الأحد , أغسطس 20 2017
الرئيسية / كتب / رحلة البحث عن الذات في “الحياة السائلة”

رحلة البحث عن الذات في “الحياة السائلة”

قراءة: محمد يسري أبو هدور — في هذا الكتاب “الحياة السائلة” يواصل عالم الاجتماع البولندي الكبير زيغمونت باومان، رحلته الممتعة، في سبيل البحث عن مظاهر وتجلّيات وتأثيرات الحداثة السائلة التي نعيش فيها. ويعتبر هذا الكتاب، واحداً من أجزاء سلسلة السوائل التي تناولنا عدداً منها في مقالات ومراجعات سابقة.

رحلة البحث عن الذات
أحد أهم المواضيع التي يحاول باومان أن يناقشها في هذا الكتاب، هو أن يصل إلى الفروقات الأساسية المميزة ما بين الأفراد وبين بعضهم البعض في عالمنا المعاصر.
يفرق باومان بدايةً، ما بين الفرد والجماعة، فيقول إن التعريف البسيط لكونك فرداً هو (أنك لا تشبه غيرك). الفردية إذن تتأتى من التفرد والتمايز والانفصال عن العالم المحيط.
ويلاحظ باومان أنه حتى النصوص الدينية التي تناولت الذات الإلهية قد انتبهت إلى خطورة مسألة التفرد، فعملت على وصفه بالتفرد المطلق، وحرصت على عدم تشبيهه بأي كائن أو مخلوق.
من ذلك الوصف الذي وصف به (يهوه) إله بني إسرائيل نفسه، عندما سأله موسى عمن يكون، فقال يهوه لموسى –بحسب ما ورد في العهد القديم- “أهيه الذي أهيه”، وهي الجملة التي تعني (أنا هو الذي أنا)، في إشارة إلى عجز الكلمات عن نقل معاني التفرد المطلق.
يرى باومان أن المجتمع هو الذي يطلب ويلح على الأفراد لكي يصبحوا (متفردين)، وذلك من خلال مطالبتهم بشكل مستمر بتقديم الأدلة والبراهين التي تثبت اختلافهم عن غيرهم، ومن هنا يصبح تحقيق التفرد (امتثالاً لطلب المجتمع، الذي لا يجرؤ أحد على الانشقاق عنه ولا الاختلاف عليه).
فالشرط الرئيس الذي يفرضه المجتمع عليك لكي تنضم إليه وتصير عضواً من أعضائه، هو أن تكون منفرداً ومختلفاً عنه بشكل ما، حتى يكون لانضمامك إليه قيمة واعتبار.
قد تكون العبارة السابقة غامضة بعض الشيء، أو يظهر منها احتمالها لمعاني متضادة أو متناقضة، ولكن في الحقيقة، فإن باومان يؤكد على منطقيتها وموضوعيتها.
فالمجتمع في حاجة إلى فردية الفرد وتميّزه، حتى يصير هناك نوع من التكامل، وفي نفس الوقت يحتاج المجتمع إلى أن يدخل الفرد في نطاق المجتمع من حيث القوانين والأعراف العامة، تلك التي يُطلق عليها باومان اسم (الاستراتيجية الكبرى للحياة)، بحيث يمكن أن يستخدم المجتمع حينها (رموزاً مشتركة يسهل إدراكها وقراءتها في ما بين أعضاء المجتمع… فليس هناك من اختيار فردي في قضية الفردية، ولا صراع داخلي على صورة أكون أو لا أكون).
ويؤكد باومان أن قضية الإنسان الرئيسة وشغله الشاغل في عالم اليوم، هو أن يبحث داخل نفسه وكينونته عن ذاته الحقيقية، تلك التي تُبرز تفرده وتميّزه عمن يحيطون به، وذلك لأنه بواسطة هذا (المفتاح) فقط دون غيره، يستطيع أن يفتح باب الولوج الحقيقي إلى المنظومة الاجتماعية.
وفي أثناء رحلة البحث عن الذات المتميزة المتفردة، يبدأ كل انسان في الانتباه إلى (مشاعره الخاصة)، والتي هي أحد أهم تجلّيات ومظاهر التفرد الإنساني، وذلك أن المشاعر (مختلفة عن العقل المجرد غير المتحيز الذي تشترك فيه البشرية جميعها أو على الأقل يمكن أن تتشاركه… فالمشاعر خاصة بكل فرد ولا يمكن أن تجرّد من السمات الشخصية… ولذا فهي تبدو موطناً طبيعياً لكل ما هو خاص وفردي باقتدار، فالمشاعر ذاتية بطبيعتها، ومن ثم فهي خلاصة التفرد).
ولكن موضوع استكشاف الذات ليس بتلك البساطة، فمن الصعب أن يصل الإنسان إلى المشاعر الحقيقية المرتبطة بذاته، ومن هنا ظهر في كل مجتمع مجموعة من الأفراد الذين ادعوا امتلاك القدرة على مساعدة الإنسان في الوصول إلى حقيقة نفسه، وذلك في مقابل مبالغ مالية باهظة بالطبع.

ولكن هل ساعد هؤلاء الأفراد على تمييز صفاتهم الفردية فعلاً؟
يؤكد باومان عكس ذلك، فالبرامج الحوارية المعدة لمساعدة الناس على استكشاف ذواتهم الأصلية (تدفع الناس في الغالب إلى التفكير بطرق أيديولوجية مؤسسي البرنامج، ومن ثم فإن كثيراً ممن يبدؤون البرنامج وهم يعتقدون أن حياتهم فارغة وبلا هدف يشعرون في منتصف البرنامج بأنهم تائهون أو بأنهم لا أمل فيهم مهما بذلوا من جهد).
يفسّر باومان ذلك، بكون تلك البرامج هي في حقيقتها متسقة مع روح عصر الحداثة السائلة، الذي يرتكز في أسلوبه على الأنماط الاقتصادية الاستهلاكية، تلك التي تعمل على التسويق بـ(الجملة) وبشكل جماعي لتقليل التكلفة وتعظيم العوائد والفوائد، وتلك الطريقة الاستهلاكية تتعارض وتتضاد بشكل كامل مع طبيعة (السمات الفردية الشخصية الأصيلة)، لأنها سمات تعتمد على الندرة ولا تنجح معها الأساليب التعميمية الجماعية.
ويحاول باومان في بحثه، أن يتعقب التطور الفيلولوجي لمصطلح الفردية، فيقول إن مصطلح فرد Individual، قد ظهر لأول مرة في وعي المجتمع الغربي في القرن السابع عشر.
كانت كلمة فرد في تلك الأونة، تشير إلى وحدة تكوينية صغيرة، بل متناهية في الصغر، بحيث لا يمكن أن تتم تجزئتها إلى وحدة أصغر منها، (فالإنسان الفرد هو الوحدة الصغرى التي يمكن أن نطلق عليها صفة البشرية، مثل ذرة الأوكسجين باعتبارها الوحدة الصغرى التي يمكن أن نطلق عليها سمات هذا العنصر الكيميائي).
ومن هنا، فإن باومان يخلص إلى أن مصطلح الفردية في تلك الأوقات، كان يعني “نوعاً من الهوية المتناهية في الخصوصية).
ولكن كل هذا تغير بشكل كبير في عصر الحداثة السائلة، ذلك العصر الذي شهد ثورة علمية هائلة فيما يتعلق علوم “النانو تكنولوجي” وا”لفيمتو ثانية”، حيث يؤكد باومان أن مصطلح الفرد في الحاضر، قد أضحى مكافئاً لفكرة (الذرة) في الفيزياء، وهي تشير إلى بنية معقدة غير متجانسة من العناصر الدقيقة.
ومعنى ذلك أن مصطلح الفرد قد أضحى مصطلحاً قابلاً للتجزئة والتفكيك والفصل، كما أن ذلك يعني أن العناصر الفرعية المكونة للفردية، قد أصبحت مرتبطة ببعضها البعض بروابط هشة بسيطة ضعيفة، بحيث يمكن إزالتها في أي وقت بسهولة مطلقة.
ثم يتناول باومان الجانب الأخلاقي المرتبط بالفردية في العصر الحالي، فيقول إن الفردية قد أصبحت بديلة عن الكثير من الجوانب التي كانت تضطلع بها الجماعية قبل ذلك.
فقد أصبح الفرد مسؤولاً بشكل كامل عن أي (فضائل أو رذائل) مرتبطة به، ففي وسعه -إن شاء-أن يقوّي فضائله ويحسّنها، كما أن بإمكانه أيضاً أن يقف ضد تنامي رذائله ويقوّضها.
ومن هنا فإن الفرد قد أصبح أمام قائمة طويلة من الخيارات، وهو وحده من يستطيع الانتقاء منها.

كيف استفاد النمط الاستهلاكي من ذلك؟

يعرض باومان كلمات إعلان تجاري بسيط لمشروب “البيبسي”، متخذاً منه وسيلة للتعرف على الكيفية التي استفادت منها الأنماط الاستهلاكية بالتعديل الحداثي للفردية.
يقول الإعلان (كن على طبيعتك واختر مشروب البيبسي).
إعلان بسيط جداً، ولكن باومان الذي اعتاد على تفكيك وتحليل ما درج الناس على اعتباره بسيطاً، يرى أن الإعلان قد أظهر الصراع الكبير الذي يشهده الإنسان المعاصر في سبيل البحث عن صفات وسمات تفرده، حتى صارت تلك العملية، أحد أهم المحركات الرئيسة لعمليات الإنتاج والاستهلاك.
فالإعلان قام بربط (المنتج/ البيبسي) بطبيعتك والتي تعبّر عن أعمق أعماق ذاتك من ناحية، وتشي بتفردك وتميّزك عمن هم غيرك من ناحية أخرى.
فالبحث عن صفات التفرد، استلزم ظهور عدد من الرموز الجديدة، التي يسترشد بها الأفراد بشكل وقتي آني، حتى إذا ما أدت تلك الرموز مهمتها بنجاح، توارت جانباً لتظهر رموز أخرى بديلة لها، وهكذا يظل الإنسان في رحلة شقاء أبدية للبحث عن الرموز التي يظن أنها تعبّر عن ذاته.
ومن هنا فإن النمط الاستهلاكي الحداثي قد اعتاد أن يفرق ما بين (الحديث) و(الأحدث)، وأن يفرق ما بين سلعة الأمس (التي صارت قديمة) وسلعة اليوم (التي أصبحت حديثة ولكن لأمد بسيط، سرعان ما تضحى بعده قديمة).
يحاول باومان أن يشبّه ذلك السباق المحموم، بالسباق الذي يجري ما بين مجموعة من العدائين المختلفين، طموح كل منهما لا ينحصر في أن يكون الأول بقدر ما هو أن يسبق الآخرين ويثبت اختلافه عنهم.
ومن الطبيعي أن يحتاج كل عداء في السباق إلى حذاء جيد للاستمرار في السباق والمنافسة بشكل حقيقي.
السباق هنا هو الحياة، والعداؤون هم جميع الناس، أما الحذاء الجيد، فهو الأموال التي ستمكّن الأفراد من مواصلة السباق واللحاق بكل الرموز الاستهلاكية المساعدة، تلك التي ستطل برأسها مغوية من يراها في كل مرحلة من مراحل السباق الطويل.
هذا السباق سوف يشهد بطبيعة الحال، فائزين مسرورين وخاسرين ناقمين ساخطين على المنظومة ككل.
المشكلة الرئيسة –بحسب باومان-أن هناك فجوة كبيرة فاصلة ما بين الفائزين والخاسرين، وأن تلك الفجوة تزداد باطراد في كل يوم عن اليوم الذي يسبقه.
الخاسرون دائماً سوف يحاولون رفض اللعبة، ورفض معاييرها وشروطها وجميع القوانين والأحكام والأعراف المرتبطة بها، وسوف يحاولون الالتجاء إلى منظومة بديلة تتيح لهم فرص المكسب أو الخيارات العادلة.
ويرى باومان أن (الأصولية) هي أحد تلك المنظومات البديلة في عالم اليوم. (فالأصولية، بمعنى التشبّث بهوية موروثة أو مسندة، ابنة طبيعية وشرعية لسيرورة النزعة الفردية المفروضة على أنحاء الكوكب كافة).
ويدلل باومان على صدق مقالته، بقول وليام كافانو (إن معتقدات جيم جونز وأسامة بن لادن عن العالم هي جزء مهم من مشكلة العنف في القرن الحادي والعشرين، ولا يقل عن ذلك أهمية الحماسة التبشيرية التي يُعرض بها على عالم جائع، أو تُفرض عليه، كل من التجارة الحرة والديموقراطية الليبرالية والهيمنة الأميركية).
الشهداء والأبطال والمشاهير
ناقش باومان بعد ذلك فكرة الأبطال وعلاقاتهم بالمجتمعات، فيرى أن فكرة الشهداء الذين يضحون بأنفسهم في سبيل نصرة قضية ما أو رمز معيّن يؤمنون به إيماناً مطلقاً، هي في حقيقتها فكرة تعود إلى عصور تاريخية عتيقة موغلة في القدم.
ففكرة الشهادة ارتبطت بالأديان ما بعد الإبراهيمية، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، والحض والتشجيع على الاستشهاد في سبيل الفكرة موجود بكثرة في النصوص المقدسة التي تعود إلى تلك الأديان.
يرى باومان أن تلك الفكرة لم تعد صالحة في عصر “الحداثة السائلة”، فلا أحد في المجتمع الغربي الحالي يتقبل أن يموت في سبيل الدفاع عن فكرة ما، ولا يوجد من هو على استعداد للتضحية في سبيل الدفاع عن (جورج بوش أو توني بلير أو جاك شيراك أو أي من زعماء الدول الغربية الحاليين).
السبب الرئيس في ذلك الاختلاف، بحسب باومان، هو أن معايير النفع والخسارة قد تغيرت وتبدلت ما بين تلك العصور القديمة وحاضرنا المعاصر، فالشهداء كانوا ينظرون إلى تضحياتهم على كونها طريقاً للتحرر الروحي والتكفير عن ذنوبهم التي اقترفوها في حياتهم، ومعبراً لازماً للولوج إلى الجنة الطوباوية التي لطالما حلموا بها وتمنّوها وأمنوا بها واعتقدوا فيها. أما الأفراد في عالم اليوم فلا يقيّمون الأفعال بتلك القيم والمعايير الغيبية، فالعالم الاستهلاكي الذي نعيش فيه أجبر الأفراد على أن يفكروا بطريقة مادية بحتة، فهم ينظرون إلى حسابات المنفعة المادية العاجلة وحدها، ومن هنا اعتقدوا أن التضحية بالنفس ليست إلا محض جنون أو عته.
يلاحظ باومان أن هناك تدرجاً ما بين فكرة الشهيد في العصور القديمة، والمضحي الذي حل محله في عالمنا المعاصر، فالخطوة الوسيطة التي ربطت ما بين النقطتين، كانت هي فكرة البطل.
ظهرت فكرة البطولة في أوروبا، في مرحلة تأسيس الدول القومية. ففي مطلع العصر الحديث، كان هناك عدد من الأسرات المالكة القوية المنتشرة في شتى أنحاء أوروبا، وحاولت كل أسرة أن تؤسس دولة قوية متسعة، وهو ما أدى بالتبعية إلى ظهور مفهوم الأمة. فإذا كانت الدولة هي الكيان السياسي المميّز لمساحة جغرافية معيّنة ومحددة، فإن الأمة هي الشعب الذي يعيش في تلك الرقعة الجغرافية من جهة والذي يتميز بسمات وعادات ثقافية وفكرية واجتماعية مشتركة من جهة أخرى.
كانت الدولة في حاجة إلى اأمة، كما كانت الأمة في حاجة إلى الدولة كذلك، وكانت الفكرتان في حاجة إلى وجود مصدر بشري مستعد للتضحية بحياته عن طيب خاطر لحماية النموذج الحديث (الدولة/ الأمة).
من هنا تم تأليه ذلك النموذج، وتم إسباغه بصفات القدسية والتنزيه، تلك التي كانت منحصرة فيما قبل في الدين فقط، واستخدمت الدولة ذلك على النحو الأمثل، فصارت تعطي شرعية مطلقة لها من جهة. كما أنها استخدمت تلك الشرعية في إعطاء صفة البطولة إلى جنودها ومقاتليها الذين يموتون في سبيل الدفاع عنها من جهة أخرى.
إذا كانت تلك التنظيمات قد شهدت نجاحاً منقطع النظير في العصر الحديث، فإنها قد لاقت فشلاً ذريعاً في عصر ما بعد الحداثة.
يشرح باومان السبب في ذلك ببساطة، فسلطة الدولة تتجه إلى الزوال وقدسيتها تضعف وتضمحل يوما بعد آخر. كما أن الحروب لم تعد تعتمد في المقام الأول على التعبئة البشرية كما كان الحال سابقاً، وحلّت التقنيات محل الشجاعة، فإذا كانت القاعدة القديمة تقول إن الشجاعة تهزم الجبن، وإن الكثرة تهزم الشجاعة، فإن القاعدة الحديثة تؤكد أن التقنيات تهزم الكثرة والشجاعة.
كما أن النمط الاستهلاكي الذي يقوم على مبدأ الإقناع الوقتي بالإشباع والدفع المستمر ناحية محاولة سد الميول الغرائزية البهيمية في الإنسان، يتعارض بوضوح وجلاء مع فلسفة الشهادة والبطولة التي ترجئ اللذة الوقتية إلى العالم الأخر، ومن هنا (فلا مكان للشهداء والأبطال في المجتمع الحداثي السائل في الجزء الثري من الكرة الأرضية).

المشاهير
ولكن لما كان كل عصر يحتاج إلى وجود شخصيات معيّنة يُسلّط عليها الضوء ويرى الناس في تجاربهم سير نموذجية، فان عصر الحداثة السائلة قد أظهر نموذجاً جديداً معادلاً في قوة التأثير للشهداء والأبطال، ذلك النموذج هو (المشاهير).
يستمد المشاهير قوتهم الرئيسة من واقع كونهم مادة خصبة للتناول في جميع المحافل الإعلامية والصحافية بمختلف أنواعها، فهم دائماً حاضرون بقوة، والأفراد العاديون ينظرون إليهم بشغف ولهفة ويحاولون تقليدهم في أسلوب حياتهم ومظهرهم وعاداتهم. ويخلص باومان إلى أنه إذا كانت العصور القديمة عبدت الشهداء لكونهم رموزاً للدين، وإن كانت العصور الحديثة قد قدست الأبطال لأنهم أقانيم لنموذج الدولة/ الأمة، فإن على العالم المعاصر أن يستعد لمرحلة جديدة تماماً، سوف يتم فيها عبادة وتقديس المشاهير، لا لشيء إلا لأنهم مظاهر قوية للنمط الاستهلاكي المميّز لعصر الحداثة السائلة.

عندما فتحت الحداثة صندوق “بندورا”
صندوق “بندورا” هو مصطلح ظهر في الميثولوجيا اليونانية القديمة، وكان المقصود منه الصندوق الذي خرجت منه كل المخاوف والأحقاد والضغائن والخصومات إلى العالم عندما تم فتحه.
يرى باومان أن الحداثة السائلة قد فتحت صندوق “بندورا” الذي كان مغلقاً، وأن المخاوف التي تسرّبت منه قد توغلت في نفوسنا بشكل عميق، فإنسان اليوم يعتريه قلق مبهم ناحية كل ما هو مستقبلي، وبرغم أن الخوف من المجهول عادة متجذرة في الوجدان الجمعي الإنساني منذ آلاف الأعوام، إلا أنها لم تصل أبداً إلى المدى التي وصلت إليه اليوم.
يشرح المؤلف ذلك بقوله (إن الأرض التي يفترض أن يقف عليها مستقبلنا، إنما هي أرض رخوة بكل تأكيد، تماماً مثل وظائفنا والشركات التي تعرضها، وشركاء حياتنا وشبكات أصدقائنا، ومكانتنا في المجتمع ككل، وما يصاحبها من احترام للذات وثقة بالنفس).
الوعد الدائم بالتقدم والرقي، ذلك الوعد الذي بشّرت به الحداثة في صورتها الجديدة السائلة، كان من المفترض أن يحمل مشاعر الطمأنينة والسكينة للناس، ولكنه بدلاً من ذلك دفعهم دفعاً إلى التطاحن والتصارع والسباق المحموم مع بعضهم البعض، بغية اللحاق بأحد المقاعد الشاغرة في لعبة الكراسي الموسيقية المستمرة.
المشكلة الرئيسة أن الأفراد المشاركين -رغماً عنهم- في لعبة الكراسي الموسيقية، لم يعد بوسعهم الخروج من اللعبة، أو تغيير قواعدها وأحكامها وتنظيماتها، هم فقط يلهثون في السباق عاجزين عن السيطرة عليه أو تغييره.
يرصد باومان ظاهرة مهمة، وهي تلك التي يسمّيها بـ(إضافة الأقفال)، فلما كان إنسان اليوم لا يستطيع الخروج من السباق، ولا يستطيع أن يأمن من شر وخطر المنافسة مع غيره من المتسابقين، فإنه قام بتركيب عدد من الأقفال على الأبواب التي يخشى من المجهول المختبئ خلفها.
فاجتناب التدخين من الممكن أن يحميك من خطر الإصابة بمرض السرطان، والتقليل من تناول الوجبات الجاهزة السريعة يخفض من مخاطر الإصابة بمرض تصلّب الشرايين والسمنة، وعلى نفس الخطى يحمي الأثرياء منازلهم وأملاكهم وثرواتهم من عيون المتلصصين وأياديهم عبر فرق متخصصة في مكافحة السرقة. المشكلة أن كل تلك الأقفال تولّد شعوراً متزايداً بالاضطراب والتوتر، وتمنع من الاستمتاع الكامل بالمقدرات التي يحوزها الأفراد، وتجعل العالم يبدو أكثر إثارة للهلع والفزع والخوف.
ومن هنا تحدث بعض الظواهر المركبة المتناقضة، فشركات الحراسة والسيارات المصفحة مثلاً هي أكثر الجهات التي تستفيد بتخويف الناس من اللصوص والمجرمين، وشركات السجائر اعتادت على أن تصدر إعلاناتها بتحذيرات للمدخنين من خطورة استخدام منتجاتهم وأثرها السلبي على صحتهم.
حتى الدول والأنظمة السياسية صارت تعتمد في مشروعيتها على نجاحها في استثمار مخاوف الأفراد من المجهول. فكل نظام يعمل على التسويق والترويج لنفسه، عبر استدعاء الصور المظلمة المنتشرة في الدول الأخرى الأقل تحضراً ومدنية، تلك الصور التي تتسم بالفوضى والارتباك والوحشية، في محاولة من تلك الأنظمة لإجبار الأفراد على تأييد مشاريعها والتصويت لهم في المحافل الانتخابية.
عصر الحداثة السائلة، الذي نشهده حالياً في الدول الغربية، تنتقل آثاره وظواهره بشكل سريع إلى المجتمعات والدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا، وذلك بعد أن صدرت مجتمعات الحداثة السائلة نظرية الخوف إلى مثيلاتها المسكينة.
فالخوف من التخلّف والخوف من الدخول في دوامة النسيان، هو الذي دفع الكثير من الدول الأفريقية -كناميبيا التي يستشهد بها باومان في كتابه- للتخلي عن نمط الاقتصاد الزراعي الريفي، والتحول إلى نمط صناعي مدني، من دون تخطيط ومن دون مراعاة لبنية وهوية المجتمع، وهو ما تمخض في النهاية عن فشل زريع.
ففي القرية التي كانت معقل الاقتصاد الناميبي تدهور الاقتصاد الزراعي، في نفس الوقت الذي لم يتحسن فيه الاقتصاد الصناعي والعمراني في العاصمة ويندهوك.

ماذا يعني هذا؟
يؤكد باومان أن ذلك الفشل المركب قد حدث بسبب النزعة الذاتية إلى الحداثة، والتي لم تكن لتتحقق إلا بعد أن تم الترويج للمخاوف الأكيدة التي سوف تصيب تلك المجتمعات إن لم تلقِ بنفسها في آخر عربات قطار الحداثة السائلة، ذلك الذي -وكما أوضحت التجربة-يتجه بسرعة وإصرار ناحية المجهول.

الحياة السائلة Liquid Life
المؤلف: زيغمونت باومان
ترجمة: حجاج أبو جبر
تقديم: هبة رؤوف عزت
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر-بيروت-2016م

المصدر: الميادين نت

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية

صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية”؛ وهو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *