الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / كتب / الثورة الأميركية حيدت السود والهنود الحمر والنساء

الثورة الأميركية حيدت السود والهنود الحمر والنساء

كتاب جديد: الثورة الأميركية حيدت السود والهنود الحمر والنساء
بقلم: ميسون أبو الحب — آلان تيلور واحد من أبرز المؤرخين الأميركيين وحائز جائزة بلتزر مرتين وقد نشر في عام 2001 كتابا لاقى ردود فعل حسنة عنوانه “المستوطنات الأميركية” اعتبره الكاتب بمثابة قطع نصف المسافة نحو وعي أعمق وأشمل بموقع الأميركيين على الصعيد الزماني. وتحدى الكاتب في هذا المؤلف الفكرة التقليدية القائمة على أن تاريخ الإستيطان الأميركي قام على مساهمة انكليزية وبريطانية فقط وأعطى فيه مجالا لإسهامات ثقافات أخرى مثل ثقافة سكان البلاد الأصليين (الهنود الحمر) والأفارقة والإسبان والفرنسيين والهولنديين وحتى الروس. ويقول تيلور إن “الثورات الأميركية” جاءت “مكملة” لعمل بدأ سابقا مشيرا إلى أن أغلب الكتب التي تناولت الحديث عن الثورة الأميركية “تركز على القصة الوطنية للولايات المتحدة … وهو تناول يقلل من شأن امبراطوريات مجاورة ومن شأن شعوب أصلية ويحولهم إلى لاعبين ثانويين ويطرحهم كمصدر عرقلة بسيطة لمد التوسع الأميركي الحتمي”، حسب رأيه.
ومن هنا سعى تيلور في هذا الكتاب الجديد الذي يحمل عنوان “الثورات الأميركية، تاريخ قارة، 1750-1804” إلى إيجاد مكان للثورة الأميركية في أوسع سياق تاريخي ممكن فهو لا يكتفي بشرح موقعها في إطار صراعات كانت قائمة على أرض العالم الجديد بين مختلف الأمبراطوريات الأوربية المتنافسة بل يبرز أيضا أهمية الأدوار التي أداها سكان البلاد الأصليون ثم الأفارقة العبيد، ويمنح هؤلاء مركزا رئيسيا في الواقع.
ويعتقد تيلور أن الثورة الأميركية لم تقم بسبب اعتراض المنطقة الشرقية على الضرائب فقط بل يربطها بصراعات كانت تدور في المنطقة الغربية أيضا، ويرى أن الانتفاضات الصغيرة المتعددة التي وقعت داخل الامبراطورية الاسبانية في أوائل ثمانينات القرن الثامن عشر (1780) ربما لم تترك كبير أثر على مسار الثورة الأمريكية ولكن تمرد العبيد في جزيرة سان دومينغ الفرنسية في اوائل تسعينات القرن (1790) تركت أثرها على الثورة بالتأكيد ومن هنا جاء اختيار تيلور موعد عام 1804 لأن هذا العام شهد إنشاء ثاني جمهورية في منطقة القارتين الاميركيتين وهي جمهورية هاييتي التي كانت أول دولة تحصل على استقلالها في منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية.

عنيفة ودموية
يرى تيلور أن الثورة الأميركية كانت عنيفة وملطخة بالدماء وعلى تفاعل مع ما يحدث في مناطق أخرى من العالم بحيث أنها أججت احتجاجات في أماكن عديدة. وما يريد تيلور توضيحه هنا هو أنها لم تكن مجرد حدث “جيد ومنظم ومنضبط وناجح” كما يتم عرضها في “كتب التاريخ التقليدية وفي الأفلام السينمائية” بل كانت حدثا جرده الكاتب من طابع القدسية والنبل والكبرياء والبطولة وهي صفات يعتقد تيلور أنها غلفت حقيقة الثورة الدموية والعنيفة، حسب رأيه.
مات جراء أحداث الثورة 25 ألف عسكري أميركي أي 1% من السكان وهي أعلى نسبة خسائر تكبدتها الولايات المتحدة عبر تاريخها كله عدا في الحرب الأهلية. وزمنيا، دامت حروب الثورة 8 سنوات لتكون الأطول في تاريخ البلد وأطول حتى من حرب فيتنام، كما تركت آثارها في كل مكان من البلاد بما في ذلك المناطق الغربية.

ويرى الكاتب أن الثورة كانت أشبه بحرب أهلية رافقتها إنقسامات وأعمال عنف وتدمير ونكتشف من خلال مؤلفه بأن 20 بالمائة من السكان، أي ما يعادل نصف مليون شخص، حافظوا على ولائهم للامبراطورية البريطانية ورفضوا الإنتفاض ثم ما لبثوا أن دفعوا ثمنا باهظا لأن الوطنيين Patriots وهي التسمية التي يفضل تيلور إطلاقها على مؤيدي الثورة استخدموا وسائل ترهيب ضد هؤلاء الموالين وضيقوا الخناق عليهم وصادروا حتى أملاكهم. ونقرأ “قمع الوطنيون حرية التعبير وتطفلوا على بريد منتقديهم الخاص وأرهبوهم وكانوا يؤمنون بحرية التعبير في صحافتهم فقط”. وكانت النتيجة هرب حوالى 60 ألفا من الموالين إلى مناطق أخرى تابعة للأمبراطورية البريطانية.
عرض الكاتب مراجعه ويبلغ عددها حوالى 1000 كتاب ومقالة في 55 صفحة من الكتاب الذي أراد أن يغطي به زمن الثورة حتى بدايات القرن التاسع عشر ولكن المعلومات والأحداث الكثيرة التي شهدتها تلك الفترة إضطرت الكاتب إلى حشر كل شئ في مكان واحد بشكل جعلها تبدو مثل أكوام متراكمة. ومع ذلك ركز الكاتب بشكل خاص على نفاق الوطنيين وتصرفاتهم المتناقضة إذ لاحظ إنهم أشعلوا فتيل الثورة بهدف حماية ممتلكاتهم المتمثلة بالعبيد الأفارقة ثم ما لبثوا أن “اعتبروا البريطانيين مسؤولين عن استمرار العبودية”. وكان حديث الوطنيين عن الحرية محدودا للغاية إذ كانوا “يدافعون عن حرية الرجل الأبيض فيما كانوا يفرضون سلطتهم على السود المستعبدين”. ويتوصل الكاتب إلى أن الوطنيين لم يكونوا وطنيين على الدوام أحيانا. مثال: بعد استسلام القوات الأميركية التي حاولت السيطرة على منطقة الكويبك في عام 1775، “غير ربع الوطنيين المأسورين ولاءهم وراحوا يعملون مع البريطانيين”.
وفي السياق نفسه، وكما ينبه تيلور، حرمت التشريعات التي وضعت في تلك الفترة النساء والسود الأحرار والبيض الذكور الذين لا يملكون عقارا من المشاركة في الإنتخابات، وهو ما يشكك في حقيقة تطبيق الديمقراطية في ذلك الوقت رغم أن هذا الأنموذج غير المتكامل للديمقراطية كان الأفضل في العالم في ذلك الوقت.
يركز الكتاب أيضا على السلوك السئ للرجال البيض الإعتياديين خاصة في طريقة تعاملهم مع أشخاص من أجناس أخرى إذ كانوا يتجاهلون توجيهات المسؤولين الحكوميين وقادتهم اللطفاء ويهتمون بالدرجة الأساس بتحقيق مصالحهم الخاصة دون رادع ودون أي شعور بالخجل من أي نوع كان. وفي الغرب الأميركي كان قتال دموي شديد البشاعة يدور بين المستوطنين والهنود، فهناك، كان البيض يعيثون في الأرض فسادا ويذبحون الهنود وفقا لمشيئتهم. وعندما أراد البيض لاحقا فرض سلطة حكومية صارمة فلأنهم احتاجوا في وقت من الأوقات إلى فرض سيطرتهم على الأراضي وإلى حماية من الهنود. ويكتب تيلور “الخوف هو الوحيد الذي يضع حدا للجشع”، ويضيف، “في نهاية الأمر، من المؤكد أن امبراطورية الحرية التي تحدث عنها جيفرسون فضلت البيض على حساب الهنود والسود”.
كتاب تيلور يجرد الثورة الأميركية من الأبطال حتى من جورج واشنطن نفسه، فهو يقول عنه إنه عندما كان يخوض معركة ترنتون، كان يشتري خلال ذلك بشكل سري، أراض واسعة وهو ما يمثل انتهاكا للقانون. ويعتقد الكاتب أنه غلف الحقيقة بغطاء آخر سعيا وراء تحقيق مصالحه الخاصة. ويرى تيلور أن الناس كانت تثور أحيانا على فساد الوطنيين وكان هؤلاء يغيرون ولاءاتهم بشكل متكرر ثم يلاحظ: بعد كل هذا، من المستغرب أن الثورة نجحت في النهاية ولكنه يضيف: أهم تركة خلفتها الثورة هي ظهور مجتمع يسيطر فيه رجال بيض عاديين من الطبقة الوسطى على كل شئ، وهم أنفسهم الذين مارسوا التسلط والعنصرية وحتى الإبادة. ويرى تيلور أن انتصارهم جاء على حساب الآخرين لأن الثورة حسب قولهم، عملت ضد السود والهنود والنساء. ومع ذلك، يثير كتاب تيلور تساؤلا مهما وهو: كيف أدت ثورة فيها كل هذه المثالب إلى أن تكون مصدر إلهام لأمة بأسرها، حتى يومنا هذا؟
المصدر: موقع إيلاف

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

يهود البلاد العربية

مراجعة: محمد يسري أبو هدور– ولدت المؤلفة خيرية قاسمية في حيفا سنة 1936، وحصلت على …