الإثنين , نوفمبر 20 2017
الرئيسية / كتب / ابتكار الحبّ في الزَّمَن السَّائل

ابتكار الحبّ في الزَّمَن السَّائل

بقلم: لانا المجالي* —

( 1 )
عندما يتساءل جان لوك ماريون: “ما الجدوى من الوجود إذا لم يحبّني أحد؟”، يضع الحبّ على رأس سلّم أولويَّات البشريَّة، ويقرِّر أنَّ الحبَّ ممكن بلا وجود، لكن الوجود غير ممكِن بلا حبّ.

هذا التتويج، أعلنه ماريون في كتابه “ستَّة تأمّلات حول ظاهرة الحبّ” ، مشيرًا إلى التجاهل الذي أبداه أرسطو عندما أخفى تعريفه للفلسفة -“البحث عن المعرفة الحقّة”- الحبّ، أو تناساه؛ إذ تعني كلمة فلسفة في اليونانيَّة – من الناحية الاشتقاقيَّة- “حبّ المعرفة” أو “حبّ الحكمة”، وداعيًا إلى اعتبار فلسفة الحبّ، جوهر الفلسفة.

كذلك، لو راجعنا آراء الفلاسفة حول الحبّ لوجدنا تباينًا وتطرّفًا؛ فهو عند الرومانسيين يقتصر على نشوة اللقاء وتجلياته، وفي المذهب الشكّي مجرد وهم، وفي المذهب النفعيّ عبارة عن عقدٍ يضمَن تبادل المصالح بين طرفين اتَّفقا على أنهما متحابّان، وهذا الأخير، مدار موضوعنا،لأنّه بات يهيّمن على المشهد في زمنِ “الحداثة السائلة” الذي نعيش تفاصيله.

( 2 )

في كتابهِ “الحبّ السائل” يتناول الفيلسوف زيغمونت باومان تجليَّات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصيَّة،لافتًا إلى إعادة تعريف ما كان يطلق عليه روابط إنسانيّة؛ فالارتباط أو العلاقات تحوّلت إلى اتّصال واتّصالات وتواصل، ما سمح لها أن تكون فضفاضة بحيث يمكن فكّها، مرّة أخرى دون تردّد أو ألَم عندما تتغيَّر الظروف في عصر الحداثة السائلة الذي تتغيَّر ظروفه باستمرار، أمَّا “شركاء الحياة” فهم الأفراد داخل “الشبكات” الاجتماعيّة التي تحيط بالإنسان الحديث “عديم الروابط”.

إعادة تعريف هذه المصطلحات لا تبدو بريئة؛ فالعلاقات التي تتضمَّن شركاء الحياة تُعظِّم قيمة الالتزام المتبادل والعهود طويلة المدى وتدين التخلّي والخيانة، أمّا الشبكات وهي عبارة عن مصفوفات تتساوى فيها أهميّة الوصل والفصل والتجوال الحرّ، تجاهر بإمكانيّة فكّ الالتزام دون تحميل أي فرد فيها مسؤوليّة أخلاقيّة تجاه الآخر، تمثّلها العلاقات الافتراضيّة- التي نختبرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى بعض ما نعيشه على أرض الواقع- بحيث يسهل الدخول في عدد كبير منها تتنافس على تقديم فُرص متعة أفضل وإشباع أكبر، والخروج فورالشعور بالاكتفاء أو الملل، بحثًا عن بدائل جديدة مؤقّتة وواعدة، وفي خضم هذه العمليّة الاستهلاكيَّة تزول القيمة الثمينة للآخر، باعتباره شخصيّة تملك فرادتها، وتستحقّ الاهتمام والعطاء والتقبّل والتغاضي ومهارات التعايش، فضلا عن توفير مستقبلٍ آمن.

الكَمّ لا الكيف، وانعدام قيمة التفرّد، وهشاشة الاتِّصالات، تفسِّر الهوس التجميلي الذي أصاب الرجال والنساء على السواء، وتروّج له المؤسَّسات (عيادات ونوادٍ وصالونات و…الخ)، اعتمادًا على المعايير الجماليّة الموحَّدة التي تفرضها “الموضة” أو القوى الاستهلاكيّة، ولا عزاء لمتعة الحياة التي لخّصها الشاعر الألماني شيلي، عندما قال- بعد حياةٍ حافلة بالمحن والآلام-: “لقد استمتعتُ بما في العالم من سعادة؛ فقد عشتُ وأحببت”.

( 3 )

يرفع الفيلسوف آلان باديو، مقولة رامبو “إنّ الحب، كما نعلم، يجب أن يُبتكَر من جديد” في وجه تسليع الحبّ وتحويله إلى فعلٍ محصّلته صفر مخاطرة، مؤكِّدًا أن مهمّة الفلسفة، كما هي مهمّة الحقول المعرفيَّة الأخرى، أن تدافع عن الحبّ.

كما يقترح عبر كتابه “في مدح الحبّ” – وهو عبارة عن حوار مطوّل أجراه معه نيكولا ترونغ – أنَّ الحبّ هو إمكانيَّة المساعدة على ولادة العالم، أو بمعنى آخر، بناء الحريَّة في نقطةٍ محدَّدة هنا: ما نوع العالم الذي يراه الفرد حين يختبره ويمارسه ويعيشه من وجهة نظر اثنين لا واحد، أو من وجهة نظر الاختلاف وليس الهويَّة؟

حسب هذا المفهوم، يرى باديو أنَّ موضوع الحبّ محطّ أنظار العالم لأنّه ينتج حقيقة جديدة للاختلاف حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا، فهو ليس ببساطة عن التقاء فردين وعلاقتهما الداخليّة، إنّه بناء، وحياة تُصنَع، وعمليّة تمثِّل خبرة العالم، ومن هنا تكتسب لحظة “اللقاء”التي تتصف بالخطر والاتفاقيّة أو ما أطلق عليها باديو “المشهد من اثنين” أهميّتها، إذا أتيحت لها فرصة الازدهار وترسيخ الصدفة عبر الإعلان والاستمراريّة والسيرورة.

ويشدِّد على أن الاستمراريّة لا تعني دوام الحبّ، أو أنّهما سوف يتحابّان دائمًا وإلى الأبَد، بل تعني أنّ الحبّ يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة، إذ يواجه كل فرد يتعرَّض لخبرة الحبّ، مفهومًا جديدًا للزمن، نافيًا أن يكون الحبّ مجرَّد رداء للرغبة الجنسيَّة، أو خدعة معقّدة أسطوريَّة لضمان بقاء النوع، وهو ما ذهب إليه فرويد حينما اعتبر الحبّ ظاهرة جنسيَّة محضة.

( 4 )

في فيلم (هي /Her)/2013، بطولة خواكين فينيكس، وإيمي آدامز، وسكارليت جوهانسون الذي ترشَّح للعديد من الجوائز، وفاز كاتبه ومخرجه سبايك جونز بجائزة أفضل سيناريو أصلي في عدة مهرجانات مثل أكاديمي أووردز، وغولدن غلوب أووردز، نلمح هشاشة العلاقات الإنسانيَّة التي تناولها زيغمونت باومان بالتحليل، وحاربها باديو بابتكار الحبّ.

البطل ثيودور الذي يعمل كاتبًا لرسائل الحبّ الخاصّة،رجلٌ وحيد في المراحل النهائيَّة من طلاقه، يحاول الهروب من وحدته، فيرتبط بعلاقة حبّ مع صوت سمانثا الأنثوي الذي يصدر عبر أحدث “نظام تشغيل OS1 ” في العالم، ويجد فيها تعويضًا عن علاقته المفقودة مع طليقته كاثرين، ثم يكتشف أنّ معظم من يعرفهم وقعوا في فخ العشق الإلكتروني الزائف.

الفيلم يصوّر عدم قدرة الإنسان الحديث في عصر “الحبّ السائل” على التعامل مع المشاعر الحقيقيّة للآخر من حزن وإحباط وسعادة وتوتّر وغيرها، فيلجأ إلى التكنولوجيا، لكنه يختبر تجربة فشل العلاقة غير الطبيعيّة بعد أن تطوّر، هي الأخرى، شخصيّة جديدة تملك المشاعر الإنسانيّة نفسها، بفضل ذكائها الاصطناعي.

الفشل الذي سيقابل العشّاق في كل محطّة، ترياقه مقولة القدّيس سان أوغسطين “أنا أحبّك، أريدك أن تكون ما أنتَ عليه” وهي موضوع رسالة الدكتوراة الخاصّة بِحنّة أرندت، وليس من قبيل المصادفة، بل لأن مارتن هايدجر اقتبسها في رسالةٍ وجّهها إليها عندما كانا متحابّين، بداية عام 1925،مضيفًا:

“أن تحبّ يعني أن تخوض تجربة الحياة الأكثر خصوصيَّة، وتكتشف مع شريكك أنَّ كيانك المُبتَلى في الوجود، يعني كذلك أنه يريد وجود الآخر، بل ويريد بإصرار”.، قال هايدجر المتزوّج لتلميذته التي تصغره بسبعة عشر عامًا:” هذا ما أنتِ عليه بكاملك، وما ستظلّين عليه، وهكذا أحبّك”، قبل أن تفشل علاقة حبّ سريّة ربطت بين الفيلسوفين، دون أن تحقِّق شروط الحبّ، إلا لفكرة الحبّ.

____
*المصدر: مجلة الإمارات الثقافية/ العدد 54

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *