الإثنين , نوفمبر 20 2017
الرئيسية / مقالات / في ذِكرىّ تَحرير الخُرطُوم

في ذِكرىّ تَحرير الخُرطُوم

الخرطوم – د.محمـد عبدالرحمن عريـف — شُرفت بمشاركة أهل الشقيقة السودان بذكرى تحرير الخرطوم، والتي تعود جذورها عندما اشتد ساعد الثورة المهدية وتوالت انتصاراتها في دارفور وكردفان وشرق السودان.. عندها قررت بريطانيا إرسال الجنرال تشارلز غردون حاكمًا عامًا علي السودان.. غردون الذي ملأ الدنيا وشغل اهل بريطانيا بانتصاراته الباهرة لمصلحة الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.. والتي زخمت الآفاق امتدادًا من ارض الصين البعيدة والتي قمع فيها أكبر ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني وانتهاءًا بانتصارته التي سبقت بارض القرم في أقاصي أوربا.
لقد كانت مقدرة المهدي علي مخاطبة وتحريك الجماهير افضل مثال للبساطة والوضوح المطلوب.. في مجتمع معقد ومتعدد الأعراق والثقافات كما هو حال السودان في القرن التاسع عشر.. كانت الثورة المهدية تمثل نقطة التقاء لمطامح وامال عريضة لقوى قبلية واجتماعية وسياسية مختلفة قاومت الاحتلال الأجنبي. لقد كان لكاريزما القيادة عند المهدي الدور الأكبر في تجاوز تقاطعات تلك القوي واسترضاء اشتاتها المختلفة وتحقيق التجانس والانصهار بينها ثم الوحدة الوطنية ومن ثم الانتصار للثورة.
اما جنوبا.. وتحديدًا بداخل أسوار مدينة الخرطوم المحاصرة.. وعندما اشارت عقارب الساعة الي الحادية عشرة من مساء ٢٥ يناير ١٨٨٥.. كانت انامل الجنرال غردون المرتعشة تختط اخر اسطر مذكراته.. والتي جاء فيها: ”اذا لم تصل القوات البريطانية علي وجه السرعة، فان مدينة الخرطوم ستسقط في يد المهدي.. لقد فعلت كل ما بوسعي فعله من اجل شرف وكرامة بريطانيا… وداعًا.. وداعًا.. مخلصكم تشارلز غردون”… وفي تمام الثالثة من صباح ٢٦ يناير ١٨٨٥ عقد المهدي مجلس شوراه الأخير قبل تحرير الخرطوم مع الخلفاء وكبار الأمراء وخلص الاجتماع الي ضرورة الهجوم علي الخرطوم لتحريرها علي ضوء إصرار غردون علي عدم التسليم وحقن دماء الناس.. ولتتفرغ قوات الثورة المهدية لمواجهة حمله الانقاذ في الشمال.. وجمعت قوات المهدية للمهدي ليخاطبها قبل المعركة.
ويحلل المؤرخ البريطاني والمحلل العسكري دونالد فيثرستون أسباب انتصارات الثورة المهدية علي جيوش الاستعمار.. حيث يرجع ذلك لملكات المهدي القيادية وتخطيطه العسكري المتميز المستمد من اطلاعه ودرايته التامة بتاريخ حروب الاسلام الأولي ومقدرته علي اختيار ما يناسب ظروفه من تكتيكات عسكرية منها ويصف عبقرية تكتيكاته العسكرية في مواجهة الجيوش البريطانية.. بكلمات قصار موجزات..” لقد كان قادرًا علي الاستفادة من هذا الإرث في الصبر علي العدو والانتظار بتأن حتى تحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية.. لقد كان بارعًا في الاستفادة القصوي من لحظات الارتباك الكامل في صفوف عدوه.. ان المرء منا ليجد قرارته العسكرية والسياسية المصيرية -في معظم الأحيان- مصحوبة بحدسٍ عبقري قلما يخطئ” ثم يستطرد قائلًا.. ”لقد كانت تكتيكات الانصار العسكرية تعتمد علي عنصري المفاجأة والصدمة.. والإحاطة الدائرية بالعدو من اتجاهين“.. ولا يخفي فيثرستون اعجابه الشديد بفكر القادة العسكريين للمهدية حين يقول عنهم: ”علي الرغم من عدم تلقيهم تدريبا عسكريا نظاميا الا ان تكتيكاتهم العسكرية والقتالية المتأصلة قد جعلت منهم مقاتلين رائعين”.
لقد ظهرت أصداء انتصارات الثورة المهدية في العالم. ففي بريطانيا حلت اخبار الهزيمة المدوية التي تلقتها جيوش الامبراطورية التي لا تغرب الشمس في السودان ومقتل غردون.. كحلول الصاعقة تمامًا!. وينقل المؤرخ البريطاني روبن نيللاندز.. كيف وثق اللورد بونسونبي سكرتير الملكة فكتوريا الخاص لهذه اللحظات حينما كتب ليصف حال الملكة فكتوريا عند تلقيها تلك الأنباء.. ”لقد كانت في حالة سيئة تمامًا بعد سقوط الخرطوم وبدت كالمريض الذي كان طريح فراشه.. لقد كانت تتأهب للخروج للتو عندما أتانا تلغرافًا يحمل الأنباء.
اما عن أصداء تحرير الخرطوم وانتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا في شمال الوادي.. فقد كتب احمد عرابي من منفاه في مدينة كلمبو بجزيرة سريلانكا في ٢ مارس ١٨٨٥ خطابًا الي الليدي آن بلنت جاء فيه: ”لم تكسب بريطانيا شيئًا من محاولتها غزو السودان.. لقد خسرت كل شئ.. خسرت اسمها وسمعتها وخسرت كل المسلمين. لقد فقدت بريطانيا غردون وستيوارت وهكس وأيرل وكم وكم غيرهم من الضباط البريطانيين. كما فقدت ايضًا تعاطف كل القلوب بسبب حربها علي ثورة التحرر في السودان.. ان السودانيين الشجعان اخذوا بالثأر لاخوانهم المصريين وحموا بلادهم ضد الغزاة ومنهم رجال يفضلون ان يتجرّعوا كأس الموت علي ان يروا مستعمرًا دخيلًا عليهم داخل حدودهم. لقد بايع الشعب السوداني المهدي بالملايين علي الموت من اجل الحرية وكلما ازداد العدوان الانجليزي عليهم كلما ازدادت قوتهم“. وتتوافق رسالة احمد عرابي مع ما خلص اليه البروفيسور ريتشارد ديكميجيان ومارغريت وزموريسكي حيث قالا: ”لقد كان عرابي باشا من ابرز المتضامنين مع الثورة المهدية ضد البريطانيين وحلفائهم من الأتراك العثمانيين.. وقد عمل المهدي علي مبادلته بغردون قبل مقتل الأخير في الخرطوم.. كما كان ثناء الشيخ محمد عبده على المهدي وحركته ظاهرًا ومعروفًا تمامًا كمجاهرة الشيخ المصلح جمال الدين الافغاني بمساندته للثورة ايضًا.. ولو قدر للمهدي ان يعيش اكثر.. لكان من الممكن جدًا ان تشكل الحركة المهدية تهديدًا حقيقيًا على سيطرة بريطانيا على مصر“.
ومع توالي انتصارات الثورة المهدية في السودان كتب جمال الدين الافغاني ثلاثة مقالات نارية باللغة الفرنسية في صحيفة ( L intransigent )الفرنسية .. تعبر في مجملها عن اعجابه الشديد بالثورة التحررية السودانية وقائدها.. واتبع ذلك الافغاني بمقال مطول عن وصول أنباء انتصارات الثورة المهدية لقارة اسيا القصية.. ”وردت برقية من تاشكند(طشقند) إلى جريدة الساندر الإنجليزية مفادها أنه حصل اضطراب عظيم في أفكار المسلمين سكنة بخارى عندما سمعوا بانتصار أعراب السودان وظفرهم الأول وظهر فيهم داع جديد وهو الشيخ محمد احمد صاحب الحركة المهدية يحث على الحرب ومقاتلة الذين ينتهبون الأراضي الإسلامية لتوسيع ممالكهم”.. إلى ان يقول ”أن الدعوة المهدية في السودان لهذه الأوقات التي قام المسلمين فيها بأشباه الحوادث الماضية ستدعو إلى حركة عامة يصيح منها الشرقي بالغربي ويصعب على الإنجليزي وهو في مجراها أن يتنكب عنها دون ان تعروه هزة من مفزعاتها“.
في ذكرى هؤلاء الرجال البواسل الذين حرروا الوطن بوحدتهم واتفاق كلمتهم وزلزلوا عرش امبراطورية بريطانيا التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. حتى عاود هذا الوطن حرًا ابيًا كما كان.. لا نملك إلا أن نقول ستظل ذكرىّ تحرير الخرطوم براس وطني خالد.. وستبقى كاريزما المهدي حالة خاصة!؟.
* د.محمـد عبدالـرحمـن عريـف.. كاتب وباحــث في تاريخ العرب الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. عضو الاتحاد الدولي للمؤرخين.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *