الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية / غير مصنف / أبو الكلام آزاد وتشكّل الأمة الهندية

أبو الكلام آزاد وتشكّل الأمة الهندية

قراءة: عزيزة السبيني* — أبو الكلام آزاد (1888-1958م)، واسمه الحقيقي محي الدين أحمد بن خير الدين، من الشخصيات الوطنية الهندية التي لا تقل أهمية وحضوراً سياسياً وشعبياً عن شخصيتي المهاتما غاندي، وجواهر لال نهرو، لكن ما يميّزه عن هاتين الشخصيتين وغيرها من الرموز الهندية البارزة، هو أنه كان في مقدمة الزعماء الذين دعوا، وبقوة إلى وحدة الهندوس والمسلمين على أساس قومي هندي جامع، وإقامة دولة القانون والمؤسسات والدمقرطة المستدامة، وهي حسب رأيه، وحدها القادرة على حماية الدين من العبث به، واستغلاله في بازار السياسات الفتنوية على اختلافها.
وفي كتاب “أبو الكلام آزاد/ وتشكّل الأمة الهندية في مناهضة الاستعمار والسياسات الطائفية”، للدكتور رضوان قيصر أستاذ التاريخ في الجامعة المليّة الإسلامية في مدينة نيودلهي، نقرأ قصة هذا الرجل المولود لأم عربية في مكة المكرمة، وتجواله في العواصم العربية ذات المكانة البارزة في الحياة الفكرية والسياسية كمدينتي بغداد والقاهرة، إذ يتأثر بشيوخ عصر النهضة، والدعوات الإصلاحية التي نادوا بها. وأسس على غرار مجلة (المنار) للشيخ رشيد رضا، مجلة (الهلال)، التي لاقت قبولاً واسعاً في أوساط المسلمين الهنود، وشكّلت تحولاً مهماً في تاريخ الصحافة الهندية، كما كانت واحدة من أعمدة النهضة الوطنية والفكرية والروحية في الهند.
قسّم الدكتور قيصر الكتاب إلى ستة فصول حسب المراحل التاريخية التي شكّلت تحولاً مهماً في مسيرة آزاد السياسية والفكرية، بدأت في العام 1906، ولما تنتهِ في العام 1958.

الأصول الإيديولوجية والسياسية (1906-1918)
في الفصل الأول يبحث المؤلف في العوامل التي شحّذت فكر آزاد وجعلته ينذر نفسه لقضية استقلال الهند، وكيفية تعامله مع المنعطفات الحادة في حياته الشخصية والسياسية، فقد تمكّن في تجربته من الجمع بين روح النظام السياسي الليبرالي، وتعبئة الموارد الثقافية الدينية للإسلام والمسلمين من أجل تعزيز القومية الهندية، وبذل مساعي كبيرة في إقناع حزب المؤتمر الوطني الهندي بمنح المسلمين مكانة في بنيته الحزبية والحكومية، عندما تولى رئاسته، وعارض نظرية القوميتين التي كانت العصبة الإسلامية الهندية تدعو إليها. كما قاوم حركة باكستان داخل الحزب وخارجه، وبعد استقلال الهند أنيطت به وزارة التعليم، حيث وضع القواعد المتينة للمؤسسات الأكاديمية والعلمية والثقافية لخدمة الأمة الجديدة، ودعا إلى اكتساب العلوم الغربية، برغم انتمائه إلى عائلة تكره كل ما له صلة بالغرب. فقد كان والده عالماً دينياً يتبع الطريقة النقشبندية، وكانت مشاركته في الأنشطة الثورية نابعة من قناعة شخصية، وبحاجة إلى نهج واستراتيجية لاستنهاض المسلمين، فقام بجولات في غرب آسيا، واتصل مع الزعماء القوميين، وأصدر صحيفة (الهلال)، التي استخدمها منبراً لنشر آرائه السياسية في عملية حشد المسلمين لأجل العمل السياسي.
وقد اختار لنفسه منذ البداية أسلوباً مميّزاً في سياق التعبئة المبينة على الدين، وتأكيده على ضرورة الوحدة بين الهندوس والمسلمين، فأصبحت الصحيفة خلال الحرب العالمية مصدر قلق لدى الحكومات الإقليمية، فتمَّت مصادرتها، الأمر الذي وضع حداً للجهود التي يبذلها آزاد للتواصل مع إخوانه في الدين حول المسائل السياسية والدينية. وبعد فترة وجيزة أصدر صحيفة أخرى هي (البلاغ)، التي استمرت بالصدور حتى إبعاده عن مدينة كلكتا من قبل الحكومة بالتعاون مع السلطات البريطانية، لكن إبعاده إلى مدينة رانشي ودخوله السجن لم توقف أنشطته السياسية والأدبية، حيث تابع ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية، كما أن السجن منحه فرصة لتأليف كتابين هما (تذكرة) و(ترجمان القرآن).

بناء الجسور بين الوحدة الإسلامية والقومية الهندية (1919-1922)
بدأت المرحلة الثانية من حياة آزاد بعد خروجه من سجن رانشي، وتوجهه إلى مدينة مورابادي، فوجد نفسه محروماً من حرية العمل السياسي، وكان قرار الحكومة حوله صارماً، إلى درجة أن مراسلاته الشخصية كانت تخضع للمراقبة والتدقيق، فتوجه باهتمامه نحو الإسلام، والإسلام كما يراه ليس مجرد وسيلة لتحقيق الغرض الروحي، بل هو مصدر للمبادئ التي تعزز إمكان تنظيم مجتمع إسلامي.
أما على الصعيد السياسي فقد شهدت هذه الفترة الكثير من الاضطرابات السياسية بسبب المجازر التي ارتكبها البريطانيون بحق الهنود، ومع عودة غاندي إلى الهند وانعقاد مؤتمر الخلافة لعموم الهند أخذت العلاقات الهندية –البريطانية تزداد اضطراباً وتشرذماً، وحدد دستور لجنة الخلافة أربعة أهداف، هي: حماية الخلافة كمركز للعالم الإسلامي، والحفاظ على جزيرة العرب خالية من سيطرة غير المسلمين، والنضال في الهند في سبيل الحكم الذاتي، ورفع مستوى الحياة الاجتماعية لعموم الناس، والسبيل لتحقيق ذلك يتطلب التضامن مع المسلمين في جميع أنحاء العالم، والعمل من أجل الحركة الوطنية والتعاون مع الهندوس. هكذا بحث آزاد عن موافقة ذات طابع سياسي يمكن أن يتحول الناس فيها من وحدة إقليمية معيّنة إلى أمة في سياق العملية السياسية، تقاوم الاستعمار وتسعى إلى نيل الحقوق وتحقيق العدالة، وهذا لن يتم إلا بالحصول على (سوراج)، والذي يعني حكم الهنود للهنود في الهند.
هذه المطالب التي دعا إليها آزاد أدت إلى إلقاء القبض عليه مجدداً في العام 1921، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة مع الأشغال الشاقة.

السياسة التكاملية: رؤية شراكة السلطة والهوية الثقافية
يمكن وصف المناخ السياسي لحظة الإفراج عن آزاد في العام 1923، بأنه مخيّب للآمال، فقد اتسمت العلاقة بين الهندوس والمسلمين بالمرارة، بسبب حركات (شودهي، وسانغاثان، والتبليغ، والتنظيم)، وكانت “حركة الخلافة” في حالة من الفوضى، وفقدت الاتجاه والهدف. كما واجه حزب المؤتمر الهندي أزمة بسب الانقسام بين من يسمّون بالموالين للعدول، ومن يسمّون بالمناهضين له. فحدد آزاد جدول أعمال فيما يتعلق بالاستقلال، داعياً إلى استغلال الموارد الروحية والدينية لإثارة الشعور الوطني داخل حزب المؤتمر، وأكد على أهمية دور الطبقة العاملة، ودور الصحافة في نشر رسالة الحرية. وكانت الوحدة الإسلامية عنصراً رئيسياً في التعبئة من أجل العمل السياسي ضد الهيمنة الاستعمارية، بالرغم من تغيّر موقفه تجاه مسألة الخلافة بسبب التغيرات الجذرية التي تعرضت لها تركيا، كما اختار لنفسه مهمة المشاركة الفعّالة في النضال ضد الطائفية المتنامية، ودعا إلى التعاون بين حزب المؤتمر والتكتلات السياسية للمسلمين، بما فيها “العصبة الإسلامية”، ساعياً إلى إدماجهم في هيكل السلطة.
ومع نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين كانت هناك ثلاث قضايا لها الأولوية عند آزاد، أولاها: تحسين العلاقات بين الطوائف، وثانيها: تبديد الانطباع بأن المؤتمر غير متعاطف مع المسلمين، والقضية الثالثة، هي التقرّب إيديولوجياً من المشككين من حزب المؤتمر الاشتراكي والذين لم يبدوا تعاطفاً مع أي برنامج راديكالي.

الهند المتحدة والإتحادية( 1940-1947)
بدأت المرحلة الخامسة من حياة آزاد في العام 1940 بترؤسه الدورة السنوية لحزب المؤتمر، حيث ألقى كلمة تطرق فيها إلى العديد من القضايا ذات الأهمية البالغة، حاول فيها تحديد موقف الهند من الحرب العالمية الثانية، واتهم الحكومة البريطانية بتقسيمها البلاد على أساس جغرافي وطائفي، ودعا إلى حماية الأقليات بعامة، والمسلمين بخاصة. كما عرض في خطابه التطورات السياسية، مع إمكانية تحرك الهند في اتجاه الحصول على الاستقلال. لكن موقف المعارضة من آزاد جعل الرياح تجري بما لا يشتهي، وخاصة موقف “العصبة الإسلامية” التي تشغل مساحة جغرافية واسعة من الهند، الأمر الذي ساعدها في استقطاب المجتمع الهندي المسلم باسم الدين، واستثارة الأمور الطائفية، وتكريس فكرة الانفصال عن الأمة الهندية.
وفي عام 1940 أطلق غاندي حركة (ساتياغراها) التي دعت إلى الحفاظ على الحريات المدنية، والحق في حرية التعبير بشأن الترويج بأن الهند لا تؤمن بالحرب، وأنها ستحول دون اندفاع الناس إلى مساعدة الحكومة في جهودها الرامية للحرب.
لم يوافق آزاد على نهج غاندي، لكنه سار معه لإيمانه بأن غاندي يريد مصلحة الهند واستقلالها، وجاء رد الحكومة على حركة غاندي قاسياً حيث اعتقلت عدداً كبيراً من (الساتياغراهين) ومن بينهم آزاد، الذي سجن مدة عامين قضاها في معتقل نايني، وكانت له مراسلات مع لجنة المؤتمر، ومتابعة لمختلف الأحداث السياسية التي عصفت بالهند، والتي أدت إلى التقسيم والاستقلال، وكان أمل آزاد أن يكون التقسيم مؤقتاً حتى تستعيد الأمة الهندية عافيتها، وهذا ما عبّر عنه في كتابه (الهند تفوز بالاستقلال)، الذي كتبه قبل وفاته بشهور قليلة.

المؤسسات التعليمية والعلمية والثقافية(1947-1958)
بدأ أبو الكلام آزاد عمله الفكري والتربوي مع إصداره مجلة (الهلال)، ولما ينتهِ مع المؤسسات التعليمية والعلمية والتكنولوجية والثقافية التي بنت حضارة الهند في العصر الحديث، التي أسسها عندما عيّن أول وزير للتربية والتعليم في جمهورية الهند المستقلة، بتشجيع من جواهر لال نهرو في العام 1947. وقام آزاد بخطوات سريعة من أجل تعميق أسس التعليم والثقافة، كي لا تزدهر الهند من الناحية التعليمية فحسب، بل من الناحية الثقافية أيضاً. وإذا كان قد استعمل في خطابه التعابير الدينية فقد استعملها لبناء الإيديولوجيا القوية المناهضة للاستعمار، ودعم وحدة الأمة الهندية بمكوّناتها الطائفية، واعتبر كثير من المؤرخين أن تقسيم الهند كان بمنزلة إخفاق لأبي الكلام آزاد وهزيمة لمشروعه الذي ناضل من أجله.
أوتي آزاد شيئاً من التفكر الفلسفي، عكسه في كتابه (غبار القلب)، وهو مجموعة رسائل كتبها في سجن قلعة أحمد نغر، تحدث فيها عن محبي الملذات، وعن الصابرين. لقد قبل بتقسيم الهند تحت ضغوط داخلية ودولية، وجابه العديد من الصعوبات، وتعرض للسجن غير مرة، وعانى الكثير من المآسي، غير أن أكبر مأساة في حياته كانت حين بزغ فجر استقلال الهند، ولم يكن له متابع سياسي واحد، لا في مجتمعه، ولا بين مواطنيه.
في شباط فبراير 1958، توفي أبو الكلام آزاد بعد رحلة نضالية ساهمت في صنع بنيان دولة الهند الحديثة.
الكتاب ليس سيرة ذاتية عن حياة أبو الكلام آزاد، هو استعراض تاريخي للنضال السياسي والاجتماعي والديني، ووثيقة تأريخية للأحداث التي شهدتها القارة الهندية أثناء الاستعمار البريطاني، والحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال والتقسيم من خلال سيرة أبو الكلام آزاد.

الكتاب: أبو الكلام آزاد وتشكّل الأمة الهندية
المؤلف: د. رضوان قيصر
ترجمة: د. صهيب عالم
الناشر: مؤسسة الفكر العربي
بيروت 2016

*كاتبة سورية
المصدر: الميادين نت

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الدول العربية وقطر- حان وقت الحساب

بقلم: أيال زيسر – باحث إسرائيلي في معهد دايان لدرسات الشرق الأوسط وأفريقيا — •قرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *