الجمعة , أغسطس 18 2017
الرئيسية / دراسات / جدوى مـشروع الربط النهري بين بحيرة فيكتوريا وميناء الإسكندرية
بحيرة فيكتوريا

جدوى مـشروع الربط النهري بين بحيرة فيكتوريا وميناء الإسكندرية

بحيرة فيكتوريا

خاص “مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط” – بقلم: الـــــســفــيـر بـــلال الــمــصــري* — قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارة أوغندا إستغرقت يوماً واحداً في 18 ديسمبر 2016 وأجرى في العاصمة عنتيبي مباحثات مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وإقتراح مصر مساهمتها بقوة حماية لمساعدة جنوب السودان في إستعادة السلام، وهو ما رحب به الرئيس الأوغندي الذي دعا مصر إلى بذل الجهد لإثناء مجلس الأمن الدولي عن فرض عقوبات على جنوب السودان، بإعتباره ذلك سبباً لإحداث فراغ في القيادة.
ومن أهم ما تعلق بهذه الزيارة الخاطفة تصريح الرئيس الأوغندي بأن حكومته ستتخذ إجراءات صارمة لتأمين الحفاظ على النيل حتي يمكن لمصر التي تعتمد على إمداداته وحدها ألا تتضرر. ثم أشار إلى أن دول حوض النيل يجب أن تطور طريقاً عبر النيل حتى يمكن للبلاد الحبيسة الواقعة عليه مثل أوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا أن تقلل من المسافة التي تفصلها عن أوروبا وعن ميناء الأسكندرية في مصر.
وخلافاً لكل المصادر الصحافية التي غطت هذه الزيارة إنفرد موقع RT الروسي باللغة العربية بالإشارة الواردة ببيان الرئاسة الأوغندية عن “أهمية العمل على اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ مشروع الربط بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط عبر نهر النيل المُقترح في عام 2015، وذلك عقب انتهاء الدراسات الخاصة به، بالإضافة إلى التزامهما بمواصلة الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار والتنمية في إفريقيا، وخاصة في منطقة حوض النيل، ومنطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي”.
هناك ضرورة لتحليل مبدئي لهذا المشروع لأن الإعلان عنه قبل إنتهاء الدراسات الفنية والإقتصادية التي قد تُجري بشأنه أو أنها تُجري بالفعل بشأنه يستبق نتيجتها التي لم يثبت بعد والحالة هذه أنها إيجابية، مما يشير جزئياً على الأقل إلى بدء الجانبين بتحقيق الهدف الدعائي منه قبل تحقيق الهدف العملي. فالمشروع ليس مشروعاً للري وإنما مشروع ذو طبيعة لوجيستية بحتة يتعلق إنجازه بإرادات الدول النيلية، وبناء على ذلك فهو يتحقق على مرحلتين متضافرتين: أولهما إجراء الدراسات اللازمة حتى تثبت جدواه الفنية والإقتصادية، وثانيهما بدء دول حوض النيل في الإتفاق بشأنه توطئة لتنفيذه وبالتالي تدبير تمويله وفقاً لترتيبات جماعية.
إن المشروع المُشار إليه لا يعتبر في حد ذاته خلافياً فهو لا يتعلق بالري ولا حتى بنقل مياه بحيرة فيكتوريا إلى دولة أو دول خارج نطاق حوض نهر النيل كحالة نقل مياه نهر أوبانغي إلي بحيرة تشاد لإعادة ملئها بعد تقلص مساحتها من 25,500 كم مربع إلى 2500 كم مربع فقط والذي وُضعت دراساته بالفعل. ومع ذلك فإن النظر إلى مشروع الربط بين بحيرة فيكتوريا والإسكندرية يجب أن يمر عبر النظر إلى عدد من الإعتبارات من أهمها:

1- أن هناك سوابق مُشابهة تؤكد صعوبة تحقيق مشروعات الإستفادة الجماعية من النيل ربما كان أهمها مشروع الوصل الكهربائي بين سدي إينغا الذي يبلغ إرتفاعه 145 متراً وسد أسوان في مصر التي إهتمت بالسعي لتنفيذه وحضرت شخصياً جانباً من تطوراته إبان عملي في كينشاسا. إلا أن المشروع لم يتحقق لخلافات مختلفة بين الدول النيلية التي ستمر فيها الأبراج والكوابل الناقلة لكهرباء إينغا، ولذلك إقتصر تنفيذه حالياً تحت مُسمى “إينغا الكبير” على ربط الكونغو الديموقراطية وجنوب أفريقيا وربما نيجيريا بتكلفة إجمالية للمرحلة الأولى منه قُدرت بنحو 11 بليون دولار يموّلها البنك الدولي .

2- أن دول حوض النيل العشر(أو الإحدي عشر بإضافة أرتيريا) لم تحقق بعد إجماعاً تاماً على رؤية مُشتركة لمياه النهر ومما يؤكد ذلك أن إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وقعت في 14 أيار مايو 2010 الإتفاق الإطاري في عنتيبي لحوض نهر النيل الواقع في 13 مادة منها مادة تشير إلى “الإنتفاع المُنصف والمعقول”، وهي مادة ما زالت خلافية وبسببها أعلنت مصر والسودان عن رفضهما التوقيع عليه لعدم تضمنه مبدأ الحق التاريخي الذي يقره القانون الدولي لهما في مياه النيل وفقاً لإتفاقيتي 1929 و1959 بين مصر والسودان. إلا أن الاتفاق إكتسب إعترافاً آخر به عندما وقعته بوروندي في 28 شباط فبراير 2011 ثم صادق عليه البرلمان الإثيوبي في 13 حزيران يونيو 2013. ثم صادق البرلمان الأوغندي عليه أيضاً في 27 حزيران – يونيو 2013، كما صادق البرلمان التنزاني عليه في 26 آذار مارس 2015. ثم صادق البرلمان البوروندي عليه أيضاً.
وقد إكتسبت هذه الاتفاقية بعدا آخر عندما أعلن وزير الموارد المائية في دولة جنوب السودان في 18 حزيران يونيو 2013 أن بلاده ستوقع على الاتفاقية الإطارية قريباً (لكنها لم توقعه رسمياً حتى الآن).
والجدير بالذكر أن الاتفاقية الإطارية تلك تتأسس على مبدأ “هارمون” الذي يتضمن مبدأ التوزيع العادل لمياه النيل بصفة مطلقة من دون إعتبار لمبدأ الحق التاريخي الذي تتمسك به مصر والسودان. وقد إنضمت الكونغو الديموقراطية إلى مصر والسودان في رفضهما له على أساس أن الدول الست الموقعة خالفت أحد المبادئ الأساسية المنصوص عليها في “مبادرة الرؤية المُشتركة لدول حوض النيل” والمتعلقة بمبدأ التوافق في اتخاذ القرارات بين كل الأطراف.
وعلى ضوء ذلك، يظل إقتراح ربط بحيرة فيكتوريا بميناء الإسكندرية قفزاً على التباين بين الموقفين المصري والأوغندي بالنسبة لنظرة الدولتين لمياه النيل. فأوغندا بموجب توقيعها على الإتفاق الإطاري تنكر على مصر حصتها الثابتة والمستقرة كحق تاريخي في مياه النيل. فكيف لمصر والحالة هذه أن تقبل بمشروع مُكلف وربما خيالي كهذا دون النظر إلى تسوية خلافاتها الماثلة بشأن الإتفاق الإطاري؟ مُضافاً إلى ذلك الخطر المُحتمل بتناقص حصتها من مياه النيل جراء تنفيذ إثيوبيا لسد النهضة الذي يمضي الإثيوبيين في تفيذه بمعايير فنية تضر بحصة مصر المائية، بالرغم من توقيع مصر والسودان وإثيوبيا على ما يُسمى بإعلان مبادئ سد النهضة في 23 آذار مارس 2015 الذي لم يتضمن حسماً لقضية حصة مصر التاريخية في مياه النيل.

2- كان هناك ربط مُقترح بين نهري الكونغو والنيل وصفه البعض بالخيالي فيما وصفه آخرون بالحل لأزمة المياه المُتوقعة في مصر بسبب زيادة الطلب عليها وكذا بسبب تنفيذ إثيوبيا لسد النهضة وإحتمال تأثيره بانخفاض حصة مصر المائية الحالية البالغة 55.5 مليارمتر مكعب/عام. وكانت شركة خاصة تدعي ساركو اوفرسيز Sarko Overseas قد تقدمت بهذا المشروع إلى وزارة الري المصرية مُرفقاً به تقرير يشير إلى جدواه وإلى إمكانية حصول مصر من خلال وصل النهرين على نحو 110 مليار متر مكعب من المياه سنوياً من نهر الكونغو. لكن وزارة الري المصرية أعلنت رسمياً على لسان أسامة ياسين مستشار وزير الري والموارد المائية في مؤتمر صحافي يوم الأثنين 19 كانون الثاني يناير 2015 عن رفضها للمشروع. وورد في الإعلام أن رفض مصر لهذا المُقترح كان “لأسباب فنية” وذلك بموجب ما إنتهى إليه رأي اللجنة الفنية التي شكلتهاالوزارة لهذا الغرض.
وقبل هذا الإعلان ورغبة من اللجنة في الحصول على مزيد من المعلومات إلتقت برئيس هذه الشركة في 3 كانون الأول ديسمبر 2014 لمناقشة أمور فنية ومائية، إلا أنه أحجم لاحقاً عن الإلتقاء باللجنة برغم دعوته للقاءات أخرى في 11 و29 و30 كانون الأول ديسمبر 2014. ولذلك أشارت اللجنة في تقريرها النهائي إلى أن المشروع لا يفي بالمعايير الدولية، وأن وجهة الطريق من نهر الكونغو وحتى النقطة التي سيلتقي بها ومنها يبدأ مجرى سيُنشأ إصطناعياً لم تتحدد بعد.
وإتصالاً بذلك أشار موقع Cairo Post في تغطيته لهذا الخبر إلى أن دكتور جمال القليوبي أستاذ البترول والطاقة في الجامعة الأميركية في القاهرة وضع دراسة في هذا الشأن أشار فيها إلي أن حوالي 1,000 بليون متر مكعب من مياه نهر الكونغو تضيع في المحيط الأطسي سنوياً وأن هذه المياه يمكن أن تُحول إلى النيل عبر قناة يتم حفرها بطول 600 كم تصل بالنيل في جنوب السودان لتتدفق إلى شماله ومنها إلى بحيرة ناصر.
وإتصالاً بذلك ومن خلال متابعتي للعلاقات المصرية الزائيرية بشأن نهر النيل، علمت أثناء عملي في السفارة عام 1988 من مصادري في وزارة لخارجية الزائيرية(الكونغو الديموقراطية حالياً) أن الرئاسة الزائيرية تلقت خطاباً من الحكومة الليبية يتضمن إقتراحاً من العقيد القذافي بمد نهر الكونغو ليصل إلى واحة الكفرة جنوبي ليبيا. وبطبيعة الحال لم يُنظر إلى المقترح بجدية فتحول القذافي إلى تنفيذ مشروع النهر العظيم.

3- كانت لمصر تجربة سلبية ومؤسفة سابقة مع السوق الأوروبية تتعلق بتمويل مشروع أقل تكلفة بالتأكيد من مشروع ربط بحيرة فيكتوريا بميناء الأسكندرية، وهو مشروع حفر قناة غونغلي البالغ طولها 170 كيلومتراً في جنوب السودان. فقد وافقت السوق الأوروبية مبدئياً على تمويله بتخصيص 45 مليون وحدة نقد أوروبية إلى مصر و15 مليون وحدة نقد أوروبية إلى السودان علي أن يتم تأمين المبلغ الباقي وهو 30 وحدة نقد أوروبية من أحد مصادر التمويل الدولية. وفي ايلول سبتمبر 1983 وافقت السوق الأوروبية على تخصيص 100 ألف دولار لتمويل إجراء تعديلات في إجراءات التعاقد لتتلاءم مع قوانين ونظم السوق الأوروبية، ثم وفي مرحلة تالية قالت مصادر في السوق الأوروبية إنهم لن يوافقوا بصفة نهائية على التمويل إلا بعد تدبير باقي المبلغ.
وفي نهاية هذه المماطلات إلتقى وزير الري المصري ممثل السوق الأوروبية في القاهرة في 2 أيلول سبتمبر 1984 وتحدثا في موضوع تأخر السوق الأوروبية في تمويل مشروع غونغلي وقال إن ممثل السوق الأوروبية في الخرطوم أشار إلى أن الموقف الأمني في الجنوب سيء وأنهم لذلك يطلبون مذكرة رسمية من السودان بشأن هذا الموقف، ولهذا فهم ينتظرون تحسن الموقف الأمني هناك لبدء المفاوضات بشأن التعاقد. وكان هذا اللقاء على خلفية الهجوم الذي شنّته عناصر تمرد جنوب السودان في شباط – فبراير 1984 على معسكر الشركة الفرنسية التي تولت عمليات حفر القناة واختطافهم لمجموعة من الرهائن ثم قاموا بتدمير الحفار مما أدى إلى توقف العمل نهائياً. وقامت مصر والسودان بتسديد تعويض شهري لهذه الشركة نظير مصروفاتها الجارية وإستهلاك المعدات.

4- إن الواقع السياسي في الدول التي سيُتفذ المشروع لصالحها غير مُستقر وكذلك فإن الواقع الأمني والعسكري في أوغندا وجنوب السودان والسودان يتسم بدرجات متفاوتة من الخطر والتردي – وهذه هي الدول الرئيسية لمشروع الربط – وبالتالي فهناك صعوبة في تأمين المواصلات النهرية في ضوء الحرب الأهلية المُستعرة في جنوب السودان والتي بدأت في موجتها الثانية في كانون الأول ديسمبر 2013 والتي بسببها لا تستطيع الأمم المتحدة ولا منظمات الإغاثة إيصال إغاثاتها للسكان بالطريق النهري هناك لخطورته. وكذلك فإن عمليات “جيش الرب” في أوغندا وكذلك الوضع في كردفان في شمال السودان يحولان دون الإعتماد على الطرق النهرية.
ومما لا شك فيه أن البنك الدولي سيجد مبررات قوية تمنع من قبوله تمويل مشروع كهذا، وبخاصة أن الدول الثلاث الحبيسة، وهي أثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، تستخدم الطرق البرية كبديل إقتصادي نسبياً وعملي عن النقل النهري الأطول والأكثر خطورة في حركة الصادرات والواردات منها وإليها. فإثيوبيا تستخدم ميناء بورسودان بصفة رئيسية، وأوغندا تستخدم الموانئ الكينية والتنزانية، وجنوب السودان يستخدم أيضاً الموانئ الكينية. يُضاف إلى ما تقدم أن الربط البري بين الدول الحبيسة والموانئ الواقعة خارج إقليم هذه الدول يُنظر إليه على أنه البديل الوحيد المُتاح، لأن الربط النهري وفقاً للدراسات اللوجيستية غير عملي ومكلف من الوجهة الفنية، خاصة وأن الوحدات النهرية في هذه الدول، ومنها مصر نفسها التي لا تعتمد عليها، يلزمها موانئ نيلية وصيانة دورية والأهم التغلب على مشاكل ميدانية تعوق الحركة في مجري النهر مثل مشكلة ورد النيل في بحيرة فيكتوريا في أوغندا ومشكلة الشلالات في مواقع معيّنة على طول المجري ومشكلة الهدام أو Ensablement بين مصر والسودان.
إن مشروع الربط النهري المُقترح المُشار إليه في البيان الرئاسي الأوغندي ليس أكثر من محاولة تتم خارج السياق الحالي للصراع على مياه النيل بين مصر ودول حوض النيل المُوقعة على الإتفاق الإطاري الشامل لمياه النيل، ولن يجد مشروع الربط سبيلاً إلى التحقيق في ضوء ما تقدم، وكذلك لعدم حاجة كل دول حوض النيل للنقل النهري من الوجهة الواقعية. وإذا ما قُورنت الفوائد الإقتصادية بل والسياسية المُرتبطة ببناء إثيوبيا على سبيل المثال لسد النهضة بمشروع الربط النهري بين بحيرة فيكتوريا وميناء الأسكندرية على البحر المتوسط، فلن نجد مقياساً يمكننا من عقد أي مقارنة للإختلاف الموضوعي بين المشروعين ولأن مشروع الربط يقع بالتأكيد خارج إهتمامات إثيوبيا التي لم يُستدل على موقفها من هذا المُشروع إلى الآن. وعليه يمكن القول إن الرئيس الأوغندي يوري موسفيني الذي لم يُعدل موقفه من الإتفاق الإطاري لم يعطِ مصر في هذه الزيارة سوى الإتفاق على مشروع خيالي يصلح فقط ليكون تدريباً دراسياً لطلبة هندسة الري والنقل.

**الـــــســفــيـر بـــلال الــمــصــري ســفيـر مصر السابق في جمهوريات أنغولا وساوتومي والنيجر.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *