الإثنين , نوفمبر 20 2017
الرئيسية / مقالات / قطار الصين إلى أوروبا: كيف ستتأثر مراكز التجارة والمواصلات في الشرق الأوسط؟

قطار الصين إلى أوروبا: كيف ستتأثر مراكز التجارة والمواصلات في الشرق الأوسط؟

بقلم: محمد يسري — في 18 يناير كانون الثاني الجاري(2017)، وصل القطار الصيني المعروف إعلامياً باسم خط الحرير الجديد، إلى محطته النهائية في العاصمة الإنجليزية لندن، بعدما مر بكل من كازخستان وروسيا وبلاروسيا وبولندا والمانيا وفرنسا، قاطعاً في رحلته ما يقرب من 12 ألف كيلومتر.

القطار الصيني انطلق من محطته الأولى في مدينة ييوو الواقعة في شرق الصين، واستغرق ثمانية عشر يوماً للوصول إلى قلب القارة العجوز، حاملاً معه الكثير من الآمال والمخاوف المحتملة لطرق ومحطات التجارة التقليدية في شتى أنحاء العالم.

فما هو التأثير المحتمل والمتوقع لخط السكك الحديدية الصيني الجديد على عدد من مراكز التجارة والمواصلات الاستراتيجية المهمة في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية؟

ما هي قدرات الطريق الجديد؟

يأتي خط السكك الحديدية الصيني، كخطوة أولى في مشروع “الحزام والطريق”، الذي أعلنت الحكومة الصينية عن ابتداء العمل فيه في عام 2013.

هذا المشروع الضخم يعمل على إحياء طرق التجارة القديمة بين قارات العالم القديم الثلاث (آسيا وأوروبا وأفريقيا).

وبحسب مجلة فورين بوليسي الأميركية، فإن هدف الصين الرئيسي من ذلك المشروع الضخم، هو تسهيل تجارتها مع 65 دولة، تتركز فيها نسبة 60% من سكان العالم.

وتتأتى أهمية ذلك المشروع من حجم الاستثمارات الكبيرة التي سيتم ضخها فيه، فقد بلغت التكلفة المبدئية له 250 مليار دولار، ومن المتوقع أن حجم الاستثمارات النهائية عند اكتمال المشروع سيبلغ ما يقرب من 4 تريليون دولار.

ومن المؤكد أن عدداً من الدول ستتعرض لخسائر في عوائد استغلالها لمراكزها الجغرافية واللوجستية المهمة من جراء تشغيل الخط الصيني، كما إن هناك بعض الدول التي من المتوقع أن تتماشى مصالحها الاقتصادية مع هذا المشروع.

إيران: استمرار السيطرة على مسار النفط الخليجي

تأتي إيران في مقدمة الدول التي لن تتأثر بالخط الصيني، فمن المعروف ان إيران تسيطر على مضيق هرمز، وهو المضيق الذي يشهد تدفق أكثر من 175 مليون برميل نفط يومياً، بنسبة تقترب من 40% من تجارة النفط العالمية.

ومن المعلوم أن الخط الصيني يقع بعيداً عن المضيق، كما أن نوعية البضائع التي يساهم في نقلها تختلف اختلافاً كاملاً عن النفط الذي يتم تصديره عبر مضيق هرمز.

وفي المستقبل القريب، يبدو أن هرمز سيحتفظ بمكانته أمام الخط الصيني، إذ لم تصدر أي تصريحات من جانب الشركة الصينية المنفذة تشير إلى امكانية إقامة محطات للطريق الجديد بالقرب من منطقة الخليج، وهو أمر بديهي وسط الحروب والقلاقل التي تشهدها المنطقة العربية.

على الجانب الآخر، ليس من البعيد أن تستغل إيران موقعها الجغرافي المتميّز، ووقوعها على شواطئ بحر قزوين، لتستغل مرور الخط الحديدي الصيني بالقرب من أراضيها، وأن تستفيد من علاقاتها الديبلوماسية المتميزة مع الصين من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى، في تسويق منتجاتها وسلعها عبر هذا الخط الجديد، وهو السيناريو الذي قد يكون متوقعاً في ظل الخلافات المتصاعدة ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتهديد واشنطن بإبقاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

دبي: المشاركة في المشروع والأرباح

من المتوقع ألا يتأثر ميناء جبل علي كثيراً بالخط الحديدي الصيني وذلك لكون الأول يعمل في ربط السلع الأجنبية بالأسواق الخليجية، والتي لا يمر فيها طريق الحرير حالياً.

ولكن في الوقت نفسه، فإن هناك مخاوف من تهديد الاستثمارات المستقبلية المنوي ضخها في الميناء، إذ أنه أعلن عن نية إدارة مواني دبي العالمية لرفع الطاقة الاستيعابية للميناء لتصل إلى 22.1 مليون حاوية بحلول عام 2018، وهو الأمر الذي قد تهدده إقامة طرق فرعية لطريق الحرير الرئيسي.

من جانب آخر فإن شركة مواني دبي العالمية قد تجاوزت المشكلات الجغرافية، وتعاملت مع الخط الحديدي الصيني بشكل براغماتي واقعي، بمشاركتها بشكل كبير في أعمال البنية التحتية للطريق الصيني الجديد.

فقد أعلنت إدارة الشركة في 16 يناير السابق، عن توقيعها اتفاقاً مع حكومة كازخستان لإقامة منطقة اقتصادية خاصة في مدينة أكتاو المطلة على بحر قزوين، وتزامن ذلك الإعلان مع كون كازخستان هي إحدى أهم المحطات الرئيسة في طريق الحرير الصيني إلى لندن.

ومعنى ذلك أن دبي تعمل على الاستثمار في ذلك المشروع المهم، وأنها من الممكن أن تعوّض أي خسائر محتملة عن طريق استغلال خبراتها الواسعة في تقديم المساعدات اللوجيستية لمحطات الطريق الصيني.

تركيا: محاولة اللحاق بالقطار الصيني

تركيا التي تنقسم أراضيها بين الجانبين الآسيوي والأوروبي، من الممكن أن تكون أحد أكثر المتضررين من مشروع طريق الحرير الصيني الجديد.
فالبلد صاحب الموقع الاستراتيجي المتميز، والذي يشرف على مضيقي البسفور والدردنيل الحيويين، كان قد نفّذ في 2013 مشروع مرمراي، والذي يتمثل في إنشاء نفق تحت مضيق البسفور ليكون حلقة وصل ما بين الشرق والغرب، أو بالأحرى ما بين العاصمة الصينية بكين والعاصمة الإنجليزية لندن.
منت تركيا نفسها بالحصول على مكاسب اقتصادية هائلة من ذلك المشروع، حتى أن رئيس الوزراء التركي حينذاك قد سماه “مشروع العصور”. ولكن يبدو أن حسابات الأتراك لم تتوافق مع مخططات المارد الصيني، فخط الحرير الصيني لم يمرّ عبر مشروع مرمراي، ولا عبر أي جزء واقع في الأراضي التركية، بل تجاوزها ليأخذ مساراً شمالياً موازياً، يمر بروسيا وروسيا البيضاء.
وتبقى الآمال التركية معلقة على أن تشارك في أحد المسارات الفرعية لطريق الحرير، تلك التي من المزمع إقامتها في المستقبل القريب.

قناة السويس: ما بين القلق من المنافسة والثقة في الإمكانيات

في أغسطس من عام 2015، تم افتتاح قناة السويس الجديدة التي كلفت ما يقرب من ثمانية مليارات دولار، وعقدت الحكومة المصرية آمالاً كبرى على رفع عوائد القناة من 5 مليارات إلى 13 مليار دولار في غضون خمسة أعوام. ولكن بدلاً من ان تتزايد تلك العوائد فوجئ المراقبون بتراجعها بمعدل كبير، وصل إلى 4.8% خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر من عام 2016، وكان ذلك التراجع بسبب بطء حركة التجارة العالمية وانهيار أسعار النفط في العالم.
وبالتزامن مع تلك المشكلات والصعوبات التي تواجه قناة السويس، يأتي تدشين خط السكك الحديدية الرابط ما بين الصين وإنجلترا، ليزيد من صعوبة التحديات التي قد تشهدها مكانة قناة السويس وليهدّد أهميتها الاقتصادية والتجارية في المستقبل القريب.
حيث يرى الكثير من الخبراء أن مصر ستضطر إلى تخفيض رسوم المرور في قناة السويس، بعدما ظهرت قنوات وممرات بديلة مثل قناة بنما التي جرت فيها أعمال توسعة وتعميق، وطريق بحر الشمال الذي يتميّز بقصر وقت الشحن، وطريق رأس الرجاء الصالح الذي رجع له جزء من أهميته القديمة لكونه أقل في تكلفة الشحن.
وربما لا يمثل خط الصين الجديد تحدياً مماثلاً ومساوياً للتحديات السابقة. فعلى سبيل المثال، قال المهندس علاء السعداوي الأمين العام للجمعية المصرية للنقل “إن قطار الصين-لندن لا يمكن أن يكون منافساً لقناة السويس، وهو مجرد مشروع للاستهلاك الإعلامي”.
قد يكون ذلك الرأي صائباً، إذا عرفنا أن الحمولة القصوى لقطار الصين، لا تتعدى الـ200 حاوية في الوقت الذي من الممكن أن تصل فيه الحمولة القصوى للمركب إلى 20 ألف حاوية، كما أن تكلفة النقل البحري أقل بـ25% عن تكلفة النقل البري.
هذا بالإضافة إلى أن قناة السويس ستظل الخيار الأكثر أماناً وسلامة لنقل النفط الخليجي، وذلك لما يعتري النقل النفطي البري عبر القطار من صعوبات ومشكلات تأمينية واقتصادية كبرى.
ومع ذلك فمن المؤكد أن القطار الصيني سيحرم قناة السويس من عوائد بعض السلع الصلبة المنقولة ما بين آسيا وأوروبا. وترى بعض الجهات المسؤولة في مصر أن نسبة تأثر قناة السويس من الخط الجديد لن تزيد عن الواحد في الألف.

باب المندب: حلم التنمية

مضيق باب المندب الذي يشهد مرور 7% من إجمالي حجم الملاحة العالمية، سوف يتأثر كثيراً بالتراجع المتوقع لمرور البضائع الهندية والصينية، ولكنه سيحافظ على مكانته كممر نفطي مهم لأن ناقلات النفط سوف تستمر في اتخاذه سبيلاً نحو قناة السويس.
ومن الممكن أن يعود مشروع الحزام والطريق بأثر إيجابي على المنطقة المحيطة بباب المندب، وبجيبوتي ومنطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص، وذلك في حالة إقامة المشروعات اللوجيستية الكبرى التي أبرمت الصين اتفاقياتها مع جيبوتي في عام 2014، والتي بلغت كلفتها 14.5 مليار دولار.
فلو تمت إقامة تلك المشروعات سيصبح باب المندب واحداً من أهم مراكز طريق الحرير الجديد، وسيعني ذلك مزيداً من التنمية لشرق القارة الأفريقية.

إسرائيل: هل تتعاون مع الصين؟

اعتادت إسرائيل في الأعوام الأخيرة على إطلاق بعض التصريحات الموسمية المتعلقة بنيّتها إقامة خط سكك حديدي يربط ما بين ميناء إيلات على البحر الأحمر ومدينة تل أبيب الواقعة على البحر المتوسط.
كما أن إسرائيل تعمل منذ عدة سنوات على تجهيز مشروع ميناء أشدود الذي من المتوقع أن يسفر عن قناة ملاحية تربط ما بين مدينتي إيلات وأشدود.
والحقيقة أنه لم يتم إنهاء أي من المشروعين حتى الآن، ولا يمكن الحكم على النتائج المرجوة والمتوقعة منهما في حال تنفيذهما، خصوصاً أن الكثير من المحللين يرون أن تلك المشاريع ليست أكثر من مشاريع إعلامية دعائية، ليس لها من غرض إلا تصدير الارتباك والقلق نحو الجارة المصرية، خوفاً من فقدان قناة السويس لمكانتها المنفردة في المنطقة.
ولكن من المهم ملاحظة أن جميع المشاريع التي تحاول إسرائيل أن تربط عن طريقها البحرين الأحمر والمتوسط، تعتمد في الأساس على وجود مشاركة فعالة من الجانب الصيني، وذلك سواء من حيث حجم الاستثمارات التي من المتوقع أن تضخها الصين في تلك المشروعات من جهة، أو من حيث تنفيذ الشركات الصينية ذات الخبرة لتلك المشروعات من جهة أخرى، وهو الأمر الذي قد يحمل نية إقامة تلك المشروعات كجزء لا يتجزأ من مشروع الحزام والطريق الصيني على المدى البعيد.

المصدر: رصيف22

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *