الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / مقالات / المصالحة الفلسطينية من محطة إلى أخرى

المصالحة الفلسطينية من محطة إلى أخرى

بقلم: د.عقل صلاح* — تلكأتُ في الكتابة عن تجدد جلسات المصالحة الفلسطينية التي مازالت تنتقل من محطة لأخرى، وتعيد نفسها على مدار عقد من الزمن. وعلى الرغم من امتعاض الشعب والخسائر الوطنية الفادحة إلا أن الجلسات مازالت تنتقل من دولة لأخرى على المستوى العربي.
وجذير بالذكر في هذا الصدد أن محطات المصالحة لم تقتصر على الدول العربية وإنما امتدت لتصل للمستوى الدولي. إنها أكبر كارثة سيتحدث عنها التاريخ بأن الشعب الفلسطيني المناضل المتسامح لم يستطع وقف الانقسام. فهل الشعب الفلسطيني عاجز عن توحيد نفسه أم أن هناك من يتربح من استمرار الانقسام؟، وهل أصبح القرار الفلسطيني تابع في الولاءات للدول العربية وغيرها التي تقيم علاقات متطورة مع إسرائيل وتتآمر على القضية الفلسطينية ؟!.
مفهوم الإنقسام: هو انعدام الوحدة الوطنية وتغليب المصلحة الحزبية على المصلحة العامة, فالإنقسام أدى لقتل القضية الفلسطينية، والمستفيد الوحيد من ذلك هو الاحتلال، والخاسر الوحيد هو الشعب الفلسطيني.
ولقد استخدم هذا المصطلح في الرابع عشر من حزيران عام 2007 حين قامت كتائب عز الدين القسام بالإستيلاء على قطاع غزة بقوة السلاح، مما أدى إلى قتل وجرح وتعذيب المئات من أبناء القطاع، مسيطرة على القطاع بالكامل عسكريًا وإداريًا وأمنيًا. ونتج عن الانقسام آثار مدمرة على المشروع الوطني الفلسطيني. وشاع استخدام تعبير الانقلاب العسكري، وذلك لأن حماس استخدمت القوة العسكرية لفرض سيطرتها على القطاع، ومن ناحية أخرى فإن حكومة حماس والدوائر المتصلة بها أسمته “بالحسم العسكري”، وقد ترتب عليه تغيير في أوضاع قطاع غزة، والضفة الغربية والقضية الفلسطينية برمتها.
من نتائج الانقسام: الاعتقالات السياسية المتواصلة في كل من غزة والضفة. غزة تستنكر اعتقالات الضفة، والضفة تستنكر اعتقالات غزة بشدة، والأنكى من ذلك أن من يحكم غزة والضفة يؤيدون حرية الرأي والتعبير، فغزة مع الحرية في الضفة، والضفة مع الحرية في غزة. حالة فلسطينية فريدة من نوعها يصعب حلها من قبل علماء علم الاجتماع السياسي ؟!.
الحالة الفلسطينية مريضة من كل الجوانب والكل يعبث بها، لذلك فهي بحاجة لكل العلماء كل حسب اختصاصه ليشخصوا مرضها ويعالجوها ويمكن أن يفشلوا في ذلك لوجود الاحتلال.
حركةحماس تحكم الضفة الغربية شعبيًا- تفوز في انتخابات الضفة وتخسرها في غزة – وتحكم غزة في السيف. وحركة فتح تحكم غزة شعبيًا – تفوز في انتخابات غزة وتخسرها في الضفة – وتحكم الضفة الغربية في الهراوة !!!
رزنامة جلسات المصالحة المفتوحة: عملت العديد من الدول على رعاية جولات المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية والتي مازالت مفتوحة ومستمرة وتتنقل من دولة لأخرى، وقد نصل إلى عقدها في جميع دول العالم ونحن غير مكتفين في الترحال من أجل المصالحة التي تؤكد جميع المعطيات على أنها بعيدة المنال, فلقد انطلقت جولاتها الأولى من القاهرة تلبية لدعوة من جمهورية مصر العربية الشقيقة وبرعايتها عام 2005 ثم الوثيقة التي تم اعدادها من قبل نخبة من قيادات الشعب الفلسطيني في السجون الإسرائيلية وسميت بوثيقة الأسرى عام 2006. كما جاءت وثيقة اتفاق مكة عام 2007 برعاية الملك المرحوم عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، وتلاه لقاء صنعاء بمبادرة طرحها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح عام 2008، ولقاء السنغال عام 2009 في دكار تلبية لدعوة الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد. وقادت القاهرة “اتفاقية الوفاق الوطني” تحت رعاية الرئيس المصري السابق حسني مبارك عام 2010، ومن ثم قدمت الخرطوم وساطة من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني قادها الرئيس السوداني عمر البشير عام 2010، ومن بعدها عقد لقاء في دمشق عام 2010 بين حركة حماس وحركة فتح الذي باء في الفشل الذريع وعاد النقاش في النقاط التي تم حسمها في الجلسات السابقة ومن أهمها الانتخابات. وبمشاركة مصرية تم التوقيع على إتفاقية “الوفاق الوطني الفلسطيني” في القاهرة عام 2011، وتلاها لقاء المغرب الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة المغربي في مدينة الصخيرات لدفع جهود المصالحة الفلسطينية في عام 2012، ومن بعدها اتفاقية الدوحة التي وقعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل برعاية أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني عام 2012.
وتلاها لقاء بيروت عام 2013 واتفاق القاهرة في نفس العام، وتفاهمات اتفاق مخيم الشاطئ التي تم التوصل لها بين الحركتين في بيت اسماعيل هنية في القطاع عام 2014 بشأن تنفيذ كافة بنود المصالحة ومن أبرزها تمكين حكومة الوفاق الوطني من بسط سيطرتها على قطاع غزة. ومن ثم لقاءات الدوحة عام 2015 برعاية قطرية وبدعوة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. لقد عقد العديد من الجلسات السرية بين الحركتين من أجل إزالة العقبات التي تحول دون إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام على قاعدة اتفاقي “القاهرة” و”الشاطئ”، ومن ثم دخلت جنوب افريقيا على خط المصالحة الفلسطينية عام 2016 حيث تم عقد جلسات بين الحركتين وباقي الفصائل الفلسطينية قادها نائب الرئيس الجنوب الافريقي لشؤون الشرق الأوسط إبراهيم إبراهيم، ومن ثم استضافت سويسرا حوارات بين الحركتين وشخصيات فلسطينية في العاصمة السويسرية جنيف عام 2016 وجاءت الدعوة من خلال مركز مسارات في رام الله وهذه المرة الثانية التي تتدخل بها سويسرا من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني ومن أبرز الملفات التي تم مناقشتها ملف الموظفين العموميين في قطاع غزة والبالغ عددهم تقريبًا 40 ألف موظف تم تعيينهم من قبل حكومة حماس في القطاع، وهوالملف الأهم ويقال أنه هو وراء عرقلة المصالحة. وتلاها لقاءات بيروت في عام 2017 حيث شهدت العاصمة اللبنانية بيروت العديد من اللقاءات بين التنظيمات الفلسطينية بحضور الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي رمضان شلح ويذكر أنه قدم مبادرته في ذكرى انطلاقة حركته للخروج من المأزق الفلسطيني الحالي في تشرين أول عام 2016 وسميت مبادرة “النقاط العشر” وفي هذا الاطار استضافت موسكو لقاء جديد في كانون الثاني بدعوة من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، حيث تم عقد لقاء موسعًا يجمع ممثلي الفصائل الفلسطينية وهو ثاني لقاء يستضيفه المعهد بعد اللقاء الذي عقد عام 2011 من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني. ومازالت رزنامة المصالحة مفتوحة وتنتظر مواعيد جديدة ودول جديدة.
جولات المصالحة في القاهرة: ينطبق عليها المثل الشعبي “تيتي تيتي مثل ما روحتي جيتي” وهو يقال للخسارة وعدم حساب الأمور بشكل صحيح (جولة بعد جولة ودعوة بعد دعوة واجتماع بعد اجتماع وشهر بعد شهر وسنة بعد سنة ونحن على أبواب الذكرى العاشرة للإنقسام المعيب. لقد استمرت المفاوضات بعد التوقيع على اتفاق أوسلو عقدين من الزمن ومازالت مستمرة. هل سيصل الانقسام لعمر أخيه الأكبر أوسلو ويتحد الأخ الكبير مع الأخ الصغير ويصبحان جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية الفلسطينية المخجلة!.
أما جولات المصالحة في قطر: ينطبق عليها المثل الشعبي “خيرها بغيرها”، بمعنى لا تقلق يا شعب فلسطين, هذه المرة لم تتحقق المصالحة, ولكن إن شاء الله سوف تتحقق في الجولة القادمة أو في الجولة التي تليها أي لا تحزن فربك سيعوضك أحسن من الانقسام!.وما ينطبق على الجولات السابقة ينطبق على كل الجولات التي حصلت .
الحل لإنهاء الانقسام: أن يتم تحويل ملف المصالحة إلى قيادة الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية التي لايوجد عندها علاقات وارتباطات إقليمية أو دولية وإنما همهم الوحيد الخلاص من السجن والاحتلال، وهي قادرة على انجاز الملف خلال ثلاثة أشهر فقط (بدون أي تكاليف مالية من خزينة الدولة يتكبدها الشعب الفلسطيني) وعليكم الالتزام بها نصًا وحرفًا.
وفي هذا الصدد لابد من ترتيب البيت الفلسطيني بناء على الثوابت الوطنية من خلال اصلاح منظمة التحرير وانضمام حركة حماس والجهاد الاسلامي لها، وإنهاء الانقسام واتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية تجاه مايسمى بالسلام المزعوم والمدمر للقضية الفلسطينية، وإنهاء كل مايتعلق بكل السياسات القديمة التي لم تحقق آمال الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية عبر الخلاص من الاحتلال وقيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
حكومة الوفاق والمصالحة: إن أهم إخفاق لحكومة (الوفاق الوطني) الفلسطيني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله التي تشكلت في 2 حزيران 2014 هو إنهاء الانقسام -الذي ألحق اضرارًا كارثية بالوطن- وتحقيق المصالحة وعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية الثالثة. أم أن معطيات الواقع بعدم وجود انتخابات تلوح في الأفق القريب بقيت تفرض نفسها بقوة؟.
وهل مازالت تحمل الحكومة دلالات مفهوم مصطلح “حكومة الوفاق الوطني” ؟. ومن المسؤول عن فشلها في ذلك الرئيس وحركة فتح, أم حركة حماس, أم التدخلات الخارجية وإسرائيل؟. وأين دور الشعب الفلسطيني في تحقيق الوحدة الوطنية؟. وماهي الوظائف الأساسية للحكومة في ضوء ماسبق؟.
أثناء المقابلة المطولة التي أجراها الصحفي البريطاني تيم سباستيان مع رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمد الله في شباط عام 2016 كان الإنقسام حاضر واحتل الجزء الأكبر من المقابلة. حيث سأله تسع أسئلة مؤلمة حول الإنقسام في بداية المقابلة وهذا يدلل على مدى استغلال الإنقسام والإحراج الذي يشكله للمواطن والمسؤول!.متى سنمتلك الإرادة السياسية لإنهاء الإنقسام الفلسطيني-الفلسطيني؟.
وأصبح ينطبق على إستحقاق المصالحة الفلسطينية المثل الشعبي :”مثل مرت الأعمى”، فزوجة الأعمى مهما تزينت وتجملت فإن زوجها لايراها وهذا الشعب الفلسطيني لا يرى المصالحة!.
لقد اوصلنا الاحتلال والانقسام لحرق صور قادتنا والتظاهر للمطالبة بأبسط الأمور الحياتية مثل (الكهرباء والمعبر والحريات) واستطاع الاحتلال أن يبعدنا عن الهدف الأساسي وهو التخلص منه. كنا نتظاهر لسقوط الشهداء واليوم يمر استشهادهم بدون اكتراث حقيقي شعبي ونتظاهر ونهب وننتفض ضد الاحتلال وممارساته وهذا ماحصل في الانتفاضة الأولى والثانية . واليوم احتلال فلسطين يتجسد ويتجذر ويتعمق بفعل الانقسام والابتعاد عن الهدف السامي والوحيد وهو التحرير, فغدا سوف نتظاهر لأقل وأبسط الأمور وكل ذلك لايعني اننا ضد المطالبة بأبسط الحقوق ولكن هذا الحال الذي وصلنا له من المسؤول عنه؟ وهل مغريات حكم غزة تتطلب من حركة حماس كل هذا الحمل من السيئات لمسيرتها؟ وهل لحركة فتح والسلطة الإجابة عن مغريات الحكم؟ وهل يوجد أصلا حكم حقيقي في كل فلسطين؟ فلا استقلال ولا دولة، وسلطة بلا سلطات حقيقية على أرض الواقع .
ويتبدى مما سبق، أن جلسات المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية أصبحت ” سمك لبن تمر هندي ” وهذا مثل مصري يقصد به محاولة تحقيق الانسجام بين ما لا ينسجم, والتوفيق بين عناصر لا تتفق. إن أكلت السمك وشربت اللبن وأتبعته بالتمر الهندي، فلسوف تشعر بالتقزز وربما تصاب بالتسمم .
الخلاصة:
ثمة أربعة نتائج أساسية في هذا الصدد النتيجة الأولى، لقد شارف الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني على اكمال عامه العاشر دون التوصل لاتفاق ينهي الحالة المخجلة التي وصل لها الوضع الفلسطيني على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي. ويذكر أن العديد من رؤساء وملوك الدول الذين رعوا المصالحة الفلسطينية منهم من توفي ومنهم من تغير وجاء من بعدهم رؤساء جدد وقاموا برعاية المصالحة من جديد، ومن هذه الدول مصر وقطر والسعودية وغيرها، والمصالحة الفلسطينية متعثرة ولا تتقدم خطوة للأمام بل للخلف ونلاحظ أن غالبية الرؤساء العرب تقريبًا تم تغيرهم ولكن نجد أن الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية لم تعقد ولم يتغير في المشهد الديمقراطي الفلسطيني والمصالحة أي شيء يذكر
أما النتيجة الثانية، فتتعلق بانتقال ملف المصالحة من الرعاية المصرية للرعاية العربية (العمق العربي) ومن ثم للرعاية الدولية وكل ذلك بدون نتائج تذكر على أرض الواقع مما أضر في القضية الفلسطينية على المستوى العربي والدولي بظل عدم القدرة على تحقيق المصالحة وهذا تستغله إسرائيل. ولعل تصريح الوزير الإسرائيلي افيغدور ليبرمان بتاريخ 24 كانون ثاني الماضي “مع من نوقع اتفاق مع حماس في غزة أم فتح بالضفة أم مع عباس غير الشرعي”.
وتشير النتيجة الثالثة, إلى أن الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني متشعب، فهو خلاف بنيوي وسياسي ووظيفي يتطلب وجود إرادة سياسية عند الحركتين لوضع حد لهذه الحالة وتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة “الحزبية” وبظل التدخل والتبعية السياسية والمعادلة الاقليمية والدولية والاصطفاف العربي والدولي والتحالفات ودور المال والاستضافة الجغرافية التنظيمية لبعض الفصائل ودور إسرائيل نستنتج أنه لايوجد تقارب بظل المعيقات الداخلية والخارجية، فالمصالحة الفلسطينية للأسف الشديد بعيدة المنال في الوقت الحاضر بل تتجسد وتتشعب وتتعقد على كافة المستويات، وعلى هذا الأساس الحالة السياسية الفلسطينية أصبحت معقدة للغاية والخاسر الوحيد الشعب الفلسطيني، وإنها تسير بسرعة متهورة نحو الهاوية ما لم يحدث هزة تنظيمية تغير الواقع السياسي في الساحة الفلسطينية في الوقت الحاضر
وتنصرف النتيجة الأخيرة إلى أن القيادات التي تقود المصالحة لم تتغير رغم الفشل الذريع في تحقيق المصالحة لماذا؟. والأنكى من ذلك أنهم لم يكلو ولم يملو وكل لقاء يوزعون الابتسامات والضحكات بدون أي انجاز يذكر
ويتجلى مما سبق, أنه على أبناء فلسطين كل فلسطين جميعًا أن يتحدوا حتى يستأصلوا ورم الانقسام من أجل انعقاد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الثالثة ووضع حدًا للحالة السياسية الفلسطينية المزرية على جميع الصعد والمستويات!

*كاتب فلسطيني وباحث مختص بالحركات الأيديولوجية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *