الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية / مقالات / الكلام في المهد بين اليهودية والمسيحية والإسلام

الكلام في المهد بين اليهودية والمسيحية والإسلام

mary-jesus2

بقلم: محمد يسري* — تعتبر المعجزات أحد أهم الظواهر التي ارتبطت بالدين طوال التاريخ الانساني، فلما كانت المهمة الرئيسية لكل نبي أو رسول مرسل من قبل الله تعالى أن يقنع شعبه وقومه برسالته وبالأوامر المكلف بها من قبله، فقد كان لزاماً على كل نبي أن يُظهر لقومه نوعاً معيناً من الأمور الخوارقية الإعجازية المغايرة للقوانين الطبيعة والنواميس الكونية المتعارف عليها.
فما بين خروج ابراهيم الخليل من النار سالماً، وشق البحر لموسى الكليم، ونجاة يونس بعد ان ألتقمه الحوت وغير ذلك من المعجزات التي ذكرتها الكتب السماوية بحق الأنبياء والرسل، نلاحظ أن هناك عدداً من تلك المعجزات قد تم تناوله بشكل مختلف ومغاير بين الكتب والمعتقدات الدينية السماوية المختلفة.
أحد أهم تلك المعجزات التي تم تناولها بشكل مختلف ومتباين هي مسألة (كلام المسيح في مهده)، وكما جاء في كتاب (لسان العرب) لإبن منظور فالمهد في اللغة هو مهد الصبي، ومهد الصبي هو (موضعه الذي يُهيأ له ويوطَّأ لينام فيه).
فإذا ما رجعنا إلى الديانة اليهودية لنبحث عن ذكر لتلك المعجزة، فإننا لن نستطيع أن نجد أي أحداث أو وقائع تتناولها أو تشير إليها من قريب أو بعيد. فالتوراة والعهد القديم وباقي الكتب المقدسة عند اليهود مثل المشنا والجمارا والتلمود، تسكت تماماً وتغض النظر عن تلك المعجزة، وفي الحقيقة إن ذلك الموقف قد يكون منطقياً إلى حد كبير لأن اليهود لم يعترفوا أصلاً بعيسي بن مريم، ولم يتقبلوا ان يكون هو نفسه (المسيح المنتظر) الذي سوف يُعيد ملك اليهود وينتقم من أعدائهم، ولذلك فمن الطبيعي ألا نجد ذكراً لموضوع كلام عيسى في مهده في متون كتب الأحكام والعقائد والتشريعات اليهودية، لأن اعترافهم بتلك المعجزة كان سيلزمهم بالتأكيد بالإيمان بعيسي.

أما إذا ما رجعنا إلى الديانة المسيحية، وجدنا أن هناك اتفاقاً ضمنياً مع الديانة اليهودية على السكوت عن التأريخ لتلك المعجزة، وذلك برغم الاختلاف والبون الشاسع فيما بين الديانتين فيما يخص الاعتقاد بكون عيسى هو المسيح المختار.
فالإيمان المسيحي يوكد أن يسوع (عيسى) هو نفسه المسيح الذي انتظره بنو إسرائيل طويلاً، وتؤمن المسيحية بأن المسيح قد قام بعدد من المعجزات الكبرى في حياته، بدئاً من زيادة ومضاعفة كميات الخبز والسمك بكميات هائلة لتكفي حشداً كبيراً من أتباعه، مروراً بالتنبؤ ببعض الأحداث المستقبلية التي تحققت بحذافيرها فيما بعد، ونهايةً بإحياء أحد الأموات يدعى (اليعازر) بعد موته.
ولكننا لو بحثنا وتفحصنا في كتب العهد الجديد والأناجيل المعترف بها وكتابات أباء الكنيسة، فإننا لن نجد أي ذكر لمسألة كلام المسيح في مهده، وهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب، خصوصاً وأن السياق العام للفكر الكتابي المسيحي يؤيد إتيان المسيح بالمعجزات كما بينّا في السطور السابقة.
ولكن في الوقت نفسه، وعلى الجانب الأخر فإننا نجد أن هناك بعض الأناجيل التي لم تعترف بها الكنائس المسيحية والتي تعرف باسم (الأبوكريفا) تذكر بوضوح مسالة كلام المسيح في مهده، ومن تلك الأناجيل “إنجيل الطفولة العربي” وهو أحد أناجيل الطفولة التي تتناول طفولة المسيح وهروبه مع أمه ويوسف النجار إلى مصر والأحداث والمعجزات التي تمت في هذه الفترة، ويُرجع البعض تاريخ وضع هذا الإنجيل إلى القرن السادس الميلادي.
وقد جاء في بدايات هذا الإنجيل ذكر تكلم المسيح في المهد حيث وردت العبارات الأتية
(نجد في كتاب رئيس الكهنة يوسف في زمن يسوع المسيح (ويدعوه البعض قيافا)، حيث يقول إن يسوع تكلَّم حين كان موضوعًا في مزوده وقال لأٌمه السيدة مريم: أنا الذي ولدته، أنا يسوع، ابن الله، الكلمة، كما أعلن لك الملاك جبرائيل، وأن أبي أرسلني لخلاص العالم).
ويفسّر القمص “عبد المسيح بسيط أبو الخير” ورود تلك المعجزة وغيرها من المعجزات في الأناجيل “المنحولة” بما ينقله في كتابه المهم (كتاب أبوكريفا العهد الجديد) (بأن كتبة ومؤلفي هذه الأناجيل كانوا مسيحيين متأثرين بالغنوصية، أرادوا أن يقدموا سيرة للمسيح تتفق مع أفكارهم الغنوصية والتي هي خليط من عقائد وفلسفات وأساطير وخرافات شتى: يهودية ومسيحية وفارسية ويونانية ورومانية الخ أرادوا أن يحيطوا المسيح حتى في طفولته بهالة من القداسة والمعجزات فأخذوا ينسجون حوله معجزات غريبة فجة).
وإذا ما انتقلنا إلى البحث عن تلك المسألة في الدين الإسلامي، وجدنا أن الأمر يختلف بشكل كامل، فمعجزة كلام المسيح في المهد مذكورة في القرآن الكريم بشكل جلي وصريح ولا سبيل إلى انكارها أو التشكيك فيها، حيث ورد تفصيل أحداث تلك القصة الإعجازية في سورة مريم في سياق تبرئة السيدة العذراء من التهم الشنيعة التي رماها اليهود بها
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (33) مريم 29-33

وفي مذهب أهل السنة والجماعة، نجد أن هناك الكثير من الأحاديث النبوية التي أقرت تلك المسألة بكل وضوح، وفي الوقت نفسه فإن جميع التفاسير والمصادر الإسلامية تؤكد على وقوع تلك المعجزة.

المثير للاهتمام أن التراث السني لا يقصر حدوث معجزة الكلام في المهد على عيسى بن مريم فحسب، بل إن هناك بعض الأحاديث والأثار التي تروي أن هناك عدداً من الأشخاص الأخرين الذين قد تكلموا في مهدهم.
فقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن هناك ثلاثة قد تكلموا في مهدهم، بينما توجد بعض الأحاديث والأثار الأخرى -التي قد تتباين بين القوة والضعف -والتي تضيف أسماء أخرى إلى القائمة.
من هؤلاء شاهد يوسف وهو الذي جاء ذكره في القرآن الكريم فيما يخص حادثة تبرئة يوسف عليه السلام من اتهامات زوج العزيز الباطلة.
ومنهم ابن ماشطة بنت فرعون وطفل صغير مذكور في قصة جريج راهب بني إسرائيل، ومنهم رضيع اتى به أبوه إلى الرسول، فنطق الطفل في مهده مؤيداً نبوة الرسول ورسالته، فعرف لذلك بـ(مبارك اليمامة).
ولعل من المثير للدهشة والاستغراب أن هناك بعض الكتابات التراثية الإسلامية مثل تفسير البغوي وسير الواقدي تروي أن النبي إبراهيم والنبي محمد عليهم السلام كانا من ضمن الأطفال الذين تكلموا في مهدهم.
فقد أورد الواقدي أن محمداً تكلم فى المهد في أوائل ولادته وأول كلام تكلم به قال فيه (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة واصيلاً).
معنى ذلك أن مسالة (الكلام في المهد) وفق المنظور الإسلامي السنّي، لم تقتصر على كونها معجزة فحسب، بل إنها -في الوقت نفسه -نوع من أنواع الكرامات الإلهية والمنح الربانية التي يهبها الله لأوليائه من عباده المخلصين تدليلاً على مكانتهم وإعلائاً لمنزلتهم وسط أهلهم وأقوامهم.
من جهة أخرى، فإن التراث الإسلامي الشيعي لا يكتفي بالإقرار بالقائمة السابقة للأشخاص الذين تكلموا في المهد، بل أضاف الكثير من الأسماء الأخرى سواء كانوا من الأنبياء والرسل مثل نوح وموسى ويحيى عليهم السلام، أو كانوا من الأئمة المعصومين مثل الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية.

*محمد يسري باحث مصري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *