الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / كتب / قراءة في كتاب “أبحاث في الفكر اليهودي”
كتاب "أبحاث في الفكر اليهودي"

قراءة في كتاب “أبحاث في الفكر اليهودي”

كتاب "أبحاث في الفكر اليهودي"
كتاب “أبحاث في الفكر اليهودي”

بقلم: محمد يسري — صاحب هذا الكتاب هو الدكتور حسن محمد توفيق ظاظا 1999-1919م، وهو عالم مصري عُدّ من أشهر المختصين في اللغة العربية واللغات السامية، لاسيما العبرية التي يقف في الطليعة من أساتذتها والخبراء فيها، وفيما يتصل بها من ثقافة وفكر يهودي وصهيوني
ويتناول المؤلف في هذا الكتاب ثلاثة مواضيع أساسية تتعلق بالفكر اليهودي
الموضوع الأول، وهو مقالة بعنوان (القدس مدينة الله. أم مدينة داود؟)
في هذا الموضوع يتتبع المؤلف تاريخ مدينة القدس وتسمياتها المختلفة عبر العصور، فيذكر ان اول إشارة للمدينة قد ورد في لوحات تل العمارنة التي ترجع الى عهد كل من أمنحوتب الثالث وابنه امنحتب الرابع المعروف بأسم (اخناتون)، وكان عهد كليهما في الفترة الواقعة ما بين (1400 -1350 ق. م) تقريباً
حيث وردت بعض الكتابات المسمارية والبابلية التي تذكر مدينة أورشليم، حيث يقوم حاكم المدينة بطلب النجدة من الفرعون المصري لصد غارات بعض القبائل الغجرية على المدينة.
وتكرر ذكر المدينة في نقوش الملك الأشوري سنحريب (حوالي 700 ق. م) تحت مسمى (أورسليمو).
وفي عهد الأسكندر الأكبر (حوالي 330 ق. م) ذكرت المدينة تحت أسم (هيروسوليما)
ويرى المؤلف ان أسم (أورشليم) ليس أسم عبري أصيل، وان أصله يعود لمرحلة ما قبل دخول اليهود الى فلسطين، اما عن معنى الاسم، فهو يرى انه أسم مركب من كلمتين أو مقطعين، المقطع الأول وهو (أور) ومعناها مدينة والمقطع الثاني وهو (شاليم) وهو إله وثني عند الكنعانيين يعرف باله السلام، أي ان اورشليم تعنى مدينة اله السلام.
وبعد ذلك يتناول المؤلف الطبيعة الجغرافية للمدينة المقدسة، فيذكر موقعها وأهم جبالها ووديانها.
ثم يذكر د/ حسن ظاظا تاريخ القدس باختصار في عهد داود وأبنه سليمان، ثم أثناء انقسام الدولة العبرانية بين رحبعام بن سليمان ويربعام ملك الشمال، وكيف تعرضت المدينة الى الخطر في عصر الفرعون المصري نخاو، ثم الى الخطر الأشوري في عهد الملك سنحريب.
وكيف سقطت أورشليم على يد البابلي بختنصر الذي هو (نبوخذ نصر)، ثم الأسر البابلي لليهود والذي أستمر حتى قيام الإمبراطورية الأخمينية وقيام الإمبراطور الفارسي كورش بإعادة اليهود مرة أخرى الى بلادهم وموطنهم الأصلي.
وبعد ذلك يتطرق المؤلف الى الصراع بين البطالمة والسلوقيين على أورشليم، ومن بعدهم الرومان، وكيف كانت الثورات المتكررة لليهود سبباً في تخريب المدينة على يد القائد (تيتوس) المرسل على رأس جيش كبير من قبل أبيه الإمبراطور فسبازيان.
ثم يذكر المؤلف اسم اخر عرفت به القدس، وهو أسم (ايليا كابيتولينا) ويشرح سبب تسميتها بذلك، فالمقطع الأول من الاسم تم اشتقاقه من أسم الإمبراطور الروماني (إيليا هادريان) أما المقطع الثاني فهو مشتق من أسم معبد الإله جوبيتر (الكابيتول).
وظل إسم إيليا علماً على المدينة حتى قام المسلمون بغزوها عام 637هـ، وتم تسليم المدينة بعد الاتفاق مع الخليفة عمر بن الخطاب، حيث عرفت المدينة بعد ذلك بأسم (القدس).
ويستكمل المؤلف طرحه، بالتطرق لموضوع شديد الصلة والإرتباط بموضوع مدينة أورشليم، وأقصد به (هيكل سليمان)
فيشرح لماذا لم يقم داود ببناء الهيكل ولماذا ترك تلك المهمة لخليفته، وهو يجيب على ذلك بنص واضح من العهد القديم يذكر فيه داود أنه لم يقم ببناء الهيكل لأنه قام بالكثير من الحروب وسفك الكثير من الدماء مما لا يجعله جديراً ببناء بيت باسم الإله (أخبار الأيام الأول -22)
ويتناول المؤلف أعداد الصناع الذين اشتركوا في بناء الهيكل، والخامات التي تم استخدامها في سبيل ذلك، ويصف الهيكل من الداخل ثم يتطرق الى الهياكل التي حاول اليهود بنائها بعد ذلك عقب رجوعهم من المنفى على أنقاض الهيكل الأول.
الموضوع الثاني، وهو ترجمة المؤلف لمقال بعنوان (حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل) لـ م. ص. سيجال

وفي كلمته المدخلية للترجمة، يذكر (د/حسن ظاظا) أهمية التفرقة في المصطلحات المتشابهة المستخدمة في الأديان المختلفة، وهو يضرب مثال على ذلك بعدد من المصطلحات التي قد يظهر ان استعمالها واحد في جميع الأديان ولكن الحقيقة ان الفارق في استخدامها كبير جداً، فمثلاً كلمة الوحي يتم استخدامها في عدد من الأديان ولكن معناها في الاسلام يختلف عنه في المسيحية او اليهودية، وكذلك في كلمات مثل القضاء والقدر أو الجنة أو الرضوان.
ويبرز (د/حسن ظاظا) أهمية المقالة والدافع الذي حدا به لترجمتها ، في كون مؤلفها سيجال هو واحد من أبرز المؤلفين اليهود وأكثرهم خبرة في دراسة التوراة ، وأن سيجال قد كتب تلك المقالة مشاركة منه في الاحتفال لبلوغ الحاخام (يوسف صبي هرتس) سن السبعين ، وهرتس هذا هو أحد أهم الشخصيات الكهنوتية اليهودية في العصر الحديث ، فقد كان يشغل منصب الحاخام الأكبر لبريطانيا و إمبراطوريتها الكبرى وراء البحار في أثناء محاولة الصهيونية لانتزاع وطن لهم في فلسطين ، وكان هرتس صاحب دور بارز في استصدار وعد بلفور من السلطات البريطانية .
أما عن موضوع المقالة التي كتبها سيجال وترجمها ظاظا، فكان هو فكرة النبوة عند اليهود.
فعن طريق ذكر عدد كبير من الإستشهادات المقتبسة من أسفار العهد القديم مثل (صموئيل الأول – صموئيل الثاني – أخبار الأيام الأول – أخبار الأيام الثاني – هوشع –ميخا) وغيرها من الأسفار، يحاول المؤلف ان يفرق بين كلمتي (الرائي) و (النبي)
فبالنسبة لكلمة الرائي، فقد تم استخدامها في مرحلة تاريخية تسبق المرحلة التي تم استعمال كلمة النبي فيها، وكان الرائي يقوم برؤية المستقبل والتنبؤ بالغيب، فقد كان يشبه الحكماء والسحرة والعرافين.
أما (النبي) فيمكن ان نعتبره ك (فم الإله) في العقيدة اليهودية، فهو الذي يبلغ أوامر الله لشعبه، وكذلك فهو الذي ينقل طلبات الشعب الى الله، فيمكن أن نعتبره بمثابة الوسيط بين الطرفين.
ف(ابراهيم) مثلاً تضرع كثيراً الى الله كي لا يخسف سدوم
(تكوين 23:18-33)
و(موسى) دعا الله من اجل فرعون والمصريين وبني اسرائيل في الكثير من المواقف
(الخروج 33:9 & 15:14)
وكذلك صلى (صموئيل) من أجل شاؤول أول الملوك
(صمويل الأول 11:15)

وأيضاً، فإن أحد أهم اختلافات النبي عن الرائي في العقيدة اليهودية، ان النبي يرتبط بالمعبد ارتباطا وثيق الصلة، فهو يرتاد المعبد ويسكن بقربه ويلقي موعظته على الشعب فيه، وكذلك فقد كان ينشد الأشعار والمزامير وسط الألحان المنبعثة من الألات الموسيقية.
ويذكر المؤلف، ان النبي كان هو الحاكم الحقيقي وصاحب السلطة الأكبر في المجتمع الإسرائيلي القديم حتى عهد النبي صمويل، حيث حدث تغير مهم وهو ان صمويل قد أعلن ان شاؤول هو ملك اليهود وبذلك حدث خروج للسلطة من الانبياء الى الملوك، وهو ما يراه المؤلف نهاية للعهد الثيوقراطي الاسرائيلي وبداية لعهد جديد من (العلمنة) التي حدث به انفصام ما بين كل من الدين والسياسة.

الموضوع الثالث، وهو مقالة بعنوان (الدولة الصهيونية والتعصب العنصري)
يتعرض (د/حسن ظاظا) في تلك المقالة لفكرة (التعصب العنصري) عند اليهود، ففي البداية يذكر عدد من المفكرين اليهود الذين قاوموا فكرة التعصب العنصري، ومنهم: –
• موسى بن ميمون (ت 1204 م)
• باروخ سبينوزا (ت 1677م)
• موسى مندلسون (ت1786م)
ويحاول المؤلف ان يتتبع أصول التعصب العنصري عند اليهود، ففكرة انتماء اليهود جميعاً لعنصر واحد نقي يتفرع من نسل سام بن نوح، هي فكرة تدعم من فكرة التعصب العنصري، ويحاول اليهود ان يدافعوا عنها ويبحثون لها عن شواهد وادلة بالرغم من ان كثيراً من علماء الانثروبولوجيا وعلم الاجناس قد شككوا في صحة هذه الفكرة.
ويذكر المؤلف ان الكثير من اعياد اليهود يظهر فيها تأثير التعصب العنصري، فالكثير من تلك الاعياد تتحول لمناسبات للتفاخر بالعنصر اليهودي والطعن في العناصر الاخرى التي عادتهم على مر التاريخ.
فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف عيد فوريم او عيد بوريم للتدليل على ما وصل اليه ، فاصل ذلك العيد يعود الى زمن تحرير اليهود من الاسر البابلي ومصاحبتهم للملك الفارسي اكسركسيس الذي وصل العديد من اليهود لمناصب السلطان والنفوذ الكبرى في دولته ، وهو الامر الذي اثار قلق الوزير هامان مما جعله يهم بالقضاء عليهم ، وهو الامر الذي التفت اليه واحد من كبار اليهود يدعى مردخاي ، فقام بتسليط ابنته بالتبني وتدعى استير على الملك الفارسي ،فقامت بإغوائه واستصدرت منه امر بقتل هامان واتباعه ، فتم قتل ما يقرب من خمس وسبعين الف فارسي ، وتم تخليد تلك القصة في سفر (استير) الذي تم اضافته الى الكتاب المقدس بجانب التوراة بالرغم من عدم ذكر اسم الله فيه ولو لمرة واحدة .
كما يظهر احتقار اليهود لغيرهم من الشعوب، في تسميتهم لها باسم (جوييم) وهي كلمة تدل على الاحتقار والاهانة والازدراء، حتى انه لو قام أحد الجوييم باعتناق اليهودية فانه يعرف عندها ب (جير) تميزاً له عن اليهودي الاصلي، ويكون له احكام خاصة به وتختلف كثيراً عن الاحكام العامة التي يتعامل بها اليهود الاصليين.
ثم يتطرق المؤلف لواحد من أهم مباحث الكتاب –ان لم يكن اهمها على الاطلاق من وجهة نظري – واقصد به العلاقة ما بين (نشأة اللاسامية) و (العنصرية اليهودية)
فالمؤلف يرى ان الصهيونية مسؤولة عن اعادة بعث فكرة عداء السامية في الدول الغربية وغيرها من الدول.
فعلى سبيل المثال، اثناء فترة صعود الرايخ والحرب العالمية الثانية كان هناك اعتقاد بان النازية هي المسؤولة عن اضطهاد اليهودية، وانه بهزيمة النازي فإن فكرة (اللاسامية) سوف تنتهي، ولكن ذلك الاعتقاد اثبت خطأه بعد ذلك وتم استبداله باعتقاد اخر وهو ان اللاسامية ستبقى طالما ظل هناك يهود في العالم.
ويستشهد المؤلف على ذلك، بما اوردته صحيفة النيويورك تايمز على لسان أحد زعماء الصهيونية البارزين بقولها (قائد يهودي يحذر اليوم من ان اضمحلال اللاسامية ربما يشكل خطراً على وجود اليهود، ان اختفاء اللاسامية في معناها التقليدي، بالرغم من انه مفيد للوضع السياسي والمادي بالنسبة للجماعات اليهودية، الا انه اتى بنتائج سلبية في حياتنا الداخلية).

المصدر: الحوار المتمدن

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *