدانياً , إلا أنه لا الجيش الشعبي ولا غيره من الحركات الجنوبية يحمل برنامج سياسي محدد يتضمن فيما يتضمنه ما يذيب فيروس القبلية أو يقهره , ويعزو البعض إفتقاد دولة جنوب السودان لما يُوصف بالهوية الوطنية Nationalism   لسببين أولهما أن جيش جنوب السودان نفسه والذي لابد كغيره من جيوش العالم أن يكون مرآة لإنصهار الشعب في قالب مؤسسي واحد للدفاع عن الجميع علي قاعدة الوطنية , يفتقد قيادة مركزية معبرة عن الوحدة الوطنية فالقيادة الحالية تعبر عن نفس الإهتمامات القبلية التي تجذبها بقوة القبيلة لا بقوة نفوذ ” الدولة ” نحو الولاء القبلي والشخصي , وبالتالي فالمرء يجد ” جيوش ” مختلفة داخل صفوف جيش الجنوب الحالي سرعان ما أنفكت روابطها ومعها القيادة العسكرية بمجرد نشوء الخلاف في قمة السلطة التي غلبت الدافع القبلي مجبرة علي الدفاع عن الدولة , ومن اللافت للنظر أنه قبل إنفصال جنوب السودان وتحديداً في تسعينات القرن الماضي وقت أن كان الصراع محتدماً بين متمردي الجنوب بقيادة  John Garang وحكومة السودان , كان هناك صراعاً فرعياً بين زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان John Garang و Riek Machar قائد جبهة الإنقاذ الديموقراطية المتحدة لجنوب السودان والذي وقع مع فصائل جنوبية أخري إتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المُقاتلة في جنوب السودان  في 21 أبريل 1997 *والتي تآكلت بفعل الإتجاه الأمريكي لصنع السلام من واقع عملية تفاوضية من الخارج وليس الداخل وكذلك لإنقلاب كاربينو كوانين أحد الموقعين عليها وشنه هجوم كانت تتوقعه حكومة السودان علي قواتها في WoW كما أن الحكومة السودانية أعادت النظر في تجربة الحكم الإتحادي وتقسيم الولايات إلي 26 ولاية وهو التقسيم الذي بناء عليه صيغت هذه الإتفاقية وتباطؤ تفعيل مجلس تنسيق الجنوب الذي يؤرخ للفترة الإنتقالية التي نُص عليها كما أن رئيس جبهة الإنقاذ نفسه عندما طرحت الحكومة السودانية عام 2001 الترويج لخيار منح الجنوب حكماً ذاتياً أعلن رفضه ه بإعتباره إعادة للتاريخ للوراء مما يؤكد عدم جدية الحكومة في تنفيذ مواد إتفاقية الخرطوم للسلام وأنها همشتها منذ 1999 , السبب الثاني أنه منذ عهد الحكم الثنائي المصري البريطاني عمدت بريطانيا  إلي عزل الجنوب عن الشمال بإصدار الحاكم العام (بريطاني) عام 1920 ” مرسوم المناطق المُقفلة ” الذي جعل الجنوب مقفلاً أمام الحركة المتبادلة مع شمال السودان وبالتالي عُزل الجنوب عن عملية الإنصهار التي إلي كانت لو ترُكت أبواب الجنوب مُشرعة حد ما لخفف هذا من وطأة القبلية في الشمال , كما أن هذه العزلة كانت مزدوجة ففي داخل الجنوب أيضاً عمد الإستعمار البريطاني إلي إحداث تغييرات في الحدود الإدارية للمحافظة علي حقوق كل قبيلة في الرعي والزراعة فلم تكن الملكية لشعب وإنما لقبائل وبالتالي كانت بريطانيا تعمق من القبلية  فعزلت كل قبيلة نفسها عن القبائل الأخري, كما اني شخصياً وقفت علي مشهد من مشاهد القبلية في جنوب السودان عندما تابعت عام 1997 تجدداً للمواجهات بين أكبر قبائل الجنوب وهما الدنكا والنوير لدرجة أن وُزعت منشورات معادية متبادلة في النصف الثاني من سبتمبر 1997إستخدم فيها مصطلحي ” أمة الدنكا ” Dinka و ” أمة النوير Nuer ( نسبة التعليم في أوساط النوير أعلي منها في أوساط الدنكا) وكان ذلك قبل كل التطورات الرئيسية التالية (إتفاقية السلام الشامل عام 2005 – إعلان إستقلال الجنوب في 9 يوليو 2011- بداية أزمة الحكم بعد الإستقلال علي نطاق واسع في منتصف ديسمبر 2013) , وفي الواقع فإن إنزلاق أكبر قبيلتين في الجنوب إلي منحدر التعصب القبلي كان بمثابة محرض إضافي للقبائل الأخري الأقل عدداً بالجنوب مثل المورلي والشلك والفرتيت وغيرهم وبالتالي فالدائرة القبلية المفرغة تتسع بإستمرار المواجهات ولن تصلح الإتفاقات التي تُصاغ بإيدي أجنبيىة خارج جنوب السودان لوأد القبلية التي تعتبر المهدد الأعظم لأمن جنوب السودان القومي فلن تترك القبلية حيزاً ليملأه ” الأمن القومي” فببساطة الوطنية لايمكن أن تشيع طالما نمت القبلية وسادت .

إن التكوين القبلي شديد التنوع في جنوب السودان فبالإضافة إلي قبائل الـ DINKA والـ   NUER و الـ SHHILLUK والـ    MURLEوالـ  FIRTIT توجد 40 قبيلة أخري تعكس تنوعاً وإختلافاً قبلياً ومجتمعياً شديداً في جنوب السودان لا يُشير إلي تمازج سكاني أو مصلحي بين سكان الجنوب , ومما يؤكد ذلك ما أشار إليه بعض الكتاب المتخصصين في الوضع السكاني والمجتمعي بجنوب السودان لدرجة أن وصفه بعضهم بأنه مثل ANTHOPOLOGICAL ZOO  وهذا الوضع الديموجرافي إزداد أثره السلبي  في مجتمع جنوب السودان – كما تقدمت الإشارة – بسبب إنتهاج بريطانيا منذ عام 1920 لسياسة المناطق المقفولة في جنوب السودان إبان فترة إستعمارها للسودان, وعمل هذا الوضع – وحتي قبل تقرير الإنفصال عن الشمال – علي إيجاد إنقسامات عميقة إبان العهد الإستعماري زادت بالتقسيم الفيدرالي الذي قسم الجنوب لتسع ولايات وأكثر من 40 محافظة بموجب قانون التقسيم الفيدرالي عام 1994 والذي أُضرم النيران بين القبائل بجنوب السودان أكثر وأكثر خاصةً بعد إستغلال البترول في الجنوب وبعد إتفاقية نيفاشا 2005 التي وقعها الجيش الشعبي لتحرير السودان – الذي أغلب عناصره من قبيلة الــ DINKA  – كل ذلك علي خلفية تقليدية إقتصادية كانت  بمثابة المرجل الأساسي للصراع القبائلي بجنوب السودان بسبب الأرض و الماء والكلأ , لأن تطبيق نظام الحكم الفيدرالي علي عموم السودان عام 1994 أنشأ 26 ولاية بدلاً من 9ولايات وعدد كبير من المحافظات بحدود جديدة ومقدرات مختلفة القدر حددتها لجان متخصصة جالت الولايات والمحافظات قبل التقسيم مما أدي مع النزاعات القبلية الكامنة والقائمة إلي إحداث مزيد من الإنقسام والإحتراب بين القبائل الجنوبية فبموجب قانون التقسيم الفيدرالي  قُسمت الولايات الجنوبية الثلاث إلي تسع ( كانت إبان عهد نميري وقبل إتفاقية أديس أبابا عام 1972ولاية واحدة ) مما أثر بشكل أو بآخر علي إقتصاد وربما ديموجرافيا جنوب السودان أساساً وبشكل أقل في شماله وغربه وشرقه عرضياً فمثلاً قسمت إلي ولايات ومحافظات أكثر المنطقة الممتدة من الحدود الشرقية (كسلا) وحتي الحدود الغربية مع تشاد  (الجنينة) وهذه المناطق تمثل حزام الزراعة المطرية الآلية السودانية وهي صرة وحدة السودان وقد أشارت دراسات إلي أنه قد سُجل في عام 2009 أكثر من مائة صراع قبلي بالجنوب لهذه الأسباب مما شرد أكثر من 400 ألف نفس وقتل المئآت  , وتجدر الإشارة إلي أن الحكومة السودانية من بين أهداف متنوعة أخري إستهدفت من قانون التقسيم الفيدرالي المُشار إليه إدارة صراعها في الجنوب لأن التغييرات الإدارية تتعلق بالمصالح والحياة اليومية لقبائل الجنوب ومن ثم فتغيير حدود الولايات بإنشاء ولايات جديدة ومحافظات جديد في ذروة الحرب والصراع المسلح بين الشمال والجنوب لابد وأن له آثار سلبية , ولذلك لاحظت أن الرئيس  Salva kiir Mayardit * ( قبل إعلان إنفصال ووفاة جون جارانج كان نائب رئيس الجيش الشعبي لتحرير السودان ورئيس هيئة عملياته)  إستخدم مجدداً نفس الأسلوب ففي ذروة المواجهات المسلحة مع المعارضة الجنوبية أوردت صحيفة Sudan Vision بتاريخ 19 أكتوبر 2016 بالإحالة علي تصريح أدلي به النائب الثاني للرئيسSalva kiir  أشار فيه إلي أن الرئيس kiir سيُصدر قريباً مرسوماً وصفته الصحيفة بالخلافي لزيادة عدد الولايات من 28 ولاية حالية – التي هي أيضاً موضوع خلافي – إلي عدد لم يُعرف بعد  , فيما أكد Taban Deng Gai النائب الأول للرئيس * ( الذي يحاول الرئيس Salva kiir Mayardit تقديمه للولايات المتحدة بإعتباره بديلاً مناسباً للدكتور  Riek Machar)  أن الرئاسة وافقت علي زيادة عدد الولايات ولكنها ستبدأ قريباً بمسألة ولايتي  Malakal و Lol بالنظر إلي أولويتهما لدواع وإحتياجات قبلية  *( أشارت صحيفة Sudan Tribune في 3 نوفمبر 2016 أن الرئيس Salva Kiir علق إتخاذ هذا القرار , ولكنها أشارت إلي إستمرار المشاورات علي المستوي الشعبي  لإتخاذه لاحقاً) , وكنت قبل أن تُعلن دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 قد كتبت في 2 يناير 2011 ما نصه ” من المعضلات الحادة التي ستظهر بمجرد الشروع في بناء الدولة بجنوب السودان هي التقسيم الإداري للجنوب وتكمن صعوبته بل بالأحري إستحالة دقته بسبب التنوع السكاني القبائلي بالجنوب وحركة السكان علي مختلف أنحاء خريطة الجنوب المُقسم حالياً إلي تسع ولايات  (أعالي النيل / وراب/ غرب الإستوائية / بحر الجبل / شرق الإستوائية /  البحيرات / بحر الغزال / غرب بحر الغزال / شمال بحر الغزال) , وبالتالي فستكون هناك مشكلتين أمام رئيس جنوب السودان القادم أولهما التقسيم الإداري لجنوب السودان وهل سيكون علي أساس مركزي أم فيدرالي ثانيهما الحدود بين الولايات التي سينتهي الأمر بإنشاءها وفقاً للتقسيم الذي ستفرضه دولة جنوب السودان  (وهو بالفعل محل نظر الآن)  , وهاتان المشكلتان مرتبطتان بمشكلتين أخريين هما : قسمة السلطة والثروة , فمع إفتراض إمكانية تصدير بترول جنوب السودان الذي يُعتبر دولة حبيسة Enclavee فسوف تثور وربما بحدة وبقسوة قد تغل يد من سيتولون أمر الدولة الوليدة , ستثور مشكلة قسمة السلطة والثروة خاصة البترول بين الولايات الجنوبية والتي سُيقوم علي أمر قسمتها الأقوي قبائلياً (الدنكا) وفقاً لمصالحهم علي المدي البعيد , وعليه فإن قسمة السلطة ستكون العامل الحاسم في قسمة الثروة فمن يحكم هو نفسه من يملك في مجتمع سياسييه يعتنقون الفكر القبائلي بالرغم من المستوي العلمي لديهم (معظمهم تعليمه محدود) وبالتالي فسيتأثر حتماً وفقاً لقسمة السلطة والثروة شكل هذه الدولة وإستقرارها (وهي القضية التي شكلت رافداً أساسياً في كل مفاوضات الشمال مع الجــنوب في أبـوجا عاصمة نيجيريا ونيفاشا بكينيا) , وبالرغم من هذا فإنه من الممكن تصور شكل دولة جنوب السودان إذا ما أُجيب علي السؤال التالي : ما شكل نظام الحكم ونظام الدولة التي تتأسس بعد صراع مسلح ؟ الإجابة المُقاربة نجدها في معظم دول القارة الأفريقية , فمعظم النظم الأفريقية رئاسية , كما أن دستور جنوب السودان سيكون علمانياً فنسبة مسيحيو جنوب السودان وفقاً لآخر تعداد قبل الإستقلال عام 1956 تبلغ  17,5% فيما نسبة المسلمين 18% والباقي يمثلون معتقدات أفريقية ووثنية , كما أن دستور هذه الدولة  سيكون منفتح علي الخارج فلا يمكن لدولة الجنوب أن تعمل مثلاً دون أن تتيح أعلي قدر من الحرية للمنظمات غير الحكومية و سيكون النهج الإقتصادي رأسمالي إلي حد بعيد ليتيح مجالاً متسعاً للإقتصاد الخاص الأمريكي وغير الأمريكي .

سبقت سلسلة متفرقة من المواجهات العنيفة بين القوات الحكومية والمعارضة المسلحة القتال الأوسع مدي الذي بدأ في منتصف ديسمبر 2013 بين الرئيس الدنكاوي Salva kiir Mayardit  والمعارضة المسلحة التي يقودها نائبه النويريRiek Machar في العاصمة جوبا ومناطق أخري بجنوب السودان ودشن كل ذلك لتفجر أزمة الحكم الحالية علماً بأن هناك صراعان مسلحان بجنوب السودان تداعيا بفعل هذه الأزمة أولهما الذي تفجر بين الرئيس ونائبه في ديسمبر 2013وهو ما يمكن وصفه بأزمة الحكم أما ثانيهما فهو الإحتراب القبلي الذي قد يكون قد تواري عن الرؤية المباشرة بسبب جاذبية الصراع علي قمة الحكم للإعلام الدولي لكنه مازال مستعراً في مناطق عدة بجنوب السودان مثل Lakes و Jonglei و Pibor بين قبائل  Lou-Nuer و Dinka و Murle وثانيهما  الصراعات المسلحة في الغالب بين القبائل الرعي وبطبيعة الحال أدي إستمرار أزمة الحكم للتمازج والتأثير المُتبادل بين السياسي والقبلي بسبب الرعي مما أدي لرفع متبادل لوتيرة أزمة الحكم والتأثير في النهاية علي الإقتصاد شديد الهشاشة في جنوب السودان مع إضطراد أعداد النازحين الذي هجروا مساحات المراعي والزراعة وتحركوا لأماكن أخري داخل جنوب السودان أو خارجه خاصة أوغندا وإثيوبيا . وكان واضحاً لدي المراقبين لتطور الصراع بين السودان ومتمردي جنوب السودان أن العامل القبلي المحض كان داخلاً في تكوين جبهات التمرد الجنوبي ذاتها فمعظم كوادر الجيش الشعبي لتحرير السودان التي قادها جون جارانج حتي وفاته تنتمي لقبيلة الدنكا , وكان ذلك الوضع عاملاً مساعداً علي الفصل لا علي الوصل , ولذلك لم يكن من الممكن لأطراف النزاع تجنب تجاهل دافع الولاء القبلي بعد تأسيس دولة الجنوب وإعلانها في 9 يوليو 2011 , ويختلف الصراع الحالي في جنوب السودان عن الصراع الذي كان بين الشمال والجنوب في الفترة من 1955حتي توقيع إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005 , ذلك أن الصراع الدائر حالياً بالجنوب يتضمن ثلاث دوافع رئيسية هي السلطة والثروة والإنتماء القبلي , وهذه الدوافع كانت تشكل الصراع الذي إنتهي بين الشمال والجنوب والذي روج الغرب أنه صراع ديني وعرقي بين جنوب مسيحي وشما مسلم وجنوب زنجي وشمال عربي مُضاف إلي ذلك إشكالية قسمة السلطة والثروة , وكل هذا يعني أن الصراع في الجنوب بين الجنوبيين مازال مُحتدماً لنفس الأسباب والدوافع التي كانت وراء الصراع بين الشمال والجنوب والذي إختلف هو النطاق الجغرافي وأسلوب التدخل الذي تعتمده الأطراف الخارجية حالياً في صراع الجنوب فلا عقوبات بحظر السلاح أو حظر الطيران أو نقل الولايات المتحدة لسفارتها بالخرطوم إلي كينيا ولا إدراج علي لائحة الإرهاب بالرغم من أن ما يحدث في جنوب السودان وفقاً مسئولي الأمم المتحدة لا يخرج عن كونه تطهير عرقي Genocide وهو أشرس وأحط أنواع الإرهاب , لكن الولايات المتحدة لديها عبوات مختلفة من نفس المنطق تخلطها بالقضية الواحدة حسب الحالة   .

بعد إعلان إستقلال جنوب السودان وتولي Salva kiir Mayardit الرئاسة في يوليو 2011 بدأت سلسة من الإنتقادات توجه إلي الرئيس kiir أهمها تلك التي دأب Riek Machar نائبه السابق علي توجيهها له ومفادها أن الرئيس kiir يريد إعادة البلاد لتكون دولة عرقية يتحكم فيها أبناء قبيلته الـدنكا , وعمل ذلك علي سد الطريق أمام الرئيس ونائبه للتعامل الصحي وبنية طيبة في إدارة الدولة وبالتضافر مع الاوضاع الإقتصادية المتردية بجنوب السودان أدي إندلاع القتال بين الجانبين علي قاعدة الإختلافات القبلية والسياسية إذ أن سياسة الحكم في جنوب السودان قوامها الأولي قبلي , وبإستمرار الرئيس Salva kiir في تنمية سنده القبلي في مؤسسات دولة الجنوب والمؤسسة العسكرية الخاضعة بشكل وأن يكون تاماً لقبيلة الدنكا تفجرت الأوضاع بالجنوب وتفكك أو كاد بنيان دولة الجنوب السوداني بعد عامين ونصف من إعلانها في منتصف ديسمبر 2013 * ( صوت برلمان جنوب السودان في 24 مارس  2015 بالموافقة علي تمديد الفترة الرئاسية للرئيس Salva Kiir Mayardit  حتي 2018 , وكان من المفترض أن تنتهي في في نهاية يونيو 2015وكانت المعارضة تأمل ذلك حتي يمكن تأليف حكومة إئتلافية) , ولما كانت دولة الجنوب تعتبر حتي ذلك التاريخ أحدث دول العالم نشأةً فقد كانت أيضاً أسرع دول العالم في الإنهيار والتفكك , وبإستمرار القتال بين الفريقين المتحاربين فقد نتج عن ذلك حتي العام الماضي مصرع ما يزيد عن 50,000 مواطن جنوبي وتشريد 2 مليون جنوبي بما فيهم نحو 180,000 من الجنوبين الباحثين عن حماية الأمم المتحدة لهم في 6 مجمعات أيواء , وقد إنتقدت لجنة تقصي حقائق أممية تباطؤ رد الأمم المتحدة علي الهجوم الذي من المحتمل أن تكون قوات حكومية جنوبية (أي تابعة للرئيس kiir) مع حلفاءها من الميليشيات الجنوبية  تكون قد شنته ضد أحد مجمعات الأمم المتحدة الواقعة في شمال شرقي مدينة  Malakal مما أسفر عن مقتل 30 وجرح 123 , وأدي تواصل هجمات أخري كثيرة في مواقع مختلفة إلي إثارة أسئلة حول فاعلية قوات حفظ السلام المتواجدة بالجنوب السوداني من جهة وسبل حماية هذه القوات من جهة أخري, وقد تنبهت الولايات المتحدة في وقت مبكر – عبر وكالة المخابرات المركزية والخارجية الأمريكية –  إلي أن المزيج القبلي الذي تأكد حتي في الفترة السابقة علي إعلان قيام دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 سوف لا يفي أو بالأصح سوف لا يحقق المصالح العليا الأمريكية  في مجمل منطقة القرن الأفريقي الكبير وبطبيعة الحال في دولة جنوب السودان الذي بذلت الولايات المتحدة جهوداً دبلوماسية وسياسية وعسكرية كثيفة ومنتظمة لإقامتها في إطار إستراتيجية بدأت في عهد الرئيس بيل كلينتون لتغيير جزء من خريطة أفريقيا بإنشاء القرن الأفريقي الكبير يتم التعامل معها بتجانس جيوستراتيجي من قبل أدوات تنفيذ موجبات الأمن القومي الأمريكي ومن أهم هذه الأدوات القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM التي أعلن عن إنشاؤها في 6 فبراير 2007   .

إستمر القتال أو الموجة الثانية من الحرب الأهلية الجديدة بجنوب السودان * (الموجة الأولي كانت بين الشمال والجنوب في الفترة من 1955 وحتي 2005) بوتيرة حركة البحر أي بين مد وجزر في مناطق عدة بجنوب السودان وإنعكست نتائج هذه الحرب علي سكان جنوب السودان الذين أصبح نحو 5 مليون منهم – أي مجمل عدد سكان الجنوب تقريباً – في حاجة للمساعدات بكافة أشكالها , وعلي دول الجوار المُتعبة إقتصادياً بل وتعاني من تعقيدات إثنية ولا ترغب من منظور أمنها القومي أن تضيف إليها إثنيات وافدة إليها أن تستقبل منهم أعدادا , فعلي سبيل المثال لجأت أعداد من قبيلة Murle إلي إثيوبيا وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي Desalegn, on Monday  في 18 أبريل 2016 عبر بيان مُتلفز أن القوات الإثيوبية ستتعقب مسلحين من قبيلة Murle للمناطق التي أتوا منها في جنوب السودان لإنقاذ 100 طفل إثيوبي في قبضة هؤلاء , وأشارت الأنباء الواردة من أديس أبابا أن أبناء قبيلة  Murle عبروا حدود جنوب السودان مع إثيوبيا وأغاروا علي 13 قرية إثيوبية بولاية Gambella الإثيوبية سكانها إمتداد ديموجرافي لقبيلتي  Anyuak و Nuer *(التي ينتمي إليها Riek Machar خصم رئيس جنوب السودان Salva kiir) , وقد أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي إتصالاً بذلك عن إتصاله مع رئيس جنوب السودان kiir للقيام بعمليات عسكرية مُشتركة علي الحدود المشتركة لمواجهة إرهاب الجماعات المسلحة من  قبيلة Murle  وهكذا كان الأمر علي الحدود الأوغندية و الكينية والكونجولية مع جنوب السودان , مع إختلاف نسبي في درجات العنف المتبادل .

إزاء التأثير السلبي علي الصعيدين الداخلي والإقليمي كان من المحتم أن تتحرك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعهدت بإنشاء هذه الدولة عكس منطق التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي * ( إذ لن يجد المرء دولة في أفريقيا لا تحتوي في تكوينها السكاني علي تنوع لغوي أو عرقي أو ديني أو كل هذا معاً) بدفع منتظم وقوي ومضطرد من جماعتي الضغط الكنسية والبترولية , وربما كان مناسباً في هذا السياق مقارنة موقف الولايات المتحدة من إنهيار وتفكك الدولة بمؤسساتها وقواتها المسلحة في الصومال وموقفها إزاء مسار دولة جنوب السودان نحو التفكك فهي تجبر الأطراف علي توقيع إتفاقية سلام في أديس أبابا في 17 أغسطس 2015, فيما تحافظ علي إبقاء حالة الإنفصال الحالية بالصومال بإعتبارها أمراً واقعاً Ipso Facto , وبالرغم من أن العاصمة جوبا أكدت مختلف الأنباء الواردة منها في أكتوبر 2016أنها لم تشهد قتالاً كالذي حدث في يوليو من هذا العام إلا أن القتال أصبح دائراً علي نطاق واسع بمناطق عدة متفرقة بالجنوب السوداني وأعلن Riek Machar بعد خروجه من جنوب السودان ومكوثه في الخرطوم في سبتمبر 2016 أنه سيمضي قدماً مع قوات المعارضة المنضوية تحت لواء حركة SPLA-IO في قتال قوات kiir , ومن المثير لدهشتي علي الأقل وقد ظللت أعمل علي الملف السوداني لنحو عشر سنوات متصلة بين القاهرة والخرطوم أن يرسخ في يقيني  خطورة بناء دولة وأمة بإيدي هؤلاء الذين إمتشقوا السلاح وشقوا عصا الطاعة وتمردوا علي الحكومة المركزية رافضين الوحدة وراوغوا في الإمتثال لرغبات السلام الآتية من الشمال بشروط تعتبر مقبولة لدي كثيرين من أبناء الجنوب , وكانت إتفاقية  السلام بين حكومة السودان والفصائل المُقاتلة في جنوب السودان الموقعة في 21 أبريل  1997 والتي حظيت بتأييد من زعماء قبيلة MURLE  المعادية دائماً لقبيلة الدنكا وقبلها إتفاقية  Fankfurt  عام 1992 بين الحكومة السودانية والفصائل المُنشقة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان مثالين علي تلك الرغبات التي وإن كانت في نظر قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان عُرضة للإنتقاد بالرغم من أنها نصت علي تقرير المصير أو الوحدة  وفترة إنتقالية قدرها 4 سنوات في إتفاق وأكثر في إتفاق آخر * ( كانت الفترة الإنتقالية في إتفاقية السلام الشامل التي بناء عليها إنفصل الجنوب عن شماله 6 سنوات)  , لكن الولايات المتحدة أرادتها إتفاقية مصنوعة علي أعينها وأعين حلفاءها الأفارقة الذين إستفادوا من إستمرار الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب وأستفادوا مجدداً من إندلاعها بين الجنوبيين وبعضهم البعض وأوجه الإستفادة متعددة ليس أقلها التخمة التي أصابت بعض المصارف الكينية من أموال لوردات الحرب الأخوية الجارية الآن بجنوب السودان والمُكتسبة من أدوارهم فيها , وكذلك وفي الإتجاه العكسي لهؤلاء فللدول الكبري كالصين والولايات المتحدة مصلحة في إستقرار الجنوب لتحقيق مصالحهم الإقتصاد فعلي سبيل المثال تتجه بعض الشركات الأمريكية منها شركة Bechtel إلي العمل علي الفوز بنصيب وافر في مشروع لوجيستيكي عملاق لإقامة ميناء Lamu علي المحيط الهندي بكينيا والمعروف بمشروع Southern Sudan-Ethiopia Transport Corridor يُخصص لحركة الصادر والوارد    لإثيوبيا ولجنوب السودان الدولتين المُقفلتين  وتتفاوض الشركات الأمريكية في هذا المشروع حالياً مع شركة Aeolus Kenya Ltd , وتلقي الإدارة الأمريكية بثقلها لدعم الشركات الأمريكية في هذا التحرك أمام المنافسة الصينية  .

مازال الصراع الأهلي في جنوب السودان مُستعراً وبالتالي يظل حل أزمة الحكم هو المفتاح الرئيسي للحد منه أو إنهاءه وبتالي تظل حاجة أطراف الأزمة إلي السلاح قائمة بل ومضطردة , وقد أكد هذا المعني Riek Machar في حديثه لإذاعة Radio Tamazuj نُشر علي موقع هذه الإذاعة في 20 أكتوبر 2016 حيث قال ” إن السبيل الوحيد لحل الأزمة في البلاد سيكون من خلال مبادرة جديدة للتعامل مع الإختلافات السياسية بيني وبين الرئيس  Kiir” وأشار إلي أنه إلتقي الرئيس الأوغندي Yoweri Museveni خلال زيارته الأخيرة للخرطوم وأنه أشار إلي أن لديه مبادرة جديدة لحل الأزمة في جنوب السودان , وأنه أي Machar رد بأنه والمعارضة سيدرسونها لأنهم مع السلام , وإتصالاً بذلك أشار Machar إلي أنه علي إتصال مع المبعوث الخاص لأمين عام الأمم المتحدة للسودان وجنوب السودان وأنه إلتقاه في 8 أكتوبر 2016 وذكر الأخير له أن هناك ثمة مبادرة جديدة لإعادة إتفاقية سلام أديس أبابا علي مسار السلام بالجنوب , وفي رد فعل علي موقف  Macharمن مبادرة الرئيس Yoweri Museveni المُحتملة والتي لم يُكشف النقاب عنها  أشار Wek Ateny السكرتير الصحفي برئاسة جنوب السودان أنهم لن يقبلوا أي مبادرة تربطهم بحركة  SPLM-IO التي يقودها Riek Machar وأن كل العمليات المسلحة التي تقوم بها المعارضة في أرجاء مختلفة بالبلاد سيكون مآلها الهزيمة بعد أن إتفقت الحكومة مع مجموعة  Taban Deng Gai علي الإحاطة بالمعارضة عسكرياً مُشدداً علي الحكومة لن تقبل العودة لنقطة الصفر وأنهم سيطبقون إتفاق السلام مع مجموعة Taban Deng وليس مع Macharالذي يمكنه العودة لجنوب السودان في الإنتخابات التي ستُجري عام 2018  .

من المؤكد أن صفقات السلاح ومنها السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان التي يشير إليها تقرير خبراء الأمم المتحدة   والذي عُرض علي مجلس الأمن هي صفقات السلاح التي أُبرمت في وضح النهار وبعقود رسمية وتسليم مباشر  لحكومة الرئيس Kiir وفي أيدي قواته بالإضافة لأسلحة أخري تلقاها أيضاً بعقود رسمية من ووسطاء آخرون ومن دول أخري , لكن من غير المعروف يقيناً إن كانت هناك كميات ونوعيات من السلاح الإسرائيلي قد وصلت بطريق غير مباشر إلي أيدي قوات المعارضة المسلحة بقيادة  Machar أم لا ؟ لكن علي أية حال فإسرائيل وهي تضع سياستها البيعية يهمها من الوجهة التجارية البحتة – علي الأقل – الإلمام بتفاصيل الصراع الدائر في جنوب السودان بين الخصمين وموقف الأطراف الدولية المعنية به , لإرتباط ذلك بقرار المضي أو عدم المضي في توريد السلاح لجنوب السودان وهو يخوض الموجة الثانية للحرب الأهلية , خاصة وأن السلاح سواء من الوجهتين النوعية والكمية وإنتظام تدفقه في هذا النزاع كما في غيره يحدد إلي حد كبير نتيجة المعارك , ومن بين التفاصيل المهمة لأغراض المتابعة الإسرائيلية الوقوف علي مركز طرفي النزاع الدائر في قمة السلطة في جنوب السودان في ميداني المعركة والتفاوض وموقف الأطراف الدولية والإقليمية من أزمة الحكم وتطوراتها , و فيما يلي موجز لذلك مع الوضع في الإعتبار أن المواقف المعلنة للأطراف الدولية خاصة الولايات المتحدة لا تعبر عادة عن الموقف الحقيقي النهائي الذي تضعه الجهات ذات الصلة بالصراعات والتدخل الدبلوماسي العسكري أو / والدبلوماسي فيها  (من غير المتوقع تدخلاً عسكرياً أمريكيا في صراع جنوب السودان إلا أن هذه التدخل في الغالب يكون في تعليق أو مد العمل بآليات التعاون العسكري الأمريكي مع حكومة جنوب السودان وهذا ما حدث بالفعل ) :

تناقص تماسك موقف Salva kiir :

من المثير للدهشة أن الرئيس Salva kiir نفسه قال في خطبته يوم إعلان  إستقلال جنوب السودان عن السودان في 9 يوليو 2011 ” إن من يكرهوننا لا يقدروننا حق قدرنا حتي قبل إعلان إستقلالنا , فهم يقولون أننا سوف ننزلق إلي حرب أهلية بمجرد أن يرفرف علمنا , وبرروا قولهم هذا بأن قالوا إننا غير قادرين علي حل مشاكلنا عبر الحوار , وأتهموننا بأننا سرعان ما سوف ننزلق إلي العنف وقالوا أن مفهو م الديموقراطية والحرية معيب لدينا , وإنه لحري بنا أن نثبت لهم أنهم مخطئون ” , بينما نجده حاد عن هذا المنطق فعندما وقع – مرغماً – علي إتفاقية أديس أبابا للسلام مع المعارضة المسلحة لنظامه في 17 سبتمبر 2015 لإنهاء الحرب الأهلية بالجنوب أعلن عن تحفظاته التي بلغت 16 تحفظاً علي نص هذه الإتفاقية , وبرر توقيعه إياها بأنه بسبب الرسائل المتعددة التي وصلته من المجتمع الدولي  (الولايات المتحدة أساساً) والتي إتسمت بالترغيب والترهيب في آن واحد , وأشار عقب توقيعه لهذه الإتفاقية أنها ستقوي من ساعد Riek Machar قائد المعارضة  المسلحة بإعتباره النائب الأول له , منتقداً نص الإتفاقية بشأن تموضع قوات المعارضة بالعاصمة جوبا ومن السلطة الممنوحة للمراقبين لإتفاق السلام وكل هذه التحفظات سارعت الإدارة الأمريكية برفضها , وبالرغم من ان البعض يعطي الوزن القبلي في صراع الجنوب وزناً حاسماً  إلا أنه في تقديري أن هؤلاء يزنون القبائل عددياً بإعتبار أن الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس Salva kiirهي أكبر قبائل الجنوب  *(لم يجر تعداد رسمي لسكان الجنوب السوداني إلا أن بعض التقديرات تشير إلي أن عدد السكان من الدينكا يبلغ حوالي 12,5 مليون نسمة من مجمل عدد سكان الجنوب ) تليها قبيلة النوير , إلا أن وزن طرفي الصراع من المنظور الفئوي البحت لا يفسر كثير من التطورات السابقة والمرتقبة إلا لو إستعان المرء بالمكونات الجيوستراتيجية لأطراف الصراع وموقع جنوب السودان وعلاقاته المتبادلة بدول القرن الأفريقي الكبير وبالدور المهم لحكومة الخرطوم , ومن ثم فإن زاوية الرؤية الأمريكية تتسع بإتساع مدي المصالح الأمريكية في عموم القرن الأفريقي الكبير وكذلك في جنوب السودان , ومن ثم فسيحسم التدخل الأمريكي الثابت للولايات المتحدة في الصراع الدائر بالجنوب , وهو الحيز المُرجح بإعتباره الرئة التي تتنفس بها أي حكومة قائمة أو ستقوم لاحقاً بجنوب السودان سواء أكانت تلك الحكومة تحت قيادة دينكاوية أم نويرية أو من غيرهما فهذا الحيز الأمريكي تشغله المساعدات الإقتصادية والعسكرية الامريكية والنفوذ السياسي الدولي الذي بممارسة الإدارة الأمريكية إياه يمكن فرض عقوبات مميتة لأي نظام في جوبا أو إستخدام حوافز تعين الدولة علي الإستمرار .     * (وصل معدل التضخم في جنوب السودان إلي نسبة 660% ) .

هناك سببان رئيسيان علي الأقل قد يفسران منسوب القوة لدي الرئيس Salva kiir أولهما إنضمام قادة جنوبيين آخرين مثل Lam Akol وزير الزراعة السابق بحكومة Salva kiir (كان وزيراً للنقل عام 1997 بالسودان قبل الإنفصال ويعد من الشخصيات الجنوبية المتفهمة لجوانب الصراع بين الشمال والجنوب وينحدر من قبيلة الشلك وكان ينتمي في شبابه للحزب الشيوعي) الذي إنضم لصفوف المعارضة للرئيس  kiir , فقد أوردت شبكة Afrika  Geeska من جوبا في 25 سبتمبر 2016 بالإحالة علي علي صحيفة  Sudan Tribune أنه شكل تنظيماً أسماه الحركة الوطنية الديموقراطية NDM وذلك بعد مشاورات أجراها في الفترة السابقة مع فصائل مسلحة وغير مسلحة بجنوب السودان ونقلت عنه الصحيفة قوله أن هدفه هو العمل بكل الوسائل  للإطاحة بحكومة السودان القائمة تحت رئاسة Salva Kiir الذي وصف حكمه بالشمولي وبرر تنحيه عن رئاسة حزب التغيير الديموقراطي * (DCP حزبه السابق بسبب إعتقاد أعضاء هذا الحزب في الحوار وعدم العنف كوسيلة وحيدة لتغيير الأوضاع السياسية بالجنوب , وأشار إلي أنه سيعمل مع الفصائل الأخري المعارضة وفي مقدمتها حركة تحرير شعب السودان  SPLM-IO  بقيادة Riek Machar والتي تعمل علي التغيير بالقوة المسلحة ليس من أجل تغيير الأشخاص الذين هم الآن بالسلطة في جوبا وإحلال آخرين من نفس النوعية مكانهم ولكن لبناء دولة وأمة علي أسس دائمة  , كما أعلن في 9 سبتمبر 2016 عن إنضمام اللواء John Ivo Mounto النائب السابق لمحافظة أعالي النيل  Upper Nile لصفوف المعارضة النائب السابق لمحافظ أعالي النيل * (من مناطق إستخراج وإنتاج البترول بجنوب السودان) وقال في بيانه بشأن ذلك ” إنني أعلن عن  خروجي من الحركة الشعبية لتحرير السودان  SPLM الحاكمة التي تحت قيادة الديكتاتور Salva Kiir Mayardit وإنضمامي إلي صفوف فخامة الدكتور Riek Machar Teny Dhurgon النائب الشرعي لرئيس جمهورية جنوب السودان ورئيس هيئة أركان SPLM/SPLA-In ” وأضاف قوله أن ” حكومة Salva Kiir قد أظهرت الجانب الأسوأ لإستخدامه الديكتاتوري السيئ للسلطة و للموارد المملوكة لشعب جنوب السودان ” وأشار في بيانه أيضاً إلي أن   Kiir وحكومته أقاموا قاعدة قبلية لإدارة البلاد علي حساب باقي المواطنين ووصم نظام  Kiir بالقبلية موضحاً أن ” مجلس الكبار أو ما يُسمي بـ Jieng Council of Elders عاد بالبلاد مرة أخري إلي الحرب ثم أتهمه بأنه خرق إتفاق السلام بإنشاءه ولايات جديدة بدلاً من الولايات العشر القائمة والتي كانت إتفاقية السلام قد تأسست بناء عليها بإعتبارها التقسيم الإداري المعتمد لجنوب السودان .

وفي سياق عكسي أُعلن في 29 سبتمبر 2016عن عودة اللواء Dau Aturjong وهو من كبار العسكريين الجنوبيين وإنضمامه ومعه قواته بولاية   Aweilإلي صفوف جيش تحرير جنوب السودان SPLA بعد تخليه عن منصبه العسكري في ذروة الحرب الأهلية المستعرة بين الفرقاء عام 2014 منضماً إلي صفوف المعارضة المسلحة بقيادة Machar  ولم تتضح بعد أسباب عودته إلا أني من واقع خبرتي أعتقد أنها نتيجة للإغراءات المالية والمادية والسياسية التي تصيغ وبصفة مؤقتة بعض التحولات في الولاء من قبل بعض قادة التمرد والأحداث التي تؤكد ذلك متعددة إبان الصراع بين الشمال والجنوب , لكن المهم الإشارة إلي أنه في حرب قائمة علي خلافات في قسمة السلطة والثروة من المتوقع أن تعثر علي حالات كهذه الحالة التي لا تفسر إستمرار الحرب بوتيرة متصاعدة بقدر ما تؤكد أنها حرب أضيف إليها وقود القبلية فقبائل الجنوب الرئيسية عددها يفوق الأربعين قبيلة  منها قبائل تقف عند خط المنتصف وأخري خارج الملعب .

أما السبب الثاني فمتعلق بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة علي نظام الرئيس Salva kiir  للتوقف عن دعم المعارضة السودانية الشمالية المسلحة التي تعمل إنطلاقاً من داخل جنوب السودان لشن هجمات علي السودان وهو موقف يدعو للتأمل وبعض الدهشة , ففي 21 أكتوبر 2016 نُشر أن الإدارة الأمريكية دعت حكومة جنوب السودان للإنصياع إلي وجوب الوفاء بإلتزاماتها المُبينة في قرار مجلس الامن الدولي الصادر عام 2012 برقم 2046 والذي نص من بين بنود أخري علي دعوة حكومة جنوب السودان برئاسة Salva kiir للتوقف عن دعم أو إمداد المعارضة السودانية (الشمالية) المُسلحة , وهو نفس ما أشارت إليه إتفاقيات سابقة مُبرمة بين حكومتي جنوب وشمال السودان * (وجه شمال السودان إتهامات في يوليو وأغسطس 2011 لدولة جنوب السودان الناشئة بسبب قيامها بتاجيج النزاعات في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وهو ما نفاه وزير خارجية جنوب السودان نيال دينج نيال ) , ويبدو أن الدعوة الأمريكية مستعصية علي التنفيذ ففي 7 سبتمبر أشارت محطة BBC في خبر لها من جوبا أن Lul Ruai المتحدث باسم جيش تحرير جنوب السودان  SPLA قال أنهم لم يتلقوا بعد تعليمات من الحكومة لطرد حركات المقاومة السودانية الشمالية المُسلحة من أراضي جنوب السودان وذلك بالرغم من أن إتفاقاً وقعته الخرطوم وجوبا عام 2012 يقضي بعد إيواء أيا منهما لمجموعات معارضة مسلحة , فيما صرح Michael Makuei وزير إعلام جنوب السودان في 23 أكتوبر الماضي أن بلاده تأوي علي أراضيها هؤلاء إلا أن وزير الدفاع الجنوبي Kuol Manyang Juuk إعترف بوجودهم قائلاً أنهم سينسحبون في إطار إتفاق ثنائي متبادل مع حكومة الخرطوم , وكلاهما كان يرد علي بيان أمريكي يشير إلي أن لديها معلومات ذات مصداقية وتقارير  تتحدث عن إستمرار جنوب السودان في توفير ملاذ ودعم للتمرد السوداني الشمالية علي أراضيها .

تناقص قوة Riek Machar :

بداية هناك عامل مهم يعتبر عامل قوة لدي المعارضة المسلحة لنظام الرئيس Salva kiir وهو أن أبناء قبيلة النوير بالرغم من أنهم أقل عدداً من الدينكا من منظور التعداد العام لسكان جنوب السودان , إلا أنهم أي النوير Nuer يشكلون نحو 64% من تعداد جيش جنوب السودان وهم يبادلون قبيلة الدينكا الكراهية وخاصة دينكابور , والأراضي التي تنتشر فيها قبيلة النوير – وهم من الرعاة – تقع معظمها في وسط وجنوب السودان وهي عبارة عن منطقة واسعة من الحشائش يخترقها المجري الأعلي لنهر النيل بروافده المتعددة وجيران النوير المباشرين هم قبائل الشلك والأنواك والبوير وفي الشمال من أراضيهم العرب الرعاة .

وُجه إتهام بمسئولية  Machar عن المحاولة الإنقلابية التي جرت في مستهل عام 2014 للإطاحة بالرئيس kiir , الأمر الذي زاد من لهيب الحرب الأهلية وتجدد المعارك في جوبا في يوليو 2016 والتي فر أثناءها Riek Machar  من مسرح القتال الدائر بين قواته والقوات التابعة للرئيس Salva kiir في جوبا في 11 يوليو  إلي جهة كانت غير معلومة في البداية ثم إتضح أنه نجح بعد 40 يوم من السير في الأحراش في الوصول إلي ما وراءحدود جنوب السودان مع الكونجو الديموقراطية وهناك تلقي العلاج من قبل من قبل الأمم المتحدة , وفيما بعد ظهر في السودان وبررت حكومة السودان إستقباله في حوالي منتصف أغسطس لأسباب إنسانية , إلا أنه في تقديري أن فرار Machar من ميدان المعركة لن يؤثر في مكانته لدي قواته التي يبلغ عددها في تقديرات 20,000 رجل ولا لدي داعميه الذين يهمهم الحفاظ علي حياته , ذلك أن المعركة نفسها مع الرئيس kiir والموالين له لا تهدف إلي تحقيق إنتصار عسكري حاسم وإسقاط العاصمة جوبا في أيدي قوات Machar لأن الهدف مزدوج فبالإضافة للإطاحة بنظام الرئيس kiir لابد من تحقيق أقصي قدر ممكن من الضرر والتدمير لمصالح القوي المنافسة للولايات المتحدة في جنوب السودان وهي الصين تحديداً * ( حتي سبتمبر 2015 تمركز 1,031 عسكري صيني في جنوب السودان ضمن القوة الأممية  منهم 700 جندي يمثلون كتيبة مشاة وهي المساهمة الأكبر للصين في قوات حفظ السلام الأممية بالعالم وفي مواجهات جوبا في 11 يوليو 2016 وقع إثنان من جنود القوة الصينية صرعي وعلي إثر ذلك إلتقي وزير الخارجية الصيني  Wang Yi نظيره الجنوب سوداني في نهاية يوليو الماضي ليبلغه ضرورة إنزال العقاب بالمسئوليين عن ذلكالقوة الأممية في جنوب السودان) , ومع ذلك فهناك مضاعفات جانبية من إستمرار الحرب الأهلية في جنوب السودان فبقدر إستمرارها لمدة طويلة بقدر ما سيسبب ذلك منتهي القلق لدي الإدارة الأمريكية التي تدرك كم من المشاكل سيتراكم عليها في منطقة شرق أفريقيا أو لنقل القرن الأفريقي الكبير ففي الصومال إنسحبت القوات الإثيوبية من مواقع معينة بالتزامن مع القلاقل الداخلية في إثيوبيا من قبل الأرومو , وفي نفس الوقت يتسبب إستمرار تدفق اللاجئين من جنوب السودان إلي دول جوار الجنوب السوداني في أزمات حرجة للحلفاء الأفارقة بدول جوار جنوب السودان وأهمهم الرئيس الأوغندي  Yoweri Museveni  الذي له دور كبير داعم للرئيس Salva kiir والذي أيضاً لا يحظي بثقة الخرطوم التي تراه محترفاً في لعب الأدوار المزدوجة وكان ومايزال غير موثوق في نواياه تجاه السودان حتي بعد الإنفصال مثله مثل آراب موي وخلفه في كينيا , وبالتالي فكلما طالت المعارك وأستمرت زاد الضغط علي حكومة Salva kiir وعلي حلفاءة بالمنطقة بالتبعية , كما أن وقوع جوبا في أيدي قوات Machar سوف يكثف الضغوط أكثر مما هي مكثفة علي شخص  Machar الذي من مصلحته – وهو يفعل ذلك بالفعل- بيان قوة المعارضة المسلحة وبأسها حتي وهو خارج الميدان فذلك يضيف إلي قوته , فسادة الحرب في جنوب السودان منذ أن شقوا عصا الطاعة علي الحكومة المركزية في الخرطوم في الولاية الإستوائية عام 1955 وحتي توقيع إتفاقية السلام الشامل التي أنهت الحرب الأهلية مع الشمال وصولاً لتجدد الحرب بين الجنوبيين أنفسهم لا يمارسون هذه الحرب متحلين بالقيم والمبادئ النبيلة التي أعتقد أنها محصورة في الحروب النظامية , وبالتالي فمعايير القيادة العسكرية مختلفة والحالة هذه , هذا ولابد من التنويه إلي أن Machar مثل John Garang فهو يعتبر نفسه زعيم سياسي بقدر ما هو قائد عسكري ميداني وبالتالي فإن هناك ضرورات تبيح لهم إستبدال موقعه العسكري بساحة الجنوب بموقعه كزعيم سياسي يتحرك في الداخل والخارج لرفع وتثبيت مطالب المعارضة الجنوبية المسلحة كلما أمكن وجعل التسوية تملأ كامل الوعاء السياسي لهذه المعارضة .

لذلك فإن ما سيؤثر سلباً علي موقف Machar هو تخفيف الضغوط الأمريكية عن Salva kiir وتناقص ولاء القيادات الجنوبية المنضوية تحت قيادته وخفض حكومة السودان لدعمها السياسي له وهو أمر مستبعد لتعقد العلاقات السودانية مع جنوب السودان لأسباب أكثرها أهمية البترول والنزاع علي منطقة  Abyie الحدودية تحت قيادة Salva kiir الذي كان لفترة سابقة علي إستقلال الجنوب نائباً للرئيس عمر البشير , وكذلك مما قد يؤثر في موقفه مدي إستعداد الإدارة الأمريكية للتعامل معه والنظر إليه كقائد للمعارضة المسلحة , وهذا ما سيكون عليه هو أن يثبته للإدجارة الأامريكية التي صرح أكثر من مسئول مؤخراً بأنه لم يعد له دور , وقد تكون تلك التصريحات تمويهية حتي لا تتهم الإدارة الأمريكية بالميل إليه وإلي مطالب المعارضة التي تقوي يوماً يعد يوم ضد Salva kiir الذي لا إجماع نسبي الآن عليه قبلياً فيما عدا الإجماع من قبيلته الدينكا  كما أن القوي السياسية الجنوبية المبرأة من الجاذبيبة القبلية – وهي قليلة – هي الأخري لا تفضله رئيساً لجنوب السودان , كما أن الأمريكيين بغض النظر عن موقفهم من Machar لا يرونه مُستحقاً لقيادة دولة يراها الجميع محاطة بمخاطر القبلية من كل جانب ويحذرون منها إلا أنه آثر الأغستجابة مع ذلك للمرور أو القفز من فوقها ولم يتمكن بطبيعة مهاراته المتواضعة في الحكم , وهذا ما أكده لي أكثر من مسئول سوداني إبان عملي مستشاراً سياسياً بسفارة مصر بالخرطوم عام 1997 , وجماع القول أن كل من  Machar و kiir لا بديل عنهما – علي الأقل في المستقبل المنظور –  لإستكمال وتحقيق بعض أو كل الأهداف التي وضعها كل منهما ويحققها فقط من خلال المواجهة المسلحة أو لنقل بوضوح من إستمرار الموجة الثانية للحرب الأهلية في جنوب السودان , ولذلك فسواء إعترفت الولايات المتحدة بأهلية Machar أم لا وبجدارة  kiir أو عدم جدارته لإدارة دولة نشأت في بيئة سياسة مضطربة وواهنة في الجنوب السوداني , فإنها أي الإدارة الامريكية ستمضي قدماً في التعامل معهما لتتجنب كلما أمكنها ذلك فشلها في نزع إقليم جنوب السودان بولاياته الثلاث من حضن الوطن السوداني وتصميم دولة منه , لم يشأ من تسلموا مصيرها من شعب جنوب السودان في 9 يناير 2011 عندما إختار الإنفصال أن يخلصوا له النوايا ويتخلصوا من آفة التمرد التي صارت لعنة تلاحقهم أينما كانوا ومهما فعلوا .

موقف بعض الأطراف الخارجية من أزمة الحكم في جنوب السودان

 موقف الولايات المتحدة :

بإندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان أصبحت هذه الدولة عبئاً بلا عائد إقتصادي و / أو معنوي للولايات المتحدة التي تعد أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لجنوب السودان إذ بلغ مجموع ما أنفقته الولايات المتحدة في هذا الشأن منذ إندلاع الحرب الاهلية في ديسمبر2013 حوالي 1,7 بليون دولار * (أشارت مذكرة رسمية صادرة في 13 أكتوبر 2016عن السفارة الأمريكية في جوبا إلي أن مجمل المساعدات الإنسانية الطارئة من الولايات المتحدة لجنوب السودان منذ ديسمبر 2013 بلغت 1,9 بليون دولار) , كما تعد أكبر مانح علي الصعيد الثنائي لحكومة جنوب السودان , ولهذا نجد أن وزير الخارجية الأمريكية John Kerry يصرح في أغسطس 2016 بقوله ” إن المساعدة المُقدمة لجنوب السودان سوف لا تستمر للأبد لو أن قادة الجنوب غير مُهيئين لفعل ما هو ضروري لشعبهم ” و في هذا الصدد أحالت شبكة Fox News في 27 أغسطس 2016 علي مسئولين بالخارجية الأمريكية قولهم أنه بينما إتفاقية السلام لم تُطبق بشكل كامل بعد , إلا أنها تظل السبيل الأفضل لإقامة السلام في جنوب السودان , هذا وقد طلبت وزارة الخارجية الأمريكية الموافقة في مشروع الموازنة لعام 2017علي رصد مبلغ 30 مليون دولار لتحديث جيش جنوب السودان وأوردت الخارجية مبرراتها لذلك الطلب في أنه سيستخدم لتحقيق أهداف منها تحري القوات المسلحة لجنوب السودان لإحترام حقوق الإنسان وتمثيل السكان في صفوفها وإعتماد الرئيس المنتخب عليها , وحماية شعب جنوب السودان ولتشجيع الإستقرار في عموم منطقة القرن الأفريقي , كما طلبت الخارجية الأمريكية رصد مبلغ 132 مليون دولار للمجتمع المدني بجنوب السودان وبرامج بناء السلام , وقد تزامن مع طلبات الخارجية تلك الهجوم الذي شنته قوة حكومية يترواح عددها ما بين 80 إلي 100 فرد (ربما منها عناصر من SPLA الموالية للحكومة) علي فندق Terrain بجوبا في 11 يوليو 2016 والذي تعرض فيه مواطنون أمريكون للإغتصاب والضرب من قبل قوات أو ميلشيات تدين بالولاء لحكومة الرئيس  Salva kiir , ولوحظ أن الإدارة الامريكية لاذت بالصمت إزاء هذا الحادث لأكثر من شهر إلي أن كشفته وأذاعته تفصيلاً وكالة الأنباء المتحدةAP  في تقرير لها من جنوب السودان , الأمر الذي إضطر الإدارة مع دلائل أخري الأمريكية إلي النظر للرئيس kiir  كزعيم لجيش  عدواني النزعة بعد أن كانت تعتبره زعيما موثوقاُ به , وبالرغم من تواجد قوة أمريكية تابعة للقيادة العسكرية الأمريكية علي أراضي جنوب السودان * (تبلغ نحو 50 فرد)  إلا أن  Mary Catherine Phee السفيرة الأمريكية هناك أكدت أن أيا من أفراد هذه القوة لم يكلف بالتدخل لتحرير من بالفندق , لكن الرئيس Obama أشار في بيان رئاسي إلي أنه أرسل 47 فرد من القوات الأمريكية مجهزين بعتاد قتالي لجنوب السودان لحماية الأفراد والممتلكات الأمريكية هناك , كما أدانت سفيرة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة Samantha Power هذا الهجوم في أغسطس 2016 جنباً إلي جنب مع إدانة أخري من الأمم المتحدة لأن الإعتداء شمل أفراد من قوة حفظ السلام الأممية , وأشارت السفيرة إلي أن الولايات المتحدة قلقة بشأن ما إذا كانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة غير قادرة أم أنها غير مستعدة للإستجابة لنداءات المساعدة ممن كانوا بفندق Terrain * ( وجهت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدي الأمم المتحدة Susan Rice خطاباً للكونجرس الأمريكي عام في يوليو 2009 أشارت فيه إلي أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي غالباً ما تُوصف بضعف الإرادة تعد أداة جوهرية لحماية المصالح الأمريكية حول العالم , طيلة سبعة أعوام تالية لإيضاح Susan Rice للكونجرس تمادت عناصر بقوات حفظ السلام الأممية في فضائح جنسية خلال مهمتهم بجمهورية أفريقيا الوسط كما أنهم فشلوا في وقف الهجمات الوحشية علي سكان دارفور وهو ما يتكرر أيضا في جنوب السودان مما أثار شكوك حول فعالية قوات حفظ السلام) , لكنها نوهت بأن السفارة إتصلت علي الفور بالسلطة المختصة بحكومة جنوب السودان ونقلت إليها نداءات من هُجموا بالفندق التي وردت للسفارة , وبناء علي ذلك أرسلت الحكومة قوة لموقع الفندق لوقف الهجوم .

دعت لجنة مشتركة من الكونجرس الأمريكي قامت في 29 أغسطس 2016بزيارة ميدانية لجنوب السودان *(اللجنة الفرعية لأفريقيا المنبثقة عن لجنة الشئون الخارجية ولجنة حقوق الإنسان بالعالم) الإتحاد الأفريقي إلي تسريع تأسيس المحكمة المختلطة Hybird Court لجنوب السودان * (ينشأها الإتحاد الأفريقي في مدي 6 أشهر بعد تشكيل الحكومة الإنتقالية لجنوب السودان وتتشكل من 7 قضاة أربعة منهم يعينهم الإتحاد الأفريقي و3 قضاة من جنوب السودان ) لمحاكمة قادة جنوب السودان المتهمين بإقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ إندلاع القتال بالجنوب بين الفرقاء في 15 ديسمبر 2013 وذلك تطبيقاً لنص بإتفاقية السلام الموقعة في اديس أبابا في 17 أغسطس 2015 بين الأطراف المتحاربة في جنوب السودان , و تأكيداً علي أهمية هذه المحكمة كأداة كابحة للنزعات العدوانية المتبادلة بجنوب السودان فقد أشار التقرير الختامي للجنة تقصي الحقائق بجنوب السودان التابعة للإتحاد الأفريقي AUCISS والذي نُشر في في سبتمبر 2015 أن إنشاء هذه الآلية القضائية تحت رعاية الإتحاد الأفريقي مؤيدة من المجتمع الدولي خاصة من الأمم المتحدة لجلب هؤلاء الذين يتحملون المسئولية الأعظم وهم علي أعلي مستوي للمساءلة , وأن هذه الآلية يجب أن تتضمن قضاة ومحامين من جنوب السودان .

إزاء تدهور الأوضاع الأمنية بالجنوب قادت الولايات المتحدة في الربع الثالث من أغسطس 2016 جهوداً تفاوضية في الأمم المتحدة لإستصدار قرار من مجلس الأمن للترخيص بزيادة إضافية لقوة حفظ السلام الأممية بجنوب السودان UNMISS بواقع 4000 عنصر للحماية ولتأمين العاصمة جوبا ودعم القوة الأممية لجنوب السودان UNMISS  المتواجدة هناك بالفعل وقوامها 12,000 رجل  وقد صدر هذا القرار بالفعل عن مجلس الأمن الدولي تحت الرقم 2304بتاريخ 12 أغسطس 2016 وتضمن تجديد مهمة قوة حفظ السلام القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وقد صوت ممثل 11 دولة عضو بالمجلس بالموافقة علي القرار فيما إمتنع عن التصويت كل من ممثل الصين وروسيا ومصر وفيزويلا , وبالرغم من الجهود الأمريكية التي بُذلت لتمرير قرار الدعم العددي للقوة الأممية بجنوب السودان إلا أن هذه القوة مازالت عرضة للإنتقاد لضعف أداءها ميدانياً ولهذا أصدر أمين عام الأمم المتحدة قراراً في مستهل نوفمبر 2016بإقالة قائد هذه القوة الكيني Johnson Mogoa Kimani Ondieki بعد تقرير رُفع إليه في الأول من نوفمبر إنتقد بشدة ضعف رد القوة الأممية علي الهجوم الذي تعرض له المبني المجمع للأمم المتحدة المُخصص بالعاصمة جوبا لإيواء نحو 27,000 نازح جنوبي وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 73 جنوبي , هذا بالإضافة لأوجه قصور أخري , وإزاء هذا الأمر أعلنت الحكومة الكينية في 2 نوفمبر عن سحب مساهمتها في هذه القوة والتي تبلغ 1,000 جندي إحتجاجاً علي إقالة قائد القوة بدون التشاور المُسبق معها , ولابد من ربط هذا الهجوم بموضوع السلاح  , ذلك أن القوات الموالية للرئيس Kiir وفقاً لتقرير سري صادر عن الأمم المتحدة – حصلت وكالة أنباء  Associated Press علي نسخة منه في سبتمبر 2016 – هي التي قامت بالهجوم بتوجيه من مستويات عليا بحكومة  Kiirوإن دل ذلك علي شيئ فإنما يدل علي (1) أن Kiir يأمن العقوبة أو علي الأقل يعلم أن حبال الصبر الأمريكية عليه طويلة نسبياً و(2) أن موردي السلاح لنظام Kiir يعلمون بدرجة أو بأخري أن الوقت مبكر للخشية من إثارة موضوع السلاح مرتبطاً بإقتراف جرائم حرب , وبالرغم من أن الرئيس Salva kiir قاوم صدور قرار الدعم العددي للقوة الأممية بجنوب السودان  والذي تضمن أيضاً إشارة إلي إمكانية النظر في  فرض حظر علي السلاح , بل وأعلن علناً رفضه له في البداية بدعوي أنه يؤثر سلباً علي سيادة الدولة , إلا أنه أُرغم في النهاية علي قبوله ما يعني تناقص قدراته أمام المجتمع الدولي , مع أن الوقت المناسب لفرض الحظر كان مبرراً تماماً بعد هجوم القوات الموالية له علي مجمع إيوائي تابع للأمم المتحدة مخصص للنازحين الفارين من الحرب في يوليو الماضي , إلا أنه إنصاع تحت وطأة  ضغوط امريكية  أخري في تقديري جعلته يوافق مرغماً .

بينما صدر قرار مجلس الأمن المُشار إليهإ إنهمكت قوي أخري إقليمية هي في التحليل النهائي واجهة أخري بوجه أفريقي للدبلوماسية الأمريكي ممثلة في IGAD في البحث عن الوسائل المناسبة لإعادة الأطراف المُتحاربة للوضع الذي قررته إتفاقية السلام الموقعة بينهما في 17 سبتمبر 2015 وهي الحالة التي إعتبرتها الأمم المتحدة الحالة الراهنة التي يُقاس عليها أي الـ Status quo * (أصدر رؤساء دول تجمعي IGAD Plus  وشرق أفريقيا في ختام مؤتمرهم  الخامس الذي عُقد في أديس أبابا في 7 أغسطس 2016 بياناً قوياً بشأن الأزمة في جنوب السودان أشاروا في  موضع منه إلي بأن البلاد المجاورة لجنوب السودان حملت علي عاتقها العبء الثقيل للصراع منذ تفجره في ديسمبر 2013 بما في ذلك عبء التدفق المستمر والكثيف للاجئين وكذلك الإنتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة وعدم الإستقرار ) , ومع تدهور الأوضاع الأمنية لابد من الإشارة إلي آفة القبلية و الفساد المُستشري في أركان دولة جنوب السودان التي يقودها الرئيس Salva kiir من خلال SPLM حزبه الحاكم الذي ينتمي إليه أيضاً رئيس هيئة أركان القوات المسلحة لجنوب السودان اللواء Paul Malong الذي يشغل في نفس الوقت منصب رئيس حزب SPLM علي المستوي الجهوي بولاية شمال بحر الغزال و لهذا فإتفاقية سلام أديس أبابا إستهدفت السلام كأولوية لكنها لم تنفذ عميقاً إلي القبلية وآليات الفساد التي تعمل بكامل قواها في دولة أنيط بناؤها لقوي متمردة وقد نفت حكومة جنوب السودان جملة وتفصيلاً في 13 سبتمبر 2016علي لسان Ateny Wek Ateny السكرتير الصحفي لرئاسة جمهورية جنوب السودان ما أورده تقرير وضعه مكتب قانوني يدعي مجموعة The Sentry إستغرق وضعه عامان من التحريات ودمغ معظم إن لم يكن كل رجال حكومة جنوب السودان بدءاً من رئيس الجمهورية بالفساد وأشار هذا التقرير إلي أن Riek Machar النائب السابق للرئيس تربح بملايين الدولارات من صفقات سلاح مشبوهة, والنقطة المهمة والمتعلقة بهذه الدراسة اإشارة التقرير من بين أوجه عدة للفساد إلي أن الرئيس Kiir ونائبه السابق Machar تربحا من من تعاقدات توريد السلاح ومن مبيعات البترول والحصول من خلال نفوذهما علي أنصبة في شركات عاملة بجنوب السودان * (أسس هذه المجموعة  George Clooney نجم Hollywood ومعه الناشط في مجال حقوق الإنسان John Prendergast) وتضمن التقرير توجيه تهمة الفساد للرئيس Salva Kiir ونائبه السابق  Riek Machar لتكوينهما ثروات جراء فسادهما علي حساب ملايين من شعب الجنوب وأوضح Ateny أن التقرير سياسي لأن به خلاصات غير مؤسسة علي حقائق عن الفساد بحكومة الجنوب , وهكذا فقد طال الوهن أركان مؤسسات الدولة ففي معظم المناصب الحكومية والمحلية والعسكرية يلمس المرء طغيان العناصر المتحدرة من قبيلة الدنكا من أعالي النيل * ( كان جون جارانج يحابي أبناء قبيلته الدينكا خاصة هؤلاء الذين من دينكا بور Dinka Bor ) حتي بحر الغزال فالإستوائية ومن ثم فلا مجال للحديث عن محاسبة فمن يحاسب من والولاء القبلي يشد الكل , لهذا فلم تصمد إتفاقية السلام الموقعة في أديس أبابا الموقعة في 17 سبتمبر 2015 طويلاً لأن هذه الأوضاع السلبية وسمت بل ووصمت أيضاً الدولة الوليدة في جنوب السودان  إلي أن ساقتها مرغمة نحو أتون القتال الأهلي مُجدداً في 18 يوليو 2016 أي بعد عام من هذه الإتفاقية قصيرة العمر التي تجمدت نصوصها الخاصة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الإنتقالية ولجنة المراقبة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار وتاسيس مؤسسات جديدة والشروع في إجندة إصلاحية في القطاع العام وآليات العدالة الإنتقالية وغيرها .

لم يتوقف النزاع المسلح بين طرفي أزمة الحكم في السودان إلا ليتواصل مجدداً فكلما مضي الوقت مع إضطراد القتال يتزايد عدد الضحايا والنازحين والمشردين مما يؤثر علي أنشطة الرعي والزراعة التي بطبيعة الموقف تعرضت إنتاجيتهما لتناقص حاد أثر علي الأحوال المعيشية اليومية لسكان الجنوب بما فيها العاصمة جوبا والمدن الهامة مثل Malakal , وألقي هذا الموقف بظلال كثيفة علي موقفي طرفي أزمة الحكم في جنوب السودان الذي كلما زاد ميل الأمم المتحدة والولايات المتحدة للتدخل فيه مباشرة زادت شراستهما وكمثال علي ذلك أنه عندما تحركت الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة وبتنسيق مع الصين * (التي تخشي علي مصالحها خاصة البترولية في الجنوب في ولاية الوحدة وهجليج وعدرايل وغيرهم من إمكانية تعرضها لهجمات تخريبية) وقوي غربية أخري لها مصالح إقتصادية بالجنوب بإتجاه دعم قوة حفظ السلام العاملة بالفعل في الجنوب السوداني بإضافة عدد آخر لها  لحماية السكان والقوات رفض الرئيس Salva kiir مقترح دعم القوة الأممية العاملة بل وأصدرت حكومة جنوب السودان بيان في 11 أغسطس 2016 أشارت فيه إلي ” أن مقترح الولايات المتحدة بإرسال 4,000 عنصر لدعم قوة حفظ السلام في جنوب السودان سيمنح الأمم المتحدة علي حكم جنوب السودان  , وأنه في السابق تدخل المجتمع الدولي في أفغانستان والعراق وليبيا بهدف جلب السلام والديموقراطية لهذه الدول , لكن ما حدث أنه نجح في إزالة هذه الأنظمة لكنه فشل في جلب الأمن والسلام ولا يعلم أحد حتي الآن متي سيعود السلام لهذه البلاد ” ,  لكن وبالرغم من هذه الإنتقادات الرسمية للولايات المتحدة فإن الرئيس Salva Kiir إضطر أمام الضوط الأمريكي التي لا يمكنه إحتمال أقلها  للإنصياع للقرار الأممي وأرتضي به بعد ممارسة ضغوط أمريكية مباشرة عليه  وأعلن عن قبوله له بعد لقاءه في في القصر الجمهوري بجوبا مستهل سبتمبر 2016 لوفد عال المستوي يمثل مجلس الأمن الدولي وصدر بيان مشترك في نهاية اللقاء أشار إلي   “أن حكومة جنوب السودان وافقت علي تمركز قوة إقليمية إضافية لحفظ السلام للحماية وليس للتدخل  ” , وإن كان ذلك  بنية مبيتة علي الرفض  .

أوضحت الولايات المتحدة موقفها بجلاء في أكثر من مناسبة وعلي مدي زمني تالي للخامس عشر من ديسمبر 2013 تاريخ تفجر الصراع السياسي القبلي بين الرئيس Salva kiir ونائبه الأول Riek Machar وجددت هذا التوضيح مرة أخري في 7 سبتمبر 2016 عندما نقلت وكالة Associated Press من جوبا تصريحاً أدلي به Donald Booth مبعوث الولايات المتحدة الخاص بجنوب السودان دعا فيه جنوب السودان لإعادة بناء إتفاق المشاركة في السلطة في إطار إتفاقية السلام التي وقعها الطرفان في أديس أبابا , وأشارت الوكالة إلي أن المبعوث الأامريكي أفاد الكونجرس بأنه ” لا يعتقد أنه سيكون من الحكمة من قبل قائد التمرد Riek Machar أن يعود لممارسة دوره كنائب للرئيس بعد أن فر من البلاد في ذروة تجدد القتال في يوليو الماضي ” , لكن الأمور كانت تسير بين الولايات المتحدة و Machar في إتجاهها المعتاد فقد أعلنت مصادر إعلامية وثيقة الصلة به وتقلتها صحيفة Sudan Tribune في 6 أكتوبر 2016 التي أحلت علي هذه المصادر قولها أن فريقاً عالي المستوي يمثل   Macharبرئاسة السفير Stephen Par Kuol وصل إلي واشنطن للتباحث مع المسئولين هناك حول الموقف في جنوب السودان ولتنقية الأجواء بين واشنطن وحركة SPLM/SPLA (IO) بقيادة Machar وذلك بالرغم من أن John Kerry وزير الخارجية الأمريكية صرح أثناء زيارة أخيرة له لكينيا في سبتمبر 2016 أن تبديل Machar بنائب آخر هو Taban Deng يأتي إتساقاً مع إتفاقية سلام أديس أبابا , فيما تؤكد المعارضة المسلحة بقيادة Machar أن تعيين  Taban Deng إنتهاك لما ورد بالمواد 6/4 و6/5 من هذه الإتفاقية , وإتصالاً بتحركات Machar ذكرت مصادر مسئولة في السودان أنه  متواجد حالياً بالسودان التي لها دور مهم في مجريات الأحداث في جنوب السودان سواء أكانت متعلقة بأزمة الحكم أو غيرها وفيما يتعلق بأزمة الحكم أعلن Radio Tamazuj في  15 سبتمبر 2016 بالإحالة علي Manawa Peter Gatkuoth المتحدث باسم المعارضة المسلحة قوله أن فريقاً يمثل حركة SPLM-IO المعارضة للرئيس kiir والمُتحالفة مع نائبه السابق  Riek Machar تخطط لعقد إجتماع في الخرطوم وذلك لمناقشة التطورات الجارية في جنوب السودان وأشار إلي أنهم يريدون لقاء الدول المُشاركة في  Troika أزمة جنوب السودان لشرح موقف المعارضة لهم وأسباب القتال الذي نشب مجدداً في جوبا في يوليو 2016 مُضيفاً أن حركة SPLM-IO ستعقد مؤتمراً في بلدةYuai  بولاية Jonglei بحضور قادة الجيش الأبيض وآخرين   .

هددت الولايات المتحدة حكومة جنوب السودان أكثر من مرة بوقف مساعداتها الإنسانية مالم تتخذ حكومة جوبا خطوات إيجابية بإتجاه السلام , ولكن من الواضح أن هذا التهديد ليس له أثر جدي لا علي الحكومة التي وُجه إليها ولا علي المعارضة المسلحة التي جزء مهم من هؤلاء الموجه إليهم هذا العون الإنساني ينتمون قبلياً إليهم , فمن يستحل القتل بسفك الدم لا يخشي التسبب في القتل جوعاً , خاصة وأن هناك تجارب سابقة أثبتت أن تدفق المساعدات للنازحين الفارين من القتال يدعم الحكومة بل ويفسح لها الجال أكثر لمواصلته بمزيد من الشراسة مثلما كانت الحال مع Hutu في شرق الكونجو الديموقراطية في تسعينات القرن الماضي , ولذلك وجدت الإدارة الأمريكية التي أصدرت في وقت سابق حظراً علي كبار العسكريين من طرفي الصراع بجنوب السودان  نفسها وهي ترسل الرسائل الإنذارية والتهديدية للرئيس Salva kiir مضطرة لبيان دعمها العسكري لدولة جنوب السودان , خاصة بعد إعلانه رفض دعم القوة الأممية لحماية السكان بدعوي تعارض تمركزها مع سيادة دولة جنوب السودان وكذلك بسبب الإنتقادات الصادرة عن المعارضة المُسلحة متمثلة في SPLM-In بالداخل للولايات المتحدة متهمة الإدارة الأمريكية بتجديد دعمها العسكري لحكومة الرئيس Salva Kiir وإعتبارها لهذا الدعم ” قرارأ خاطئاً ” فقد أصدر الرئيس Barack Obama في 7 أكتوبر 2016 قراراً بإستمرار العون العسكري لجمهورية جنوب السودان * (علقت الولايات المتحدة عونها العسكري لجوبا بعد بداية الحرب الأهلية في ديسمبر 2013) , وهو القرار الذي وصفه رئيس مجلس وزراء جنوب السودان Martin Elia Lomuro بأنه ” الأمر الصحيح الذي يجب عمله ” مُضيفاً قوله بأن ” فرض الحظرعلي السلاح سيزيد من العداء ويقلص القدرات العسكرية مما يعزز من العمليات القتالية وأن هذا القرار يُظهر تجديد الشراكة بين البلدين ويتضمن تعهداً ببذل الجهود لتطبيق إتفاقية السلام وإستعادة الإستقرار ” , وحتي تحتفظ الولايات المتحدة بخطوط إتصالها مع المعارضة المسلحة بمنأي عن قرار مواصلة العون العسكري الأمريكي لحكومة Kiir  أصدرت السفارة الأمريكية في جوبا بياناً بتاريخ 13 أكتوبر 2016 , يعتبر في تقديري ذا أهمية لعلاقته بقضية مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لجنوب السودان ذلك  أن الحكومة الأمريكية أوضحت فيه محددات عونها العسكري لهذه الدولة , فالبيان أوضح  أن هناك  ” دعم جار لكنه في إطار الجهود الإقليمية التي يقودها الإتحاد الأفريقي ” , و ” أنه في أعقاب تفجر الصراع في ديسمبر 2013 علقت الولايات المتحدة برنامج المساعدة غير القتالية وهو البرنامج الذي كان معمولاً به في الفترة من 2006 حتي 2013 والموجه للجيش الشعبي لتحرير السودان  SPLA لمساعدته علي الحرفية والذي تم تطويره بطلب من  John Garang de Mabior ” , كما أشار البيان إلي ” أن الولايات المتحدة لم تستأنف هذا البرنامج ولم تقدم أي عون عسكري لحكومة جنوب السودان أو للمعارضة المسلحة منذ ديسمبر 2013 “, ثم أكد ” أن الحكومة الأمريكية يمكنها أن تواصل الإمداد بالعون المالي لدعم تنفيذ إتفاق السلام خاصة ما يتعلق بالكيان المعروف بـ ” آلية وقف إطلاق النار والمراقبة الأمنية الإنتقالية ” CTSAMM والمُكلفة بمراقبة إنتهاكات وقف إطلاق النار , وأنه بدون تحقق ذلك فأن الولايات المتحدة سوف لا يمكنها دعم مراقبة وقف إطلاق النار بسبب الأنشطة الخطرة والعدائيات الحالية , كما أشار البيان إلي أن حكومة الولايات المتحدة لم تشر إلي نيتها لتوسيع مدي مساعدتها لجنوب السودان فالقانون الساري بالولايات المتحدة يحظر علي حكومتها الإمداد بمساعدات جديدة لحكومة جنوب السودان حتي تأخذ الأخيرة خطوات فعالة فيما يتعلق بـ (1) إنهاء العدائيات والإستمرار بنية خالصة في التفاوض من أجل تسوية سياسية للصراع الراهن و(2) وقف تعيين وإستخدام الجنود الأطفال و(3) حماية حريات التعبير والإجتماع والتجمع و(4) خفض الفساد المتعلق بإستخراج البترول وبيع البترول والغاز و(5) إقامة مؤسسات ديموقراطية بما في ذلك إقامة جيش مسئول وشرطة تحت قيادة مدنية , وسوف تستمر الولايات المتحدة في حث جنوب السودان علي إتخاذ هذه الخطوات التي تؤمن بأنها مساهمة مستديمة للإستقرار والتنمية ” .

لكن لوحظ أن تحرك الولايات المتحدة في مسألة إصدار قرار من مجلس الأمن بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان يتسم بالمد والجزر فبالرغم من نداءات أمريكية بضرورة فرض الحظر نجد أنه بالإضافة إلي إصدار الرئيس Obama قراراً في 7 أكتوبر 2016 بتجديد العون العسكري لجنوب السودان فإن جهودها في الإتفاق الدبلوماسي مع روسيا والصين المعارضان الرئيسيان لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان تتعرض لنكسات ففي جلسة مجلس الأمن في 17 فبراير 2015 وزع المندوب الأمريكي بالمجلس مسودة قرار مُقترح خلا من إقتراح فرض الحظر بل وحتي لم يشر إلي  وضع شخصيات مسئولة بالحرب الأهلية هناك علي القائمة السوداء أو حظر سفرها للولايات المتحدة ,, فيما أفادت وكالة Reuters في 24 سبتمبر 2015 أن الولايات المتحدة إقترحت في مشروع قرار وُزع علي أعضاء مجلس الأمن  إنشاء لجنة تابعة للأمم المتحدة للعقوبات علي جنوب السودان وأشارت الوكالة أن هذا المشروع لم يشر إلي رئيس جنوب السودان Salva Kiir ولا Riek Machar قائد التمرد عليه بالإسم , وأستعاضت عن ذكرهما بالإشارة إلي أن العقوبات ستطبق علي ” قادة أي كيان من الكيانات” ولم يتضمن المشروع ذكر لعقوبات معينة بل وضه آلية لها ,وأشارت الوكالة نقلاً عن الوفد الأمريكي بمجلس الأمن قوله أن فرض حظر علي السلاح  ممكن إن لم يستطع طرفي الحرب الإنخراط في عملية السلام , ثم وفي الأسبوع الأول من أبريل 2016 قادت الولايات المتحدة جهوداً لحظر السلاح لجنوب السودان لكن الأمم المتحدة إرتأت تأجيل الأمر حتي يونيو 2016  بزعم أن هناك تحسناً في سلوك الأطراف المُتحاربة في الجنوب  *(حتي مايو 2016 فإنه إلي جانب الولايات المتحدة تدعم الدول الآتية فرض حظر سلاح علي جنوب السودان : السنغال – أسبانيا – فرنسا – نيوزيلاند – المملكة المتحدة – أنجولا ” التي يتأرجح موقفها ” بالإضافة لدول أفريقية أخري كإثيوبيا , كما يدعم كلا من الإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي هذا الإتجاه ) , وقد وجهت 30 شخصية من جنوب السودان والمنظمات الدولية خطاباً للرئيس Obama في يناير 2015 يدعونه فيه إلي دعم قرار من الأمم المتحدة لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان .

لوحظ بعد خروج Machar من جنوب السودان وإتجاهه إلي الخرطوم في أغسطس الماضي إعلان أكثر من مسئول أمريكي ممن يتناولون ملف الجنوب السوداني عدم رغبة الولايات المتحدة في التعامل مع Machar ففي خبر بثته إذاعة  Radio Tamazuj  في 20 أكتوبر 2016 أشارت إلي سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع أزمة الحكم في جنوب السودان وأشارت إلي أحد هذه التصريحات بالرغم من أن الموقف الأمريكي حيال  Macharكان مواتياً إلي أن حدثت الإشتباكات في يوليو الماضي وخروجه من أراضي جنوب السودان بعدها ففي18 أغسطس 2016 صرحت    السفيرة  Linda Thomas-Greenfield مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية لإذاعة صوت أمريكا  بـقولها   “إننا نأمل في أن تكون هناك إمكانية لعودة د . Machar إلي جوبا ليكونوا (أي الجانبين) قادرين علي الإستمرار في العملية ” , وعموماً فهناك ثمة إحتمالات متعددة إزاء هذا الإتجاه الأمريكي في التعامل مع Machar منها أنه قد يكون موقف تساومي أمريكي بتهديده بالعزل السياسي الأمريكي , لكن هذا الإحتمال يقلل من فاعليته إنضمام شخصيات ومجموعات جنوبية إلي صفوف المعارضة المسلحة وكذلك فإرتباطات Machar مع السودان ولو أنها تُحسب عليه من الجانب الأمريكي إلا أنها تقوي من ساعده * (أعلن وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور في يوليو 2016 بأن السودان لن يسمح بأن تكون أراضيه منصة لأنشطة المعارضة الجنوبية المُسلحة) , الإحتمال الآخر أن الأمريكيين لا يريدون أن يظهرون في الصورة علي أنهم علي صلة قوية مع Machar حتي لا تستخدمها الأغلبية الدنكاوية من الساسة والسكان المنتمين لقبيلة الدينكا ضد الولايات المتحدة خاصة وأن Machar والمعارضة المسلحة هدفهم النهائي من الحرب أو التفاوض أو هما معاً الوصول لحالة تعادل في السلطة والثروة وهو ما قد يقبله الجانب الدينكاوي بصعوبة إن قبله لمدة طويلة , الإحتمال الأخير أن يكون Machar وقواته علي صلة قوية بالصين التي سبق لكتيبة تابعة له عام 1997حراسة منشآت البترول التي كانت الشركة الوطنية الصينينية للبترول تقوم علي إستخراجه وإنتاجه , خاصة وأن الصين مازالت تولي أهمية لإستقرار تواجدها في المجال البترولي بجنوب السودان , ولهذا نجد أن الصوت الصيني واضح في الجلبة السياسية الحاصلة حالياً بشأن صراع الجنوبيين نظراً لكثافة مصالحها الإقتصادية هناك , ومما يؤكد ذلك وفقاً لوكالة الأنباء الصينية (Xinhua ) في الأول من نوفمبر 2016 أن الصين قررت إرسال 925 رجل للإنضمام لقوة حفظ السلام الأممية في جنوب السودان ودارفور لعام واحد , لكن وبغض النظر عن أثر العلاقات السابقة بين الصين و Machar فإن الصين أوضحت معارضتها لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان عندما تساءل Liu Jieyi مندوبها الدائم لدي الأمم المتحدة في 17 فبراير 2015عن المنطق الذي تستند إليه الولايات المتحدة في إندفاعها نحو إنشاء نظام عقوبات ضد جنوب السودان بينما الأطراف المتحاربة هناك تتفاوض من أجل صفقة إقتسام للسلطة تنهي الصراع في هذا البلد .

تتبقي ملاحظة في شأن العلاقات الأمريكية بجنوب السودان وهي أن الولايات المتحدة حتي الآن تركز مساعدتها لحكومة جنوب السودان علي العون الإنساني والعون العسكري المُحاط بمحددات , لكنها لا تفعل مثلما تفعل في أنجولا فهي تدعم جهود حكومة أنجولا لتسكين الصراع الدائر بينها وبين الإنفصاليين مسلحي جبهة تحرير جيب كابيندا وهو إقليم يساهم بنحو 75% من إنتاج البترول الأنجولي البالغ 2 مليون برميل / يوم تقريباً , ويؤكد ذلك ما أعلنه Jim Blackwell مدير شركة Chevron   في كابيندا في 26 مارس 2006 من أن شركته رصدت مليار دولار للتنمية في كابيندا لدفع جهود السلام في الإقليم بالإضافة إلي أن الإستثمارات الأمريكية في البترول الأنجولي مثلاً شهدت طفرة فقد سبق وأعلن  مدير Chevron في 27 مارس 2006 أن شركته التي تنتج 481,000 برميل / يوم في أنجولا ( ومنها كابيندا) متوقع لها تحقيق نمواً إنتاجياً بنسبة 40% خلال الفترة من 2005 حتي 2008 وأن مشروعات التنمية الأإنتاجية الأربع تلك تبلغ قيمة الإستثمارات فيها 11 مليار دولار تُنفق علي مدي 3 سنوات  , ولإن معظم بترول جنوب السودان مازال في قبضة الصين فإن لا حافز لدي الأمريكيين للإستثمار المُكثف في جنوب السودان وفقاً لمبدأ ” العائد علي التكلفة ” ولا يعني هذا خفض الأهمية السياسية لجنوب السودان بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية , بل يعني فقط أن جنوب السودان ” حالة سياسية ”  لا أكثر ولا أقل للولايات المتحدة  .

موقف الإتحاد الأوروبي  :

عقب العنف الشديد في القتال بين الأطراف المتصارعة بجنوب السودان أصدر الممثل الأعلي للإتحاد الأوروبي  Federica Mogherini بياناً عن جنوب السودان في 20 أكتوبر 2016أشارت فيه إلي أن الإتحاد الأوروبي  يؤكد دعوته لكل الأطراف بجنوب السودان لتنفيذ إتفاق حل الصراع بنيةخالصة , كما أشار هذا البيان إلي أن الإتحاد الأوروبي يظل مستعداً لفرض عقوبات ضد أي فرد مسئول الخروج عن عملية السلام بجنوب السودان , ونوه البيان إلي أن الإتحاد يبقي علي حظر السلاح علي جنوب السودان (الذي فُرض عام 2011)  ويؤيد ترحيب مجلس الأمن الدولي بالنظر في تدابير إضافية بما فيها ما يتعلق بحظر السلاح   .

صدر عن منظمة IGAD والـ Troika والإتحاد الأوروبي بيان مُشترك في 7 أكتوبر 2016 تضمن إدانة دعوات قادة المعارضة المسلحة عن تجديدهم للصراع المسلح في جنوب السودان , وأشار البيان إلي أن المزيد من القتال لن يحل التحديات الإقتصادية والسياسية الضاغطة التي تواجه جنوب السودان بل ستزيد معاناة شعب الجنوب , لكن البيان من جهة أخري أشار إلي أن الحكومة والمعارضة المسلحة يتحملان مسئولية تجدد العداءات منذ مصادمات يوليو الماضي في جوبا , وأنهم (IGAD والـ Troika والإتحاد الأوروبي ) قلقين من القتال الكثيف في أرجاء جنوب السودان وخاصة بالقرب من مدن Yei و Wau و Bentiu و الناصر .

موقف الأمم المتحدة : 

دعا أمين عام الأمم المتحدة Ban Ki-moon مجلس الأمن الدولي في 11 يوليو 2016 إلي فرض حظر علي السلاح لجنوب السودان وفرض عقوبات علي القادة الميدانيين الذين تسببوا في سد الطريق أمام تنفيذ إتفاقية أديس أبابا للسلام في جنوب السودان وكذلك دعا إلي تقوية قوة حفظ السلام الأممية وذلك عقب تجدد القتال بين قوات Kiir وقوات  Macharفي جوبا علي مدار 4 أيام متتالية  منذ أن بدأ في 9 يوليو , وأشار   moonإلي أن الوقت قد حان لتعزيز عمل الأمم الأمم المتحدة بقوة وأن القتال بين الفريقين إمتد لمناطق خارج جوبا بالولاية الإستوائية الوسطي , ومع ذلك فإن توجه الأمم المتحدة في شأن فرض الحظر وغيره لم يزل بعد خاضعاً لنقاش طويل بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن منذ فترة طويلة , ففي 25 مارس 2015 أفادت وكالة Reuters من مبني الأمم المتحدة أن مجلس الأمن التابع  للأمم المتحدة هدد بفرض عقوبات ضد مسئولين كبار بجنوب السودان لقيامهم بأعمال وتبني سياسات تعرض الأمن والإستقرار للخطر بعد أن فشل قادة البلاد في الإتفاق علي إحلال السلام , وكان رد الرئيس علي ذلك أن رفض في مارس 2016 تهديدات الأمم المتحدة قائلاً أن حكومته مستعدة لإستئناف قتال التمرد لو أنهم يفضلون الحرب فيما قال السفير Francis Deng مندوب جنوب السودان بالأمم المتحدة ” أن العقوبات في هذه المرحلة الحرجة ستصيب الإقتصاد فقط بالضرر وستزيد من الضغوط الإقتصادية علي الشعب الذي يعاني بالفعل ويائس ” .

أشارت وكالة Reuters في 9 سبتمبر2016 بالإحالة علي تقرير وصفته بالسري وضعه مراقبي الأمم المتحدة للحظر علي السلاح بجنوب السودان بأن حكومة جنوب السودان أشترت طائرتان مقاتلتان ومركبات نقل ذخيرة أسلحة صغيرة وتبحث عن تصنيع الذخيرة محلياً , فيما لم تحصل قوات المعارضة علي أي شحنات ذات بال , كما أشار التقرير إلي أن حكومة جنوب السودان فرضت قيود علي حركة قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وهي القوة التي تموضعت في أراضي جنوب السودان منذ إنفصالها عن السودان وإعلان إستقلال الجنوب في 9 يوليو 2011 وبلغ تعدادها حتي وقت قريب قبل دعمها 13,500 ما بين عناصر عسكرية وشرطية وإدارية , وحذر التقرير في موضع منه من أن حكومة أحدث دول العالم أي جنوب السودان قد إنهارت بالفعل جراء سياستها التي تضمنت شراء السلاح بدلاً من تمويل الخدمات الإجتماعية لشعبها , وأشار التقرير إلي أن تدفقات السلاح والمهددات الأمنية لجنوب السودان منذ تشكيل الحكومة الإنتقالية في أبريل عززت من مسألة فرض حظر علي السلاح التي طرحها المراقبين علي مجلس الأمن الدولي في يناير وهو ما دعي إليه أيضاً أمين عام الأمم المتحدة Ban Ki-moon , وأنه لما لم تكن هناك ثمة شواهد تقول بأن هناك ثمة حاجة من قبل الحكومة للمزيد من السلاح  في جنوب السودان  لتحقيق بيئة مستقرة , فكذلك يساهم إستمرار تدفق السلاح في نشر عدم الإستقرار وإستمرار الصراع , وقال المراقبين كذلك في تقريرهم أنه بينما أمد السودان قوات المعارضة بجنوب السودان بالأسلحة الصغيرة والطلقات والدعم اللوجيستي , فإنهم لم يثبت لديهم ما يشير لذلك بالدليل بشأن السودان أو أي من دول الجوار .

كان التقرير الأممي معنياً بمسألة تسليح جنوب السودان في أجواء حرب أهلية مُستعرة ولذلك عمد من وضعوا هذا التقرير – الذي نوقش في إجتماع للأعضاء الخمسة عشر بمجلس الأمن الدولي عُقد في الأاسبوع الثالث من أكتوبر 2016 –  إلي الإشارة لمصادر السلاح التي ترد عبر وسطاء وتصل في النهاية لأيدي جيش جنوب السودان فأشاروا إلي إسرائيل وبلغاريا كموردين رئيسيين لقوات  Salva Kiir  , هذا بالإضافة إلي أن تقرير للعفو الدولية  عام 2014 أشار إلي شحنات أسلحة وصلت لجنوب السودان من أوكرانيا وأكد هذا التقرير كذلك وصول شحنة من شركة مملوكة للدولة الصينية تدعي NORINCO نقلت لجنوب السودان شحنة زنتها ألف طن من الأسلحة الصغيرة وأسلحة أخري خفيفة وأنظمة صواريخ والأف من البنادق الآلية وراجمات لنحو 20,00  قنبلة يدوية ومئآت من المسدسات والمدافع وملايين من الطلقات قيمتها 38 مليون دولار , كما أشار تقرير Human Rights Watch نُشر في أبريل 2016 أن قوات Machar تحصل علي كميات من السلاح من قوات حكومة السودان  .

السلاح الإسرائيلي وأزمة الحكم في جنوب السودان

ما سبق هو بيان لحجم الصراع الناتج عن أزمة الحكم في جنوب السودان وهو الصراع الذي تطور ليشكل الموجة الثانية من الحرب الأهلية هناك والذي يعتبر تدفق السلاح لأطرافها بمثابة ترسيخ لأزمة الحكم وإيقاد دائم للحرب الأهلية التي للأطراف الدولية المعنية موقف إزاءها , وهو أمر كان من الضروري بيانه لتكوين صورة عن خطورة تدفق السلاح ومنه الإسرائيلي علي دولة مازالت بعد في طور التكوين , كما أنه وقبل تناول موضوع تصدير السلاح الإسرائيلي الصنع لجنوب السودان وعلاقة ذلك بأزمة الحكم لابد أولاً من الإشارة إلي أن الرافد الأول للعلاقات بين إسرائيل وجنوب السودان رافد معنوي يروج له أويعتقد فيه المسئولين في كل من إسرائيل وجنوب السودان , ومفاده أن دولة جنوب السودان نسخة مُعدلة لإسرائيل ولهذا ولأسباب دينية أيضاً ستجد إسرائيل لها موقعاً فريداً في قلوب مسئولي وشعب الجنوب فمسيحيو جنوب السودان في معظمهم إما تابعين للكنيسة الأنجيليكانية الإنجليزية أوالمجيئيين الأدفنتيست أوالكنيسة الــ PRESBYTERIAN الأمريكية والتي دخلت بعض كنائسها في إتحاد مع الكنائس الأنجيليكانية والمعمدانية واللوثرية ومعظمها تتضمن عقيدة بشارة مجيئ المسيح بعد إقامة دولة إسرائيل وعلينا طبعاً في منطقتنا جني ثمار بعض ما يعتقدونه للأسف وإنبثاقاً من هذا الرافد تفرع تلاقي إسرائيل مع متمردي جنوب السودان في الكراهية المُشتركة للمسلمين والإسلام بالطبع ففي أعقاب هزيمة 5 يونيو 1967 أرسل الجنرال المتمرد Lagu رسالة تهنئة إلي Levi Eshkol رئيس الوزراء الإسرائيلي  وأشار فيها إلي ”  أننا أيضاً نقاتل العرب في شمال السودان وعقدت معه (أي مع Eshkol) صفقة في مقابل سد الطريق أمام الجيش الشمالي في مساعدته للمصريين ” وعلق Lagu علي ذلك فيما بعد بأن قال ” إستجابت إسرائيل لطلباتي وأرسلت لي دعماً عسكرياً ” , أما الرافد الثاني للعلاقات الإسرائيلية مع جنوب السودان فهو الرافد العسكري فقد تشكلت العلاقات الإسرائيلية مع جنوب السودان علي أساس عسكري بحت فلم يكن إحتياج قوي التيار الرئيسي للتمرد الجنوبي من إسرائيل متنوعاً إذ كان محصوراً في وفاء إسرائيل بطلبات الحركة الشعبية لتحرير السودان من التسليح والتدريب العسكري والمعلومات الإستخباراتية عن السودان خاصة ذات الطابع العسكري , وكان جزءاً مهما آخر من هذه المعلومات مُتعلقاً بعلاقات الفصائل المنشقة عن حركة جارانج والتي تميل للإتفاق في شأن إقرار السلام في الجنوب وأستطاعت السلطات السودانية إتمام مصالحة بينها والمضي قدماً نحو توقيع إتفاق السلام في 21 أبريل 1997وهذه الفصائل هي  :

(1) جبهة الإنقاذ الديموقراطية المتحدة لجنوب السودان التي تكونت من إتحاد كل من :

* حركة إستقلال جنوب السودانSSIM  ويقودها ويقود جبهة الإنقاذ الديموقراطية المتحدة لجنوب السودان  Dr Riek Machar ( الذي إنشق عن الجيش الشعبي لتحرير السودان عام 1991)

* الإتحاد السوداني للأحزاب الأفريقيةUSAP   بقيادة  Samuel Aru Bol

(2) الحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM بقيادة  Karubino Kuanyin Bol

(3) قوة دفاع الإستوائية EDF بقيادة  Thiopholus Chang Loti

(4) مجموعة جنوب السودان المُستقلة SSIG بقيادة  Kawac Makuei

(5) مجموعة بور بقيادة  Arok Thon Arok

ولهذه الحركات المُشار إليها صلة بأزمة الحكم الحالية بالجنوب  فريك مشار زعيم جبهة الإنقاذ الديموقراطية هو نفسه المعارض الرئيسي لرئيس جنوب السودان سلفا كير في الأزمة الراهنة ,وهو نفسه الذي وقع ومعه الفصائل أو الحركات المُشار إليها آنفاً مع الزبير محمد صالح النائب الأول للرئيس السوداني  ممثلاً لحكومة الخرطوم  في 21 أبريل 1997 إتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المُقاتلة في جنوب السودان  والتي رآها التمرد أنها علي غرار ميثاق السلام الذي أعلنت عنه الحكومة السودانية  في 10 أبريل 1996 * ( Sudan Democratic Gazette .Number 84 . May 1997) وذلك في إطار ما يُعرف بـ ” عملية السلام من الداخل ” التي أرادت منها الحكومة السودانية موازنة ضغوط الولايات المتحدة وشركاء  )  Inter-Governmental Authority on Development) التي مُورست من أجل حمل السودان علي التوصل لتسوية سياسية للصراع تتضمن خيار تقرير مصير الجنوب وهو أهم مطالب حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جارانج * ( كان عقيداً بالقوات المسلحة السودانية بفرع البحوث العسكرية) الذي كانت الإدارات الأمريكية بعد تأسيسه لحركته في يونيو 1983 تتعامل معه بإعتباره الممثل الوحيد والقادر علي مواجهة حكومة السودان , لكن هذه الإتفاقية تآكل حيزها حتي إختفي تماما بسبب الجهود المخابراتية الأمريكية التي عملت علي الإقتراب من الحركات أو الفصائل الجنوبية التي شاركت في توقيعها ومما يفسر ذلك قيام  Karubino Kuanyin Bol قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان بعملية قتالية في واو ضد قوات الجكومة السودانية في نهاية يناير 1998 , لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن إتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المُقاتلة في جنوب السودان الموقعة في 21 أبريل 1997 *( لم تلب الحكومة المصرية اللدعوة التي وُجهت إليها لحضور حفل التوقيع الذي أقيم بالقصر الجمهوري بالخرطوم بينما لبت الدعوة التي وجهتها الحكومة الكينية لحضور فاعليات التوقيع علي إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005 والتي كانت مقدمة مؤكدة لإنفصال الجنوب) لم تختلف في جوهرها عما تضمنته إتفاقية السلام الشامل بالسودان أو ما يُسمي بإتفاقية نيفاشا  Naivasha Agreement وهي عبارة عن مجموعة واحدة من الإتفاقيات والبروتوكولات ضُمت بين دفتي إتفاقية واحدة وقعت بعد إتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المُقاتلة في جنوب السودان  بثمانية سنوات أي في يناير 2005 , فقد نصت إتفاية الخرطوم للسلام في  مادتيها الرابعة إقتسام السلطة وفي الخامسة إقتسام الثروة وفي مادتها السابعة تناولت الفترة الإنتقالية وفي الفصل الخامس فصلت الإنتقالية إنشاء ومهام مجلس تنسيق الجنوب الذي يدير الجنوب في الفترة توطئة لتنفيذ الإستفتاء علي مصير الجنوب بالوحدة أو الإنفصال وفقاً لأحكام المادة العاشرة من هذه الإتفاقية , لكن الفارق الرئيس بين إتفاقيتي الخرطوم وإتفاقية السلام الشامل أن الأولي وُقعت في الخرطوم العاصمة وبين الحكومة السودانية وفصائل جنوبية غير مدعومة من الخارج بدون وسيط خارجي والتشابه الرئيسي  بينهما كان في النص علي فترة إنتقالية تمهد لتطبيق حق تقرير المصير بالوحدة أو الإنفصال مُغطي بتدابير أمنية خلال الفترة الإنتقالية .

من جهة أخري فهناك خلفية تاريخية تفسر الميول الإنفصالية لدي قادة التمرد الجنوبي فقبل توقيع مصر وبريطانيا لإتفاقية الحكم الذاتي للسودان بالقاهرة في 12 فبراير 1953 أي في عام 1947 كان إتجاه الجنوبيين هو الوحدة في إطار سودان واحد وتقرر ذلك بالفعل في مؤتمر قادة الجنوب بجوبا 1947 , لكن هذه الرغبة تنازعت مع الميول الإنفصالية التي سبقت ذلك الميل ونشأت بسبب الواقع السلبي الذي تكون في الجنوب إثر إصدار الحاكم العام البريطاني للسودان مرسوم المناطق المُقفلة بالجنوب Closed Districts Ordinance عام 1920 الذي عزل جنوب السودان عن شماله ورغم أن هذا المرسوم أُلغي عام 1946, إلا أُن بريطانيا أعادت بعد إتفاق الحكم الذاتي للسودان محاولاتها لفصل السودان كله عن مصر وليس الجنوب فحسب , فعندما طُبقت هذه الإتفاقية نتج عنها عدة أخطاء جعلت الجنوبيين يشعرون بالتمييز العرقي ضدهم ففي إطار تطبيق السودنة كما نصت إتفاقية 12 فبراير 1953 أنشأت السلطات البريطانية (حاكم عام السودان) 800 وظيفة لإدارة السودان خصص منها سياسو الشمال 4 وظائف أو مناصب فقط للجنوبيين ورأي الجنوبيين أن ما طُبق ليس سودنة بقدر ما كان همينة شمالية علي كل السودان أو ما يُسمي بـ Northernization not Sudanization و وتطور شعور سلبي من قبل الجنوبيين تجاه الشمال فتمردت الفرقة الإستوائية بإحدي الحاميات العسكرية الجنوبية بالجنوب علي القوات الحكومية السودانية وتكونت إثر ذلك حركة أنانيا (1) عام 1955 تلتها حركة أنانيا (2) وتتبعت الولايات المتحدة وإسرائيل تطور الميول الإنفصالية بجنوب السودان خاصة بعد تبلور دور مختلف للسودان تجاه الصراع العربي الإسرائيلي بعد هزيمة 5 يونيو 1967 ترجمه مؤتمر قمة الرؤساء والملوك العرب بالخرطوم وإصداره بيان اللاءات الثلاث ” لا صلح ولا إستسلام ولا تسوية” مع إسرائيل التي وجدت أن الحل العملي لعزل مصر سياسياً وعسكرياً لا يتحقق إلا بإغراق السودان في صراع من نوع مختلف صراع داخلي أسابه جاهزة ووقوده متوفر في إذكاء الميول الإنفصالية وبالفعل وبعد هزيمة يونيو 1967 بدأت إسرائيل تمد جسورها مع جنوب السودان وبأدني قدر من الإعلام عنها , ومع نمو الصراع بين شمال وجنوب السودان الذي تولت فيه الإدارات الأمريكية المُتعاقبة – بمساندة من الكونجرس واللوبي المسيحي والبترولي الأمريكي معاً – دوراً رئيسيا فيه لدرجة أنها في سبعينات القرن الماضي وجهت شركة Chevron بردم آبارالبترول التي إكتشفتها في الجنوب لئلا يستخدم الرئيس جعفر نميري عوائد بيع البترول السوداني في تمويل حرب الجنوب , وهي نفس الآبار التي أعادت حكومة السودان فتحها ومنح إمتيازها إلي كونسورتيوم يتكون من شركة Petronas الماليزية والشركة القطرية للبترول و Arakis الكندية * (قررت هذه الشركة عن إنسحابها من السودان في 18 سبتمبر 1995 عندما أعلنت من مقرها في فانكوفر بأن صفقة التمويل البالغة 750 مليون دولار التي كان من المُتفق عليه أن تقدمها المجموعة العربية الدولية ” الأمير سلطان بن سعود” فشلت , وهو ما أكدته المجموعة العربية أيضاً وهوما كان في تقديري نتاجاً  لإستمرار الضغوط الأمريكية وضعف المركز المالي لشركة Arakis) , وأدي هذا الإنسحاب إلي دخول الحكومة السودانية في مباحثات ومشاريع إتفاقات مع إيطاليا (شركة AGIP) وروسيا * (أثناء زيارة وفد روسي للسودان في أبريل 1995) ثم وقعت الحكومة السودانية إتفاقاً مع العراق في ديسمبر 1994 بموجبه تقدم الحكومة العراقية المساعدة لإستغلال السودان إحتياطياته النفطية لكن هذا الإتفاق لم يُنفذ , كما وقعت الحكومة إتفاقاً لتأسيس شركة مشتركة مع الشركة القطرية للعمل في أعالي النيل بحيث تساهم الشركة القطرية بـ 60% من رأس المال وتساهم شركة كونكورب السودانية 20% والشركة الوطنية السودانية 20% , لكن إزاء ضعف معظم هذه الإتفاقيات وإزاء رغبة حكومة السودان في تخطي أزمة توفير المنجات البترولية كانت تكلف الخزانة العامة للدولة 400 مليون دولار سنوياً لمواجهة متطلبات إستيراد البترول من الخارج بواقع 60,000 برميل / يوم ( وفقاً لأرقام عام 1995)  وهو ما شكل تهدياً للأمن القومي السوداني خاصة في ظروف إستمرار الحرب في الجنوب  , لذلك تقدمت الصين من بعد ذلك لإستغلال البترول السوداني , وبالفعل نجحت في تصدير البترول لأول مرة للخارج عام 1998 وأستطاعت حكومة السودان بذلك إحداث قدر ملموس من التنمية وتمويل الحرب ضد الإنفصاليين الجنوبيين , لكن الإنفصاليين الجنوبيين كانوا يملكون دعماً سياسياً وعسكريا مباشراً ومنتظماً ومتنوعاً من الولايات المتحدة وحلفاءها وفي مقدمتهم إسرائيل  التي كان دخولها علي المسار العسكري للصراع في جنوب السودان متماهياً بل ويتفق تماماً مع ما ورد في بعض المواضع بمذكرات التفاهم الإستراتيجي الموقعة بينها وبين الإدارات الأمريكية , فالولايات المتحدة دخلت بمختلف أدوات نفوذها السياسي والعسكري لحسم الصراع في الجنوب لمصلحة الجنوبيين للوصول للمحطة الأخيرة التي أرادتها محطة الإنفصال , وفي ضوء الموقف الأمريكي الصريح بدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان لدرجة وصل هذه الموقف إلي حد أن وجه مشروع قرار مكون من خمس بنود رئيسية  و14 بند متفرع عن هذه البنود قُدم في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين  دعوة صريحة للرئيس بيل كلينتون لتسليح الجيش الشعبي لتحرير السودان بل وطالب مشروع القرار الذي تبناه 47 نائب – بعد زيارة قام بها ثلاثة منهم لجنوب السودان –   ودعوة مجلس الأمن لإتخاذ 4 إجراءات أخطرها فرض حظر علي  بيع الأسلحة لحكومة السودان وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1070 المُتعلق بفرض حظر جوي علي السودان , وقد تمكن النائب فرانك وولف الذي تسيطر عليه مشاعر كراهية للسودان من تمرير مشروع هذا القرار في 10 يونيو 1999في اللجنة الفرعية للشئون الخارجية الخاصة بأفريقيا بمحلس النواب  ثم تقدم السيناتور الجمهوري براونباك بمشروع هذا القرار للجنة الفرعية للشئون الخارجية الخاصة بأفريقيا بمجلس الشيوخ أيضاً  * ( صحيفة الحياة اللندنية 22 يونيو 1999. صفحة 5 ) , وفي الواقع فإن إدارة الرئيس كلينتون وفي إطار إستراتيجيتها لتغيير الخريطة السياسية لأفريقيا بما يتواءم مع تحقيق مجمل المصالح الأمريكية أولت أهمية خاصة لإقامة ما يُسمي بالقرن الأفريقي الكبير , وفي هذا السياق وبعد إخفاق مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والتمرد الجنوبي في أبوجا (1) وأبوجا (2) في مايو 1993 قررت الإدارة الأمريكية التوجه إلي تحقيق تغيير إستراتيجي أمريكي تجاه الصراع في جنوب السودان فتحول فكر الإدارة من مجرد منع وكبح الجهود السودانية لتناول حل الصراع في الجنوب من خلال الحرب وإملاء إتفاقيات جزئية تهدف إما إلي التهدئة أو السلام المحدود من خلال ما يُسمي بالسلام من الداخل , إلي الإستمرار في دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان مع تطوير تدخلها السياسي والدبلوماسي وبالتالي فقد أخذت زمام المبادرة في فرض رؤيتها لحل الصراع في الجنوب بإستخدام حزمة من الإجراءات تشمل الدعم العسكري لحلفاءها الأفارقة المحيطين بجنوب السودان وخاصة أوغندا وكينيا والدعم العسكري واللوجيستي والمعلوماتي للجيش الشعبي لتحرير السودان ووض السودان علي قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993 كما عينت إدارة الرئيس كلينتون السيدة ميلسا ويلز ممثلاً خاصاً للرئيس الأمريكي ومبعوثاً له للسودان في 20 مايو 1994 ثم لاحقاً وفي مرحلة من مراحل التفاوض في إطار السلطة عبر الحكومية للتنمية IGAD – The Intergovernmental Authority on Development قررت الإدارة الأمريكية في 3 نوفمبر 1997فرض عقوبات علي حكومة السودان تضمنت عمليات البع والشراء وتجميد أصولها في الولايات المتحدة والتضييق علي تعاملاتها المالية (أصدر الرئيس بوش في 27 أبريل أمراً تنفيذياً جديداً يوسع من نطاق الأمر التنفيذي رقم 13067الذي أصدره الرئيس كلينتون ليشمل ممتلكات ومصالح أشخاص بعينهم لهم صلة بالصراع في الجنوب ألخ ) , مما أدي في النهاية إلي توقيع حكومة السودان والجيش الشعبي لتحرير السلام لإتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بكينيا في يناير 2005 تلي ذلك بموجب نص بهذه الإتفاقية إجراء إستفتاء بجنوب السودان لتقرير مصيره في 9 يناير 2011 , وكان أن إختار شعب الجنوب الإنفصال عن السودان ( بلغ عدد المصوتين المسجلين 3,947,676 مواطن جنوبي وبلغت نسبة  التصويت 97,5% منهم صوت 98,83% منهم للإنفصال و1,17% للوحدة ) فأعلن في 9 يوليو 2011 عن قيام دولة جنوب السودان .

في الوقت الذي تمتعت فيه حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون جارانج – وهي آنئذ ليست بأي مقياس دولة – بدعم القوي الكبري وخاصة الولايات المتحدة فقد تمتعت أيضاً بدعم من إسرائيل ذات الإرتباطات المتنوعة بالولايات المتحدة وحلفاءها , في الوقت الذي إفتقدت فيه الحكومة السودانية الحلفاء الداعمين فمصر التي من المفترض أن تشكل والسودان تحالفاً إقليمياً إختارت الإنتصار لخلافها في أمر الهوية السياسية وهي للأسف غير مُحددة – فالمرء لا يستطيع تصنيف هوية الدولة المصرية – عن الإنتصار لموجبات الأمن القومي الذي يعتبر السودان نقطة إرتكازه علي الأقل فيما يتعلق بالأمن المائي تمرد , والواقع أنه وبغض النظر عن الإختلاف المتوقع من البعض والآخرين فيما يتعلق بإعتناق نظام سياسي لهوية ما فإن السودان بإختياره الهوية الإسلامية كان يتسق مع المكون الديني والإجتماعي لنحو 21 مليون 58,000 نسمة من السودان بالشمال من مجمل عدد سكان السودان البالغ 24مليون و940,00 نسمة وفقاً لنتائج التعداد القومي للسكان المُعلنة بواسطة وزير المالية عبد الرحيم حمدي في 22 أغسطس 1993 .

كما سبقت الإشارة فقد بدأت العلاقات الإسرائيلية بجنوب السودان بداية عسكرية بحتة ففي ستينات القرن الماضي وتحديداً عام 1963 أي بعد تأسيس حركة  Anyanya المُتمردة بقيادة Joseph Lago في أغسطس 1963, أتصلت إسرائيل من خلال سفاراتها في نيروبي وكمبالا وكينشاسا بالعناصر الجنوبية المتمردة وأمدتهم بإحتياجاتهم من التسليح المناسبة لشن وإستمرار حرب العصابات ومن بين أهم عملاء الموساد الذين قاموا علي تدريب عناصر Anyanya بجبال إثيوبيا في الفترة من 1969 حتي 1971 David Ben Uziel والذي يعتبر أحد مؤسسي جيش جنوب السودان الحالي وقت أن كان تشكيلات متمردة , أشار في مقابلة لصحيفة The Jerusalem Report نُشرتها في 29 أكتوبر 2016 أن ضباط  الموساد  لم يساعدوا الجنوبيين بإمدادات السلاح والتدريب والعون الطبي لكنهم شاركوا أيضاً في عمليات تخريبية بتفجير الجسور والقوارب بالنيل وفخخوا الطرق وقتلوا جنوداً سودانيين وأنه تلقي خطاب تقدير عام 1972 من  Joseph Lago ورد فيه ” أيا ما كان سيؤول إليه مستقبل Anyanya  فقد كنت أنت المهندس لأنك أنشأت جيشاً من العدم , وسنتذكر كل ما فعلته  للوصول إلي هذا التغير الذي حدث في تاريخ Anyanya  ” وقد عاد Ben Uziel ثانية للسودان في ثمانينات القرن الماضي تحت ساتر ليشارك في عملية نقل يهود إثيوبيا الفلاشا إلي إسرائيل عبر السودان إبان عهد الرئيس نميري , لكن هذا الدعم الإسرائيلي توسع وأصبح مؤثراً بعد أن تنامت قوة العسكرية الإسرائيلية إثر الهزيمة المروعة في حرب 5 يونيو 1967 التي مُنيت بها مصر في ثالث جولات المواجهة العسكرية , وبعد إعادة إنتشار جزء من القوة العسكرية المصرية خاصة الجوية في شمال السودان , ينها قررت رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير زيادة الدعم لحركة أنانيا وتدريبها عسكرياً بل وأرسلت لمدد قصيرة بعض من خبرءها العسكريين للجنوب تحت ساتر المنظمات غير الحكومية العاملة في المجال الإنساني  وكانت معظم التسليح سوفيتي مما غنمه جيش الدفاع من السلاح المصري بسيناء وكانت طائرات DC -30 تنطلق من مطارات بكينيا وأوغندا تنقله تلقيه علي مواقع محددة تحت سيطرة التمرد الجنوبي , وكانت الإتصالات الإسرائيلية / الجنوبية في معظمها تتم بشكل غير مباشر أي بدون إقتراب إسرائيلي مباشر بميدان المعركة في الجنوب ومن خلال وسطاء أفارقة كوساطة عيدي أمين الرئيس الأوغندي الأسبق الذي إحتاج الدعم الإسرائيلي ليطيح بالرئيس ميلتون أوبوتي , ولكن بتعيين ميلتون لوبراني  سفيراً لإسرائيل في كمبالا عامي 1965 و1966 ثم في أديس أبابا في الفترة من 1967 حتي 1972بدأ الإنخراط الإسرائيلي يتسع شيئاً فشيئاً وأرسل جيش الدفاع الإسرائيلي عسكريين من لواء الجولاني * (أرسلت إسرائيل عسكريين من هذا اللواء في الجنوب السوداني لدعم القوات المسلحة الأنجولية الحكومية في معركتها ضد تمرد جبهة تحرير كابيندا FLEC) وأقامت معسكرات تدريبية للتمرد الجنوبي في مواقع حدودية لكينيا وأوغندا وإثيوبيا مع الجنوب السوداني أيضاً , ولم يقتصر الأمر علي التسليح الذي وصل عام 1994 لدرجة تشغيل جسر جوي للإمدادات العسكرية للتمرد كما زادت أعداد المتدربين من التمرد بل إن التعاون العسكري الإسرائيلي تجاوز حتي وصل إلي وضع خطط عسكرية لينفذها التمرد الجنوبي في مواجهته للجيش الحكومي السوداني , وبالرغم من الظلال التي أحاطت بالحركة الإسرائيلية النشطة لدعم التمرد الجنوب إلا أن الحكومة السودانية تعلم تفاصيل هذه الحركة بالطبع ففي 16 سبتمبر  2003 نقلت وكالة أنباء الشرق الاوسط تصريحاً أدلي به الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية محمد سليمان أشار فيه إلي ” أن تعامل الحركة الشعبية مع إسرائيل من خلال تزويدها بالسلاح والتدريب ووجود الخبراء الإسرائيليين في صفوفها معلوم بل وأعترف به قائدها جون جارانج وتكشف الأمر من خلال زياراته المتعددة للكيان الصهيوني ” وأضاف ” إن الدعم الأجنبي للحركة عتاداً ومالاً لا يجعل أمر السلام من أولوياتها لأنها أصبحت أداة لقوي أجنبية تستخدمها لتعزيز أجندتها وتحقيق مصالحها الإستراتيجية ” , ووصف المتحدث جارانج بأنه تاجر حرب وهو المستفيد الأول منها وأن سفك دماء أبناء الوطن الواحد وإهدار موارده هما غاياته وأن خيار السلام يتعارض مع مصالحه والقوي الأجنبية التي تستخدمه .

بعد يوم واحد من إعلان إستقلال دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 أعلنت دولة إسرائيل في 10 يوليو 2011 إعترافها بدولة جنوب السودان الوليدة وفي 28 يوليو أعلنت إسرائيل عن تأسيسها لعلاقات دبلوماسية كاملة مع دولة جنوب السودان وعُين Haim Koren كأول سفير لإسرائيل لدي جمهورية جنوب السودان * (عُين فيما بعد سفيراً لإسرائيل لدي مصر) , فيما عينت جنوب السودان RUBEN MARIAL BENJAMIN سفيراً لها لدي إسرائيل التي تسلم رئيسها Reuven Rivlin  أوراق إعتماده في أكتوبر 2014 , ولما كان جنوب السودان مسرحاً لصراع حاد ومستمر لم ينقطع  إلا في فترة قصيرة بعد توقيع إتفاق أديس أبابا في عهد الرئيس جعفر نميري في 27 فبراير 1972 وأنتهت هذه الإتفاقية عندما أنشأ جون جارانج الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLA في يونيو 1983 مُستعيناً بعناصر متمردة من تنظيم أنانيا 2 , وبدأت مرحلة جديدة من التمرد حظيت بدعم أمريكي وإسرائيلي منتظم لم تنته إلي بتحقيق إنفصال جنوب السودان بموجب إتفاق السلام الشامل عام 2005 بين حركة جارانج والحكومة السودانية , لذلك كان من المنطقي خاصة مع تبني حكومة ثورة الإنقاذ الوطني بالسودان والمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي تكون بالخرطوم عقب أزمة غزو العراق للكويت في أغسطس عام 1990ليضم منظمات وجماعات إسلامية شتي بالعالم تتبني موقفاً رافضاً لإسرائيل ذاتها * ( لم يعقد سوي 4دورات فقط وبعده تجمدت أنشطته فيما بعد عام 1999) , أن يكون الدعم الإسرائيلي للتمرد الجنوبي بالسودان قوياً ومُستمراً ربما بأقوي مما كان الرفض السوداني الحكومي والشعبي لإسرائيل  .

في ضوء هذه العلاقات المُتجذرة بين إسرائيل وجنوب السودان لا يمكن إعتبار موضوع تصدير السلاح الإسرائيلي   لجنوب السودان (ولا لأفريقيا) والذي تقوم علي صناعته هيئة تصنيع السلاح الإسرائيليةIMI  أمراً جديداً لا بالنسبة لإسرائيل ولا بالنسبة للمراقبين للتحرك الإسرائيلي في عموم أفريقيا , ولهذا  غالباً ما يمكن وصفه بالسر المُذاع , وفي هذا الإطار فإنه ومنذ أن تفجر الصراع بين طرفي المعادلة السياسية والقائمة علي أسس قبلية في دولة جنوب السودان بدأت تتجدد قصة تصدير السلاح الإسرائيلي , وفي الواقع فليست إسرائيل وحدها هي التي تقوم بمد حكومة جنوب السودان بالسلاح , فقد نشرتNewsweek  الأمريكية في 21 يناير 2016بالإحالة علي وكالة الأنباء الفرنسية AFP  إشارتها إلي أن فريقاً من الخبراء المعنيين رفع إلي  مجلس الأمن الدولي عام 2014 تقريراً سرياً أشار إلي أن الأسلحة من إسرائيل ودول بأوروبا الشرقية * (والصين كذلك وفقاً لما أوردته صحيفة   THE TIMES OF ISRAEL في 20 أغسطس 2015)  توقد الحرب الأهلية في جنوب السودان وأن القوات الموالية لقائد التمرد المسلح Machar ضد حكومة جنوب السودان والتي ظهرت في داخل الكونجو الديموقراطية في هذه الآونة مُسلحة بأسلحة إسرائيلية الصنع كان قد سبق بيعها للحكومة الأوغندية عام 2007 كما أنه من المحتمل أن يكون جزءاً من تسليح التمرد أسلحة إنتزعت من مخازن حكومة جنوب السودان بسبب القتال الدائر منذ ديسمبر 2013, كما أشار هذا التقرير إلي المسار الذي تسلكه هذه الأسلحة حتي تصل لأيدي أطراف الحرب الأهلية في جنوب السودان بأنها تبدأ من دول بأوروبا الشرقية وتمر بدول بالشرق الأوسط ومنها تُنقل عبر وسطاء بشرق أفريقيا لجنوب السودان , كما أشار التقرير كذلك إلي أن وسيطاً سنغالياً تسلم قائمة بطلبات المعارضة المسلحة التي يقودها  Macharوتتضمن أسلحة وذخيرة عام 2014 وقام باللازم نحو إتمام عمليتي الشراء والتسليم وأن هناك شركة بلغارية قامت ببيع 4,00 بندقية هجومية عبر وسيط أوغندي نُقلت فيما بعد لجنوب السودان , وعليه ففي إعتقادي أن صفقات السلاح الإسرائيلي للحكومات الأفريقية ومنها جنوب السودان تستمر بشكل رسمي وطبيعي إلي أن تشتعل أزمة سياسية ما علي أي أسس كانت فيبدأ صراع بين طرفين أو أكثر , وفي هذا الوضع تبدأ صفقات السلاح الأإسرائيلية تتخذطابعاً مختلفاً بحيث تبعد إسرائيل كلما امكنها ذلك عن الإتهام المباشر بالعمل علي تصعيد أو إطالة الصراع أو الحرب الأهلية , ووفقاً للمعهد الدولي لأبحاث السلام بأستوكهولم Stockholm International Peace Research Institute فإن إسرائيل في العادة لا تكشف عن معلومات تفصيلية عن صفقات الأسلحة التي تصدرها والتي أغلبها يقوم علي إنهاءها وسطاء هم في الغالب عسكريين إسرائيليين متقاعدين أو مغتربين إسرائيليين , وقد رصد المعهد الدولي مبيعات سلاح من إسرائيل تمت بين عامي 2006 و 2012 لكل من الكاميرون وتشاد وغينيا الإستوائية وليسوتوونيجيريا وسيشل وجنوب أفريقيا , أما فيما يتعلق بحالة جنوب السودان فقد فرض الإتحاد الأوروبي عليها بسبب المذابح الوحشية التي أُقترفت في حق السكان حظراً علي السلاح وعقوبات ضد القادة العسكريين , أما الولايات المتحدة فقد علقت المعونة العسكرية الأمريكية لجنوب السودان , لكن عندما نتناول موضوع صفقات الأسلحة الإسرائيلية لابد أولاً أن نتعرف علي تاريخ العلاقات العلاقات الإسرائيلية مع جنوب السودان منذ التمرد وحتي ما بعد إنفصاله وإعلان دولته في 9 يوليو 2011 حتي يمكننا توقع مستقبل علاقات التسليح الإسرائيلية مع بلد يتجه بكل عناد منذ 2013 نحو أتون الحرب الأهلية .

السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان في الحرب الأهلية الحالية :

كما سبقت الإشارة فقد بدأت الموجة الثانية من الحرب الأهلية بجنوب السودان بين قمتي السلطة في دولة جنوب السودان في ديسمبر 2013 لأسباب سياسية / قبلية كان من المتوقع أن تؤدي إلي هذه الحرب , وكان من المتوقع مع بداية هذه الحرب أن تزداد طلبات جنوب السودان من السلاح من إسرائيل وغيرها من الدول التي تعني بصناعة السلاح , وبالإضافة إلي إهتمام إسرائيل بتنمية سوق السلاح في أفريقيا خاصة مع إضطراد أسباب النزاع والصراع بين الدول الأفريقية وبعضها البعض بل وداخل كل دولة علي حدة لأسباب تعود إلي الصراع القبلي والطائفي  * ( وفقاً لصحيفة  HAARETZفي 4 يوليو 2015 فقد بلغت قيمة صادرات السلاح الإسرائيلي لأفريقيا عام 2010حوالي 107 مليون دولار إرتفعت إلي 318 مليون دولا عام 2014 وأنه وفقاً لبيانات الأمم المتحدة فإن مشتريات الدول الأفريقية لعام 2014 من الأسلحة التقليدية من الصواريخ وراجمات الصواريخ ولإسرائيل تفوق فيهما إرتفعت بدرجة ملحوظة, فيما أوردت صحيفة THE TIMES OF ISRAEL في 20 أغسطس 2015 أن مجمل قيمة مبيعات السلاح الإسرائيلي لأفريقيا بلغ 71 مليون دولار عام 2009 وفي عام 2013 وصل الرقم إلي 223 مليون دولار ثم إرتفع إلي 318 مليون دولار عام 2014 ) , فإنها إهتمت أيضاً بتنويع تبادلاتها التجارية مع الدول الأفريقية , وساعدها علي ذلك مؤسسية الدولة الإسرائيلية و تناقص الإهتمام العربي خاصة من قبل مصر بأفريقيا نتيجة تركيز نظام مبارك لثلاثين عاماً علي الإتجاه سياسياً نحو الشمال والغرب , وإنتهاء نظام القذافي الذي كانت أفريقيا بغض النظر عن إنتقادات شتي تعتبر ميدانه المفضل وأستطاعته خاصة بعد فرض الولايات المتحدة عليه وعلي إيران قانون داماتو أو ILSA بعد حادث لوكيربي تحقيق تواجد سياسي لليبيا في أفريقيا , وإستغراق الجزائر في مشاكلها ووضع المغرب قضية الصحراء كبوصلة لتعاونها من القارة الأفريقية وغياب تام للدول العربية الأخري اللهم إلا بعض من التدخلات غير المنطقية وغير المتوقعة من دول خليجية في تمويل بعض التدخلات العسكرية في دول الصحراء الكبري , كل ذلك فتح الباب مشرعاً أمام إسرائيل لتنمية تعاملاتها الإقتصادية مع أفريقيا خاصة وأن 25% من المصدرين الإسرائيليين يعتقدون أن أفريقيا تمثل سوقاً واعداً وخاصة في دول مثل زامبيا وكينيا وإثيوبيا .

لم يثبت علي سبيل القطع أن إسرائيل أوقفت بيع السلاح مباشرة أو عبر وسطاء لطرفي الصراع في جنوب السودان وكل ما أدلي به مسئول بوزراة الدفاع الإسرائيلية في هذا الشأن لم يكن كافياً لحسم الجدل , فقد أوردت  صحيفة HAARETZ في يوليو 2015 تصريحاً أدلي به Dubi Lavi رئيس وكالة الرقابة علي تصدير الدفاع Defense Export Controls Agency أشار فيه إن هناك بلداناً ( لم يسمها) أوقفنا تصدير السلاح إليها في السنوات الأخيرة وألغينا تراخيص التصدير إليها , وهناك بلداناً أخري فتحنا باب التصدير إليها ” وأضاف ” لا أعتقد أن إسرائيل تقوم بتسليح كيانات في بلاد تخوض حرباً أهلية حالياً , وأنه سوف لا يوافق علي بيع أسلحة فتاكةLethal weapons إلي بلد يحدث فيها ذلك , والأهم في كل ذلك إشارتاه إلي أن الولايات المتحدة أوقفت العام الماضي بيع إسرائيل للسلاح , مُوصحاً أن الأمريكيين في الصيف الماضي منعوا صفقة بيع طائرات هليوكوبتر من إسرائيل لنيجيريا خرجت من الخدمة من طراز Cobra , وفي تقديري أن إسرائيل لديها القليل من القيم الأخلاقية فيما يتعلق بتصدير السلاح وبصفة خاصة لمناطق الصراعات المُحتدمة , وربما إستند منطق إسرائيل في هذا إلي نظرية وفورات الإنتاج فأنت لا تستطيع أن تُنشأ صناعة سلاح بغرض الإكتفاء الذاتي والتصدير معاً وتقيد أسواقك بقيود أخلاقية فذلك من شأنه أن ينزل بأرقام الإنتاج عند نقطة تحقق لك خسائر متنوعة ومن المعروف أن أعلي نقاط الربحية التجارية تكون مع الإنتاج الكمي , ولإسرائيل سوابق في إستمرار تدفق مبيعاتها من الأسلحة في صراعات سابقة مثل جنوب أفريقيا إبان فترة الفصل العنصري Apartheid ولجواتيمالا علي طول فترة الحرب الأهلية بها التي دامت لست وثلاثين عاماً وكانت عسكريتها ترتكب مذابح للسكان من عرقية Mayan , كما أنها صدرت أسلحة لإيران في خلال الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي وفي الصراع الذي كان في رواندا في تسعينات القرن الماضي بين عرقيتي  Hutuو Tutsi وكذلك في الصراع بين البوسنة والهرسك والصرب . وقد يمكن إعتبار التصريح الذي أدلي به Dubi Lavi رئيس وكالة الرقابة علي الصادرات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع  لصحيفة Haaretz التي نشرته في 20 يونيو 2016 وأشار فيه إلي ما نصه ” إننا وبشكل لا لبس فيه لا نصدر (السلاح) للبلاد التي تُطبق عليها عقوبات من الأمم المتحدة بسبب المذابح ” وأوضح أن صادرات السلاح تُوقف في الحالات التي ترفض فيها الخارجية والدفاع توريد السلاح إليها , ويمكنني أن أشهد بأنه في بعض البلاد الأفريقية غيرنا سياستنا بعد تحديد البداية لإنتهاكات حقوق الإنسان , ونحن نوجه أنفسنا بأنفسنا وفقاً للموقف وفحصه في حالة كل بلد , ونحن نتناول مسألة حقوق الإنسان بجدية تامة ” , لكن الصحيفة أشارت إلي أنه رفض تحديد البلاد المعروف عنها تلقيها لسلاح إسرائيلي مثل حالة جنوب السودان في الحرب الاهلية , كما أشارت إلي أن الأرقام الحالية لوزارة الدفاع الإسرائيلية تشير إلي أن عدد المتعاملين المسجلين يبلغ 1,395 متعامل وأن العدد إجمالي التصاريح التي أُعطيت لشركات وأفراد تبلغ 198,000 تصريح ينتمون لنحو 130 بلد حول العالم وأن عدد البلاد التي يُعتقد أن بها نظام ديموقراطي أقل من الدول غير الديموقراطية وأشارت إلي قول رئيس الرقابة علي الصناعات العسكرية من أن هناك دول ملكية من بين الدول التي لا يُعتقد أن نظامها ديموقراطي , وكل ما أوردته Haaretz علي لسان رئيس وكالة الرقابة علي الصادرات العسكرية يؤكد أن إستراتيجية المبيعات الإسرائيلية من السلاح تعتمد سياسات كمية سوقية بحتة بها القليل من المعايير الوصفية وهي في نفس الوقت في خدمة تنمية مكانة إسرائيل الدولية والإقليمية بالإضافة إلي أنها تأتي كأحد تطبيقات الإتفاقيات المُوقعة مع الولايات المتحدة في إطار ما يُعرف بأنه ” تحالف إستراتيجي ” .

كما سبقت الإشارة فقد تزامن تجدد نشر أنباء عن صفقات سلاح إسرائيلي لجمهورية جنوب السودان بعد تجدد القتال الضاري بين القوات الحكومية الموالية للرئيس Salva kiir وقوات المعارضة المسلحة التي يقودهاRiek Machar  النائب السابق للرئيس في جوبا في 11 يوليو الماضي , وقد نشرت صحيفة HAARETZ الإسرائيلية في 4 يوليو 2015 مُوضحة موقف الحكومة الإسرائيلية من هذه القضية فأشارت إلي أن وزارة الدفاع الإسرائيلية أحجمت عن التعليق علي عما إذا كانت إسرائيل مُستمرة في بيع السلاح لجنوب السودان أثناء الحرب الأهلية الجارية , وأن Tamar Zandberg ( بحزبMeretZ  الإسرائيلي) كتب إلي Moshe Ya’alon يسأله إن كانت صادرات السلاح الإسرائيلية لجنوب السودان أُوقفت ؟ وإذا ما كان وزير الدفاع ألغي أو علق تراخيص التصدير الممنوحة من قبل وزارة الدفاع التي تراقب صادرات الدفاع ؟ , ولكن الصحيفة أكدت أن وزير الدفاع الذي رد علي ذلك بعد نحو 3 أسابيع لاحقة لم يعط أية تفاصيل عن الصادرات العسكرية الإسرائيلية , وأحالت الصحيفة علي  Zandberg أنه كتب فأشار إلي أن رئيس هيئة العمليات الإسرائيلي Haim Blumenblatt قال ” إن سياسة التصدير بوزارة الدفاع لكل البلاد خاضعة للتدقيق Scrutinized بصفة دورية من قبل وزارة الدفاع بالتعاون مع وزارة الخارجية والكيانات الأخري بالدولة  (الموساد) وبالتوافق مع المصالح العسكرية والسياسية لدولة إسرائيل وبما يتضمن الإعتبارات المُتعلقة بحقوق الإنسان للبلاد الموجهة إليها هذه الصادرات ” وأضاف Zandberg أن وزارة الدفاع الإسرائيلية ذكرت بدون الإشارة إلي حالة جنوب السودان بأن ” من الطبيعي أنه بوجود حرب أهلية في البلد المُوجهة إليه الصادرات العسكرية وكذا بسبب الآثار العملية علي سياسة الصادرات العسكرية إلي هذا البلد تتخذ القرارات من السلطة المُختصة بمنح أو منع أو تعليق أو إلغاء التراخيص ” , ومن جهة أخري أشارت الصحيفة إلي أنه وفي مستهل يوليو 2015 حضر وفد رسمي من جمنوب السودان برئاسة وزير النقل Kuong Danhier Gatluak وزار إسرائيل وشارك في المعرض الدولي للدفاع والأمن  الذي أُقيم في تل أبيب .

من جهة أخري نقلت شبكة Sputnik International من موسكو في14 يناير 2016عن صحيفة  Haaretz الإسرائيلية إشارتها إلي أنه منذ شهرين قام وفد يمثل الأمم المتحدة بزيارة إسرائيل وأنه الوفد تلقي تأكيدا بأن إمدادات الأسلحة الإسرائيلية لا يجري إمداد طرفي الحرب الاهلية بالسودان بها منذ مستهل 2014 , وأشارت صحيفة Haaretz إلي أن إسرائيل أوضحت لوفد الأمم المتحدة الزائر أن صفقة الآلي الهجومي من طراز Galil ACE بيع بالفعل لحكومة جنوب السودان من خلال شركات خاصة لكن ذلك الأأمر كان سابقاً علي بداية الحرب الأاهلية التي تفجرت في جنوب السودان في عام 2013 لكن صفقات الأسلحة غير الفتاكة مستمرة , واشارت الصحيفة إلي أن إسرائيل حاولت التوسط بين طرفي الحرب .

إن الدعم العسكري الإسرائيلي المبكر نسبياً لعناصر التمرد الجنوبي منذ مستهل عقد الستينات من القرن الماضي وتطور هذا الدعم من الوجهتين الكمية والنوعية أفرزا في النهاية جيلاً من العسكريين الجنوبيين هما الآن ركيزة جيش دولة جنوب السودان , وإنه من السهل وفي وجود نظم سياسيىة عسكرية بمعظم الدول العربية ذات النظام الجمهوري أن نصف المؤسسة العسكرية لجنوب السودان بأنها تدين لوجودها وقوتها إلي جيش الدفاع الإسرائيليب ومن ثم فيمكننا القطع بأن الولاء المركزي للنظام الحاكم في جنوب السودان لإسرائيل أما ما غاية ما يمكن لمصر أن تفعله لجنوب السودان فقليل ولا يحقق ولاء أو علي الأقل لا يصيغ علاقات متميزة مع جنوب السودان , لكن وبعد الإستعراض غير التفصيلي للعلاقات العسكرية الإسرائيلية مع جنوب السودان منذ أن كان تمرداً يواجه الحكومة السودانية إلي أن أصبحت له دولة عاصمتها جوبا سرعان ما تفككت قمة السلطة بها ببداية أزمة الحكم التي نرجمها القتال الذي نشب في ديسمبر 2013 بعد أن أنشق نائب الرئيس مُؤيداً من أكثر من حركة تمرد عن الرئيس وكتلته الموالية له , وهو الوضع الذي تعقد وأكثر بعد إنهيار إتفاقية أديس أبابا للسلام في 17سبتمبر 2015ووصل إلي مرحلة الحرب الأهلية بشكل وضع الدول أو الجهات الموردة لصفقات السلاح لجنوب السودان في موقف مختلف عما كان عليه وضعها قبل بداية أزمة الحكم أي في الفترة الممتدة من 9 يوليو 2011 حتي ديسمبر 2013 , ولهذا فإن الوضع الحالي للصراع الناشئ عن أزمة الحكم في جنوب السودان وعلاقته بمستقبل واردات السلاح الإسرائيلي وتأثيرها فيه ربما يتضح نسبياً بطرح الأسئلة التالية لتكوين صورة عن النفاذ الإسرائيلي لأزمة الحكم الراهنة في جنوب السودان  :

(1) هل يمكن أن يؤدي فرض حظر علي توريد السلاح لجنوب السودان إلي حل لأزمة الحكم ؟

من الوجهة المبدئية فبالرجوع إلي كثير من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي , فإن الواقع يشير إلي أن هناك حالات سابقة لقرارات عديدة فُرض فيها حظر السلاح  جري إنتهاكها بالتحايل عليها , وبالرغم من أن خبراء الأمم المتحدة وغيرهم يعلمون أن أي قرار في هذا الشأن يمكن الإلتفاف عليه وإختراقه بحيث لا يمكن إعتباره بصفة مُطلقة بأنه كان حاسما أو كابحاً للأطراف الداخلة في صفقات توريد السلاح , إلا أن المجتمع الدولي مع علمه بناء علي خبرات سابقة فرض فيها الحظر في حالات مماثلة لحالة جنوب السودان يصدر عنه مثل هذه النوعية من القرارات من باب إبراء الذمة أو لبيان الإدانة المادية الملموسة للجرائم التي يقترفها من يستخدمون هذا السلاح في التطهير الديموجرافي والتدمير المادي لكل الموارد , ولابد إن كانت هيئة الأمم المتحدة أن تتوقف لتقييم جدوي قرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي فقرارات حظر السلاح وإيفاد بعثات حفظ السلام كلاهما أظهر الصراع الجاري في جنوب السودان أوجه نقص وعدم التناسب مع الموقف وتداعياته .

إطلعت شخصياً بحكم مهنتي علي جانب من أحد حالات هذا الحظر الأممي فعندما كنت أخدم بسفارة مصر بالنيجر عام 1990 إلتقيت مع رجل أعمال يمني مركز أعماله سويسرا أفادني عند تناولنا للحظر المفروض علي العراق وإتفاقنا علي أنه إنتقائي قال لي إنه بالرغم من هذا الحظر إلا أن العراق كان يحصل علي إحتياجاته العسكرية من الأسلحة والمدرعات والمركبات من مصادر أوروبية مختلفة وبأسعار مُضاعفة ومن بين أنواع السلاح تلك  الدبابات الألمانية التي  كانت تسلك طريقاً مُعقداً وتصل مفككة إلي قطع لأحد الموانئ الإيطالية ومنها تشحن بعد ذلك لتصل في نهاية طريق بحري متعرج لموانئ العراق بالخليج العربي , كما أن هناك حالة شهيرة لخرق قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في مستهل تسعينات القرن الماضي قضي بحظر توريد السلاح لأطراف الحرب الأهلية الأنجولية السلاح  وهي الحالة التي عُرفت إعلامياً بفضيحة أنجولا أو Angolagateعندما قام وسطاء (منهم Pierre Falcone وAcradi Gaydamak  الروسي الذي يحمل أيضاً الجنسية الإسرائيلية) غير مُرخص لهم بذلك , ببيعه إلي قوات الحركة الوطنية للتحرير الكامل لأنجولا  UNITA في لواندا عام 1993وهددت هذه الشحنات من السلاح بإمكانية ترجيح كفة قوات UNITA في الحرب الأهلية علي قوات MPLA الحكومية  , وكما أن حظر السلاح بقرار أممي يمكن النفاذ منه , كذلك فقد أمكن أيضاً لإيران وليبيا النفاذ – وإن بتكلفة إضافية – ومراوغة  قانون داماتو أو قانون العقوبات الإقتصادية علي إيران وليبيا ILSA الذي أصدره الكونجرس الأمريكي عام 1996, ولا يمكن حتي في العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والتي من الممكن أن تتضمن حظراً علي السلاح التنبؤ بإحكام هذا الحظر , بل إن الولايات المتحدة نفسها أحياناً ما تنتهك أو لنقل تتجاوز تعليمات صادرة عنها أو عن الكونجرس الأمريكي ذاته , أي من كياناتها السياسية أو التشريعية أو الأمنية في سبيل مواجهة متطلبات أمنها القومي , ومن بين هذه الحالات حالة تمويل المملكة العربية السعودية عملية مساعدة الكونترا المُناهضين لنظام ساندينستا الحاكم في مسهل ثمانينات القرن الماضي , فحين رفض الكونجرس تخصيص مزيد للأموال لهذه العملية التي قار تمويلها علي النفاذ وجه كيزي مدير المخابرات المركزية الأمريكية وجهه شطر المملة العربية السعودية وفاتح سفيرها الأمير بندر بن سلطان بواشنطن في إمكانية تمويل المملكة للعملية التي ردت سلباً علي الطلب الأمريكي بموجب خطاب رسمي سعودي أشار إلي (1) أن الوكالة لا تستطيع أن تعرض ولم تعرض أي شيئ في المقابل و(2) أن السياسة الخارجية السعودية في أمريكا الوسطي تتعارض مع سياسة الولايات المتحدة فحكومة ساندينستا موالية للعرب علي حين أن النظامين اللذين تساندهما الولايات المتحدة في نيكاراجوا والسلفادور معاديتين للعرب بوضوح ونقلا سفارتيهما من تل ابيب للقدس و(3) أن السعودية ليست واثقة من أن إدارة ريجان ستحتفظ بأسرار العملية وتخشي أن أية مساعدة سعودية للكونترا تتسرب للإعلام مما يحرج الجميع . ومع ذلك وفي النهاية وافقت المملكة علي تمويل إستمرار عملية الكونترا بثمانية ملايين دولار صرفوا بوقع مليون دولار شهرياً للكونترا من بنك بسويسرا , * ( كانت المخابرات المركزية قد إقترحت مبلغ يتراوح ما بين 20 إلي 30 مليون دولار) وحصلت السعودية مقابل ذلك علي 400 صاروخ ستينجر نُقلوا سراً للمملكة  بموجب إجراءات المخولة للرئيس الامريكي التي تجيز له عدم عرض الأمر علي الكونجرس , وحدث أن سُربت للإعلام ونشر هذا الأمر في الواشنطن بوست في 19 مايو 1982تحت عنوان ” وكالة المخابرات المركزية تسعي للحصول علي معونة للكونترا من دولة ثالثة” , * ( Bob Woodward ” الحجاب ” أو الهدف .الشرق الأوسط و الحروب السرية للمخابرات المركزية الأمريكية . دراسة سامي الرزاز . صفحة 106 إلي 110 . سينا للنشر الطبعة الأولي 1990) إذن لابد من الإعتراف ولو من الوجهة المبدئية بأن فرض حظر علي السلاح ربما كان في أحد التقديرات رفعاً لسعره فالبائع والمشتري تحت سياط المجتمع الدولي , كما أنه في تقديرات أخري يؤدي في مجلس الأمن الدولي إلي رفضه أو إقراره في مقابل صفقات أخري ربما أضرت بدولة أو أكثر هناك قضية خلافية معلقة بين أكثر من دولة من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن والذين يمتلكون حق الرفض أو Veto , فالتصويت في مجلس الأمن الدولي بنظامه الحالي وسموه عن مكانة الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي علي قيم العدالة والتكافؤ والإنصاف وينمي قيم التنافسية والإجحاف والديموقراطية الحقة التي يتذرع الأعضاء الدائمون عند التصويت علي إنزال عقوبة أو فرض حل , إفتقادها في الدول غير ذات العضوية الدائمة التي تتقاضي لدي مجلس الأمن أي لديهم تحديداً .

من جهة أخري فإن إسرائيل تعلم من واقع ما تقدم ومن واقع خبراتها هي التي تراكمت من خلال تعاملاتها مع الأمم المتحدة أنه يمكنها الإلتفاف علي هذه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن مهما كانت حجيتها وصلابتها والإجماع حولها طالما ظلت مدعومة من الولايات المتحدة بموجب علاقة التحالف الإستراتيجي بينهما, فبدءاً من يوم 29 نوفمبر 1947 عندما تم الإقتراع علي مشروع القرار المُتعلق بتقسيم فلسطين * ( القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة) فقد تجاوزت إسرائيل هذا القرار وأحتلت أراض عربية لا تقع داخل النطاق الذي خصصه القرار 181 لها , وتقدمت في 29 نوفمبر 1948 بطلب للإنضمام للأمم المتحدة وأسقط طلبها يوم 17 ديسمبر 1948 لكنها وبدعم القوي العظمي حصلت علي عضوية الأمم المتحدة في 11 مايو 1949 بالرغم من أن ديباجة القرار قرار الموافقة علي عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة يشير بشكل محدد إلي تعهدات إسرائيل بتنفيذ القرارين 181(د-2)  و 194(د-3) المُتعلق بحق  العودة , وهما القراران اللذان شكلا صلب قضية فلسطين في الأمم المتحدة وهو ما خالفته إسرائيل عندما قامت بتوسيع نطاق قوانينها وأدخلت فيها المناطق العربية الفلسطينية خارج نطاق خريطة التقسيم التي وُضعت بموجب القرار 181 لتقسيم فلسطين , وهي الأراضي التي إحتلها , وقامت بتطبيق قوانينها بموجب ” مرسوم نطاق الولاية والصلاحيات الإسرائيلي الصادر في 22 سبتمبر 1948 علي كل هذه المناطق بوصفها جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل  , والملفت أن هذا المرسوم نص في مادته الثالثة علي أن ” يُعمل بهذا المرسوم بأثر رجعي إعتباراً من السادس من مايو عام 5708 (15 مايو1948) وتصبح بهذا كل الإجراءات المُتخذة لولا أحكام هذا المرسوم لكانت غير نافذة , سارية بأثر رجعي”  . * ( منشأ القضية الفلسطينية وتطورها – الجزء الثاني : 1947-1977 . منشورات الأمم المُتحدة)

في ضوء ذلك يمكن القول أن فرض حظر السلاح علي ” جنوب السودان ” وليس ” جمهورية جنوب السودان ”  (فالأول هو الإصطلاح المناسب إن إريد للحظر أن يكون مستوياً علي جانب الحكومة والمعارضة المُسلحة) قد لا يكون قراراً مُتيسراً فيما لو لم يطرق من سيتبنونه من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي باب هذا المجلس بقوة وعزم  – وهو ما لا يُتوقع بصفة إجماعية – فوفقاً لما أوردته شبكة OAN التي بثت في 11 أكتوبر 2016 خبراً نقلاً عن وكالة Reuters أشارت  إلي أن الإتحاد الروسي أوضح موقفه بشأن مسألة فرض حظر سلاح علي جنوب السودان بأن قال مندوبها لدي الهيئة الدولية السفير  Petr Iliichev ” أن حظراً للسلاح يجب ألا يكون علي جنوب السودان , بالرغم من أن أمين عام الأمم المتحدة Ban Ki-moon أشار إلي أن حكومة جنوب السودان فعلت القليل من أجل السماح بتمركز قوات حفظ السلام بالجنوب ” , ذلك أن الإتحاد الروسي كما قال السفير  Iliichev  ” أن الإستخلاصات المُستمدة من التقرير الذي عرضه (الأمين العام) علي مجلس الأمن بشأن واردات السلاح لجنوب السودان تشير عموماً إلي  أن جنوب السودان لا يزيد الصعوبات , وهذا يعني أن الخطاب حيادي الطابع , وأن معارضتنا – للحظر- لم تتغير وبالأمس ناقشنا الحظر المفروض علي جمهورية أفريقيا الوسطي فهذا البلد غارق في السلاح أيضاً ” , فيما قال  Matthew Rycroft السفير البريطاني لدي الأمم المتحدة ” أنه سيناقش مع زملاءه بالمجلس تقرير مناقشة قرار لفرض حظر سلاح علي جنوب السودان من عدمه , وأنه إذا ما وجدنا أنه لا سبيل لتعاون كامل في مسألة الحظر فعندئذ سنرجئ المسألة ثانية ” , فيما لم يحر  نائب رئيس وفد الولايات المتحدة لدي الأمم المتحدة السفير David Pressman جواباً مباشراً حول مسألة الحظر فقد أشار إلي أنه ” يتوقع أن يكون هناك نقاش حام فالمجلس من المنتظر أن يناقش الوضع في جنوب السودان ” , ولوحظ أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في تعليقه الرسمي بتاريخ 30 يوليو 2016 يقول بشأن القتال بين القوات الموالية للرئيس  Salva Kiir والمعارضة المسلحة في الولاية الإستوائية ” أن الولايات المتحدة دعت الطرفين إلي الإنصياع إلي الإعلان الذي صدر في 11 يوليو 2016 لوقف إطلاق النار ” , ولم يشر إلي حظر السلاح , وإنما إهتم بالتأكيد علي إنضمام الإدارة الأمريكية إلي تجمع السلطة عبر الحكومية للتنمية Intergovernmental Authority for Development والإتحاد الأفريقي في إدانتهما تواصل القتال بين الطرفين المتحاربين في منطقة الولاية الإستوائية والمناطق الأخري بجنوب السودان , وأكتفي المتحدث بتذكير الطرفين بأن إتفاق السلام ينص علي إنشاء محكمة مختلطة Hybrid Court لجنوب السودان تتولي الفصل في الإنتهاكات للقانون الدولي التي أُرتكبت في الفترة الإنتقالية والحالية   .

صحيح أن  مندوبي مجموعة من الدول الأعضاء بمجلس الأمن خاصة مندوب الولايات المتحدة السفيرة Samantha Power وجهوا  تهديدات بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان , إلا أن Vitaly Churkin مندوب الإتحاد الروسي (عضودائم) إعترض في جلسة للمجلس في يناير 2016 علي ذلك , بإعتبار أنه من السهل فرض حظر علي الحكومة بينما سيكون ذلك صعباً في تنفيذه علي تمرد لا كيان رسمي له ثم عاد وأشار في يوليو 2016 إلي أن روسيا لا تعارض بشكل كامل دعوة أمين عام الأمم المتحدة بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان لكنها قلقة من ألا يؤدي ذلك إلي تحقيق الهدف من وراءه قائلاً ” يمكننا فرضه غداً لكن شيئاً سوف لا يتغيرلأننا نحتاج إلي نظرة شاملةللموقف برمته, ففرض حظر علي السلاح ليس عصا سحرية , لذا نحن بحاجة لتناول الموضوع  ببعض الفكر الجاد , ونحن لا نعارض بشكل كامل , فالموقف جد صعب لذلك نحن ومعنا باقي أعضاء المجلس علينا أن نفكر فيما يمكن عمله ” ,  وقد أيده Ismael Abraao Gaspar Martins المندوب الأنجولي في منطقه هذا بالرغم من أنه سبق للمندوب الأنجولي أن دعا في فبراير 2016 مجلس الأمن الدولي لفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان , ومع ذلك أيضاً يُلاحظ أن المندوب الأمريكي الدائم للولايات المتحدة لدي هيئة الأمم المتحدة السفيرة  Samantha Power لم تستخدم مصطلح ” حظر السلاح ” علي جنوب السودان بصيغة مباشرة , إلا عندما ربطته بإنصياع حكومة جنوب السودان لمسألة دعم قوة حفظ السلام الأممية بأربعة الآف عنصر إضافيين وقالت في تصريح لها أوردته وكالة Associated Press في 14 سبتمبر 2016 أشارت فيه إلي أن الولايات المتحدة ستؤيد حظر السلاح علي جنوب السودان إذا إستمرت الحكومة هناك في منع قوات حفظ السلام من التحرك بحرية لحماية المدنيين , وأعربت عن أملها في تحقيق توافق حول هذه المسألة مع حكومة جنوب السودان خاصة بعد الوعود التي قطعتها علي نفسها في حضور أعضاء بعثة مجلس الأمن الدولي لجنوب السودان , ومع ذلك فقد نشرت وكالة أنباء Associated Press في 11 أغسطس 2011 أن عدداً من نواب بالكونجرس الأمريكي وجهوا خطاباً للرئيس Barack Obama طالبين منه حث الأمم المتحدة علي فرض حظر علي السلاح علي جنوب السودان ولم يربطوا طلبهم بدعم قوة حفظ السلام الأممية , بل أن طلبهم جاء عقب القتال الدامي بين طرفي الصراع في العاصمة جوبا في يوليو الماضي ,  وأشارت الوكالة إلي أن هذا الخطاب أشار إلي أن عدم فرض الحظر سيضع المنطقة مباشرة أمام تهديدات مختلفة . ومن ثم فلا يمكن حتي الآن القول بأن هناك حظر مفروض من وجهة نظر القانون الدولي الذي تعد قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الرافد الرئيس له , فلم يصدر بعد وربما لن يصدر في وقت قريب قرار بحظر السلاح فالقوي الكبري أي الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن تستمد قرارها في شأن فرض السلاح علي جنوب السودان من واقع تأثيره علي مصالحها ومدي القوة التي لدي طرفي الصراع وليس من المنطق المجرد للأمور , وعليه فالإجماع بين القوي الكبري دائمة العضوية بمجلس الأمن بعيدة بمسافات مختلفة عن إتخاذ قرار بات بفرض حظر علي جنوب السودان , وما الدعوة الأمريكية داخل المجلس – حتي الآن – إلا ممارسة لدبلومسية الخل والعسل التي دأبت الإدارات الأمريكية علي ممارستها طيلة زمن الحرب الباردة , وخلاصة القول أن الدولة التي تورد السلاح أثناء الحرب الأهلية الحالية بجنوب السودان يمكنها أن تمر بصفقاتها لجنوب السودان من خلال الحيز المفتوح بين الدعوة غير المُلزمة لفرض حظر علي السلاح وتصاعد وتيرة الحرب الأهلية بالجنوب والتي كلما مر الوقت إشتدت حاجة طرفي الحرب في التزود به لفرض نفسه علي الطرف الآخر , ولذلك فإسرائيل حتي هذه اللحظة من وجهة نظر القانون الدولي ووفقاً للقوانين المرعية في إسرائيل لم تسر في الطريق الخاطئ بتوريدها السلاح لحكومة Salva kiir .

لئلا ننسي فالموقف الأمريكي المعلن في مجلس الأمن بشأن فرض حظر السلاح في جنوب السودان والذي يُستخدم حتي الآن علي الأقل كوسيلة ضغط لتمرير أمور أقل أهمية من حظر السلاح كمسألة الدعم العددي لقوة حفظ السلام الأممية والتي لم يعترض عليها بقوة أي من الأعضاء المعارضين أي روسيا والصين تحديداً , هذا الموقف يفتقد التوافق مع المصالح الروسية والصينية التي بنتها الدولتان مع حكومة  Salva kiir فهناك تقديرات تشير إلي أن الولايات المتحدة تدفع بوسائلها الخاصة وبإستخدام الأمم المتحدة في إتجاه إحداث تغيير في قيادة جنوب السودان بإحلال Machar في موقع الرئاسة بدلاً من kiir – ومع أني أستبعد ذلك إلا أن هذه هي وجهة النظر الروسية والصينية وهي لا تستند لوقائع بقدر ما هو تكتيك منهما لإبعاد Machar قليلاً عن الولايات المتحدة – لأن الأخير أفسح المجال للصين لإختراق إقتصاد جنوب السودان خاصة في مجال البترول , وكغيرها من القضايا التي تتمايز فيها مصالح القوي الكبري فلا مناص إذن  – إذا صدقت النية والإردة السياسية الأمريكية في فرض الحظر- من أن تعقد الولايات المتحدة صفقات سياسية بحتة أو سياسية ذات محتوي إقتصادية مع الصين وروسيا أو التدخل بقوة حاسمة علي الأقل بنصف أو ربع وزن تدخلها المباشر في العراق وهذا أقرب للمستحيل لأسباب مختلفة أقلها أن إنشاء دولة كجنوب السودان تم إستيلادها من رحم دولة قائمة وتتضمن كل هذه التناقضات أُنشأت كتعهد أمريكي بحت من المستحيل منطقياً تدميرها كما دُمر العراق بنفس الأيدي التي تعهدت ولادتها .

هناك أمر لابد من التنبه إليه حين نعرض لصادرات السلاح وللعلاقات العسكرية بوجه عام بين إسرائيل (والتي هي في الأصل كيان عسكري) والنظام القائم في جنوب السودان وخصومه * (وجميعهم تختلط دماءهم وأفكارهم بنزعات التمرد) , وهو أنه لابد أولاً من النظر إلي مدي ومكونات العلاقات الإستراتيجية ومنها العلاقات العسكرية والمخابراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تلك العلاقات التي تستند إلي مرجعية توراتية إنجيلية يدعمها المحافظون الجديد وكذلك وبنفس الدرجة وربما بأعلي قدر تستند العلاقات العسكرية بينهما إلي الإتفاقيات والبروتوكولات ومذكرات التفاهم الموقعة بينهما منذ ما بعد إقامة إسرائيل  بفترة قصيرة وللآن , ويكفي الإشارة إلي أنه ولفرط متانة العلاقات شديدة الخصوصية بين الدولتين أن يُقال أن إنضمام إسرائيل لعضوية حلف شمال سيقيد حرية حركتها التي توفرها بقوة معاهدة الدفاع المُوقعة بينهما , فالتعاون الإستراتيجي بين الدولتين بدأ حيوياً كذلك من الوجهة المستندية بتوقيعهما مذكرة تفاهم في ديسمبر 1981 تركزت علي مواجهة التهديد السوفيتي وأنطلقت بعد ذلك الدولتين في تأطير علاقتهما الإستراتيجية متنوعة المجالات ومن بينها علي سبيل المثال مذكرة التفاهم المُوقعة بينهما في 30 نوفمبر 1981 في شأن التعاون الإستراتيجي التي ورد فيها بالمادة الثالثة فقرة (2) بند (D) التعاون بين الدولتين في تجارة الدفاع Cooperation in defense trade , وهناك أيضاً مذكرة التفاهم بشأن التعاون السياسي والأمني والإقتصادي المُشترك المُوقعة في 12 أبريل 1988 التي يرد في مادتها الأولي ما نصه ” تقر الولايات المتحدة وإسرائيل بقيمة حوارهما الفريد من نوعه ويوافقان علي الإستمرار  في مشاورات منتظمة وإجتماعات دورية بين الرئيس ورئيس الوزراء وبين وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الإسرائيلي وبين وزيري الدفاع والمستويات الوزارية الأخري , وبالإضافة إلي ذلك وأكثر منه ؛دث أنه في زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي Shamir  لواشنطن في نوفمبر 1983 حصل خلال زيارته تلك علي موافقة إدارة الرئيس Regan علي تحويل قروض عسكرية مبلغها 850 مليون دولار إلي منح, ووافقت الإدارة أيضاً في نفس الزيارة علي أمور أخري منها السماح لإسرائيل بإستخدام ما نسبته 15% من تمويلات الولايات المتحدة إليها في الإنتاج العسكري الإسرائيلي وإعفاء إسرائيل من إنفاق كل تمويلات العون العسكري الأمريكي علي الإسلحة والإمدادات العسكرية الأمريكية  . Mohamed El-Khawas \ Samir Abd-Rabbo.)*  American Aid to Israel .AMANA Books 1984 . Page 93 -94)   , وعليه فلا منطق يمكن أن يشير إلي أن موضوع صادرات السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان حتي في ذروة الموجة الثانية من الحرب الأهلية الحالية بالجنوب لم يمر من خلال أو يتعرض لمشاورات اللجان أو الأطر الثنائية للتشاور والحوار في كافة المجالات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتي أشرنا لنماذج منها , وفي الواقع فإن الإدارات الأمريكية لم تكن تدعم فقط الصناعات العسكرية الإسرائيلية .

لم يقتصر الدعم الأمريكي لإسرائيل علي المجال العسكري بل تعداه لدعم  حركة و تمدد إسرائيل في أفريقيا لمواجهة عمليات العزل التي مارستها الدول العربية خاصة مصر ضد إسرائيل في أفريقيا إبان فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر ففي الأول من مايو 1967 أرسل Goldberg مندوب الولايات المتحدة الدائم بالأمم المتحدة مذكرة ببرقية للرئيس Johnson بعنوان العون العسكري والإقتصادي لإسرائيل أشار الأول فيها في الجزء الخاص بالعون الإقتصادي إلي ما نصه ” وإني لأتفق مع مقترح وزارة الخارجية بإيلاء إسرائيل إعتباراً متعاطفاً بتقديم دعم أكثر لبرامج العون الإسرائيلية لأفريقيا وذلك وفقاً للمحددات المفروضة بموجب إستراتيجية الولايات المتحدة المُنقحة للعون لأفريقيا ” ,  *(وثائق وزارة الخارجية الأمريكية عن الفترة من 1964 – 1986 الصراع العربي – الإسرائيلي 1964-1964),  وتأسيساً علي كل ذلك يمكن القول أن صادرات السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان وغيرها من الدول سياسة مشتركة بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة وإسرائيل ويتحدد الإستمرار والإنتظام في تدفقها من عدمه بناء علي المصالح العليا للولايات المتحدة التي تعد إسرائيل أي وجود إسرائيل نفسه أحد مكوناتها , مع الوضع في الإعتبار أنه حتي في الإستثناءات القليلة التي تخرج فيها إسرائيل عن النصوص الواردة في الكم الكبير من الإتفاقيات والوثائق الرسمية الثنائية التي وقعتها مع الولايات المتحدة فإنه يُلاحظ أنه لا يُمارس معها أو ضدها إلا القليل من اللوم الأمريكي وذلك لإن قاعدة العلاقات الثنائية إستراتيجية وهي بطبيعتها تلك تتحمل أي قدر من التعارض أو التناقض بين الحلفاء .

تأكيداً لما سبقت الإشارة إليه  فقد نشرت شبكة  CBC News خبراً حصرياً في 13 سبتمبر 2016 عن أن الجهة المعنية بالأمم المتحدة لمراقبة العقوبات علي السودان إتهمت شركة كندية تدعي Streit Group بمدينة  Innisfil  بولاية أونتاريو بتدخل من الإمارات العربية المتحدة بخرق الحظر علي السلام والخدمة الفنية المُتعلقة به و المفروض علي مدي زمني طويل علي السودان منذ ما يزيد عن عقد وباعت لحكومة السودان عام 2012عدداً من العربات المدرعة , وأشار الخبر إلي أنها المرة الثالثة  مبيعات لليبيا ولجنوب السودان) التي تنتهك هذه الشركة الحظر الذي إتهمت جماعات ناشطة في مجال حقوق الإنسان الشركة الكندية بأنها تشعل الحروب الأهلية , فقد باعت عددأ كبيرا من مركبات Cougar و Typhoon المدرعة إلي ليبيا وجنوب السودان بالإضافة للسودان , وقد أنكرت الشركة هذه الإتهامات وقالت مصدر بهذه الشركة أن شركته سبق لها في الماضي إنكار مثل هذه الأخطاء  وأن هذه الصفقات تتفق مع كل قوانين التصدير بالإمارات العربية المتحدة  وأن تراخيص التصدير لا تمر عبرها (أي عبر Streit) وأنها غير مسئولة عن أي تعديل يتم في مركباتها غير المُسلحة بعد أن تكون في أيدي المُشترين ,انهم لا نفوذ لهم علي هكذا عملية , لكن أي تعديل يجري لا موافقة عليه بما في ذلك إضافة تسليح سينتهك الضمان الممنوح , كما نشرت الصحف الإسرائيلية في 10 سبتمبر 2016بالإحالة علي وكالة Associated Press أن العنف المُتصاعد في جنوب السودان ألقي الضوء علي التورط الإسرائيلي الغامض في هذا الصراع مما جعل المعارضة الإسرائيلية تثير أسئلة عن الإستراتيجية الجديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu لتعزيز العلاقات مع قادة البلاد الأفريقية الذين لهم سجل مظلم في حقوق الإنسان وخاصة مع جنوب السودان التي تخوض حرباً أهلية, ونقلت الوكالة عن  Tamar Zandbergعضو الكنيست المعارض الذي رفع قضية بشأن تعليق مبيعات إسرائيلية تتضمن تكنولوجيا إتصالات حساسة لجنوب السودان  قوله ” إن دور رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية البحث عن مصلحة إسرائيل , لكن لهذا الأمر حدود , فليس ذلك بأي تكلفة ولا مع كل الناس ” , وأوضحت الوكالة أن Zandberg سأل المحكمة العليا الإسرائيلية في مايو الماضي إجبار الحكومة الإسرائيلية علي شرح مسألة إستمرارها في منح تراخيص تصدير لنظام المراقبة لجنوب السودان , لكن الحكومة الإسرائيلية تتذرع بأن القوانين المعمول بها في إسرائيل تنص علي أنها سوف لا يمكنها إمداد دولة ما بالسلاح إن كانت خاضعة لحظر مفروض من قبل مجلس الأمن الدولي , وهو أمر مازال قيد الحديث العام بشأنه في الأمم المتحدة , وفي تقديري أن تباطؤ مجلس الأمن الدولي في فرض حظر مرجعه أسباب مختلفة منها ضغوط شركات صناعة السلاح ليس في إسرائيل فقط بل في معظم الدول المُصنعة بما فيها الأعضاء منها في مجلس الأمن الدولي هذا مع إفتراض تماسك وصلابة أي حظر يمكن أن تفرضه الأمم المتحدة , وقد يفرض هذا الحظر المُحتمل في النقطة الحدية أي في النقطة التي يمكن أن يؤدي فيها الحظر علي السلاح لطرفي الصراع في جنوب خاصة القوات الموالية للرئيس Kiir إلي تأمين المصالح الأخري بحيث لا يؤدي تدفق السلاح لجنوب السودان    .

  • هل سيستمر الدعم الإسرائيلي لدولة جنوب السودان علي نفس الوتيرة ؟

إسرائيل من الوجهة المبدئية البحتة مُتحررة من قيود سياسية رئيسية توفر مرونة نوعية وكمية لإستراتيجية صناعة السلاح كأحد أهم مصادر الدخل القومي لإسرائيل * (أرقام الإنتاج العسكري ونوعياته والمبيعات المنشورة من أي مصدر لا تعبر في الغالب عن الحقيقة لسبب بسيط وهو مقتضيات الأمن القومي لإسرائيل) ومن بين هذه القيود عدم مساهمة إسرائيل في قوات حفظ السلام الأممية المتمركزة في مواقع الصراع والإشتباك المختلفة حول العالم * (أكبر الدول المُساهمة فيها باكستان وبنجلاديش ونيجيريا والهند وإثيوبيا ونيبال وغانا والأردن وجنوب أفريقيا والسنغال والمغرب) , ولهذا نجد أن الأمم المتحدة بادرت بالتوجه لإسرائيل طالبة مساهمتها في قوات حفظ السلام الأممية حول العالم وعلي وجه التعيين المساهمة بوحدات طبية عسكرية مدعومة بالهليوكوبتر , وإضافة لذلك طلبت الأمم المتحدة من إسرائيل شراء معدات عسكرية إسرائيلية الصنع منها معدات إتصالية وللرؤية الليلية , وقد صرح Ronny Adam مدير إدارة الأمم المتحدة بالخارجية الإسرائيلية في 8 نوفمبر 2005 بأن إرسال جنود إسرائيليين لمهام حفظ السلام الأممية يستلزم موافقة خاصة من الكنيست وأنه أوصي بمباشرة الحكومة بإتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية لتمهيد الطريق أمام علاقة جديدة بين إسرائيل والأمم المتحدة , ولم تتعد الحركة الإسرائيلية في هذا الصدد خط المساهمة سوي ما أوردته صحيفة The Jerusalem Post في 11 مايو 2016 نقلاً عن Danny Danon سفير إسرائيل لدي الأمم المتحدة الذي أشار إلي تنظيم بلاده لندوة متعلقة بالطب العسكري في إسرائيل بحضور مسئولين من الأمم المتحدة في الأسابيع القليلة القادمة , وتأكيداً لمحدودية بل ورمزية المساهمة الإسرائيلية في هذا المجال أوردت شبكة   Ynetnews في 18 سبتمبر 2014 أنه من المُقرر إنضمام ضابط من جيش الدفاع الإسرائيلي لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ليكون بذلك أول إسرائيلي في هذا الشأن , وسيعمل هذا الضابط في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وتحديداً في مجال تنسيق الجهود الإغاثية حول العالم .

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليBenjamin Netanyahu  بعد إسبوعين من إعلان إستقلال جنوب السودان عن السودان في 9 يوليو 2011 أن مساعدة  إسرائيل لدولة جنوب السودان ستستمر بكل الوسائل , وقام رئيس دولة جنوب السودانSalva kiir  في منتصف ديسمبر 2011 وهناك قال الرئيس   kiirبعد لقاءه بالرئيس الإسرائيلي Shimon Peres  ” إنني سعيد بأن أخطو علي أرض الميعاد إسرائيل التي دعمت شعب جنوب السودان وبدونكم ما كان لنا أن ننشأ , لقد ناضلتم بجانبنا كي تتيحوا لنا تأسيس جنوب السودان ونحن معنيون بأن نتعلم من تجربتكم ” وأجابه الرئيس Peres ” لقد دعمتكم إسرائيل وستدعمكم في كل المجالات كي تقويكم وتنميكم ” ووصف  Peres إستقلال جنوب السودان بأنه علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط , وفي وقت لاحق لهذه الزيارة الرئاسية وصف نائب رئيس الكنيست Daniel Akot علاقة إسرائيل بجنوب السودان بقوله ” إن إسرائيل  كالأخ الأكبر لجنوب السودان ” .

قام وفد عن الإتحاد الأفريقي برئاسة Catherine Muigai Mwangi بزيارة جوبا إستغرقت 3 أيام  بدأت في 27 أكتوبر 2016 إلتقي في نهايتها بالرئيس  Kiirالذي جدد للوفد ما دأب علي ترديده من أنه مُلتزم شخصياً بالتطبيق الكامل لإتفاق السلام الذي وقعه مع Machar في أديس أبابا عام 2015 وشدد علي الحاجة إلي الحوار وأن الحرب ليست في مصلحة أي طرف مؤكداً للوفد علي الإلتزام الكامل بإتفاق السلام وأنهم حققوا – أي حكومته – تقدماً ملموساً مع Taban Deng Gai الموالي للنظام القائم بجوبا (وهو أيضاً من قبيلة النوير وعينه الرئيس Kiir في 23 يوليو2016 نائباً ل ليحل محل نائبه السابق قائد المعارضة المُسلحة حالياً Riek Machar)

كان هذا هو الإطار الذي عملت داخله العلاقات الإسرائيلية الجنوب سودانية وخاصة العلاقات العسكرية , ولم تكن أزمة الحكم – يمكن أن نصفها مع بعض التحفظ بأنها كذلك مع أن لها جذور أخري – بالأزمة غير المتوقعة لإسرائيل فهي تعلم بتفاصيل وإتجاه الأحداث بجنوب السودان بحكم تصدر علاقاتها العسكرية مع جنوب السودان لمنظومة تتضمن مجمل أفرع العلاقات الثنائية بالإضافة إلي إتصالاتها القديمة المباشرة مع قادة التمرد الجنوبي علي إختلافهم , حتي مع هؤلاء الذين كانت ومازالت لهم إرتباطات مع حكومة السودان وفي مقدمتهم Riek Machar , فإسرائيل تعلم أن دولة جنوب السودان معرضة لدورات من عدم الإستقرار تطول أو تقصر بناء علي الأدوار الخارجية التي ستُمارس من أطراف دولية أهمها الولايات المتحدة وأخري إقليمية وتعييناً دول الجوار المباشر وهي السودان وكينيا وإثيوبيا وأوغندا , ومن ثم فإسرائيل حماية لمصالحها الأوسع مدي عليها أن تضع أكثر السياسات مرونة للتعامل مع دولة ستمر حتماً بهذه الدورات من عدم الإستقرار ومن بين أكثر مجالات التعاون الثنائي – مع دولة كجنوب السودان – حاجة لأقصي قدر من المرونة هي العلاقات العسكرية خاصة مع الوضع في الإعتبار الدور الرئيسي الذي تلعبه المؤسستان العسكرية (خاصة مؤسسة الصناعة العسكرية) والدينية في دولة ذات وجه ديموقراطي كإسرائيل في صنع وإتخاذ بل وإستقبال القرارات – مع باقي الشعب – علي إختلافها , ومن ثم فإن تغير الأوضاع في جنوب السودان وتطورها وإنتقالها إلي ما يمكن وصفه بالحرب الأهلية الجديدة , ألزم إسرائيل بتدبر أمرها خاصة وأنها ليست في وارد التوسط بين طرفي الصراع وهما الرئيس Silva Kir ونائبه Riek Machar , وقبل أن نلج إلي بيان الدور الإسرائيلي المحتمل في أزمة الحكم , يفضل أن نتعرف علي أزمة الحكم في جنوب السودان .

أكد مراقبو العقوبات بالأمم المتحدة في تصريحات صحفية في 9 سبتمبر 2016 أن حكومة جنوب السودان تواصل تسلحها وأوضحوا في تقرير رُفع لمجلس الأمن بأن أفعال وسياسات طرفي الحرب الأهلية تمثل تهديدات في منتهي الخطورة علي عملية سلام جنوب السودان وعلي الحكومة الإنتقالية , كما أن تركيز العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية علي حشد وتعبئة قبائلهم من شأنها إستمرار التصعيد في الصراع وتحويله من مجرد صراع سياسي إلي صراع وحرب قبلية  .

بناء علي ما تقدم فسيستمر تصدير السلاح لطرفي الحرب الأهلية في جنوب السودان طالما لم يصدر قرار مُلزم حتي تاريخه من مجلس الأمن الدولي ليحظره , وفي هذه الحالة فسيستمر تصديره لطرفي الحرب أيضاً ولكن من خلال شبكة المتعاملين المسجلين لدي وزارة الدفاع الإسرائيلية ووفقاً لأرقامها المُعلنة نحو 1,395 متعامل كما يبلغ عدد  التصاريح المُعطاة لشركات وأفراد 198,000 تصريح ينتمون لنحو 130 بلد حول العالم , إذن فلا صعوبة تُذكر من إلتفاف بعض من هؤلاء المتعاملين علي أي قرار حظر لجنوب السودان الذي أصبح من المنطقي فرضه إن عاجلاً أم آجلاً خاصة وأن مستشار أمين عام الأمم المتحدة لقضية منع التطهير العرقي Adama Dieng قام بزيارة لجنوب السودان    إستغرقت 5 أيام أدلي بتصريح بثته إذاعة صوت أمريكا في 11 نوفمبر 2016 أشار فيه إلي ” أن جنوب السودان الغارقة في حرب أهلية منذ 2013 أمام خطر كبير لتصاعد العنف بين العرقيات المختلفة وأن هناك ثمة إمكانية لحدوث تطهير عرقي ” , وهو ما قلل وزير إعلام جنوب السودان Michael Makuei من شأنه بأن رد بقوله ” إن تقييم السيد Dieng جانبه الصواب , فما يحدث في جنوب السودان ليس له علاقة بالتطهير العرقي ” , وفي الواقع فإننا عندما نتعرف علي أبعاد الموقف من مسئول أممي ويصفه بأنه يقترب من أن يكون تطهير عرقي إذن فأحد الإستنتاجات المباشرة لابد وأن تؤكد وفرة السلاح في أيدي أطراف الحرب الأهلية و

  • هل لتصدير السلاح إلي جنوب السودان أثر في أزمة الحكم هناك ؟

لابد أولاً من التأكيد علي أن أزمة الحكم في جنوب السودان لم تنشأ بسبب محدودية أو توافر السلاح في أيدي طرفيه إلا أن توفر السلاح بكميات مُنتظمة قد تؤدي وبدرجة محدودة إلي إتساع نطاق النزاع جغرافياً وبالتالي يزيد ذلك من صعوبة تسوية أزمة الحكم إن كان هناك أفق علي المدي القصير لتسوية ما , لكن العاصمة جوبا ستظل في أيدي من لديه السلاح النوعي والمساندة الخارجية أي حكومة Kiir وحتي لو إفترضنا أن إتفاقية أديس ابابا للسلام الموقعة في 17 سبتمبر 2015  بينه وبين المعارضة المُسلحة بقيادة  Macharتمت إستعادتها وتنقيحها وتطبيقها فسيظل أطراف الصراع الحالي متمسكين بسلاحهم إستعداداً لدورة قتال مُحتملة , وببساطة  ففي المستوي الحالي من الصراع في جنوب السودان لنا أن نؤكد علي أن السلاح متوفر وسهل المنال Attainable هناك بل وفي كافة أرجاء القارة الأفريقية , ففي شرق أفريقيا ستجده يتناقل وبسرعة وبسهولة من أيدي قبائل الرشايدة والبجا والبني عامر إلي أيدي ثوار الصومال و المعارضة الإثيوبية مُتمثلة في الأرومو وستجد الألي ماركة ” عوزي” بثمن زهيد للغاية وهناك جزء من هذا السلاح يرتد ثانية ضد إسرائيل ,علي حد زعمها هي فعندما قامت إسرائيل بضرب ناقلات تحمل أسلحة بالقرب من بورسودان منذ أكثر من عامين زعمت أنه مُرسل لحماس في غزة عبر السودان مروراً بمصر , ولو توجهت للصحراء الكبري فستجد السلاح بأنواع مختلفة في أيدي متمردي الطوارق علي إختلافهم ومنهم حركة تحرير الأزواد MNLA هذا بالإضافة إلي أسلحة متنوعة تدفقت من ليبيا بعد فتح مخازن الجيش الليبي إثرسقوط نظام القذافي بجيشه عام 2011 وكان إنتشار هذه الأسلحة في أيدي الإسلاميين المعارضين لحكومات مدعومة من الغرب في بلادهم  أحد الأسباب من بين أسباب رئيسية أخري دفعت فرنسا للقيام بعملية Opération Serval في يناير 2013لمواجهة جماعة أنصار الدين والجبهة السلفية للدعوة والقتال في شمال مالي وكذلك لحماية النظام المُدار من وراء الستار بالعسكريين الماليين الذين أطاحوا بالرئيس Amadou Tomani Toure في 22 مارس 2012 قبل نهاية فترة رئاسته بشهر واحد تقريباً والذين هزمهم مسلحي أنصار الدين وMNLA وطردوهم من حامياتهم من شمال مالي وأعلنت الأخيرة إستقلال دولة Azwad في الشمال بإنفصالها عن مالي في 4 أبريل 2012 , كل هذه الأمثلة وغيرها كثيرة ومتنوعة تؤكد حقيقة واحدة وهي أن صناعة السلاح وجدت لتبقي لأنها صناعة قائمة علي نماء وإشتداد جذور الكراهية والحقد والأثرة لدي الإنسان وهي متأصلة لدي بعض القادة ويدعمها آخرين هؤلاء الآخرون هم من لديهم هذه الصناعة التي تعبر عن تدني الطبيعة البشرية صناعة السلاح .

تدرك إسرائيل تماماً تنوع الصعوبات التي تعترض صدور قرار عن الأمم المتحدة بحظر السلاح لجنوب السودان سواء أكانت سياسية علي الفكري ومناهج عمل السياسات لدي الدول الخمس دائمة العضوية أو آليات إتخاذ القرار في مجلس الأمن التي تُتخذ أو لا تُتخذ بسبب الـ Veto وكذلك تعارض مصالح هذه الدول في جنوب السودان وبالتحديد المصالح الأمريكية والصينية والروسية * (الروسية هي الأقل لكنه إتفاق صيني روسي محمول علي صفقة روسية صينية في قضية أخري) لكن الأكثر أهمية أنه وبأفتراض حدوث إتفاق فهناك صعوبة لا قبل لأحد بمواجهتها وهي أن حدود جنوب السودان مفتوحة علي دول بها صراعات حالية أو كانت بها صراعات وحُلت وبها فائض أسلحة كأوغندا وإثيوبيا وغيرهما ومن المستحيل التعامل مع هذه الصعوبة , هذا بالإضافة إلي الإدراك العميق لدي طرفي الصراع بأن من سينخفض تسليحه قد يخسر المواجهة ويتم حذفه نهائياً من معادلة الحكم في الجنوب ولهذا فكلاهما يؤمن بأن كمية السلاح لديه تعادل توقيع إتفاقية سلام مُنقحة تتضمن كل أو معظم شروطه للبقاء حياً سياسياً .

في ضوء ما تقدم يمكن القول أن هناك تيار في الإدارة الأمريكية وبالكونجرس يعلم أن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي المتعلقة بفرض حظر علي السلاح بشكل عام مهما كانت صياغتها ومضمونها محكم ومتماسك إلا أنه ميدانياً يظل دون مستوي تحقيق الغرض النهائي منها ألا وهو إرغام الأطراف أو الطرفين المتحاربين في جنوب السودان علي اللجوء للتفاوض فنزاع الحكم في جنوب السودان يعتبر أحد نماذج قليلة من نماذج أزمات الحكم الكثيرة بالعالم التي تتسم بوجود شريحتين مُدمجتين فنزاع الحكم بجنوب السودان سياسي وقبلي بصفة متبادلة , لذلك هناك حاجة لفك الشفرة القبلية حتي تعمل آلة السياسة بدولة جنوب السودان وهي عملية صعبة لا قبل للأمم المتحدة بها , وفي تقديري أن المعني بهذه المهمة هي الولايات المتحدة فهي التي تعهدت نمو القوي المتمردة بجنوب السودان حتي أوصلتها لحافة الدولة وخفضت بعد ذلك من إهتمامها بها للإلتفات لأزمات أخري في حاجة إلي جهد مؤسسات الإدارة الأمريكية علي إختلافها , ولذلك ففي تقديري أن الولايات المتحدة وليس الأمم المتحدة هي من سيحسم أمر أزمة الحكم في جنوب السودان التي – كما سبقت الإشارة – تعتبر متشابكة مع أزمة العلاقات القبلية في جنوب السودان وهي بطبيعتها مُعقدة بأزمة الحكم وبدونها علي السواء , كما أن جزء مهم من أزمة الحكم في جنوب السودان مُرتبطة بصفة عضوية بتراث الصراع الذي كان مع الشمال وسكنته إتفاقية السلام الدائم المُوقعة في يناير 2011 والتي أنتجت دولة جنوب السودان , بمعني أن شمال السودان يعتبر في تقديري الدور التالي في الأهمية بعد دور الولايات المتحدة سواء في حل أزمة الحكم أو في تبعات تركها بلا حل , ومما لابد من الإشارة إليه أن أزمة الحكم في جنوب السودان تعد عاملاً إيجابياً يصب في مصلحة شمال السودان لأسباب مختلفة – وإن لم يعن ذلك أنه عمل إرادي من قبل حكومة السودان – فهو يؤكد للبعض والآخرين أن الولايات المتحدة موصومة الآن بخطيئة تعهد إنشاء دولة تحمل بذور فناءها بدعوي الصراع الديني مع الشماليين وهو ما ثبت عكسه , كما أنه يؤكد من وجهة نظري أن المتمردين عندما يديرون دولة فلابد أن تتوقع فساد بنيانها وقتامة توجهاتها السياسية وإفتقادها لهوية واضحة مما يجعل من التعامل معها محفوفاً بالمخاطر وبنفس الدرجة محفوفاً بالشكوك أو ما دون الحد الأدني من الثقة , وهو ما تعاني منه الآن الولايات المتحدة خاصة وأن حكومة Kiir إستعانت بحوائط سياسية تستند إليها الآن وهي الحائط الصيني وحائط أقل هو الحائط الروسي وكلاهما يعترض الآن الحركة الحرة للدبلوماسية الأمريكية في بحثها عن حل لأزمة الحكم في جنوب السودان التي تطورت لحرب أهلية أي أن الدبلوماسية الأمريكية الآن تعكف عن حل أزمتين بينهما إرتباط تبادلي هما أزمة الحكم والحرب الأهلية التي تستعين عليها برصد تمويل ضخم – لم يسبق للمولايات المتحدة أن تدخلت به في أزمات أفريقية أخري – لمواجهة والوفاء بإحتياجات العون الإنساني الذي يتردي بفعل إستمرار الحرب الأهلية في أقاليم جنوب السودان .

ولهذا أعتقد أن القدر الكبيرمن علانية الموقف الامريكي من الصراع في الجنوب السوداني كان مُتعمداً من قبل واضع السياسة الأمريكي بهدف إرهاب الحكومة السودانية قبل أن يكون  لإبتزازها في المفاوضات التي كانت تجري في إطار IGAD أما القدر من السرية الذي تحرته إسرائيل في شأن تصديرها للسلاح لحكومة جنوب السودان فهو أمر معتاد لكل الدول المُصدرة للسلاح وتطلبه في كثير من الحالات الدول المستوردة , ولو حدث وتلقفت وسائل الإعلام هذا الأمر وبثته فهذا دورها ثم أنه في غالب الأحيان أيضاً يكون مُوجها من جهة التفاصيل المسموح بها وتوقيت النشر , ولكن في حالة تصدير السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان , أعتقد أن إسرائيل لم تشأ وهي تتبني إستراتيجية التمدد الحر في أفريقيا  التي دشنها رئيس الوزراء الإسرائيلي مُجدداً وبدأ تطبيقها بلقاءه لخمسة عشر من رؤساء ووزراء خارجية الدول الأفريقية علي هامش حضوره الإجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2016 نشر ما يتعلق بذلك الأمر في هذا التوقيت , فمن المفترض أنها لا تريد إثارة بعض الدول الأفريقية التي تواجه منظمات متمردة , كما أن بعضها الآخر متعاطف مع أي من طرفي الحرب الأهلية بالجنوب والأهم أن إسرائيل تعتمد علي تنويع وتنمية الأسواق أمام صناعتها العسكرية التي تتسع وتنمو بقدر عدم وضوح الموقف الإسرائيلي من الصراعات التي تواجهها الدول المستوردة أو المُشترية للسلاح الإسرائيلي فتبني موقف واحد من صراع ما يعني تحجيم الأسواق لذلك فالأنسب لإستراتيجية مبيعات السلاح الإسرائيلي تبني الحكومة الإسرائيلية لنهج لا أخلاقي أو نهج غير محدد في سياستها البيعية * (أشار نائب رئيس جنوب السودان Riek Machar في حديث أدلي به لقناة الحرة    “ستكون لنا علاقات مع كل البلاد العربية والإسلامية وحتي مع إسرائيل وكحقيقة فإننا نتطلع للعب دور في حل القضايا القائمة في العالم العربي حتي تلك القضايا التي بين إسرائيل والبلاد العربية ” , وهذا يعني أن حركة  Riek Machar المدعومة من الحكومة السودانية أو علي الأقل التي لها تاريخ إيجابي سابق علي الإنفصال مع الحكومة السودانية  منفتحة هي الأخري علي إسرائيل) وإزاء هذا الغموض يمكن تصور أن وراء تأليب الأمم المتحدة لإثارة وتقصي أمر واردات جنوب السلاح من إسرائيل وغيرها من الدول المنتجة ووضع تقرير بشأن ذلك إحتمال أو أكثر من الإحتمالات التالية  :

* دفع من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان .

* الحكومة السودانية .

* المعارضة الجنوبية المُسلحة بقيادة Machar .

* دولة أو أكثر من الدول المُنتجة للسلاح , فتوريد السلاح لجنوب السودان مجال تنافسي لدول عدة منها إسرائيل وروسيا التي تعترض علي قرار حظر السلاح لجنوب السودان أشار تقرير من  Mark Goldmanمؤسسة محاسبية  تدعي  Sentry أن رجل أعمال روسي يدير شركة تدعي MGA Capital مقرها جنيف يتفاوض مع المعارضة المسلحة التي يقودها  Riek Machar  لتوريد السلاح إليهم مقابل البترول وهو ما يفعله Machar وهو نموذج متكرر فقد كانت حكومة حزب MPLA الأنجولية المُعترف بها تبيع البترول مقابل السلاح فيما خصمها حزب UNITA يبيع الألماس مقابل السلاح , وقد ورد أسم شركة ASCORP الإسرائيلية ضمن تقرير لمنظمة  Human Rights Watchوُضع إبان الحرب الأهلية الأنجولية أشار إلي الشركات التي تشتري الألماس الأنجولي الذي خضع لقرار مجلس الأمن بحظر بيعه بمعرفة متمردي حزب  UNITA  لمواجهة الحكومة الشرعية القائمة والتي قادها حزب MPLA في الحرب الأهلية الأنجولية 1975- 2002, وهو ما يتكرر الآن في جنوب السودان , ويجدر بالذكر أن الأمم المتحدة فرضت الحظر علي السلاح  والبترول علي حزب UNITA بموجب قرار مجلس الأمن رقم 864 في سبتمبر 1993 أي بعد مضي 18 عاماً علي بدء الحرب الأهليةبالإضافة لعقوبات أخري علي UNITA فُرضت تباعاً في أكتوبر 1997 ثم في يونيو 1998 , وكما سبقت الإشارة فلم يصدر قرار بحظر مبيعات السلاح لجنوب السودان للآن فهل سيطول أمد إتخاذه وفقاً للنموذج الأنجولي في الحرب الأهلية ؟

* المعارضة الإسرائيلية نفسها .

* الحكومة الإسرائيلية نفسها * ( وهو إحتمال ضعيف لكن يسنده منطق ما) علي قاعدة ممارستها لنشاط ترويج المبيعات Sales Promotion خاصة وأن إسرائيل – كما سبقت الإشارة- لم تنتهك قراراً لمجلس الأمن الدولي الذي لم يقرر بل ناقش فقط فرض حظر علي مبيعات السلاح لجنوب السودان , ولئلا ننسي فالصناعات العسكرية الإسرائيلية أحد المصادر النامية المدرة للأرباح ودعم الخزانة العامة الإسرائيلية .

نتيجة :

في تقديري أن التداخل الحادث بين أزمة الحكم في جنوب السودان وإستمرار تدفق السلاح من أكثر من مورد منه المورد الإسرائيلي علي جنوب السودان يُلقي بظلال قاتمة علي أهداف الأطراف القائمة علي توريد السلاح ومنها إسرائيل لجنوب السودان, فإستمرار تدفق السلاح لجنوب السودان – الذي بحاجة إلي التنمية بأكثر كثيراً من حاجته للسلاح – يمكن أن يؤدي إلي تأثير ما في نتائج الحرب الأهلية فلو حصل الطرفين من كل الأطراف المُصدرة  ومنها إسرائيل بصفة مباشرة أو غير مباشرة علي كميات منتظمة ومتوازنة فسوف تستمر الحرب الأهلية بجنوب السودان  لأجل غير مسمي , وفي هذه الحالة فإن السلاح يمكن أن نصفه بأنه طرف قائم بذاته في الحرب الأهلية بجنوب السودان ومن ثم وجب التعامل معه سواء في إطار الأمم المتحدة وهو إطار ضيق غير مستو لأنه يضم خصوم بمصالح متعارضة ومضطربة بجنوب السودان أو الإطار الثنائي أي بين الولايات المتحدة – لو أرادت كما سبق لها أن فعلت مع السودان إبان الصراع مع تمرد الجنوب – وفيما يتعلق بإسرائيل فإن دعمها  لجنوب السودان وقت صراعه مع الشمال كان قائماً علي العلاقة العسكرية التي تطورت فوصلت إلي ذروتها بعد إعلان قيام دولة جنوب السودان في يوليو2011 , وبالتالي فلا يمكن تجاهل أن إستمرار صفقات السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان له أثر في أزمة الحكم سواء بإستمرارها دون نهاية أو حسمها في وقت لاحق لصالح أحد طرفيها والأرجح أنه حكومة Kiir , وبقدر قدرات الولايات المتحدة علي فك الإرتباط بين حكومة جنوب السودان بقيادة الرئيس Kiir وبين موردي السلاح وأهمهم إسرائيل والصين ( العلاقات الصينية مع جنوب السودان علاقات إقتصادية متنوعة أهمها البترول والسلاح أما مع إسرائيل فالعلاقات العسكرية في الصدارة)  بقدر ما ستستطيع النفاذ إلي أطراف أزمة الحكم وحلها بالتوازي أو التوالي مع الأزمات القبلية السابقة وتلك الناتجة عن أزمة الحكم وهو أمر بالغ الصعوبة لكنه محتمل  .

تستطيع الولايات المتحدة أن تتعامل – لو أرادت – مع إسرائيل لوقف أو تعليق صادراتها من السلاح لجنوب السودان وفك إرتباطها النسبي الذي لا شك فيه بأزمة الحكم في جنوب السودان , فكما سبقت الإشارة فإن السلاح طرف وليس مجرد وسيلة في أزمة الحكم في جنوب السودان لابد للولايات المتحدة التعامل معها بفاعلية حتي تجد حلاً لأزمة تخوضها دولة أنشأتها بولادة غير طبيعية , لكن كيف يتأتي للولايات المتحدة ذلك ؟ الجواب ينحصر في لجوء الإدارة الأمريكية لإتفاقيات التفاهم الإستراتيجي والبروتوكولات التي إطارها علاقات التحالف الإستراتيجي الأبدي الصلب المُوقعة مع إسرائيل حتي تنسق معها في حل أزمة الحكم في الجنوب التي تهدد دولة صنعتها الولايات المتحدة صناعة , وقد لا تجد الأغدارة الأمريكية إن أخفقت في التنسيق الإيجابي مع إسرائيل لوقف إمدادتها من الأسلحة لجنوب السودان سوي التعويض أو المقايضة أو كلاهما , لكن تبقي مشكلتين أخريين أمام الدبلوماسية والمخابرات الأمريكية والقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM وهما (1) موقف الصين وروسيا ليس في مجلس الأمن فقط بل وخارجه وتحديداً فيما يتعلق بصفقات أسلحة مباشرة أو غير مباشرة منهما لجنوب السودان و (2) موقف منافذ حدود جنوب السودان مع دول بها صراعات مفتوحة وتتوفر فيها نوعيات وكميات من الأسلحة الإسرائيلية والصينية والروسية , ولذلك فإن علي الإدارة الأأمريكية ألا تكتفي بالتركيز من أجل حل أزمة الحكم في جنوب السودان علي حظر السلاح فهو لن يكون كافياً وحده لإمكانية خرقه وإستخدام الموردين له والإستفادة منه برفع أسعارهم فالحل سيبقي مرهوناً بالتعامل الأمريكي المباشر مع أهم موارد السلاح لجنوب السودان وأهمهم إسرائيل والصين وروسيا والتفاوض معهم أولاً وقبل فرض حل في جوبا , تفاوض علي قاعدة الصفقة الشاملة Deal Comprehensive التي تضمن مصالحهم في جنوب السودان .

الخلاصة :

سيظل لإسرائيل حيز في تسليح جنوب السودان طالما لم تتوافق بعد القوي الكبري دائمة العضوية في مجلس الأمن علي إتخاذ قرار قوي لحظر السلاح لجنوب السودان , ومن الوجهة المنطقية لا لوم علي إسرائيل , لكن إستمرار صفقات سلاحها لحكومة الجنوب يوفر لها دور تلعبه وهو تنمية لمكانتها المؤثرة في دولة جنوب السودان  , الحرج الإسرائيلي لا يخرج عن كونه حرج إعلامي أو حقوقي فالصراع في جنوب السودان إقترب من حد التطهير العرقي , لكنها هكذا أسواق السلاح كأي سلعة تروج عندما تحتاجها وتطلبها أسواق المُستهلكين والصراع الجاري في الجنوب هو هذه السوق , ولن تتوقف شحنات السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان حكومة وربما معارضة إلا إذا حصلت إسرائيل علي مقابل إقتصادي سواء أتخذ قرار أممي بالحظر أو بتسوية سياسية تتحقق دون إبطاء فعندما تتحلل دولة الجنوب وتذوب بين القبائل سوف لا يمكن فرض حظر علي أي طرف لأن السيناريو الذي سيُطبق هو سيناريو الصومال  والحالة هذه  .

النفاذ الإسرائيلي لأزمة الحكم في شمال السودان

 مقدمة :

هناك أزمة حكم وإن بمكونات مختلفة تماماً عن تلك التي تتسم بها أزمة الحكم في جنوب السودان ففي الخرطوم يتولي الحكم الفريق عمر البشير منذ 30 يونيو 1989 حتي الوقت الحاضر , خلال تلك الفترة الطويلة حكومة السودان تواجه نوعان من التحديات الرئيسية الأول تحدي مواجهة تهديد الأمن القومي السوداني والذي تمثل في حركات التمرد الجنوبية التي رفع لواءها زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان John Garang وهو التحدي الذي إنتهي بعد قتال ضار وحرب مكلفة ودورات تفاوضية في عواصم مختلفة إنتهت في كينيا بتوقيع إتفاق السلام الشامل في يناير 2005 ممهداً الطريق أمام إنفصال جنوب السودان وإعلان دولته في 9 يوليو 2011 وبذلك إنتهي أو كاد التحدي الأول , أما التحدي الثاني الرئيسي فهو المعارضة السياسية لنظام ثورة الإنقاذ الوطني القائم بالخرطوم والذي في إطار تسوية الأزمة السياسية المزمنة مع قوي المعارضة نظم مؤخراً مؤتمراً للحوار الوطني للتوصل لهذه التسوية وهو ما سيلي ذكره لاحقاً , وفي هذا المناخ الداخلي بالسودان وفي مناخ إقليمي مُضطرب تسود فيه رياح ثورات الربيع العربي وأعاصيير الثورات المُضادة والتدخلات الخارجية المحمومة لإخماد يقظة شعوب المنطقة , شاعت أنباء ومعلومات بشأن تطبيع للعلاقات بين إسرائيل والسودان , وفي الواقع فلا يوجد علي سطح التفاعلات السياسية بالسودان ما يتيح حيز لهذا التطور الذي يأتي عكس التيار السياسي الجاري بالسودان وعكس المزاج القومي للشعب السوداني في غالبيته , ومن أجل ذلك ربما إحتاج الأمر لإختبار مدي صحة ما أُشيع عن هذا التطبيع النزول تاريخياً لدرجات في أدني سلم الموضوع الإسرائيلي مع السودان وكذلك المرور بإيجاز موقف السودان من القضية الفلسطينية في طورها الأخير وعلي تطور العلاقات الأمريكية السودانية و الموقف العام للعلاقات للعلاقات الُإثيوبية / السودانية لما لكل ذلك من علاقة مباشرة مع قصة تطبيع العلاقات الإسرائيلية السودانية .

ما نُشر عن إتجاه إلي تطبيع العلاقات الإسرائيلية السودانية :

أدلي وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور بتصريح للصحافة المحلية السودانية في 14 يناير رداً علي سؤال وُجه إليه بشأن طلب الولايات المتحدة من السودان تطبيع علاقاتته مع إسرائيل كشرط مُسبق لرفع العقوبات الأمريكية عن السودان , فقال إننا لا نكترث بدراسة مثل هذا المقترح ” , وبعد ذلك بإسبوعين وفي ختام أعمال مؤتمر الحوار الوطني بين الحكومة والأحزاب السودانية ( التي رفض بعضها المشاركة فيه) أشار حسبو محمد عبد الرحمن نائب الرئيس السوداني في كلمته أمام الحضور تأكيداً علي هذا الخط السياسي بشأن علاقة السودان بإسرائيل بقوله ” إن القيادة السودانية سوف لا تتخلي عن أو تخون شعبها وأن علاقات السودان بإسرائيل سوف لا يجري تطبيعها ” , وأضاف علي الصادق المتحدث باسم الخارجية السودانية تأكيداً آخر عندما صرح في ديسمبر 2015 لوكالة الأنباء الأفريقية بقوله ” إن تصريحات وزير خارجية السودان حول هذا الموضوع نُزعت من سياقها فمن المعروف للكافة دعم الحكومة والشعب السودانية للقضية الفلسطينية وهو موقف لم يتغير ولن يتغير ” , فيما نقلت صحيفةJerusalem Post   الإسرائيلية في 2 يناير 2016عن أحد الصحفيين السودانيين ويدعي وسيل علي قوله ” إن التطبيع لن يحدث طالما بقيت حكومة إسلامية تسيطر علي السودان ” وواصل فأوضح ” إنني لا أري ثمة مسار واقعي من خلاله يمكن للحكومة الإسلامية في السودان أن تبيع التطبيع مع إسرائيل لقاعدتها أو حتي للشعب السوداني ككل , وبينما يمكنك أن تجد شخصيات عدة من داخل الحكومة السودانية ممن يرون التطبيع مع إسرائيل فكرة جيدة فإنه يكاد من المستحيل عليهم جعلها واقعاً ملموساً ” .

تمر مسألة تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع السودان علي مشهدين رئيسيين :

الأول : المسارات الحرجة التي تمر بها الحياة السياسية السودانية منذ 30 يونيو 1989 حتي الآن                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 وأطرافها الحكومة السودانية القابضة علي السلطة وأحزاب المعارضة السودانية علي إختلافها, ففي الفترة من 1989 وحتي يناير 2016 مر السودان  بأزمات  سياسية مزمنة علي مرحلتين الأولي في ظل سلطة وحيدة هي مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الذي أدار البلاد بمراسيم دستورية مختلفة من أهمها المرسوم المُتعلق بتطبيق نظام الحكم الإتحادي عام 1994والذي بموجبه أصبح السودان إدارياً مكوناً من 26 ولاية بدلاً من تسع وأنشأت أكثر من 80 محافظة وهو النظام الذي أعادت الحكومة السودانية النظر فيه لاحقاً عندما قلصت في 2001 عدد المحليات إلي نحو الثلث عن العدد السابق في ولايات الخرطوم والشمالية ودارفور وكردفان ثم أعدت في أبريل 2001 لعقد ” مؤتمر إعادة النظر في تجربة الحكم الإتحادي” خفضاً للتكاليف وكذلك لان الحكومة كما أعلن وقتذاك مستشار الرئيس السوداني لشئون السلام في 3 ابريل 2001 ” تبحث في خيار منح الجنوب حكماً ذاتياً ” وخلال هذه المرحلة تكتلت قوي المعارضة الخارجية السودانية وبدأت سلسلة من المؤتمرات التنسيقية فيما بينها من أهمها المؤتمر الذي عُقد في أرتريا التي أعلن في 20 يونيو 1995أمين المكتب المركزي للجبهة الشعبية للديموقراطية والعدالة الأرترية بها ( التظيم السياسي الوحيد والحاكم في أرتريا) عن إستضافة بلاده  لكل قوي المعارضة السوداني وكان الأكبر من بين إجتماعات ثلاث سابقة لها وذلك بهدف إعادة الديموقراطية والسلام والوحدة للسودان وأشتركت في هذا المؤتمر الحزب الإتحادي الديموقراطي برئاسة محمد عثمان الميرغني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة  John Garangوحزب الأمة برئاسة سكرتيره محمد نور الدايم والقيادة الشرعية للقوات المسلحة السودانية برئاسة فريق أول فتحي محمد علي والحزب الشيوعي السوداني برئاسة التيجاني الطيب وإتحاد أحزاب جنوب السودان برئاسة ألياب سرور ومؤتمر الجبهة برئاسة محمد طاهر أبو بكر وقوي التحالف السودانية برئاسة العميد عبد العزيز خالد  كذلك توالت الإجتماعات والمؤتمرات التي جمعت المعارضة في أسمرا والقاهرة وغيرهما  , إلي أن إتجهت حكومة السودان لسلوك مسار أكثر واقعية فأنتقلت إلي المرحلة الثانية وهي مرحلة التعددية الحزبية بناء علي إصدار حكومة الإنقاذ لقانون التوالي السياسي عام 1998الذي أتاح عودة للحياة الحزبية والتي توازت مع عملية إنشقاق داخلي عند قمة السلطة حدثت بين فريق الرئيس عمر البشير وفريق د . حسن الترابي بموجب ما تضمنته المذكرة التي تقدمت بها شخصيات نافذة بالحركة الإسلامية السودانية مؤرخة في 15 ديسمبر 1998(أهمها أحمد علي الإمام وغازي صلاح الدين وإبراهيم أحمد محمد ونافع علي نافع وسيدالخطيب وحامد تورين وبكري حسن صالح وعلي أحمد كرتي وآخرون ) وأشارت المذكرة في سياقها إلي ما نصه ” وتري (الحركة الإسلامية) أن تجربة عشر السنوات الماضية قد أبرزت لنا مشكلات مهمة تحتاج منا إلي حلول مناسبة ” وأشارت المذكرة إلي أن هذه المشكلات هي معاناة الشوري الداخلية في الحركة من مشكلات الإستعلان والإستخفاء وعدم مرونة الهياكل الشورية لإستيعاب الآراء كلها ,قلة فاعلية قيادتنا العليا بسبب ترهل المنابر القيادية كما أن الحركة (الإسلامية) لا يغني الحركة فيها أن تعتمد علي بنيات غير مؤسسية لأن أعداءها يحاربونها بأسلحة العصر فلابدج أن تحدد مؤسسات الحركة ثم تتكامل , وأشار البيان في موضع آخر إلي أنه إذا لم يتول المؤتمر الوطني الحكم يكون المكتب القيادي حكومة ظل , وفي الواقع فقد كانت هذه المذكرة أهم تطور خاضته الحكومة السودانية لأنها أنهت إزدواجية السلطة في السودان والتي توزعت بين العسكريين (ومنهم إسلاميين) وعناصر الحركة الإسلامية بقيادة د حسن الترابي الذي إنفصل وكون حزباً بعد هذه المذكرة وربما بناء عليها , لكن  هناك من المراقبين من وجد في هذا التطور لفك الإرتباط بين حكومة الفريق عمر البشير ود ز حسن الترابي علي أنه مناورة سياسية يمكن – لو نجحت – أن تسلك مساراً طبيعياً يستوعب أحداثاً تخدم القضية السودانيية الأولي وهي الصراع في الجنوب وهذا ما حدث عندما وقع عمر أبراهيم الترابي والحجوب عبد السلام المحجوب عن حزب المؤتمر الوطني الشعبي الذي يقوده د الترابي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (باقان أموم وياسر عرمان) مذكرة تفاهم في فبراير 2001بين الكيانين ” من اجل السعي لبلورة إجماع وطني شامل بين كافة القوي السياسية السودانية كمدخل صحيح لتسوية تاريخية للأزمة الوطنية وكبري قضايا بلادنا وفي مقدمتها إنهاء الحرب الأهلية عبر إتفاق سلام عادل وبناء ديموقراطية حقيقية وتوحيد السودان علي أسس جديدة عبر إرادة أهله الطوعية ” , وأُشير في نهاية مذكرة التفاهم إلي أن الطرفان إتفقا علي برنامج مُشترك لتحقيق الأهداف الواردة بها وفق آلية للتنفيذ والمتابعة  .

لكن أزمة الحكم والمعارضة ربما يكون إنفصال جنوب السودان قد أدي بهما إلي التلاقي عند نقطة ما قرب المنتصف عندما بادرت الحكومة من خلال إتصالات تمهيدية ببعض قوي المعارضة إنتهت إلي بدأ مؤتمر الحوار الوطني بالخرطوم  والذي بدأ نتيجة مبادرة أطلقها الرئيس عمر البشير في يناير 2014 ليبدأ مؤتمر الحوار الوطني لاحقاً في 10 أكتوبر 2015 بعد تعثر وإعراض عن المشاركة من حزب الأمة وقوي اليسار والحركات المسلحة  لينتهي في أكتوبر 2016 بحضور أغلب هذه القوي , وفي الواقع فبالرغم من توقيع حكومة السودان والأحزاب المُشاركة في مؤتمر الحوار الوطني بالخرطوم علي وثيقة في 10 أكتوبر 2016 مرجو منها أن تكون أساساً لدستور دائم للسودان إلا أن التقييم الإجمالي لهذا الجهد يُشير إلي أنه لم يحقق من جراء هذا الحوار أهدافه الكبري بالرغم من تحقيقه لبعض الأهداف التكتيكية والتي من بينها تأكيد لرغبة لدي حكومة الخرطوم للتوصل إلي وتحقيق تسوية سياسية لأزمة الحكم مع المعارضة وهي أزمة منشأها الإختلاف السياسي وليس الإختلاف القبلي والسياسي معاً كأزمة الحكم في جنوب السودان , وقد وضح أن الخلافات مازالت تفرض نفسها علي طرفي الحوار بدليل أن تحالف المعارضة المُسمي إختصاراً ” نداء السودان ” لم يشارك في ختام أعمال مؤتمر الحوار الوطني , ولم يكن موقف قياديون من بعض أحزاب المعارضة إيجابياً بما يكفي القول بأن ثمة إجماع قد عكسته الوثيقة الموقعة فقد قال زعيم حركة تحرير السودان مني أركو مناوي ” إن الحوار الوطني الذي اختتم أعماله بالخرطوم، لم يُحدث أي تحول أو إختراق في الواقع السياسي في ظل استمرار الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ” , كما قال مساعد رئيس حركة  جيش تحرير السودان أبو عبيدة الخليفة ” الحوار الوطني مجرد “مسرحية سيئة الإخراج لأنه لم يحقق أي شيئ سوى حصاد الفشل” وأنه ” بالرغم من أن توصيات الحوار الوطني شملت قضية الحريات والوضع الإقتصادي إلا أن الحكومة ما زالت تضع المزيد من العوائق والتضييق على الحريات العامة والخاصة ” و ” تفاقم الأزمة الإقتصادية الطاحنة التي سحقت المواطن وأحالت حياته إلى جحيم، فضلا عن تزايد أعداد اللاجئين والنازحين ما يُشير بوضوح إلى أن بالحوار الوطني فشل ووصل إلى طريق مسدود ” مؤكدا في تصريح أدلي به لصحيفة سودان تربيون بتاريخ 11 أكتوبر 2016 أن ” النظام ليس لدية إرادة سياسية حقيقية لإجراء أي تحول إيجابي نوعي في أوضاع البلاد وإتخذ الحرب وسيلة للحل لذلك لم يُبدي أي إهتمام لتوقيع اتفاق وقف عدائيات لأسباب إنسانية في دارفور والمنطقتين، ورفض قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي بإقامة اجتماع تحضيري يجمع الحكومة والحركات المسلحة وقوى المعارضة ويؤسس لحوار حقيقي وشامل وشفاف ” , وفي 21 أكتوبر 2016 أشارت صحيفة سودان تربيون إلي أن الرئيس المناوب للجنة تهيئة المناخ عثمان أبو المجد، أكد في  حديث له في لقاء إذاعي يوم الجمعة إقصاء عدد من الحركات المسلحة من المشاركة في الحوار، وهو ما كذبه عضو اللجنة التنسيقية العليا للآلية بشارة جمعة أرو، مما أدى الى مطالبة أبو المجد بتكوين لجنة تقصي حول الأمر ولوح بمحاسبة المتسببين في إقصاء الحركات من الحوار , وأعترفت الحكومة السودانية بعد توقيع الوثيقة النهائية وفقاً للخارجية السودانية بأنه ينبغي إعتبار الحوار بالداخل مرحلة أولي تمهيداً لإلحاق القوي المعارضة والحركات المسلحة الممانعة .

تأسس مؤتمر الحوار الوطني علي طرح المعارضة لأربع شروط أعتبرها في ضوء تمكن حكومة الفريق عمر البشير من السيطرة علي مقاليد السلطة لسبع وعشرين عاماً شروط تعجيزية فقد رهنت قوي المعارضة مشاركتها بوفاء الحكومة السودانية الداعية للحوار بأربع شروط هي : وقف العدائيات في مناطق الحرب وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء القوانين المُقيدة للحريات وإشراف سلطة إنتقالية من كافة القوي السياسية والمجتمع المدني علي تنفيذ إي إتفاق سياسي بين أطراف الأزمة السودانية .

إما فيما يتعلق بالموقف الأمريكي المُعلن من مؤتمر الحوار الوطني فيعبر عنه تصريح أدلي به المبعوث الأمريكي للسودان وجنوب السودان Donald Booth والذي نقلت عنه صحيفة سودان تربيون في 24 أكتوبر 2016 قوله أنه ” ناقش مع هاشم علي سالم الأمين العام للحوار الوطني  كيفية تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، منوهاً إلى أن ترك الوثيقة الوطنية مفتوحة يتيح فرصة للإنضمام للحوار وتحقيق الاستقرار ” , وأشارت الصحيفة إلي أن المبعوث الأمريكي جدد حرص الإدارة الأميركية على دفع الممانعين للوصول إلى تفاهم مع الحكومة بشأن إيصال المساعدات الإنسانية والطبية , وكان الرئيس البشير قد وصف المقاطعين والممانعين من قوي المعارضة للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني بأنهم ” مرتزقة تمولهم المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ” نافياً أن تكون مبادرته التي أطلقها عام 2014 ناتجة عن ضعف أو إملاء بل إنها صدرت عن إيمان راسخ بأن الحوار هو السبيل لمعالجة أزمات البلاد / مُضيفاً انه يقول لكل دول العالم والدول الإستعمارية بما فيها الولايات المتحدة إن السودانيين أحرار .

لكن الموقف الأمريكي من الحوار الوطني لا يتواءم من الوجهة العملية مع الطبيعة المُستديمة التي لاحظتها طيلة عملي لعشر سنوات في الموضوع السوداني بين القاهرة والخرطوم فالمدخل الأمريكي في التعامل السياسي مع السودان قائم علي ممارسة الضغوط المتنوعة علي النظام السوداني الذي صنفته علي أنه إسلامي مع أن هذا النظام من الوجهة الدستورية تخلي عن هذه الصفة بموجب دستور 1998 ,  فمازالت العقوبات الأمريكية علي السودان تتجدد (مفروضة منذ نوفمبر 1997 وتتضمن تقييد تجارة الولايات المتحدة مع الإستثمار مع السودان وتجميد أصول الحكومة السودانية وفرض عقوبات إضافية تتعلق بالصراع في دارفور صدر بشأنها أمران تنفيذيان) وآخرها كان تمديد الرئيس Barak Obama في 31 أكتوبر 2016 العقوبات الإقتصادية علي السودان لعام آخر بدعوي أن أفعال وسياسات الخرطوم هي من تسببت في فرض وإستمرار هذه العقوبات فسياسات الخرطوم تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية , وقد قللت الخارجية السودانية من شأن تمديد الإدارة الأمريكية لعقوباتها بالقول بأنه ” قرار روتيني ” وإجراء سنوي لكن أحد آثاره السلبية إنعكاسه علي الموقف الأإنساني بالبلاد وأنه سوف لا يوقف الجهود الجارية لتحسين العلاقات بين البلدين , وأن الخارجية السودانية من جانبها سوف تستمر جزءاً من الحوار الجاري عالي المستوي بين البلدين ثم بعد ذلك سيكون هناك تقييم لرؤية البلدين بشأن تطبيع علاقاتهما علي جميع المحاور , وفي الواقع فإن مسألة فرض عقوبات ثنائية علي دولة ما أسلوب تعرض لإنتقاد فقد ناشدت الإدارة الامريكية الكونجرس غير مرة بعدم المضي في فرض عقوبات إضافية علي السودان لأن مزيد من الضغط الإقتصادي يمكن أن يضر الجهود الدبلوماسية التي بدت تتقدم فيما يتعلق بقضية دارفور وكانت الإدارة الأمريكية قد فرضت حصاراً وتجميداً كاملاً لأصول الحكومة السودانية بموجب الأمر التنفيذي رقم 13067 الذي أصدره الرئيس Clinton في 3 نوفمبر 1997 وفي 27 أبريل 2006 أصدر الرئيس Bush أمراً تنفيذياً جديداً يوسع نطاق الأمر التنفيذي رقم 13067 ليتضمن ممتلكات ومصالح أشخاص بعينهم ذوي صلة بالصراع في دارفور , وفي الحقيقة فإن التقييم العام لأسلوب العقوبات لدي بعض المسئوليين الأمريكيين أنه أداة حفز للدول التي تُفرض عليها العقوبات وليس أداة حصر , ويعلم القائمون علي أمر السياسة الخارجية بالسودان ذلك (خففت الإدارة الأمريكية في أبريل 1999العقوبات عن السودان وإيران وليبيا في مجال المواد الغذائية وهو قرار وصفه المستشار الإقتصادي للرئيس السوداني في 2 مايو 1999 بأن لا فائدة تعود منه علي السودان الذي لا يستورد غذاءه من الولايات المتحدة وأن القرار يدعم المزارعيين ورجال الأعمال الأمريكيين فحسب نتيجة ضغوطهم علي الإدارة لتسويق إنتاجهم من القمح), ولذلك فإنهم يعلمون أن تجديد العقوبات الأمريكية علي السودان أمر روتيني لإرضاء بعض الدوائر في الولايات المتحدة , ولذلك لم يمنع ذلك الخارجية السودانية عندما أعلنت عام 1997 عن خطتها السنوية والتي توزعت علي 15 محور أن تضمنهم هدفان تسعي إلي تحقيقهما وهما (1) تجاوز التغيرات الراهنة في العلاقات مع الولايات المتحدة ومحاولة تطويرها و(2) تنويع الخطاب المُوجه إلي الولايات المتحدة , وفي هذا الإطار طرحت إدارة أمريكا الشمالية في إبريل 1997 ورقة بشأن التعامل السياسي مع الولايات المتحدة تضمنت العمل علي ثلاث محاور أولها فتح حوار صريح مع الولايات المتحدة في القضايا ذات الإهتمام المُشترك أهمها إتهامات الولايات المتحدة للسودان بدعم الإرهاب والمأساة المستمرة جراء الحرب في الجنوب والإستقرار الإقليمي والعلاقات مع الجيران وحقوق الإنسان وإنسياب الإغاثة الإنسانية , ثانياً التعاون بديلاً عن المواجهة و ثالثاً تشجيع الشركات الأأمريكية للإستثمار والتجارة مع السودان , وفي الواقع فإن العلاقات الأمريكية السودانية يتسع مدي رؤيتها ليشمل (1) حركة النظام السوداني في إطار الحركات الإسلامية وهذه المرحلة قد ولت خاصة بعد توقيع حكومة السودان مع الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان بكينيا إتفاق السلام الشامل في يناير 2005 ووضع نهاية للصراع في الجنوب وكذلك بعد تفكك المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي عام 1999والذي كان مظلة لحركات وجماعات إسلامية تُري علي أنها تهدد إستقرار المصالح الغربية , و (2) حركة السودان داخل النظام العربي الرسمي وخاصة فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط وعملية السلام وللسودان منهما موقف مختلف عن مواقف دول المواجهة (سابقاً) مع إسرائيل و(3) حركة السودان في إطار القرن الأفريقي الكبير .

فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة من مؤتمر الحوار الوطني الذي تداول أزمة الحكم في السودان بين الحكومة والمعارضة , ففي تقديري أن الإدارة الأمريكية مازالت له مشكلات معلقة مع الحكومة السودانية ولذلك أصدر الرئيس Obama  أمراً تنفيذياً في 31 أكتوبر 2016 بتمديد العقوبات الأمريكية علي السودان , وعليه فإن الإدارة الأمريكية بالرغم من متابعتها لما سينتهي له مؤتمر الحوار الوطني فإنها تهتم بصفة أولية بعلاقة هذا الحوار بفكرة تحاول تسويقها عادة في الصراعات وهي فكرة العون الإنساني للمتضررين من هذه الصراعات والتي لا توضع علي درجة واحدة من الأهمية في سلم أولويات الإدارات الأمريكية فالمتضررين من الصراع الصومالي غير هؤلاء المُضارين من الصراع في جنوب السودان مثلاً والمضارين من الصراع في كابيندا الولايات المتحدة غير معنية بهم كلية لإعتبارها مسألة داخلية أنجولية وليست صراعاً يهدد الأمن القومي الأمريكي طالما ظلت آبار بترول كابيندا التي في قبضة حكومة أنجولا تضخ نفطها بإنتظام لمعامل تكرير البترول بالشرق الأمريكي , ولهذا نجد صحيفة SudanTribune بتاريخ 24 أكتوبر 2016 تشير إلي أن المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان في لقاءه بأمين الحوار الوطني السوداني يناقش من بين أمور أخري ذات صلة جهود واشنطن لدفع الممانعين والحكومة للتوقيع على اتفاق لإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين بمناطق النزاع  .

وفي تزامن مع إصدار القرار الأمريكي لتمديد أجل العقوبات الإقتصادية والسياسية علي السودان لعام آخر, قام وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور بزيارة للصين 31 أكتوبر 2016 إلتقي فيها مع نظيره الصيني Wang Yi لدفع العلاقات التي تعتبرها الدولتان إستراتيجية في مجالات الطاقة والطاقة المُتجددة والزراعة , كما عبر وزير الخارجية السوداني لنظيره الصيني عن تضمن بلاده مع سياسة الصين الواحدة والموقف الصيني بشأن بحر الصين الجنوبي (وهو موقف مُضاد للموقف الأمريكي) .

أزمة الحكم في السودان وعلاقتها بتطبيع العلاقات مع إسرائيل

ليست لإسرائيل علاقة مباشرة بأزمة الحكم في السودان , لكن إذا لم يكن من الممكن لأي مراقب للسياسة السودانية منذ عشرين عاماً مضت أن يأخذ علي محمل الجد ما يتناثر من معلومات عن علاقة ما بين حكومة السودان وإسرائيل , فإن الأمر مختلف الآن فهناك ثمة إتجاه يتكون الآن في السودان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل  , فمثلاً من متابعتي لهذا الموضوع إبان عملي بالسودان نُشرت إصدارة عن الحزب الشيوعي السوداني تُدعي ” الميدان ” عدد نوفمبر / ديسمبر 1996 ما تردد عن صفقة مائية بين السودان وإسرائيل وضع تصورها أستاذ للهيدرولوجي بجامعة الخرطوم , وذلك بالرغم من أن وزير الري السوداني يعقوب أبو شورة أعلن جهاراً في الإجتماع الثالث والثلاثين للهيئة الفنية الدائمة المُشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان والذي عُقد بالخرطوم في 15 أكتوبر 1992 ” أن السودان يري أن مياه النيل حق لدول حوض النيل ولا يمكن أن يُزج بها في محادثات الشرق الأوسط مهما تعاظمت الضغوط ” , هذا من الوجهة الفنية أما سياسياً فقد صرح وزير الإعلام السوداني في 1 فبراير 1997 ” أن هناك ضرورة لأن يعي السودان حقيقة الدور الذي تقوم به أرتريا في المنطقة لكونها وكيل إسرائيل الجديد في أفريقيا وتريد التحكم في القرن الأفريقي وفي البحر الأحمر وتفتيت السودان وضرب مصر” , هذا في الوقت الذي نشرت فيه مجلة Ethiocope الصادرة عن وزارة الخارجية الإثيوبية في أكتوبر 1994 مقالاً حول موضوع مياه النيل ألمح فيه كاتبه وهو غربي إلي أن حصة إثيوبيا في النيل الأزرق تُقدر بـ 12 مليار متر مكعب وأن إثيوبيا إذا لم تستطع الإستفادة من هذه المياه فيمكنها بيعها لمصر أو السودان أو دولة ثالثة , وأقترح إنشاء سوق إقليمي للمياه بحيث يمكن لأي دولة شراء أو بيع حصتها المائية .

وإتصالاً بطرح موضوع تطبيع العلاقات الإسرائيلية / السودانية علي مؤتمر الحوار الوطني الذي أنهي جلساته في 10 أكتوبر 2016 فقد سبق وأن أثير هذا الموضوع عام 1997 , فقد نشرت صحيفة ” ألوان ” وثيقة الصلة بدوائر بالحكومة السودانية في عددها في 29 يوليو 1997 ما نصه ” علمت مصادرنا الخاصة بالعاصمة الأرترية بأن إجتماعاً عُقد بمدينة أسمرا يوم السبت الماضي ضم كلا من الصادق المهدي والمتمرد ياسر عرمان والرئيس الأرتري وبعض القيادات العسكرية الإسرائيلية رفيعة المستوي , وقد ناقش الإجتماع كيفية الدعم الذي سوف تقدمه الحكومة الإسرائيلية لهم بغرض إقصاء النظام الحاكم في السودان , وقد أمن الصادق علي المصالح التي سوف تجنيها إسرائيل إذا عاد إلي الحكم , ووعد الوفد بأنه إذا ما قُدر له وعاد إلي الحكم فإن الحكومة الإسرائيلية سوف تحظي بتمثيل دبلوماسي بالسودان ” , ومما أثار دهشتي ولم أقتنع به وقتذاك معلومات نثرتها المعارضة السودانية لإثارة الشك في النظام القائم منها مثلاً أن وفداً إسرائيلياً من الكنيست يضم أعضاء من عرب فلسطين إلتقي د . حسن الترابي ود . غازي صلاح الدين وعرضوا صفقة مع إسرائيل بشأن مياه النيل تُنقل من ميناء أوسيف (ميناء صغير قريب من الحدود الدولية بين مصر والسودان) ومنها عبر خط أنابيب عبر البحر الأحمر لإيلات وذلك مقابل السماح لشركات غربية للعمل في السودان وإستيراد البترول السوداني بأسعار مُتفق عليها , وبالرغم من كون النظام السوداني في تقديري Pragmatic وليس Dogmatic كما يتصور كثيرون  إلا أن لديه ثوابت إستراتيجية – كأي نظام – يتحرك بناء عليها , بالإضافة إلي إسرائيل ليست محور السياسات الكونية , صحيح أن سياستها الخارجية نشطة ومرنة إلا أنها مُصنفة لدي بعض الأنظمة العربية وعقول وضمائر بعض الساسة العرب للآن علي أنها العدو الذي لا يُؤمن جانبه , ومما يؤكد ذلك أن السودان منذ 30 يونيو 1989 وحتي ما قبل إطلاق الرئيس البشير مبادرته التي طرحها عام 2014 لعقد مؤتمر حوار وطني يضم كافة أطياف المعارضة السودانية للتوصل لتسوية لأزمة الحكم  او لنسميها التطبيع السياسي بين الحكومة والمعارضة لم يُرصد إتصال ما مع إسرائيل التي إكتفت طوال هذه الفترة بالمتابعة الحثيثة لمجريات أمور السودان والتدخل أن أرادت أو رغبت في الشأن السوداني عبر القناة الأمريكية علي الأقل إن بدا لإسرائيل أن للسودان دور ما في الشأن الفلسطيني فمثلاً نشرت وكالة Reuters من غزة في 25 يونيو 1995 أن د . حسن الترابي وجه دعوة لمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) لمحاولة وضع اللمسات الأأخيرة علي إتفاق تعاون بين حماس والرئيس عرفات , وأعلن محمود الزهار المتحدث – وقتذاك – باسم حماس عن قبول الحركة للوساطة السودانية , فيما أفاد سفير فلسطين بالخرطوم في 23 أغسطس 1995 أن السلطة الفلسطينية رفضت وساطة د.الترابي لعقد إجتماع بين الرئيس عرفات وقيادات حماس بالخرطوم (صرح وزير خارجية السودان حسين أبو صالح في 12 يناير 1995 بأن حكومته لا تعترض علي وجود إسرائيل إذا وافقت كل الدول العربية علي ذلك , كما أن الحكومة السودانية تبنت موقفاً غير رافض لإتفاق إعلان المبادئ بين المنظمة وإسرائيل المُوقع في 13 سبتمبر 1993 وأكدت أنها مع الخيار الفلسطيني مع الخشية من صراع فلسطيني داخلي بسبب الإتفاق)  .

تطور وجهة النظر السودانية منذ 1989 :

عندما تولي نظام “ثورة” الإنقاذ الوطني السلطة في 30 يونيو 1989كان قد طرأ بعض الإختلاف بمضي الزمن علي بنية الصراع العربي الإسرائيلي , فقد توثقت نتائج التفاوض الإنفرادي – ولا أبحث هنا أسباب الإنفرادية – بين إسرائيل وكل من مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية في صورة إتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وأصبحت حقيقة واقعة , وقد أيد السودان الموقف المصري المبني علي توقيع مصر   لمعاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979 إبان عهد الرئيس نميري الذي شهد طفرة غير مسبوقة في العلاقات الثنائية مع مصر بتوقيع ميثاق التكامل عام 1974 , لكن بعد تولي ” ثورة الإنقاذ ” وتبنيها النهج الإسلامي بدا أن هناك تأطيراً وتحديداً مختلفاً إلي حد ما عما سبق إزاء عملية السلام وقضية الشرق الأوسط أو بالأصح القضية الفلسطينية لإنهاء أو تسوية الصراع العربي الإسرائيلي , وعبرعن ذلك الموقف   حسين أبو صالح وزير خارجية السودان في تصريح له أدلي به  لصحيفة السودان الحديث في 29 نوفمبر 1994 وأشار فيه إلي تأييد السودان لتحقيق السلام في الشرق الأوسط وأن تطبيع العلاقت السودانية الإسرائيلية يمكن أن تتم وفق ضمانات معينة هي : التضامن العربي والدخول في السلام بموقف مُوحد ونزع أسلحة الدمار الشامل من إسرائيل لخطرها علي مستقبل المنطقة , كما أشر وزير الخارجية السوداني أخيرا إلي أن السودان يسعي بجديد لإقامة علاقات متوازنة مع كل دول المنطقة في إطار من التعايش السلمي دون هيمنة  , وقبل ذلك كان الفريق البشير قد  صرح في 22 سبتمبر 1993 بعد توقيع إتفاق إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ” بأن السودان يطالب بالوحدة والإجماع الفلسطيني بإعتبار أن أي شرخ في وحدة الصف سيحول المعركة إلي صراع فلسطيني / فلسطيني ” , فيما أصدر المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في 29 سبتمبر 1993 بياناً بشأن توقيع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وثيقة الإعتراف بإسرائيل في الأول من سبتمبر 1993 وإبرام إتفاق إعلان المبادئ في 13 سبتمبر 1993 , تضمن ” أن القادة العرب لم تجمعهم جامعة منذ أزمة الخليج وأن منظمة التحرير أخذت منذ ذلك الحين تفقد شموليتها , وأن بعض المُلحقات سرية والإتفاقات بها خطيرة , كما ان هناك ثمة تخاذل من النظم العربية عن إستمرار المدد والنصرة للقوة الفلسطينية , وأن الإتفاق مشروع سلام في إستسلام يئد المبدأ الفلسطيني والعربي الرافض لإسرائيل , وأنه لا يعطي إلا سلطةإدارة فلسطينية ذاتية مشروطة محدودة المحل والموضوع ولا يعد إلا بمفاوضات حول الضفة الغربية , وهو أيضاً إتفاق يوجه السياسات نحو جامعة للشرق الأوسط حول إسرائيل موصولة بالغرب الذي لا يريد نهضة للحضارتين العربية والإسلامية .

من الواضح أن المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي ورئيسه د حسن الترابي تحليا بقدر من الواقعية ففي تعليقه علي الإتفاق الأردني الإسرائيلي صرح لصحيفة السفير اللبنانية بما نصه ” …. لكن المؤتمر رفض الإتفاق , لكن نحن أهل السودان لا نريد أن نهاجم وندين من واقع الإتفاق لعلمنا أنه فعل ذلك لضرورة الحياة ” , ومن خلال متابعتي وقتذاك للموقف السوداني من تطورات عملية السلام في الشرق الأوسط , يمكنني القول أن حكومة السودان وقتذاك لم ترفض من ناحية المبدأ العلاقت مع إسرائيل لكنها أبدت إستعداداً للتعايش مع دول الشرق الأوسط – دون تحديد – بدون هيمنة , كما أنه لم كان هناك ثمة إحجام رسمي ومن قبل المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي عن التعريض بالإتفاق الأردني الإسرائيلي , هذا في الوقت الذي إحتضنت فيه السودان عناصر حماس في الخرطوم مع تواجد سفارة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية .

إعادة موضوع تطبيع العلاقات الإسرائيلية / السودانية  :

تعتبر الفترة من 30 يونيو 1989وحتي ما قبل إنعقاد مؤتمر الحوار الوطني الذي إنتهت جلساته في 10 أكتوبر 2014 بالنسبة لإسرائيل مرحلة متابعة لمدي قدرة النظام السوداني علي البقاء والسيطرة , ليس من أجل طرح موضوع تطبيع العلاقات فهذا الموضوع جزء من إهتمامات كبري تتجاوزه ومن بين هذه الإهتمامات إستكمال التواجد الإسرائيلي في القرن الأفريقي الكبير , والتحرك علي مدي أوسع داخل دائرة العلاقات الإثيوبية / السودانية التي تعد الأكثر أهمية وفاعلية للمصالح الإسرائيلية في القرن الأفريقي الكبير , ويتوج كل ذلك تحقيق الهدف الإستراتيجي لإسرائيل بالتماس مع مياه النيل فلإسرائيل دائرة فعالة وتعمل بكفاءة في كل دول حوض النيل بما فيها مصر ولا تكتمل إلا بالقوس السوداني وها هي قد إقتربت منه ويعاونها علي ذلك بل يسهم مساهمة عظمي في تحقيق هذه الإستراتيجية – من وجهة النظر السودانية فمازال من غير المعروف يقيناً درجة الإستجابة السودانية في هذه الرغبة الإستراتيجية الإسرائيلية – وقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل تحركهما العلني في إتجاه السودان منذ نحو عام علي الأقل وفي التقدير أن هذا التحرك في الغالب يسير في إتجاه واحد حتي الآن , وذلك من واقع رصد لأهم تطورات هذا التحرك :

أوردت صحيفة  Haaretz في 5 أكتوبر 2014 أن رئيس الرابطة السودانية للشطرنج إستقال من منصبه وقدم إعتذاره للشعب والبرلمان السوداني نتيجة لعب أحد اللاعبين السودانيين ويدعي عمر التيجاني مباراة في الشطرنج في 25 سبتمبر 2016 مع لاعب إسرائيلي في إطار بطولة العالم للشباب في الشطرنج بمدينة Durban بجنوب أفريقيا  في الوقت الذي رفض فيه فريق ألعاب القوي السوداني اللعب مع الفريق الإسرائيلي المُناظر ما لم تنسحب إسرائيل من الأراضي المُحتلة .

أوردت وكالة AP في 29 أكتوبر 2015 ما تضمنه بيان صادر عن الخارجية الامريكية من أن السودان إتخذ في الآونة الأخيرة خطوات مهمة في تحديه لجماعة الدولة الإسلامية والمنظمات الإسلامية الأخري وأن الولايات المتحدة سوف تعمل مع السودان في الأمور الأأمنية بينما تواصل ضغطها علي حكومة السودان فيما يتعلق بحقوق الإنسان وقضايا الديموقراطية, وواصل البيان فأشار إلي ” أن إستمرار السودان في التعاون سيقوي من الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب علي نطاق واسع وطبقاً وإتساقاً مع القوانين الأامريكية فسوف نعمل بشكل تعاوني مع حكومة السودان في مكافحة الإرهاب لتعزيز الأمن في بلدينا ” , ومع ذلك وفي إطار جعل السودان دائماً تحت الضغوط الأمريكية  فقد صرح المتحدث باسم الخارجية الامريكية John Kirby في سبتمبر 2015 ”  بأن الولايات المتحدة ستستمر في إيلاء القلق من السياسات السودانية خاصة فيما يتصل بقلاقل الراهنة في منطقة دارفور غربي السودان , لكن هذا لا يعني أن تطبيع العلاقات ليس خارج المناقشة , فالتطبيع الكامل للعلاقات سيتطلب تقدماً ملموساً في موضوعات متعددة وعلي وجه الخصوص فيما يتعلق بالحاجة إلي تحسينات في الموقف في دارفور , وأن الولايات المتحدة ستبدأ في عملية العدول عن توصيف السودان بأنها دولة راعية للإرهاب فقط عندما توفي السودان بالمعيار المتعلق بذلك والذي يتضمن فيما يتضمنه إدانة الإرهاب وعدم دعم الجماعات الإرهابية وهو أمر يستغرق 6 أشهر ” .

أوردت صحيفة Jerusalem Post في 20 يناير 2016 أن أن مؤتمر الحوار الوطني السوداني الذي شارك في جلساته عدد من رؤساء وممثلي الأحزاب السودانية للتوافق علي سبل لإنهاء أزمة الحكم في السودان , ناقش – وفقاً لما أوردته وكالة أنباء السودان – في إطار لجنة الشئون الخارجية المُنبثقة عن  مؤتمر الحوار الوطني الذي إنتهت أعماله بالتوقيع علي وثيقة نهائية في 10 أكتوبر 2016  إمكانية تطبيع العلاقات مع إسرائيل , ونقلت وكالة الأنباء السودانية عن إبراهيم سليمان أحد أعضاء لجنة العلاقات الخارجية قوله أن أغلبية اللجنة دعت إلي تأسيس علاقات طبيعية ومشروطة مع إسرائيل , وأن موقف حزب المؤتمر الوطني في هذا الشأن غير واضح , وأضاف أن من يؤيدون فكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل يعتقدون أن ذلك من شأنه المساعدة علي تحقيق أكثر لمصالح السودان وقال ما نصه ” إن الولايات المتحدة وإسرائيل وجهان لعملة واحدة وإذا ما أولت الحكومة السودانية أهمية لتأسيس العلاقات مع أمريكا , فلم لا تؤسس علاقات مع إسرائيل ؟ , من جهة أخري أشارت Jerusalem Post إلي أن وزير خارجية السودان نُقل عنه قوله في مؤتمر صحفي بالخرطوم في الأسبوع الثاني من يناير 2016 أن السودان مُنفتح لمناقشة تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالرغم من عقود من العداء , وإتصالاً بذلك أجاب عن سؤال بشأن مشروطية الولايات المتحدة لرفع العقوبات من علي السودان مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل فقال ” لا يهمنا إن كانوا يدرسوا إقتراحاً كهذا” .

نشرت صحيفة THE TIMES OF ISRAEL في 26 يناير 2016 تصريحاً أدلي به Eli Ben Dahan نائب وزير الدفاع الإسرائيلي أشار فيه إلي ” أن إسرائيل معنية بتأسيس روابط مع بلدان عديدة كلما أمكن بما في ذلك مع السودان ” , وأوضح قوله ” إننا لن نكون مختلفين عن كل العالم الغربي فأوروبا والولايات المتحدة لديهما علاقات مع السودان ومع المملكة العربية السعودية والبلدان الأخري , ولا أعتقد أننا بحاجة لنكون مختلفين كلية ” , وجاء هذا الرد الإسرائيلي – علي لسان نائب وزير الدفاع المُنتمي لحزب ” إسرائيل بيتنا ”  اليميني وليس من الخارجية الإسرائيلية – عقب تصريح أدلي به في 14 يناير 2016 إبراهيم الغندور وزير خارجية السودان في خضم إنعقاد مؤتمر الحوار الوطني الذي يهدف إلي حل أزمة الحكم في السودان .

لكن وكما سبقت الإشارة وللطبيعة الخاصة التي تتسم بها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية التي تُصنف من كلاهما علي أنها علاقة ” تحالف إستراتيجي” , ونظراً لأهمية السودان من منظور إستراتيجي إسرائيلي فإن هناك ثمة إرتباط عضوي بين إعادة تطبيع العلاقات الأمريكية وتطبيع العلاقات السودانية / الإسرائيلية , وفي الواقع فإن لدي السودان توجه دائم لإعادة تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة لولا أن إستمساك الإدارة الأمريكية بسياسة فرض العقوبات والمعايير الأمريكية المرنة عن الإرهاب وحقوق الإنسان التي لا تطبقها الولايات المتحدة في صراعات أخري ( ميانمار وكابيندا وغيرهما) حالت دون ذلك لكن الحوار ألأمريكي / السوداني مستمر منذ ما بعد تولي نظام ” ثورة الإنقاذ الوطني ” السلطة في 30 يونيو 1989 ولم ينقطع إلا ليتواصل , ودون الخوض في تفاصيل هذه العبارة فإن هذا الحوار يبدو أنه شارف علي الثبات خاصة بعد طرح موضوع تطبيع العلاقات السودانية / الإسرائيلية علي لجنة الشئون الخارجية لمؤتمر الحوار الوطني مؤخراً ليكون القرار فيها ناتج عن إجماع من المعارضة تبدو الحكومة السودانية فيه في صورة من يوافق علي قرار صعب نزولاً علي متطلبات الديموقراطية وهو ما فطنت إليه قوي المعارضة فجعلت القرار مشروطاً .

هناك مؤشرات رئيسية عن إقتراب الولايات المتحدة والسودان من إعادة تطبيع العلاقات بينهما وهي :

* التعاون في مكافحة الإرهاب وهو ما أوضحه المتحدث باسم الخارجية الامريكية John Kirby في سبتمبر2015 ومتابعة الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص للسودان وجنوب السودان  لأعمال ونتائج مؤتمر الحوار الوطني بالخرطوم .

* قامت السلطات السودانية المعنية بطرد أعضاء المنظمات الإيرانية العاملة بالسودان في مارس 2015 وأعلنت في أعقاب ذلك عن إنضمامها للسعودية في حربها ضد الحوثيين الذين تدعمهم إيران في اليمن في إطار حملة ” عاصفة الحزم ” , ثم وفي 4 يناير 2016 أعلنت الحكومة السودانية عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في أعقاب التوتر الحاد في العلاقات السعودية / الإيرانية بعد إعدام السلطات السعودية لداعية شيعي إيراني .

* أوردت وكالة أنباء كوريا الشمالية NK NEWS في الثاني من نوفمبر 2016 أعلان إبراهيم الغندور وزير خارجية السودان أثناء زيارته لكوريا الجنوبية في أول نوفمبر 2016 ” أن السودان قطع بصفة كاملة تعاونه العسكري مع كوريا الشمالية ولا بعثة دبلوماسية لكوريا الشمالية ببلادنا كما أنه ليس لنا بعثة دبلوماسية مع الشمال , وليس لدينا خطط لتبادلات علي مستوي عال  ” وأنتقد إستمرار كوريا الشمالية في تجاربها النووية  ودعا إلي ممارسة الضغط الدولي علي كوريا الشمالية في هذا الأمر  .

وهذه المؤشرات مع حاجة الولايات المتحدة لدور حيادي بقدر الإمكان من جانب الخرطوم في الصراع الدائر في جنوب السودان تغري الإدارة الأمريكية بمواصلة الحوار مع حكومة السودان لإعادة تطبيع العلاقات خاصة وأن الوضع في إثيوبيا لم يعد مُستقراً كما كان وللولايات المتحدة أو للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM حاجة للدور الإثيوبي في الصومال , كل ذلك وأكثر يتطلب مستوي ما من الإستقرار في العلاقات الأامريكية السودانية , يُضاف إلي كل ذلك أن هناك مصالح إسرائيلية آن أوان تحقيقها في السودان , لأن إسرائيل تري أن إطلاق الرئيس البشير عام 2014 لمبادرته بشأن عقد مؤتمر وطني جامع لكافة أحزاب ومجموعات المعارضة السودانية إقتراب من حد التوازن في السياسة السودانية خاصة وأن المعارضة السودانية مع تردي الوضع الإقتصادي للسودان (بعد الإنخفاض النسبي لعوائد البترول قبل إنفصال الجنوب وأيلولة حقول البترول للجنوب) وعدم الإستقرار في الشمال أي في مصر التي مازالت علاقاتها بالسودان في إتجاه هبوطي لأسباب مختلفة كل ذلك إنهك قوي الحكومة السودانية التي تتسم دائماً بدرجة عالية من البراجماتية السياسية تتيح له قدر من مرونة الحركة والإلتفاف علي وربما إذابة العوامل السلبية التي يمكن أن تؤثر علي مدي طويل في قدراتها علي التعامل مع المستجدات , وعموماً فإن هناك ثمة علاقة إرتباطية وتلازمية بين قضية تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع السودان وإعادة تطبيع العلاقات الأمريكية / السودانية فلا يمكن تصور سبق التطبيع الإسرائيلي مع السودان للتطبيع الامريكي / السوداني , هذا من جهة التوقيت , من جهة أخري فتطبيع العلاقات السودانية مع إسرائيل مازال بحاجة لأمرين أو لأحدهما أولهما إجماع من القوي السياسية الرئيسية في السودان وهو أمر أقل توقعاً الآن خاصة وأن نتائج ومواقف أطراف مؤتمر الحوار الوطني إزدادت تباعداً بعد نهاية المؤتمر في 10 أكتوبر 2016 , لكن مجرد عقد المؤتمر في حد ذاته يعكس منسوب القوة الحالي لحكومة الخرطوم وهو أقل من ذي قبل لعوامل مختلفة ,  ثانيهما  التحلي بمزيد من البراجماتية وإتخاذ قرار تطبيع العلاقات مع إسرائيل لا تزايد عليه قوي المعارضة أو معظمها خاصة حزب الأمة الذي ثارت معلومات من زمن طويل عن علاقات محدودة مع إسرائيل , وقد تضيف الولايات المتحدة إن لم تكن قد أضافت فعلاً شرط تطبيع السودان لعلاقاته مع إسرائيل لشروطها هي لتطبيع علاقاتها مع السودان وفي تاريخ العلاقات الأمريكية مع العرب ما يكفي لإفتراض ذلك فقد سبق للولايات المتحدة بعد الإطاحة بالملك فاروق الأول ملك مصر والسودان في 23 يوليو 1952أن إقترحت علي مصر تسوية الصراع مع إسرائيل في إطار ممارسة ضغوطها علي مصر مقابل الموافقة علي طلبات التسلح المصرية منها وهو ما أدي مع سوء الإدارة المصرية لهذا الملف إلي ما سُمي بصفقة الأسلحة التشيكية عام 1955 بوساطة صينية وتوجيه سوفييتي   .

الأهداف الإسرائيلية من تطبيع العلاقات مع السودان :

– لإسرائيل إستراتيجية مائية لا تقل في الأهمية عن إستراتيجية صناعة السلاح , وفي هذا الإطار توظف منذ فترة طويلة علاقاتها بدول حوض النيل لخدمة إستراتيجيتها المائية بوصل النيل عبر سيناء إلي صحراء النقب لري الزراعة الإسرائيلية في المناطق المحتاجة للري بإسرائيل ,  فإسرائيل قد أسست علاقاتها مع مصر بناء علي معاهدة السلام الموقعة في 26 مارس 1979إلا أنها لم تكتف بالأساس التعاهدي السياسي لهذه العلاقات بل إتجهت لتطبيعها في كل المجالات دون إستثناء وخاصة في المجال الإقتصادي والزراعي بوجه خاص , وقد إنتقلت العلاقات الإسرائيلية المصرية في الفترة من مارس 1979 حتي 25 يناير 2011 من مرحلة السلام المتموج بين بارد ودافئ إلي تنسيق أمني في الفترة الأخيرة من عهد الرئيس المخلوع  مبارك خاصة فيما يتعلق بمسألة حصار غزة وحماس , وأستمر نمو هذا التنسيق للآن , أما بالنسبة لإثيوبيا فالعلاقات  معها وطيدة مع إثيوبيا وهي كذلك مع جنوب السودان علي النحو الذي سبق إيضاحه , ويصل النفاذ الإسرائيلي إلي باقي دول حوض النيل أي إلي رواندا وبوروندي والكونجو الديموقراطية وكينيا وتنزانيا , إذن لم يتبق حتي تكتمل منظمومة العلاقة الإسرائيلية بحوض النيل إلا السودان .

– إستوعبت إسرائيل درس التهديدات العسكرية والإقتصادية التي مورست عليها في البحر الأحمر عندما أغلقت مصر مضيق تيران بخليج العقبة مرتان الاولي قبل العدوان الثلاثي علي مصر في أكتوبر 1956 عندما أغلقت مصر هذا الخليج بغلق مضايق تيران ثم الإغلاق الثاني في مايو 1967 لكنه هذه المرة بدأ من غلق مضيق تيران بخليج العقبة وأنتهي جنوباً بغلق باب المندب , ولذلك لإسرائيل إهتمام لطي هذا التهديد – مع أنه كاد أن يتلاشي واقعياً – وإستبدالة بعلاقات طبيعية مع دول الجانب الشرقي من البحر الأحمر وهي كذلك مع مصر وأرتريا وجيبوتي لكن تتبقي حلقة السودان كي يكتمل الأمن الإسرائيلي علي الجانب الشرقي للبحر الأحمر أما الجانب الغربي والذي يتكون من الأردن والسعودية واليمن فهو مدرج للمرحلة الثانية من إستراتيجية إسرائيل لتأمين البحر الأحمر وهي في تقديري إستراتيجية تتضمن أكثر من مرحلة أولها تطبيع العلاقات مع دول البحر الأحمر مع ما لذلك من إرتباط بمجمل التحرك الإسرائيلي علي الأصعدة السياسية والعسكرية والإقتصادية  .

– تطبيع العلاقات يعني فتح أسواق جديدة وإسرائيل لديها صناعة عسكرية وقدرات إستثمارية أي مال وفوائض تمويلية بحاجة إلي تشغيلها في إستثمارات تعني بها إسرائيل خاصة في الزراعة والتصنيع الزراعي وهو متوفر لدي السودان ويحتاج إلي ميكنة كاملة لتقصية فوائد الإقتصاد الزراعي , كما أن لإسرائيل علاقات وطيدة مع بيوت المال الدولية مما يغري بالإستفادة من تمويلاتها بدون عقبات إصطناعية أو فنية مما قد يحقق فائدة مُتبادلة ونسبية لإسرائيل والدولة التي ستحصل علي هذه التمويلات .

التقدير :

قد يكون هناك أكثر من سيناريو إسرائيلي بالنسبة لموضوع إقامة علاقات إسرائيلية علي مستوي ما مع الخرطوم  وربما كان من بينها :

(1) السيناريو الدبلوماسي الصرف بإستخدام مزيج مُقدر من الدبلوماسية مع الإعلام وهو ما يجري حالياً بإستخدام معطيات متوفرة منها الأزمة السياسية المزمنة بين الحكومة والمعارضة والتي وصلت لنقطة حرجة خاصة في أجواء ثورات الربيع العربي بغض النظر عما جري من ثورات مضادة إلا ان الظروف الداخلية بالسودان والوضع الإقتصادي المُتأزم وتصاعد ضغوط المعارضة بشكل تبادلي مع العامل الإقتصادي الضاغط قد تغري حكومة الخرطوم بإستجابة ما مع الإتجاه الإسرائيلي .

(3) هذا السيناريو لابد أن يكون تالياً للأول   وبعد إستنفاذه حتي يمكن تطبيقه ويتلخص في إستخدام ملف دارفور وكردفان وشرق السودان علي مدي واسع ومتنوع بالتنسيق مع الولايات المتحدة والدول المحبة لإسرائيل والمؤيدة لنظرتها للسلام , وهذا السيناريو قائم علي منهج الإنهاك مجدداً للسودان تماماً كما كان الأمر في حالة الصراع في جنوب السودان لحمله في النهاية أو قبلها علي الإستجابة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل .

ويمكن تصور تطبيق إسرائيل للسيناريو (1) و (2) علي التوازي .

(3) السيناريو التدريجي وبموجبه تعمل إسرائيل من خلال الولايات المتحدة علي تحقيق إقتراب ثم تطبيع العلاقات مع السودان  فبناء علي علاقة التحالف الأمريكية الإسرائيلية التي وثقتها إتفاقات وبروتوكولات التفاهم الإستراتيجي المختلفة يمكن لإسرائيل إستخدام العلاقات الأمريكية بالسودان لتحقيق هذا الهدف بتحريكها إلي نقطة متقدمة ومختلفة تؤدي إلي النفاذ التدريجي لإسرائيل في السودان ربما تبدأ بشكل مموه إلي أن تتطور تدريجيا (حالة بين حالتي غينيا – كوناكري وقد عشتها وحالة قطر)  يلي ذلك الوصول إلي مرحلة تطبيع العلاقات الإسرائيلية السودانية .

خلاصة  :

إن تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع السودان  يُفضل أن يُري في سياق المشروع الذي كان قد طرحه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز علي مؤتمر دافوس منذ سنوات قليلة وهو مشروع التكامل الإقتصادي للشرق الأوسط والذي بلا شك سيكون لإسرائيل منه القدح المعلي أن نحجت الجهود السياسية  الإسرائيلية بالإقتران بإنتظام ممارسة الضغوط الأمريكية المناسبة وغير المناسبة علي دول الشرق الأوسط التي تحاول إسرائيل ترسيخ طبيعتها غير العربية بمعني أن إسرائيل لا تود رؤية عالم عربي لأنها وبالقطع وبموجب الأسم لا مكان لها فيه , ولذلك تحاول ترسيخ مصطلح  “الشرق الأوسط ” لأنه يتيح لها مكاناً أكبر كثيراً من حجمها وقدراتها الذاتية لكنها يتناسب والدعم الأمريكي المتنوع لها وتناقص مكانة الديموقراطية والحملات المتواصلة لإلحاق الهزيمة والتآكل للهويتين العربية والإسلامية في العالم العربي الذي يشغل المنطقة الأكبر لمنطقة الشرق الأوسط طبقاً للرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية , فقد كانت وستظل الديموقراطية هي الخصم بل العدو الأول للإستراتيجيتين الإسرائيلية والأمريكية الموجهة لبلادنا .

إن مجرد طرح موضوع تطبيع العلاقات الإسرائيلية / السودانية علي مؤتمر الحوار الوطني السوداني في أكتوبر الماضي يعتبر نجاحاً لإسرائيل ونتاجاً لإتصالات سابقة مفترضة مع الحكومة و/ أو المعارضة السودانية , لكن من الواضح أنها لم تعد قضية خلافية بقدر ما أنها اصبحت متعلقة بمن يتخذ القرار ومتي أي أنها خرجت من سياقها المبدئي ولمسافة بعيدة , والمؤسف في الوضع العربي العام أن القرارات فيه تتخذ خارج النطاقين اللذين تتخذ الدول  من واقعهما القرارات الكبري وهما نطاق المبادئ و / أو نطاق المصالح , وقد أدي الجهل العربي بالأبعاد الحقيقية للصراع العربي الإسرائيلي وتواضع خبرة القيادات العربية منذ 1952 وحتي الآن والدعم الأمريكي المنتظم إلي الهزيمة فكيف لدول يحارب من يقودهم هويتها بل ويسيرون في عكس إتجاهها أن يحقق نصراً ما , إسرائيل دولة يهودية خُلقت لتكون كذلك قال من يدعمونها ذلك وآخرهم الرئيس الأمريكي المُقبل Trump وينكرون علينا ذلك .

 

*بلال المصري سفير مصر السابق لدي النيجر وأنغولا وساوتومي وبرنسيب