الثلاثاء , أكتوبر 17 2017
الرئيسية / تحقيقات / أزمة كتاب أم أزمة قراء في العالم العربي؟

أزمة كتاب أم أزمة قراء في العالم العربي؟

بقلم: د. هيثم مزاحم* — قبل أسبوع افتتح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب أبوابه، في ظل مشاركة 250 دار نشر لبنانية وعربية، وسط أزمة اقتصادية وسياسية يشهدها لبنان، جعلت شراء الكتب ترفاً ليس بمتناول الكثيرين من سكانه.
ولعل عزوف اللبنانيين والعرب عموماً عن شراء الكتب، وبالتالي عن القراءة، مسألة قديمة- جديدة، تُثار مع كل معرض كتاب في لبنان أو في أي دولة عربية شقيقة.
ويلاحظ الزائر للمعرض هذا العام قلة الزوار مقارنة مع الأعوام الماضية، بينما يخبرك أغلب الناشرين بأزمة البيع ومشكلات النشر والتوزيع وحفظ الحقوق.
يقول مدير “دار جداول للنشر” في بيروت للميادين نت إن هناك أزمة نشر في العالم العربي، بسبب تراجع أسواق توزيع الكتب من جهة والتراجع الملحوظ في المعارض العربية التي تسجل تراجعاً متزايداً في حين أن كلفة الاشتراك ومصاريفها تتزايد.
ويكشف عبد الحميد أنه فضلاً عن مشكلات تراجع البيع والإقبال على شراء الكتب، هناك مشكلة سرقة حقوق النشر من قبل بعض القراصنة الذين يعيدون طباعة الكتب في دول أخرى وبيعها، مما يؤثر على إيرادات دور النشر التي تكون قد تكفلت بالدفع للمؤلف والمترجم والمدقق والإخراج والطباعة، ليأتي هؤلاء القراصنة فيسرقون هذا الجهد، من دون وجود آلية قانونية عربية لملاحقة هؤلاء.
ناشر سعودي طلب عدم نشر اسمه قال للميادين نت إن كتب دار النشر خاصته سرعان ما يتم سرقة كتبها فتتم نشرها أونلاين مجاناً من خلال تصويرها كملفات بي دي اف أو إعادة طباعتها من دون إذن الدار مالكة حقوق النشر. ويشير الناشر نفسه إلى أن مشاركتع في معرض بيروت للكتاب هي مسألة علاقات عامة مع الكتاب والقراء أكثر مما هي للبيع بسبب قلة الإقبال على الشراء.
لكن ذلك لا يمنع بعض الناشرين من الاستمرار في النشر والتضحية، بعضهم بسبب إيمانهم بأهمية الكتاب وضرورته وأهمية القراءة والمعرفة والثقافة، وبعضهم لكونها مهنتهم الوحيدة التي اعتادوا عليها واستثمروا فيها أموالهم وأوقاتهم، فيما يعوّل بعضهم على بعض الدعم من حكومات عربية أو رجال أعمال عرب مهتمين بنشر المعرفة والثقافة.
يقول محمد هادي، صاحب دار الرافدين للنشر، إن الإقبال ضعيف جداً في معرض بيروت وهو أقل من العام الماضي، مشيراً إلى أن البيع أصبح يعتمد على المؤلف وقدرته على استقطاب أصدقاء وقراء يأتون لشراء كتابه والحصول على توقيعه، أكثر مما يعتمد على الرغبة في القراءة والمعرفة ومضمون الكتاب وعلم الكاتب. ويضيف أنه أصبحت الميديا تتحكم بذوق القارئ فالكاتب المشهور إعلامياً يستقطب قراء لأنه يظهر على القنوات الفضائية أو لأنه ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون اهتمام القراء بمضمون الكتاب.
للأسف أضحى واقع الكتاب والقراءة والثقافة في لبنان والعالم العربي، مسألة علاقات عامة، نشتري الكتاب كي نأخذ صورة مع المؤلف إذا كان شهيراَ ننشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو لنشجع أو نجامل زميلاً أو قريباً أو صديقاً في حفل توقيع كتابه.
لكن ذلك ليس سيئاً من كل جوانبه، فتشجيع الزملاء والكتاب أمر ضروري ومطلوب، والعلاقات العامة جزء من بناء السيرة الذاتية وتأمين الوظيفة أو الخدمة لاحقاً.
ويعزو المراقبون ضعف صناعة الكتاب في لبنان ومعظم العالم العربي إلى الحالة الاقتصادية التي تمر بها هذه الدول، من بطالة وركود اقتصادي من جهة، ونتيجة الحروب في بعضها والأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والتفجيرات الإرهابية في بعضها الآخر من جهة أخرى.
كما لعب اهتمام الجيل الجديد بالمعرفة عبر البحث على الانترنت، غوغل تحديداً، أو عبر “بوستات” وسائل التواصل الاجتماعي، بالعزوف عن الكتب والصحف الورقية.
ويدهشك الأمر أكثر حين يخبرك أحد العاملين في إخراج وتنفيذ الكتب أن بعض الكتاب، وبخاصة كتاب الروايات والشعراء، ينضدون كتبهم عالهواتف الذكية ويرسلونها منها من دون حاجة لاستعمال ورقة أو جهاز كوميوتر أو لابتوب.
وبرغم قتامة المشهد الثقافي العربي، فهناك ضوء في عتمة النفق، إذ أُعلن قبل أيام عن نتائج “مؤشر القراءة العربي لسنة 2016″، وذلك خلال أعمال اليوم الثاني من قمة المعرفة المنعقد في مدينة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث احتل لبنان المرتبة الأولى في مؤشر القراءة أو المطالعة في حين جاء الأردن في المرتبة السادسة عربياً.
وقد جاءت نتائج مؤشر القراءة مغايرة للأرقام التي نشرت عن المنطقة العربية سابقاً إذ أظهرت الأرقام إقبالاً ملحوظاً على القراءة لدى المواطن العربي وذلك بمعدل 35 ساعة سنوياً، علماً أن الأرقام تراوحت بين سبع ساعات في الصومال و63 ساعة في مصر.
أما عدد الكتب المقروءة سنوياً فجاءت بمعدل 16 كتاباً، حيث أظهر الاستبيان أن 12 دولة عربية كانت فوق عتبة المتوسط العربي، وهي على التوالي بعد لبنان، المغرب، مصر، الإمارات، تونس، الأردن، السعودية، قطر، البحرين، فلسطين، الجزائر وسلطنة عمان.
ففي تونس، على سبيل المثال، يصل متوسط عدد ساعات القراءة للفرد الى 47 ساعة سنوياً، 27 ساعة منها خارج إطار الدراسة أو العمل و20 ساعة من القراءة التي لها علاقة بالعمل والدراسة. وتبيّن الإحصاءات أن التونسي يقرأ لأطول فترة الكترونياً تصل الى 26 ساعة في مقابل 19 ساعة ورقياً. كما أن التونسي يقرأ بمعدل 22 كتاباً سنوياً، منها ثماني ساعات باللغات الأجنبية و16 ساعة باللغة العربية فيما يصل متوسط عدد الكتب في منزل التونسي الى معدل 24 كتاباً.
وتأتي هذه الأرقام لمؤشر القراءة لتتناقض مع أرقام سابقة تؤكد وجود أزمة قراءة في العالم العربي.
فبحسب “تقرير التنمية البشرية” للعام 2003 الصادر عن منظمة اليونيسكو، يقرأ المواطن العربي أقل من كتاب بكثير، فكل 80 شخصاً يقرأون كتاباً واحداً في السنة. في المقابل، يقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً في السنة، والإسرائيلي 40 كتاباً.
أما في “تقرير التنمية الثقافية” للعام 2011 الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” فنجد أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً.
ولعل هذه الأرقام هزيلة جداً ومتشائمة لا تعبّر عن الواقع الحالي، لكنها تؤشر إلى تراجع معدّل القراءة في العالم العربي. لكن الأرقام تتفاوت بين دراسة وأخرى. ففي دراسة أجرتها شركة سينوفات، عام 2008، جاء أن المصريين والمغاربة يقضون أربعين دقيقة يومياً في قراءة الصحف والمجلات مقابل 35 دقيقة في تونس و34 دقيقة في السعودية و31 دقيقة في لبنان. وفي مجال قراءة الكتب، يقرأ اللبنانيون 588 دقيقة في الشهر، وفي مصر 540 دقيقة، وفي المغرب 506 دقائق، وفي السعودية 378 دقيقة. فهذه الأرقام تعكس واقعاً إيجابياً أكثر من الأرقام السابقة. ويرى البعض أن هذا الاختلاف ينتج من كون الأرقام الأخيرة تشمل قراءة القرآن الكريم. أما الأرقام السابقة فلا تحسب إلا قراءة الكتب الثقافية وتتغاضى عن قراءة الصحف والمجلات، والكتب الدراسية، وملفات العمل والتقارير، وكتب التسلية.
وبحسب تقرير اليونسكو السالف الذكر، أصدرت الدول العربية 6500 كتاب عام 1991، بالمقارنة مع 102000 كتاب في أميركا الشمالية، و42000 كتاب في أميركا اللاتينية والكاريبي.
وبحسب “تقرير التنمية الثقافية”، فإن عدد كتب الثقافة العامة التي تنشر سنوياً في العالم العربي لا تتجاوز الـخمسة آلاف عنوان. أما في أميركا، فيصدر سنوياً نحو 300 ألف كتاب.
كما أن هناك مؤشراً آخر يبيّن الهوّة بين الدول العربية والدول الأخرى في العالم، وهي أن النسخ المطبوعة من كل كتاب عربي، لا تتجاوز ألفاً أو ألفين وفي حالات نادرة، تصل إلى ثلاثة أو خمسة آلاف، بينما تتجاوز نسخ الكتاب المطبوع في الغرب عادةً الـخمسين ألف نسخة.
وبحسب تقرير اليونيسكو، يُترجَم سنوياً في العالم العربي خُمس ما يُترجَم في دولة اليونان الصغيرة. والحصيلة الكلية لما تُرجم إلى العربية منذ عصر الخليفة العبّاسي المأمون إلى العصر الحالي تقارب الـ10000 كتاب، وهذا العدد يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة.
وحيث يفترض أن يكون لكل ستة آلاف مواطن مكتبة عامة، بمعنى أن الوطن العربي يفترض أن يضم 50 ألف مكتبة عامة، نجد أن عدد المكتبات العامة في الدول العربية مجتمعة لا يزيد عن 4500 مكتبة من جميع الأحجام، بينها ألف مكتبة من الحجم الكبير فقط.
وبحسب تقرير التنمية البشرية للعام 2015، فإن حجم ما ينتجه العالم العربي من أدب وثقافة لا يتعدى 0.8% من الإنتاج العالمي، أي أن جميع الكتّاب والمفكرين والأدباء العرب، وحتى الهواة منهم ينتجون أقل من 1% مما ينتجه العالم، علما أن العرب يشكلون 5% من سكان العالم !!
ويشير التقرير إلى أن متوسط نسبة الأمية في الدول العربية يبلغ 22%، وتبلغ نسبة النساء منهم 60%. وبذلك، يمكن تفسير أسباب تراجع معدلات القراءة وإصدار الكتب والإنتاج الثقافي في الوطن العربي.
لكن هناك بعض المبادرات الأهلية والحكومية التي تحاول تشجيع القراءة والنشر. فالمدارس والثانويات في لبنان، مثلاً، تشجّع الطلاب على القراءة وشراء الكتب، وهي تنظّم رحلات لتلاميذها إلى معارض الكتب العربية والأجنبية في لبنان، وبخاصة إلى معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، الذي يكمل هذا العام عامه الستين.
ولا شك أن الاضطراب السياسي والأمني والضائقة الاقتصادية، اللذين يعاني منهما العالم العربي، يلعبان دوراً في تراجع نسب القراء العرب، خاصة وأن الملايين من العرب يعيشون تحت خط الفقر، وآخر أولوياتهم شراء الكتب. أضف إلى ذلك، منافسة التكنولوجيا الحديثة للكتاب وتحولها إلى مصدر إلهاء مرة، ومصدر للمعرفة السهلة والسريعة مرة أخرى. بينما الغرب الذي أنتج هذه التكنولوجيا ووسائلها، لا تزال شعوبه تكتب وتقرأ أكثر بكثير من شعوبنا.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط. نشر الكثير من الدراسات والمقالات ومراجعات الكتب في صحف ومواقع ودوريات عربية وأجنبية. وله عدد من الكتب أبرزها “حزب العمل الإسرائيلي”، و”العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية”، و”الصراع على الشرق الأوسط”،”لماذا تحدث الثورات؟”، وشارك في عشرة كتب عن الحركات الإسلامية والجهادية.

المصدر: الميادين نت

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هل كان تشي غيفارا مهووساً بالاستشهاد؟

بعيداً من صورة الثائر المسلح دفاعاً عن قناعاته، كان تشي غيفارا الذي قتل قبل 50 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *