الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / مقالات / الأزمة السورية وأزمات «النخب المثقفة»

الأزمة السورية وأزمات «النخب المثقفة»

بقلم: عبد الفتاح نعوم* — برغم حدوث انزياح في الموضوع السوري، ليتحول من شأن داخلي صرف، إلى أزمة في العلاقات بين قوى النظامين الدولي والإقليمي، فضلا عن أزمة النظام السوري نفسه، الأزمة السورية قد أماطت اللثام في جانب منها على أزمة حقيقية تعيشها النخب، خصوصا منها النخب المثقفة، من أكاديميين وإعلاميين وناشطين سياسيين، معارضين للنظام السوري أو مؤيدين له. هذا إن لم تكن أزمة النُظُم (السوري والإقليمي والدولي)، هي في جذرها أزمة نخب مثقفة بالأساس.

ولعل أزمة تلك النخب، تأخذ مظهرين، أحدهما يتعلق بطبيعة كل فريق من المؤيدين أو المعارضين، وحجم التطاحنات البينية داخله، والثاني تختزله حالات القطيعة أو التعامل بين الفريقين. لكن بداية ينبغي التشديد على أن الفئة الصلبة من المعارضين والموالين تستحق الإشادة، ذلك أن كلا الطرفين لم يخشيا الرهان على خياراتهما منذ بداية الأزمة، بحيث انحاز كل منهما إلى خياره السياسي، سواء على إيقاع الاقتناع بمقولة «الأيام المعدودة» للرئيس الأسد، التي أطلقها صناع قرار دولي، أو من منطلق الاصطفاف ضدها، وتأييد بقاء الأسد.

لكن ذلك الربط الذي أقامته الفئات المذكورة، بين صورتها وبين بقاء أو رحيل نظام الرئيس الأسد، لا يعني دائما تمتعهما بقدر من «المبدئية» الأخلاقية، كما لا يعني في الوقت نفسه أن من غيروا مواقفهم كثيرا، أو من حافظوا على «اللهجة الهادئة»، هم الآخرون «انتهازيون». لكن في النهاية بيّنت تلك التباينات حجم التأثير الذي أحدثته «الأيام المعدودة» في النخب إياها، فضلا عن أن مواقف تلك النخب، واستهلاكها إعلاميا كان له بالغ الأثر في تعميق الأزمة السورية.

من أولى معالم أزمة النخب، هو أنها لم تترك المساحة للنخب المثقفة السورية، حيث اتسعت شبكات النخب المحايثة للحدث السوري، لتصبح شبكات عربية وعالمية، في تساوق وتناغم مع اتساع مدى تأثير الأزمة السورية في إحداث الانقسام السياسي بين القوى المؤثرة إقليميا ودوليا. كما أن تأثير النخب إياها لم يكن دائما لفائدة النخب المثقفة الليبرالية أو اليسارية، بقدر ما أدّت النخب المثقفة المنتمية إلى «الإسلام السياسي» بجميع تياراته أدوارا أكثر بروزا، ولهذا فالمقصود بالنخب هو المعنى العام الذي حفل به حيز التنظير في الاجتماع السياسي، وتحديدا مساهمة باريتو وموسكا وكارل مانهايم وغيرهم، والمقصود بـ «المثقفين» هو ما تنطوي عليه الدلالة الإجرائية لـ «الثقافة»، لا دلالتها الأنثروبولوجية العامة.

على ضفة المعارضة، منذ البداية تباين أداء النخب المثقفة ذات الخلفيات الليبرالية واليسارية، وذات الخلفيات الإسلامية، حيث تناغم خطاب الديموقراطية والحرية، واستدعاء كل شاردة أو واردة يمكن أن تصم النظام السوري من متحف التاريخ، باعتبار أن واقعة «قتل المتظاهرين»، ليست غريبة في حق نظام أقدم على «مجزرة حماة» سنة 1982، دونما اعتبار لكون تسلل الشك إلى رواية لواقعة معاصرة، يعصف مبدئيا بأي تبن لرواية عن واقعة ماضية، وهذه من أساسيات منهج التحقق التاريخي.

والمهم أن كل ذلك النقاش الذي أثير ولا يزال، لم يكن سوى غلاف لخطاب آخر تبنته وما تزال نخبة الإسلام السياسي بتياريه المعتدل والمتطرف، حيث إن هذا التيار لم يكن يعنيه لا حرية ولا ديموقراطية، بقدر ما يعنيه الحديث باسم «مظلومية افتراضية» لسنّة سوريا حيال طغيان «علوي/ نصيري/ شيعي». وهكذا بدأت أزمة النخب المعارضة للنظام السوري، بوجود الشرخ بين خطاب الديموقراطية، وخطاب الطائفية الذي لخصته الدعوات إلى «جمعات المساجد»، علاوة على أن مثقفين ليبراليين ويساريين كثيرا ما انخرطوا في الخطاب الطائفي إياه، حتى ولو من باب الإضاءة الأكاديمية أو الإعلامية على «نفوذ العلويين».

أما على ضفة الموالين للنظام السوري، فلم يكن الأمر أفضل حالا، حيث خيم «الإنكار» على خطاب قسم مهم من الأكاديميين والإعلاميين، حيال أحداث آذار 2011 بدرعا، واستمر الإنكار أشهرا. صحيح أنه يحسب لهؤلاء أنهم لم ينجرفوا مع «بشارة الأيام المعدودة»، لكن هذا لا يبرر بأي حال السعي إلى تعبئة الجمهور «الموالي» بالكذب، والإغراق في تفسير كل شيء بـ «المؤامرة الخارجية» برغم صحة وجودها، ثم الميل إلى مواجهة البروباغندا الفعلية لإعلام ومثقفي المعارضة، ببروباغندا ضعيفة قائمة على المبالغة في إنكار الأخطاء الممكنة، وفي اتهام خطاب النخب المعارضة.

كثيرا ما كان يحدث أن يرفض مثقفون محسوبون على النخب المعارضة، مناظرة من يماثلهم في نخب الموالاة. مثلا عزمي بشارة من أكثر الحريصين على «بريق» صنعه إعلاميا، ويخشى أن يخدشه بالتناظر، من حقه أن لا يرى في نخب المولاة من يستحق شرف التناظر. لكن هذا يصطدم مع جوهر الديموقراطية، القاضي بضرورة إيمان الداعي إليها بالاستماع إلى الرأي النقيض مهما كان «تافها»، ومنح الجمهور فرصة اختبار تلك الطروحات، ووضعها على محك المقارنة بما يضادّها. بصرف النظر عن العيوب التي علقت بأسلوب التناظر في الإعلام العربي، وجعلته خاضعا لمدى امتلاك المثقف لتقنيات الخطابة وحسن التخلص وما إلى ذلك.

لكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا أنه لم تقم حبال ودّ بين النخب المثقفة من الفريقين، حتى من فئة المتحيزين المعروفين بعنادهم في الدفاع عن تحيزاتهم لأحد الخيارين المذكورين. ومن ذلك ما تختزله المكالمة الهاتفية بين الإعلاميين السوريين فيصل القاسم ونضال نعيسة، التي تسربت مبينة عن طبيعة الروابط التي تجمعهما، برغم أن كلا منهما يفترض انه في ضفة، طبعا من النضج تمييز الاصطفافات السياسية للمثقفين والإعلاميين، عن العلاقات الشخصية. لكن الأمر جرى توظيفه أحيانا في إطار نمط من الدعاية التي استهدفت النظام السوري، هدفها التسويق لصورة نخب مثقفة توالي النظام، سمتها الهشاشة والضعف و «الغباء». حيث يطلب من «مثقف موالٍ» أن يحافظ على ولائه ويدافع عن النظام في حدود معينة، ليضمن في الوقت نفسه عوائد مالية على غرار ما كشف عنه الإعلامي اللبناني سالم زهران بعد حواره مع النائب اللبناني عقاب صقر في برنامج «الاتجاه المعاكس».

حفلت النخب المثقفة الموالية والمعارضة لنظام الأسد أيضا بصنف المحترفين، ممن يوالون أو يعارضون، لكن بالحرص قدر الإمكان على إنصاف الخصم، وباجتناب التحريض والبروباغندا، غير أن أزمة هذه الفئة داخل التشكيلات الخطابية للموالاة والمعارضة تكمن في عدم مخاطبتها لشرائح واسعة، بسبب ركونها لخطاب هادئ، خلافا للمزاج الشعبي القابل للاشتعال، ولمساعي الجيوبوليتيك المنتعش على إيقاع التحريض والبروباغندا. ولهذا فهذه الفئة كثيرا ما تميل إلى الامتعاض من البروباغندا «الرديئة» التي يعتمدها من ينتمون إلى ذات خيارها، وربما الإشادة باحترافية «بروباغندا» نخب الخصم.

على مستوى آخر فإن جوهر الأزمة إياها يكاد يكون «نفسيا»، ذلك أن المشكلة مع الأسد باتت نفسية حتى بالنسبة للنخب المثقفة المنضوية تحت خيار «بشارة الأيام المعدودة»، علاوة على أن كل فئة من فئات النخب المثقفة التي جرى تشريحها، تسعى على الدوام إلى الإقناع بأنها هي الحلقة الأضعف، وبأن الطرف الآخر مستحكم ونافذ بنخبه وأدواته ومؤامراته، هذا إن لم تتم المبالغة أحيانا في منحه هو والنخب الموالية له بجميع أصنافها قدرات تتجاوز بكثير الواقع والمنطق.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مخطوطات الموصل والمصير المجهول بعد «داعش»

بقلم: مهند مبيضين — مع تنامي حدّة الصراعات الداخلية في البلاد العربية، التي ما زالت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *