الخميس , أكتوبر 19 2017
الرئيسية / مقالات / في تبيان مفهوم العولمة

في تبيان مفهوم العولمة

بقلم: د.عقل صلاح* — أصبحت العولمة ظاهرة متعددة الأوجه ومعقدة للغاية ومن أهم ظواهر القرن العشرين التي انتشرت بشكل سريع ومتداخل مع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن العولمة قد نشأت وتطورت وامتدت وفق شعارات مرنة وملفتة نحو العدالة والمساواة والرفاهية الاجتماعية للأفراد, واندفعت كثير من الدول نحو الشعارات الزائفة قبل معرفة حقيقة وأثر هذه الظاهرة, وبالتحديد على سيادة الدولة. إن النتائج العملية لظاهرة العولمة على مختلف الدول وبالأخص على الدول النامية أظهرت الحقيقة المزيفة لشعارات العولمة عبر زيادة الفقر المدقع والهيمنة الرأسمالية والتسلط. ومع ذلك, إن حقيقة العولمة لم تزل حتى الآن متخفية تحت شعارات متعددة الألوان دون التنبه إلى خطورتها على سيادة الدولة.
لقد حظيت ظاهرة العولمة باهتمام كبير من قبل الكثير من علماء السياسة والكتاب والمفكرين وغيرهم, في كافة دول العالم وذلك في ضوء الانعكاسات الكبيرة لهذه الظاهرة على مختلف جوانب الحياة, وبالتحديد على الدولة وسيادتها.
مفهوم العولمة:
يختلف الباحثون حول تاريخية العولمة, فبينما يرى بعضهم أن العولمة هي ظاهرة حديثة مرتبطة بالثورة الصناعية الثالثة, يرى البعض الآخر أنها ظاهرة ذات أصول تاريخية, أي أنها امتداد لسلسلة من العمل الذي بدأ قبل تلك الثورة. لقد صك جيرمي بنتام مفهوم العالمية أو التدويل في ثمانينيات القرن الثامن عشر, ليصف حقيقة ظهور الدول القومية والتفاعلات الدولية فيما بينها وبعد مائتي عام تقريبا وبالتحديد في ثمانينيات القرن العشرين أصبح الحديث عن العولمة Globalization شائعًا, ليس فقط في الدوائر الأكاديمية وإنما أيضا في الدوائر الاقتصادية والسياسية والإعلامية وحتى الفنية. فيرى الباحث الياباني ياماموتو أن العولمة هي التطور المعاصر للاعتماد المتبادل الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية, ولكنها تتميز عن هذا الاعتماد المتبادل بأنها تمثل مرحلة أكثر تقدمًا. بينما يرى الدكتور علي الدين هلال أن العولمة هي مجموعة تطورات تاريخية حادثة مستمرة وفاعلة سواء قبلناها أم لم نقبلها, وهي قد تبطئ أحيانا وقد تسرع أحيانا أخرى وهي ليست مجرد قرار يتخذ, وبالتالي العولمة ليست مؤامرة أو مشروع.
ومن جهه أخرى يعرفها الدكتور عقل صلاح بأنها الوسيلة الذكية والسريعة في بسط سلطة الدولة القوية على الدولة النامية وسلب ثرواتها وإرادتها وسيادتها وثقافتها الوطنية واستبدالها بالثقافة العالمية, وبالتالي تصبح جميع الشعوب تابعةً على جميع الصعد وسوقًا استهلاكيًا مربحًا للدول الكبرى التي تتحكم في رسم السياسات العالمية.
على المستوى الاقتصادي عرفها سيمون ريش بأنها سلسلة من الظواهر الاقتصادية المتصلة والتي تشمل تحرير الأسواق ورفع القيود عنها وخصخصة الأصول وتراجع وظائف الدولة وانتشار التكنولوجيا وتكامل أسواق رأس المال, وإذ كانت بعض هذه الخصائص قد ظهرت في عصور سابقة إلا أنها لم تكن بمثل هذه الحدة أو هذا الحجم الذي تنطوي عليه العولمة. وفي إطار هذا الاتجاه الاقتصادي يعرف صادق جلال العظم العولمة بأنها وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج ذاتها. كما يعرفها أيضا بأنها حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها, وفي ظل سيادة نظام عالمي لتبادل غير متكافئ. بينما بين جيمس روزناو أن مفهوم العولمة يقيم علاقة بين مستويات متعددة للتحليل كالاقتصاد والسياسة والثقافة والايدولوجيا وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل وتماثل السلع المستهلكة في مختلف الدول. ويراها الدكتور إسماعيل عبد الله, بأنها التدخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداء يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو إلى دولة معينة, وهي درجة من درجات تطور النظام الرأسمالي العالمي. ويعرفها الدكتور سمير أمين بأنها مرحلة تفكك تدريجي لنظم الإنتاج الوطني المتمركزة على الذات وإعادة دمج العناصر المكونة لها في منظومة إنتاجية عالمية. أما الدكتور رجب أبو دبوس فقد عرفها بأنها جعل السوق على مستوى العالم, أي جعل العالم سوقا يخضع لقانون واحد, وهو قانون السوق ويطيع مبدأ المنافسة.
إن العديد من الباحثين نظروا للعولمة من باب هيمنة أو سيطرة دولة معينة على العالم, فيبين روبرتسون أن العولمة تشير إلى تحول العالم إلى كيان موحد في إطار عملية الدمج العالمي التي أدت إلى الدرجة العالمية الراهنة من التعقيد العالمي والصراعات الثقافية المكثفة حول تحديد الوضع العالمي, كما أن أي عولمة تستطيع نظريا أن تحيل العالم إلى كيان واحد عبر مسارات عديدة منها الهيمنة الاستعمارية لدولة واحدة أو معسكر قوي أو انتصار شركة تجارية أو البروليتاريا العالمية أو أحد أشكال الدين أو الحركة الفيدرالية العالمية. ويرى عالم الاجتماع السياسي الأمريكي مانويل كاستلز أن عالمنا وحياتنا تشكلها في الوقت الراهن الاتجاهات المتصارعة للعولمة والهوية, حيث أنه وبعد تدفق موجات العولمة فقد ظهرت تعبيرات شتى عن الهوية الجماعية والتي تسعى إلى تحديد العولمة والنزعة الكوزمويوليتانية (العالمية) وذلك باسم التفرد الثقافي أو ما يطلق عليه عادة بالخصوصية الثقافية, في محاولة لسعي الجماهير العريضة للسيطرة على حياتها وبنيتها. وعرفها محمد الجابري بأنها العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، على بلدان العالم أجمع, وهناك تعريف صادر عن وثيقة للجنة الدولية المستقلة والتي شكلتها الأمم المتحدة لدراسة “حكم الكوكب ” في تقريرها الصادر في 1995, وهو التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات حكومية.
نلاحظ مما سبق أن هناك تعدد لمفاهيم العولمة ولا يمكن حصر جميع تعريفاتها لغموض المصطلح واختلاف الخلفيات الفكرية, إن العولمة قد نبعت من الاتجاه الفكري الرأسمالي الغربي المسيطر والقوي وهو المستفيد الأكبر من هذه الظاهرة. إذاً العولمة قد بدأت بالأساس كمفهوم اقتصادي ولكنها سرعان ما شملت جميع نواحي الحياة المختلفة.
للعولمة تأثيرات سلبية وايجابية على المجتمعات، ومن آثارها السلبية وبالأخص فيما يتعلق بسيادة الدولة؛ تآكل دور الدولة, واهتزاز أركانها, والتدخل في شؤونها, وإضعاف قوتها وقدرتها على القيام بوظائفها الأساسية, وتقليص سيادتها الوطنية, وتغذية الولاء للخارج وأيضاً للقبيلة والطائفة, وانحصار قوتها وبالتحديد في الدول الأقل نمواً, وتغذية الخلافات الطائفية والعرقية في الدولة. فكلما زادت مظاهر العولمة ازداد تأثيرها السلبي على سيادة الدول، وبخاصة الدول الصغيرة التي تتأثر أكثر من غيرها.
أما بالنسبة للآثارها الايجابية, فالعولمة أدت إلى تساقط حواجز المكان واختصار الزمان فأصبح البشر أكثر تقارباً من بعضهم البعض, وأدت أيضاً إلى تنمية التعاون الإقليمي وتوسيع السوق العالمية, وضمان التدفق الحر للعملة ورأس المال, وإمكانية الوصول إلى المعرفة الشاملة, والتطور التكنولوجي السريع والذي تم الاستفادة منه من قبل شعوب الدول النامية واستخدام هذه التكنولوجيا (وسائل التواصل الاجتماعي) فيما يطلق عليه اسم ثورات الربيع العربي.

*باحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *