الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية / دراسات / التفكير كدريدا والتصرف كبوتين: “الواقعية الاحتمالية” في الأزمة السورية، من أستانة إلى جنيف

التفكير كدريدا والتصرف كبوتين: “الواقعية الاحتمالية” في الأزمة السورية، من أستانة إلى جنيف

بقلم: د.عقيل سعيد محفوض* — مثل مؤتمر أستانة الذي عقد في (23-24كانون الثاني/يناير 2017) بين وفدي الحكومة السورية والجماعات المسلحة برعاية روسيا وإيران وتركيا أهم حدث في الأزمة السورية بعد تحرير مدينة حلب. وقد تم عقد المؤتمر المذكور في ظل تقديرات متناقضة حول التقارب بين روسيا وتركيا، مقابل التباعد بين روسيا وإيران، مع تواتر الزيارات على خط دمشق – طهران.

ما هو الإطار المحدد لمؤتمر أستانة، وما هي رهانات فواعل عملية أستانة ككل، ولماذا برزت التناقضات بين مختلف الأطراف، وكيف تتعاطى روسيا وسورية معها، والأهم من كل ذلك، ما هي النتائج العميقة لعملية أستانة، وهل أقامت مرجعية جديدة تقطع مع مرجعية جنيف1، وكيف يمكن قراءة الحدث السوري على طريقة جاك دريدا، والتصرف على طريقة الرئيس فلاديمير بوتين، وهل روسيا وحدها من يقرأ دريدا؟

مؤتمر أستانة: مشاركون غير متحمسين
من الواضح أن أحداً من المشاركين في مؤتمر أستانة (23-24كانون الثاني/ يناير الجاري) لم يكن متحمساً كثيراً للذهاب إلى مدينة لم يكن الكثير منهم قد سمع بها من قبل، وربما عرفوا عنها بعد أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن عزم بلاده وإيران وتركيا الدعوة لعقد اجتماعات فيها بين وفدي الحكومة والجماعات المسلحة.
وربما كانت روسيا البلد الوحيد المتحمس لعقد مؤتمر في مدينة كانت قاعدة عسكرية للجيش الأحمر إبان الفترة السوفيتية السابقة، وقد كان انعقاده نجاحاً لجهودها وتسويقاً جيداً لصورتها كـ صانع سلام في العالم، من بوابة الأزمة السورية، ولو أن طائراتها كانت تواصل طلعاتها من أجل دعم الجيش السوري ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في دير الزور وفي جبهات أخرى في سورية.
وقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف -قبيل انعقاد المؤتمر- أن عملية أستانة يجب أن تنجح، وهو ما أجابه الجميع عليه أن نعم، وكانوا عند حسن ظنه، ربما من باب إظهار الالتزام تجاه بلاده بإنجاح مسعاها، في وقت بدت فيه موسكو اللاعب الرئيس في المشهد السوري، والوحيد الذي بإمكانه أن يجمع الأطراف المتصارعة، والفاعل النشط والقادر على ضبط التورط التركي في الأزمة السورية، وكذلك ضبط التوترات المتزايدة بين تركيا وإيران، حفاظاً على التوافق الذي أنتج إعلان موسكو (29 كانون الأول/ديسمبر الماضي)، على أمل أن يساعد المؤتمر في تثبيت وقف إطلاق النار، ومن ثم الدخول في الإجراءات التنفيذية للاتفاقين الآخرين الذين تم التوقيع عليهما والمتعلقين بوضع آلية لمراقبة وقف إطلاق النار، والإعداد لعقد مفاوضات حول التسوية السياسية.
أثارت الدعوة لمؤتمر أستانة تقديرات متفائلة تجاوزت كل التوقعات التي أثارتها لمؤتمرات السابقة في جنيف وميونخ وغيرها، إلا أن مخرجاته كانت الأكثر واقعية بينها، فقد بدأ اليوم الأول بإثارة المخاوف من العودة بالمشهد -على مستوى الخطاب السياسي- إلى “نقطة الصفر”، لأن الكلمات كانت متوترة ومتخندقة إلى حد كبير، وخرجت عن السياق المفترض أو المعلن عنه للمؤتمر، إذ جاء كلام رئيس وفد الجماعات المسلحة “استفزازياً” وخارج قواعد التخاطب المعتادة، وكانت ردة فعل الوفد الحكومي السوري وانتقاداته حادة أيضاً، ولو أن الموقف لم يصل لحد تهديد المؤتمر أو إقلاق أو إزعاج الراعي الرئيس له.

هواجس مركبة
لم يبدو موقف موسكو في عملية أستانة مطمئناً بالتمام للأطراف المشاركة، إذ ثمة هواجس لدى طهران من المسارات المحتملة للتفاهمات الروسية – التركية، وثمة هواجس لدى أنقرة من أن تؤدي الضغوط الإيرانية والسورية إلى تهديد تفاهماتها مع موسكو، وخاصةً أن مسار التقارب بين البلدين لم يتجاوز بعد عتبة النكوص الذي يمكن أن يجرّ عليها مخاطر يصعب توقعها. وأما ممثلو الجماعات المسلحة فقد جاؤوا إلى أستانة تحت جناح تركيا، ولو أن الجيش الروسي ساهم في إخراجهم مذلولين من حلب، ولا تزال الطائرات الروسية تحلق فوق رؤوسهم على مختلف الجبهات في سورية. وثمة هواجس لدى موسكو نفسها من أن يؤدي التباطؤ في حل الأزمة السورية إلى زيادة التوترات بين إيران وتركيا، بالإضافة إلى مخاوف من أن تبرز تحفظات أمريكية على العملية برمتها.
وقد قبلت دمشق بأن تكون أنقرة ضامنة للجماعات المسلحة وهي على يقين بأن الأخيرة لم تتوقف لحظة عن تمرير المال والسلاح والتدريب لتلك الجماعات في جبهات حلب وإدلب وريف حماه وجبال اللاذقية، كما جاءت تحفظات إيران على الدور التركي “في محلها”، والواقع أن إيران لم تعبر في انتقاداتها لتركيا عن هواجس إيرانية فحسب، وإنما عن هواجس سورية أيضاً، وقد حرص الطرفان على إيصال رسالتهما إلى موسكو بشكل واضح. وهذا لا يعني أن لدى دمشق وطهران قراءتان متطابقتان للحدث السوري وتداخلاته الإقليمية والدولية.

الواقعية الاحتمالية
تنطلق موسكو في التعاطي مع تعقيدات المسألة السورية مما يمكن أن نسميه “الواقعية الاحتمالية”، التي تركز على “القراءة التفكيكية” للحدث السوري، على طريقة الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ومن ثم التدخل على الواقع بنوع من “الهندسة الاستباقية” ومحاولة القبض على المسارات الاحتمالية الكامنة فيه، بمعنى العمل على تعزيز مسارات احتمالية بعينها، واحتواء مسارات احتمالية أخرى يمكن أن تتفتق عنها التطورات، أي التصرف على طريقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهكذا يمكن ضبط التجاذبات بين مختلف فواعل الأزمة السورية ليس بمنع انزلاقها نحو المزيد من التوتر والمواجهة فحسب، وإنما بتهيئة الظروف لتقُّبل مسارات بعينها قد لا تكون متشجعة لها الآن.
روسيا تعلم أن تركيا لم تتوقف عن التورط العسكري في سورية، إلا أنها تُفضِّل احتواءً تدريجياً للموقف، و”تشجع” تركيا على المزيد من التغيير، وتتعاطى مع إيران بكيفية مشابهة، ولكن باتجاه معاكس هذه المرة، أي أنها تحاول ضبط اندفاعتها و”تشجعها” على مراجعة رهاناتها بشأن سورية.
والواقع أن روسيا تتحس “بارومتر” السياسة السورية بشكل جيد، أي أنها تقرأه قراءة تفكيكية معمقة، وهي إذ تقدم كل أشكال الدعم والإسناد السياسي والعسكري، إلا أن شواغلها وأولوياتها لا تتطابق دوماً مع ما تريده دمشق، حتى في إدارة العمليات العسكرية، وربما أرادت دمشق مواصلة العمل العسكري لتحرير المزيد من الجغرافيا في ريف حلب وصولاً إلى الرقة ودير الزور، إلا أن موسكو فضلت التحول إلى السياسة معلنةً عن عملية أستانة، ومشجعةً دمشق على الانخراط فيها، مراعاة للتداخلات وربما التفاهمات الإقليمية والدولية.
وهكذا بدا الروس منذ الإعلان عن مؤتمر أستانة، بل منذ استعادة حلب، في موقف بين – بين، تقاربوا مع تركيا أكثر مما هو متوقع، ولم يهتموا كثيراً للتحفظات الإيرانية على سلوك تركيا على الأرض، وقال مركز المراقبة في حميميم أنه وجه ملاحظات للجيش السوري بشأن التزامه بوقف إطلاق النار، وزاد في الأمر التصريحات الروسية الصريحة حول أن موقف إيران من دعوة الولايات المتحدة لحضور المؤتمر غير بناء.
الصورة التي ظهر فيها الموقف الروسي شجعت تقديرات سياسية وإعلامية كثيرة بأن اختلاف المقاربة بين روسيا وإيران تجاه الأزمة السورية سوف يباعد بينهما، وأن تجليات ذلك بدأت تظهر علناً في المشهد السوري، كما أن الروس لم يطلبوا من تركيا رفع يدها عن نبع “عين الفيجة” بوادي بردي الذي لا تزال تسيطر عليه جماعات مسلحة موالية لها، والتي تقطع الماء عن ملايين المواطنين في دمشق الكبرى؛ علماً أن تركيا هي التي تعطل الاتفاق في تلك المنطقة، ولو تركت تلك الجماعات المسلحة وشأنها لكانت تمت التسوية هناك.

مرجعية أستانة
الواقع أن الروس ساهموا في إنتاج بيان ختامي عن مؤتمر أستانة تضمَّن صياغات لغوية مقبولة من الجميع، وتسمح بتأويلات تساعد كل طرف على أن يقول لجمهوره وحلفائه إنه قدَّم أفضل ما عنده، وأنجز أفضل ما يمكن، وربما يعِدُه بالمزيد. وهكذا قالت الأطراف أو الفواعل المشاركة إن المؤتمر كان ناجحاً، ليس لأن كل منها أدرج ما يريده في البيان فحسب، وإنما لأنه منعَ الطرفَ الآخر من أن يدرج فيه ما يريده (ذلك الطرف) أيضاً.
لكن روسيا لم تقف عند عقد المؤتمر، والواقع أنه لم يكن لديها أي توقعات سلبية بخصوص عقده من عدمه، فقد كانت مطمئنة لذلك، بل أن البيان الختامي مثَّل “وثيقة جديدة” لم تتضمن أي إشارة إلى “بيان جنيف” مستعيضةً عنها بإشارة عابرة إلى قرار مجلس الأمن 2254 الذي قيل إن وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف هو الذي أنجز صيغته الأولى.
ولم تنتظر موسكو طويلاً، فقد دعت وفد المجموعات المسلحة المشاركة في أستانة، وجماعات معارضة أخرى مما يعرف بمنصات القاهرة والرياض وحميميم ودمشق، بينهم قيادات كردية، لاجتماع في موسكو (27 كانون الثاني/ يناير الجاري) لمواصلة البحث في مخرجات أستانة وتمهيداً لجولة مفاوضات في جنيف من المقرر عقدها في 8 شباط/فبراير القادم.

ما بعد أستانة
مررت موسكو على لسان ألكسندر لافرينتييف مبعوث الرئيس الروسي الى سورية ورئيس الوفد الروسي إلى المفاوضات ما بدا أهم من بيان أستانة نفسه، إذ قال في مؤتمر صحفي مطول إن ثمة اتفاقاً بين بلاده وكل من إيران وتركيا على تنسيق الجهود فيما بينها لإنجاح عملية أستانة، وإن موسكو “سلمت لوفد المعارضة السورية مشروع الدستور الجديد الذي أعده الخبراء الروس”، وإن “عدَدَ مجموعاتِ المعارضة المسلحة السورية المستعدة للمشاركة في المفاوضات السورية يتزايد، والاتصالات المباشرة بين دمشق والمعارضة على الأرض تزايدت خلال الآونة الأخيرة”.

يتجاوز الرئيس فلاديمير بوتين في سياسته تجاه الأزمة السورية الفكرةَ التقليدية (التي كان تعلمها في الفترة السوفيتية) عن العلاقة بين الفكر والواقع إلى الفكرة الحداثية أو ما بعد الحداثية التي تقول ان الأفكار ليست وليدة الواقع أو ليست “بنية فوقية” فحسب، وإنما هي تخلق واقعاً ومن ثم فهي تمثل “بنية تحتية” أيضاً.
ولكن يجب أن نستدرك على ما سبق بالقول أن “الواقعية الاحتمالية” ليست حصرية بروسيا، لأن أطراف أستانة أو بالأحرى فواعل الأزمة السورية الآخرين ربما يفكرون بالطريقة نفسها، وكل يحاول أن يجعل من أفكاره ورهاناته واقعاً أو “بنية تحتية” أيضاً في إدارته للأزمة.

المصدر: مركز دمشق للأبحاث والدراسات

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا ومستقبل الأزمة السورية

 بقلم: سفيان توفيق — أخفت ملامح الحيرة والإضطراب و التشوّش الوجه الروسي عن التواجد في ساحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *