الأربعاء , أغسطس 23 2017
الرئيسية / كتب / “اللعبة البعيدة المدى”: كيف أعاد أوباما تعريف دور أميركا في العالم؟

“اللعبة البعيدة المدى”: كيف أعاد أوباما تعريف دور أميركا في العالم؟

قراءة: هادي نعمة — يؤكّد الكاتب ديريك كوليت أنّ القوّة ليست أن تُـقلَّص الخيارات إلى حدّ لا يبقى معه إلّا الخيار العسكريّ؛ بل إنّها استعمال جميع المقدَّرات — من ديبلوماسية واقتصاد وعسكر – لبناء تحالف دوليّ لحلّ مشكلة، مشيراً إلى أن الاتفاق النووي مع إيران يمثّل شكلَ لعبة السياسة الخارجية البعيدة المدى.
يصف كوليت كتابه: “اللعبة البعيدة المدى”(The Long Game)؛ بأنه مقارَبة للأسُس الفكريّة التي قامت عليها السياسة الخارجية للرئيس السابق للولايات المتحدة، باراك أوباما. كان الكاتب أحدَ مدراء التخطيط الاستراتيجي في إدارة أوباما؛ ويسرد في كتابه عصارةَ تجربته مع الرئيس الذي خالف السياساتِ الخارجيةَ “الفاشلة” التي اعتمدتها بلادُه لسنوات طويلة، قبل تولّيه مقاليد الرئاسة. ويركّز الكاتب على أنّ العنصرَين البارزينِ في أسلوب أوباما في إدارة الأزمات؛ هو اعتمادُه المستمرّ للمقاربات الدولية ذات المفاعيل الإيجابية البعيدة المدى، وركونُه الدائم إلى الواقعية السياسية البعيدة عن المظاهر الاستعلائيّة “الفارغة”.

فلسفة السياسة عند أوباما
يقول الكاتب إنه في اجتماع في البيت الأبيض، في صيف العام 2011؛ قال أوباما للمجتمعِينَ: “منذ أحداث 11 أيلول(سبتمبر) ونحن نعيش فترة حرب… الآن لدينا فرصة لجعل الفترة المقبلة فترةَ سلام؛ فقد أثبتنا من قبلُ أنّنا أقوياء”. وأكمل قائلًا: “علينا إيجاد فرص للحلول، بتحدّي واقع المجتمع الدولي”.
أراد أوباما أن يجمع بين القوّة الاقتصادية لبلاده والسُّلطة العالمية التي تحظى بها؛ فهو بهذا يرمي إلى جعل دول العالم تحتـرم بلادَه لا لقوّتها العسكرية فحسب، بل كذلك لاقتصادها المتقدّم وحيويّتها الداخلية ومثالها الأخلاقيّ.
لقد عمل أوباما على تـنويع أساليب فـرض الولايات المتحدة تأثيرَها على العالم… فهو يعتمد ما يسمّيه الأكاديميون “الاستراتيجيا الكبرى”؛ وهي مجموعة أفكار هادفة وواضحة حيال ما ترنو الدولة إلى تحقيقه حول العالم، وكيفية الوصول إلى هذه الغايات. وهذا ما يسمّيه الكاتب “اللعبة البعيدة المدى” في سياسة أوباما.
ويشير الكاتب إلى أنّ البعض لا يشكّكون في سياسات أوباما فحسب، بل في نظرته إلى الولايات المتحدة برمّتها… هم يجزمون بأنّ أوباما شخصيّة “اعتـذارية” و”انهزامية” لا ثـقة لديها بإمكانات أميركا لإحداث تغييرات عالمية إيجابية. فيما يناقض آخرون هـذه النظرة، فيعتبرون أنّ أوباما مقدام في أسلوبه إلى درجة الإفراط في استخدام القوّة العشوائيّة التي تجعل من عهده ذا “إمبريالية” خارقة للقوانين.
فيستدرك الكاتب أنّ أوباما، إذن، شخصيّة تناقضيّة لدى النقّـاد: فهو تارة ينضح بالهشاشة والضعف (لدى مَن يراه كذلك)، والتردّد في اتخاذ القرارات؛ وأخرى يضرب عرض الحائط بالنُّظُم والقوانين ويتهوّر في ممارسة السياسة.
لكنّ الكاتب يعتقـد بأنّ ثمّة صورة أخرى بدأت تتشكّل في أذهان مَن يريدون أن ينظروا بعمق إلى سجلّ سياسة أوباما الخارجية، ومكانة الولايات المتحدة في العالم. ويرى أنّ عهد أوباما سيكون معيارًا يُقاس به أداءُ مَن سـيخلفونه في الرئاسة… فهو قد أعطى السياسة الأميركية أكثر من أيّ رئيس ديمقراطيّ منذ عهد جون كينيدي. لقد أعاد أوباما رسمَ معالمِ غـائـيّة السلطة الأميركية وممارستِها.
ويصف الكاتب أوباما بأنه يثمّن النقاشَ والتــشاور، ولا مشكلة لديه مع التعقيدات التي تواجهه، وكثير الشكّ حيال القرارات التي تسوقها إرادة الحلول القصيرة الأمد. إنّ أوباما، إذن، شخصيّة “نتائجيّة” تركّز على المآلات المنشودة في السياسة، غير آبهة بالمظاهر والشكليّات التي لا جدوى منها.
ولتحديد قراراته على نحو موزون، اعتمد أوباما منظومة خاصة في السياسة الخارجية البعيدة المدى؛ تقوم على ثماني خصال: التوازن، والاستدامة، والكبح، والدقّة، واللّاعِصْمة، والتشكيك، والاستثنائيّة.

أوباما يواجه سياسة بلاده
أراد أوباما، خلال عهده، تحويلَ ثقافة ممارسة السياسة، التي اعتبر أنها آلت إلى التشويش والعجـز. هذا يخصّ حيثيات السياسة الخارجية للدولة. واعتقد أوباما أنّ ذهنية الطبقة السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة ودوافعَها، كانت تشكّل العائق الرئيس لتطبيق استراتيجيا فعّالة بعيدة المدى.
لقد زخّمت معارضة أوباما لغزو العراق اندفاعتَه إلى واجهة السياسة الأميركية… وبلوَر قرارُه بأن يجاهر في الاحتجاج ضدّ الحرب، في العام 2002، وأظهر كلَّ ملامح العيوب الكامنة في الخطاب السائـد آنذاك حيال السياسة الخارجية للبلاد.
ويذكّـر الكاتب بخطاب لأوباما في العام 2007؛ قال فيه إنّ الشعب الأميركي تضلّـله وسائل الإعلام التي تحرّف الحقائق لصالح الوجهة السياسية الرامية إلى شنّ الحروب.
وينقل الكاتب تحديدَ أوباما لموقفه، في العام 2015، من الذهنية القائمة في سياسة بلاده قبل أن يتولّى هو الحُكمَ؛ فقد قال: “عندما أعلنت ترشيحي للرئاسة منذ ثماني سنوات، كنت من معارضي شنّ الحرب على العراق… وقلت آنذاك إنه ينبغي أن تتغيّر الذهنية التي تسودَ مقاربتنا لسياساتنا تجاه العالم، فهي ذهنية تركن إلى شنّ الحروب بدل السعي للحلول الديبلوماسية، وهي كذلك تفضّل الانفراد في التعاطي الدوليّ مع الأحداث بدل بناء التوافقات الدولية مع دول العالم… وهي ذهنية تبالغ في تضخيم التهديدات مناقِضَة تطميناتِ المعلومات الاستخبارية”.

استثمار أمني على المدى البعيد
لعقود طويلة، كانت علاقة الولايات المتحدة بمصر بمثابة حجر أساس للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. إلّا أنه مع خلع الرئيس حسني مبارك عن سدّة الحُكم، وجدت علاقة الولايات المتحدة بمصر إشكالية مزدوَجة. فقد أرادت إدارة أوباما دعمَ الثورة المصرية لتحقيق الحرية المنشودة والازدهار الاقتصادي، لكن في الوقت عينه، أرادت المحافظة على مصالحها الأمنية في المنطقة.
كان كلا الهدفَينِ أساسيًّا لدى سياسة أوباما في المنطقة. عملت الإدارة الأميركية على دعم القيادة المؤقتة التي تولّاها المشير محمد طنطاوي الذي أمّن لبلاده إجراء أوّل انتخابات رئاسية ديمقراطية. إلّا أنه في حزيران/يونيو 2012، تغيّر المشهد السياسيّ جذريًّا بتولّي القيادي في حركة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، مقاليد الرئاسة المصرية.
حاولت الولايات المتحدة دعمَ القيادة المصرية الجديدة. فقد كان مرسي غير ذي كفاءة في التعاطي مع التحديات الاقتصادية والأمنية الجسيمة. فقدّمت إدارة أوباما إرشادات حول السياسة الاقتصادية والإصلاحات الاجتماعية وكيفية هيكلة النظام لضمان صناعة قرارات تخدم مصلحة الأمن القوميّ المصري.
وفي منتصف العام 2013؛ بدا الاستقرار الداخلي المصريّ في خطر. فقد ارتكب محمد مرسي الخطأ تلوَ الآخر، راميًا بالملومة على غيره في المشاكل التي أخذت تتراكم في البلاد. فقد كان الاقتصاد في الحضيض، فيما كانت الحالة الأمنية آخذة في التدهور. يقول الكاتب إنه زار القاهرة أكثر من مرة للقاء قادة مصر العسكريين، ويذكر أنه وجد مصر عندها على شفير الانفجار. كانت المخاوف تتـزايد حيال التهديدات الإرهابية في سيناء، إذ تتـالت الهجمات ضدّ العناصر الأمنيّين المصريّينَ والسيّاح وعناصر حفظ السلام الدوليّين.
وكانت لدى إسرائيل حتى هواجس حيال الوضع الأمني في سيناء. وقد أخبر المسؤولون الإسرائيليون نظراءهم الأميركيين بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال التهديدات الآتية من الجماعات الإرهابية المستفحلة في سيناء. ومع صيف العام 2013؛ كانت الأوضاع في مصر آخذة في التردّي… فتدخّل العسكر ونُحّي الرئيس مرسي عن الحُكم، وفُرض النظام في البلاد.
لكن وزير الدفاع الأميركي، تشاك هاغل، كان قد طلب من قائد القوات المسلّحة المصرية، عبد الفتّاح السيسي بألّا يتدخّل في حُكم البلاد، بل أن يساعد مصر فحسب في الوصول إلى مصالحة سياسية. شـدّد هاغل للسيسي على ألّا يحذو حذو حسني مبارك؛ محذرًا إياه من أنّ أيّ احتكاك عنفيّ للقوات المسلّحة مع المتظاهرين الداعمين للرئيس محمد مرسي، أو مع قيادات حركة الإخوان المسلمين، سيؤثّر على علاقة الولايات المتحدة بمصر، بنحو قـد يوقف المساعـدات الأميركية للقوات المسلّحة المصرية.
لم يقتنع السيسي بما قاله هاغل له؛ معتبـرًا أنّ المصريينَ ما عادوا يطيقون عجز محمد مرسي في قيادة البلاد. رأى السيسي أنّ خطرًا وجوديًّا يتهدّد مصر، وخشي من أن تتحول البلاد إلى نظام إسلامي كما الحال في إيران، أو أن تغرق في الفوضى كما الحال في سوريا؛ وأراد الدعمَ من الإدارة الأميركية، بنحو يائس، ضدّ تهديد الخطر الإرهابي المستفحل في مصر.
عندما حلّ عبد الفتاح السيسي محلّ محمد مرسي؛ ألمّت أزمة كبرى بعلاقة مصر بالولايات المتحدة الأميركية لم يسبق لها مثيل منذ سبعينيات القرن العشرين، ووجدت إدارة أوباما نفسها أمام اختبار جديد.
أعرب أوباما عن عدم رضاه عن تصرف القيادة العسكرية المصرية، فألغى تدريبًا عسكريًّا مهمًّا كان لِيـنظّمه للجيش المصريّ، وأوقف إمداد الجيش المصري ببعض العتاد العسكريّ. إلّا أن أوباما قـرّر المحافظة على الدعم الذي عهدته المؤسسة العسكرية المصرية من الولايات المتحدة في الأمور الروتينية، بُغية إحكام القبضة النافذة للولايات المتحدة على قرارات النظام المصري الجديد، لإعادة مصر إلى جادة الديمقراطية، بحسب الكاتب.
لكن في العام 2015، قرّر أوباما إعادة السماح بإمداد المؤسسة العسكرية المصرية بالعتاد الحربيّ، الذي كان قد توقّف لسنة ونصف. فقد وجد أوباما أنّ إيقاف الإمداد لم يجدِ نفعًا، بل قد أصبح عبـئا على الأوضاع المصرية الداخلية.
وأعلن أوباما أنّه في صدد ترميم العلاقة العسكرية الأميركية بمصر، لا سيّما في خصوص محاربة الإرهاب وضمان أمن الحدود. وبمقدار 1.3 مليار دولار في السنة من الدعم العسكريّ لمصر، تكون مصر أكثر بلاد العالم حظوة من دعم الولايات المتحدة الأميركية، بعد إسرائيل.
يقول الكاتب إنه من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون مصر قوية وآمنة، وأن يكون الجيش المصري عصريًّا ومقتـدرًا. كذلك، إنه من مصلحة الولايات المتحدة أن تسود في مصر إصلاحاتٌ ديمقراطية وحريات عامة وحُكم القانون. ويلفت الكاتب إلى أن همّ الولايات المتحدة هو كيفية تموضعها لضمان دوام التأثير على قرارات القيادة المصرية.
ويضيف أنه بقدر تثمين مصر لدعم الولايات المتحدة لها؛ لا ينبغي أن تجبر الإدارة الأميركية نظيرتها المصرية على مرادها منها؛ وهذا هو السبب الذي حدا أوباما على إعادة إمداد الجيش المصري بالعتاد العسكريّ. وأنّ تحديث العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر هو أساس لضمان أن تظلّ العلاقة الأمنية بينهما – والتي خدمت المصالح الأميركية لسنوات طويلة – اسـتـثمارًا يستحق البذلَ على المدى البعيد.

“الاحتواء والتـلطيف”… للانتقال الممنهج للسلطة
يقول ديريك كوليت إنه ليس ثمة قضية امتحنت سياسة أوباما للمدى البعيد مثـلما فعلت الأزمة السورية. فما بدأ في العام 2011 على نحو جذوة ثورة من “الربيع العربي”، سرعان ما تحوّل إلى حجيم إقليميّ. ينقل الكاتب عن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، وصفها للأزمة السورية بالـ”مشكلة الخبيثة”. فهذه المشكلة استعصت على الحلول البسيطة، وجميعُ القرارات التي اتخِذت حيالها كانت قرارات سـيّئة. فإذا لم تفعل الولايات المتحدة حيال الأزمة شيئًا، ستحلّ الكارثة – بحسب الكاتب – في الشرق الأوسط؛ وإذا تدخّلت الولايات المتحدة عسكريًّا، فستقع في مستنقع كما حصل في العراق؛ وإذا أرسلت الولايات المتحدة المساعـدات إلى أفراد المعارضة، انتهت هذه المساعـدات إلى أيدي المتطرّفين الإرهابيين؛ وإذا استمرّت الولايات المتحدة بالديبلوماسية، فستلقى في وجهها “فيتـو” روسيًّا.
في بداية الأزمة، استقـرّ هـدف الإدارة الأميركية على تنحية الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة. يقول الكاتب إن إدارة أوباما ظنّت أنه سيحلّ بالأسد ما حلّ بحسني مبارك.
كانت الإشكالية لدى الولايات المتحدة تكمن في كيفية تحقيق هذا الهدف مع تجنّب مخاطر كبيرة وتكاليف باهظة… فقد أرادت إدارة أوباما أن تستحدث سياسة متوازنة ومستَـدامة تضمن المصالح الأميركية.
ولعلّ عبارة “انتقال ممنهَج للسلطة”، بحسب الكاتب، أفضل ما يعبّر عن مقاربة أوباما لمستقبل سوريا. فمع كون أوباما أراد رحيل الرئيس بشار الأسد، فإنه لم يرد أن تعمّ الفوضى وسفك الدماء.
وبعد الاتفاق مع روسيا حول نزع الأسلحة الكيمائية من أيدي النظام السوريّ، بات النظام شريكًا لا مفرّ منه للتخلّص من موجوداته الكيمائية. وعندما اكتملت تلك العملية في منتصف العام 2014، انتـفى أكبر العوائق للضغط على الأسد للرحيل.
وبما أن روسيا كانت داعمة لنظام الأسد، بالتالي صار رحيله ضرورة لإحداث أي تغيير في سوريا. وعندما سئل أوباما في العام 2013 ما عساه يفعل حيال الأزمة السورية؛ قال: “هل سيكون للتدخل العسكري أي تأثير؟ كيف سيؤثـر التدخل العسكري في سوريا على قدرتنا على دعم جنودنا الذي لا يزالون في أفغانستان؟ وما ستكون عواقب تدخّلنا على الأرض في سوريا؟… هل سيستثير المزيدَ من العنف أو حتى استعمالَ الأسلحة الكيمائية؟ ما الذي سيقدّم أفضل إمكانية لقيام نظام مستقرّ بعد رحيل الأسد؟”.
حذّر أوباما من أن التـدخل العسكري الأميركي على الأرض في سوريا قـد يجعل الأوضاع أكثر سوءًا… ما يعني أنّه سـيؤدّي إلى الحرب الرابعة في بلد مسلم في سياق عشر سنوات.
يقول الكاتب إن بتدخّل الولايات المتحدة في أزمة كالأزمة السورية، ستلقى إدارة أوباما حركات مقاومة مندفعة عقيديًّا ووطنيًّا؛ ما سيؤدّي بالتالي إلى احتلال أميركيّ مستطير وصعب، وهذا سيحصد العديد من الأرواح في صفوف الجيش الأميركي والمدنيين.
ويرى ديريك كوليت أن إدارة أوباما وجدت نفسها في وضع غير مريح؛ فقد كانت تريد رحيل الأسد، لكن من دون أن يستتبع ذلك تدخّلًا عسكريًا أميركيًا. ومع بروز ملامح حلّ من خلال الديبلوماسية، بدا واضحًا أنه لن يكون انتقال سياسيّ ممنهَج للحُكم من دون وجود الأسد.
وإذا كان الهدف السياسيّ في خصوص الأزمة السورية “انتقالًا ممنهجًا” للسلطة؛ فيجب ابتغاءُ هدفٍ إضافيّ… هو “الاحتواء والتلطيف”. يقول الكاتب إنه مثـلما يتعاطى الطبيب مع داء السرطان، حاولت الإدارة الأميركية تلطيف العوارض الجانبية وتجنّب استفحال الأزمة، في حين البحث عن حلّ دائم… كان يجب خلق المكان والزمان الملائمَين لحصول “انتقال ممنهَج” للسلطة.
وجدت إدارة أوباما أنه ينبغي احتواء الأزمة، فلا تهدِّدَ شركاءَ الولايات المتحدة المقرّبينَ، المجاورين لسوريا، لا سيما إسرائيل والأردن وتركيا؛ كما ينبغي تجنّب عدم الاستقرار الإقليميّ. كذلك؛ سعت الإدارة الأميركية إلى إيجاد إجراءات تلطيفية تخفّف من تـداعيات الأزمة السورية، سواء من خلال مقاربة الطوارئ الإنسانية التي سبّبها نزوح الملايين، أو تخفيف المعاناة الكبيرة التي ألمّت بمَن بقي داخل سوريا.
كانت المساعدات الإنسانية التجلّي الأكبر لهذه الاستراتيجيا. فمع نهاية العام 2015، كانت الولايات المتحدة قد أمّنت أكثر من 4.5 مليار دولار مساعداتٍ للذين نزحوا داخل سوريا، وللاجئين الذين حلّوا في البلدان المجاورة.
عمدت الإدارة الأميركية كذلك إلى دعم شركائها المجاورين لسوريا، من خلال مدّهم بالعتاد العسكريّ، وبناء قدرة استيعابهم للاجئين إلى أراضيهم، وردع نظام الأسد عن مهاجمتهم. إلى ذلك؛ حاولت إدارة أوباما أن تقوّي وتدعم المعارضين المسلّحين.
كانت التحديات كبيرة. فقد كانت المعارضة السورية منقسمة وذات قيادة هـشّة، والقليل من التنظيم، وخصومات داخلية مريرة. وكان أفراد المعارضة السورية مستهدَفين على الدوام من قِبَلِ النظام السوريّ المدعوم من روسيا وإيران.
ولدعم المعارضة السورية، أفاضت جهات إقليمية – لا سيما السعودية وقطر والأتراك – المواردَ، من مال وسلاح، إلى سوريا؛ راجية أن تبقى المعارضة صامدةً في وجه نظام الأسد.
ويسأل الكاتب: “كيف كان لنا أن نضمن ألّا تستخدم المعارضة السلاحَ بالطُّرُق غير السليمة— بارتكاب مخالفات لحقوق الإنسان أو حتى جرائم حرب؟! وهل كان إمدادنا للمعارضة بالسلاح مقدِّمةً لتورّطنا في تدخّل واسع النطاق في سوريا؟”.
لم يكن الرئيس أوباما يخطّط لحرب جديدة تشنّها بلاده في الشرق الأوسط، عندما تولّى قيادة أميركا.
ومع مرور الوقت، بدت المعارضة في حال أسوأ. وفي ربيع العام 2014، قررت إدارة أوباما زيادة دعمها للمعارضة، فشرعت في برنامج تسليح وتدريب معارضين سوريين ضدّ خطر منظمات إرهابية تحديدًا، لا ضدّ نظام الأسد.
استنتج أوباما أنّ سياسة “الاحتواء والتلطيف” لن تنجح من دون تسليح المعارضة السورية، بسبب التهديد المتزايد من المجموعات الإرهابية “الجهادية”، ولا سيما داعش. الكل أجمعوا على أنه ينبغي أن يكون ثمة قوّات راجلة على الأرض في سوريا؛ لكن مع عدول الولايات المتحدة والأوروبيين ودول عربية عن إرسال جنودها، لم يكن ثمّة بديل عن تدريب السوريين.

سياسة أوباما هزمت سياسة بوش
من بين جميع القضايا التي ورثها باراك أوباما عن سلفه جورج بوش، كان أكثر عزمًا على محاولة مقاربة جديدة مع قضية الملف النوويّ الإيراني. يقول الكاتب إنّ إدارة الرئيس بوش لم تُبقِ الكثير من الأدوات السياسية لردع طهران عن تطوير برنامج نوويّ حربيّ؛ فإن خطاب “محوَر الشرّ” (الذي اعتمده بوش) بدا في الظاهر قويًّا، لكنه كان فعليًّا بمثابة حَشرٍ للولايات المتحدة في الزاوية مقيَّدةً!
وإذا كان لإيران أن تمتلك سلاحًا نوويًّا، فسيكون عندئذٍ، بحسب الكاتب، تغييرٌ نوعيٌّ في اللعبة الإقليمية في الشرق الأوسط… وسيُهدَّد أمن حلفاءُ الولايات المتحدة، ما سيؤدّي إلى سباق تسلّح نوويّ إقليميّ.
اعتمد أوباما سياسة ذات شـقّين؛ هما التقارب والضغط. فقد اعتبر أوباما أنّه إذا امتنعت الولايات المتحدة عن التقارب مع إيران وإجراء محادثات بنّاءة، فستكون بذلك قد منحت اليد العليا لإيران عليها، من خلال تظهير نفسها (أي الولايات المتحدة) على أنها سبب المشكلة؛ ما سيصعّب حشدَها للقِوى العالمية للضغط على إيران.
إذن؛ من خلال سياسة التقارب، تضع الولايات المتحدة المسؤوليةَ على إيران لإثبات أنها تسعى لبرنامج نووي لأغراض سلميّة. بهذه الطريقة، تضمن الولايات المتحدة أن تكون لها هي اليد العليا على إيران. وهذا نموذج “اللعبة البعيدة المدى”، الذي امتهنه أوباما… وفيه يتأتى النجاح بطريقة تدريجية في سياق فترة طويلة.
وجّه أوباما خطابه مباشرة إلى الشعب الإيراني، وبعث برسائلَ إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران يعرض عليه تحسين العلاقات؛ وللمرة الأولى منذ عقود، سمح أوباما لكبار الديبلوماسيين الأميركيين بالاجتماع بنظرائهم الإيرانيين على حدة لمناقشة الحلول الممكنة. إلّا أنّ الإيرانيين صدّوا سياسة الانفتاح هذه التي اعتمدها أوباما، مستمرّينَ في الخطاب المعادي للولايات المتحدة.
فكان عزوف إيران عن التجاوب مع المسعى الأميركي سببًا في إرساء الأرضية التي عليها بنى أوباما ضغوطه على إيران. فكان الضغط الاقتصادي، ساعتئذٍ، أساسَ سياسة أوباما تجاه طهران. ومع نهاية العام 2009، كانت إدارة أوباما قد شرعت في مسعًى ديبلوماسيّ مكثّـف لفرض عقوبات دولية جديدة ضدّ إيران؛ ما صعّب على إيران إجراء التجارة والصيرفة عالميًّا.
كانت لهذه الخطوة الأميركية آثار عميقة، بحسب الكاتب، على الاقتصاد الإيراني. فقد ازداد التضخّم في إيران بأكثر من 40 بالمئة، وهبطت قيمة العملة الإيرانيّة في السوق العالمية.
وأخيرًا صار للولايات المتحدة اليدُ العليا على إيران. ويقول الكاتب إنه فيما كانت الإدارة الأميركية ترجو أن تكون الديبلوماسية والعقوبات الاقتصادية كافيتَـيِنِ لردع الخطر الإيراني (من المنظور الأميركي)؛ فقد احتاجت الولايات المتحدة كذلك إلى ضمانة لا يؤمّنها إلّا الأسلوب العسكري.
فعزّزت وزارة الدفاع الأميركية قدراتِها العسكرية في الخليج الفارسيّ وحولَه، بـ35 ألف جنديّ ومعهم أكثر الطائرات الحربية تطوّرًا وأكثر من 40 بارجة حربية.
ولقد بدأت سياسة التقارب والضغط على إيران تؤتي ثمارًا خلال ولاية أوباما الثانية، فيما تزايدت وتيرة المفاوضات بين الولايات المتحدة (ومعها الدول الـ4+1) وإيران. وعندما انتهت المحادثات في تمّوز/يوليو 2015، كانت النتيجة إنجازًا تاريخيًّا وأحدَ أكثر التعهّدات المترتّبة بنسَق غير مباشر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية؛ شأنه شأن انفتاح الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون على الصين في العام 1972، ووساطة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر لاتفاقية كامب دايفد للسلام بين مصر وإسرائيل في العام 1978.
لقد استطاعت الولايات المتحدة، من خلال الديبلوماسية، تحقيق ما عجز عنه اعتمادُ القوة. فقد تمّ الاتفاق النووي الإيراني بدعمٍ من الشركاء المقرّبينَ من الولايات المتحدة، إلى جانب روسيا والصين. ويقول الكاتب إنّ أوباما اعتبر أنَّ هذا الاتفاق عزّز صحة سياسته الخارجية.
ولقد كانت استراتيجيا أوباما تجاه إيران النقيضَ لسياسة سلفه جورج بوش الإبن حيال العراق في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001. يقول الكاتب إنّ كلتا الدولتين (إيران والعراق) كانت قوّةً إقليمية مهيمنة تسعى لزيادة سلطانها عن طريق أسلحة الدمار الشامل؛ إلّا أنه فيما اختار بوش الحلّ العسكريّ تجاه العراق، اختار باراك أوباما الديبلوماسية والدوافعَ الاقتصادية وضغطَ التهديد العسكريّ تجاه إيران.
كذلك؛ أظهر الاتفاق النووي مع إيران التناقضات بين أسلوب القيادة لدى بوش وأوباما؛ فقد اعتمد بوش الشروع عسكريًّا في العراق من دون حلفاء الولايات المتحدة، بينما اعتمد أوباما إعادة التموضع وبناء النفوذ وحشد دعم الدولي في سبيل هدف مشتـرَك.
إلى ذلك؛ كانت نتيجة الديبلوماسية الأميركية تجاه إيران، وجودًا عسكريًّا جوهريًّا ومستدامًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ كما سمحت بالإفراج عن أميركيين سجناء في إيران، مثـل الصحافي في جريدة “واشنطن بوست”، جايسن رضيان.
ويذكر الكاتب أنّ أوباما أكّـد – وهو محقّ – أنّ الذين عارضوا الاتفاق النووي مع إيران، هم أنفسهم الذين روّجوا للحرب ضدّ العراق. ويجزم بأنّ الفارق الجوهريّ بين سياستَي بوش وأوباما؛ هو في تعريف مفهوم “القوّة الأميركية” وكيفية ممارستها.
ويؤكّد كوليت أنّ القوّة ليست أن تُـقلَّص الخيارات إلى حدّ لا يبقى معه إلّا الخيار العسكريّ؛ بل إنّها استعمال جميع المقدَّرات — من ديبلوماسية واقتصاد وعسكر – لبناء تحالف دوليّ لحلّ مشكلة. والقوة كذلك هي أن تَحضُـرَ الثـقةُ والصبرُ والإصرار على تنفيذ استراتيجيا على مدى سنين عـدّة وفي قبال عوائق عـدّة.
إنّ الاتفاق النووي مع إيران يمثّل شكلَ لعبة السياسة الخارجية البعيدة المدى.

المصدر: الميادين نت

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

يهود البلاد العربية

مراجعة: محمد يسري أبو هدور– ولدت المؤلفة خيرية قاسمية في حيفا سنة 1936، وحصلت على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *