الأحد , أغسطس 20 2017
الرئيسية / كتب / التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا

التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا

قراءة: د. عقل صلاح* — مؤلفة كتاب “الدمقرطة: مقدمة نظرية” هي جين جروجيل (Jean Grugel), حصلت على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية (دراسات أمريكا اللاتينية) من جامعة ليفربول. تعمل كأستاذة في العلوم السياسية في جامعة شيفلد بانجلترا. من مجالات اهتمامها البحثية التنمية, والدمقرطة والمواطنة, وحقوق الإنسان والأطفال والطفولة. وكانت قد شغلت سابقا منصب رئيسة قسم العلوم السياسية في جامعة شيفيلد، وعملت في جامعات نيويورك ومدريد، ومنذ فترة قصيرة في مكتب أمريكا اللاتينية كباحثة وكاتبة.
الهدف الدراسة الرئيسي: تحليل الأحداث في كل من البرتغال واليونان واسبانيا وشرح بزوغ نماذج محددة للديمقراطية في كل من الدول السابقة.
الموضوعات التي تناولتها الدراسة:
1) المقدمة: انتهت الديكتاتورية التي طال أمدها في البرتغال عام 1974، كما أفسح حكم الجنرالات في اليونان الطريق إلى إعادة إقامة النظام الليبرالي. وفي عام 1975، توفى الجنرال الاسباني فرانكو، وشرع الشعب الاسباني في خطة التحول الديمقراطي. كانت هذه التجارب بداية لبزوغ عمليات التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا. وكان هينتيجتون محقا حين قال “إن التحولات الديمقراطية في جنوب أوروبا – ولاسيما في اسبانيا – كانت لها أهمية ودلالة على المستوى العالمي.
أضحت عمليات التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا نموذجا يحتذى به سواء لتأسيس نظرية التحول الديمقراطي، أو لصياغة رؤى معيارية للكيفية التي ينبغي أن نطور بها عمليات التحول الديمقراطي. ولا يصعب علينا معرفة سبب هذا، فمما لاشك فيه أن عمليات التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا كانت أكثر نجاحا من التجارب المعاصرة لها. وبنهاية الثمانينيات، أضحت الديمقراطية آمنة على الرغم مما اعترضها من عراقيل ومعوقات. كانت عملية التحول الديمقراطي أكثر نجاحا في اسبانيا بسبب اتحاد الدولة القوية الناجحة مع المجتمع المدني المفعم بالنشاط والحيوية، ولاسيما قبل وأثناء فترة التحول الديمقراطي. فضلا عن أن المحيط الخارجي للدول الثلاثة كان محيطا داعما ومساندا لعملية التحول الديمقراطي.
2) البرتغال: هل هي عملية تحول ديمقراطي أم احتواء للثورة: لم تبزغ الديمقراطية في البرتغال نتيجة لانهيار الحكم الاستبدادي فحسب، بل بزغت عملية التحول من ثورة فاشلة. لذا، تختلف الديمقراطية اختلافا جوهريا عن الطريق التدريجي والإصلاحي، الذي كان ينظر إليه على أنه الطريق النموذجي للتحول في المنطقة، الذي ميز عمليات التحول الديمقراطي في اليونان واسبانيا. وعلى عكس التجربة الاسبانية خصوصا، انبثق عن التحول الديمقراطي في البرتغال سلسلة من المعوقات الوعرة والغامضة، وأظهرت النخب الرئيسية موافقتها الغير صادقة للليبرالية.
تولى الجيش مقاليد الحكم في البرتغال عام 1926م، ووضع نهاية للفساد والنظام البرلماني المقيد .وبحلول عام 1929، نصب أنطونيو سالزار نفسه كشخصية محورية في هذا النظام الجديد، وقد بدأ كوزير للمالية في هذا النظام. تطور هذا النظام تدريجيا نحو نظام ديكتاتوري اعتمد في بقائه على الهيمنة المدنية، ودعم المزارعين، والقوة الأمنية الفعالة. اعتنى سالزار بتقديم الدستور الكاثوليكي التعاوني عام 1933، وخلق الدولة الجديدة (التي يطلق عليها بالبرتغاليةEstado Novo )، تلك الجمهورية التي كان يصفها البرتغاليون دائما بأنها وجه آخر للفاشية. ووفقا لماكسويل، فإن نظام سالزار كان يحمل في جوهره حكم ثنائي لطبقة المثقفين المحافظة والمشبه بالفاشيين من جهة، والنظام السياسي الوحشي واحتكار أسرته لمجموعة من الأمور من جهة أخرى. سعى النظام في البلد بشكل عام إلى نيل الدعم من الكنيسة، وطبقة الفلاحين في الشمال، ومالكي الأراضي في الجنوب، والموظفون في الدوائر الحكومية البيروقراطية.
سعى النظام إلى تجميد التطور في البلد ووضعه في قالب يسمح له بإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية والثقافية للطبقة الكاثوليكية، والهيمنة الاقتصادية للأقلية من الأشراف (طبقة الاوليغاركية). وظل النظام لسنوات عديدة قادرا على منع التغيير الاجتماعي والاقتصادي. ومن المثير للاهتمام أن الحكم الديكتاتوري لم يكن معتمدا بطريقة متفردة على سالزار نفسه، الذي بدا وكأنه أوشك على النهاية، فقد دخل الديكتاتور في غيبوبة عام 1968، ولم يتعافى منها, ثم توفي عام 1970. وتولى سلطات الحكم منذ مرضه ماركلو كاتانو. ظل كاتانو في منصبه حتى عام 1974، إلى أن أطاحت به حركة ثورية بقيادة الجنرال سبينولا، المدعوم من حركة القوى المسلحة، أما الثورة فقد أطلق عليها ثورة الزهور لأن الضباط الذين جابوا الشوارع دعما للثورة غطوا بنادقهم بزهور القرنفل، في لفتة رمزية للمصالحة مع المجتمع، تلك كانت بداية التحول الديمقراطي في البرتغال.
لم تكن الثورة رفض للحكم الديكتاتوري فحسب، ولكنها كانت رفض للحكم الإمبراطوري ذو السلطة السياسية المطلقة. حافظت البرتغال على إمبراطوريتها حتى عام 1974، التي امتدت لغينيا وموزمبيق وانجولا. وقد انقسمت النخبة الصغيرة حول كيفية التصدى للانهيار البطيء للبلد. أصبح الجنرال سبينولا شخصية وطنية في أعقاب انتقاده لقرار كاتانو بمقاومة التحرر من الاستعمار في أفريقيا – لم يرى سبينولا أن الهزيمة ستكون حتمية فحسب، ولكنه زعم بأن التوصل إلى حلول وسطية وتوفيق الأوضاع مع قيادة العصابات قد يتمخض عنه استمرار لدور البرتغال في المنطقة. وهكذا، لم يأتي نزع فتيل التحول الديمقراطي وبدايته من انهيار النظام أو الطلبات الديمقراطية الشعبية التي يصعب مقاومتها. فالتحول الديمقراطي جاء من أزمة الدولة نفسها. فالدولة البرتغالية كانت فقيرة جدا لدرجة أنها لم تستطع الحفاظ على الإمبراطورية، ورفض الكثير من داخل الدولة الإقرار بأن الانقسامات كانت الخيار الواقعي الوحيد، فضلا عن أن البرتغال التي لحقت بركب الرأسمالية الصناعية متأخرة كانت تعاني أيضا من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للتنمية غير المتكافئة.
إن صعوبة الحفاظ على الإمبراطورية أدى إلى وجود شعور قوي بعدم الرضا داخل صفوف الجيش. تمخض عن حالة عدم الرضا هذه تشكيل حركة للضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة داخل صفوف الجيش (حركة القوى المسلحة). وكما عرفنا أن حركة القوى المسلحة كانت في بدايتها معتدلة، وكانت تهدف إلى درء المظالم المرتبطة بالأجور والرواتب والأحوال الاجتماعية والظروف المعيشية داخل الجيش. بيد أن هذه الحركة أخذت منحنى راديكالي بسرعة كبيرة. ونظرا لتأثر الحركة بمناهضة الإمبريالية والتعاطف مع حركات التحرر الوطني، تلك الأمور التي كانت تميز سياسة اليسار الوسط في أوروبا في أوائل السبعينيات، والاعتقاد بأن القوى المسلحة بإمكانها أن تكون طليعة الجيش لتحقيق التنمية للبلد، كل هذه الأمور جعلت الحركة تتحرك نحو الجناح اليساري أثناء الحروب الأفريقية. لذا، لم يسعى عدد من الضباط في الحركة إلى الانفصال عن الإمبراطورية فحسب، لكنهم أرادوا أن يأسسوا كتلة اشتراكية تتحدث باسم الشعب البرتغالي، قائلين “إخواننا في غينيا وموزمبيق وانجولا يوافقون ويرغبون ويطلبون هذه الكتلة الاشتراكية.
وهكذا، فإن ما يميز الثورة أن المعارضة للنظام السلطوي الديكتاتوري جاءت من داخل الدولة، من القوات المسلحة، ولم تجيء من المجتمع المدني. إن ضعف المجتمع المدني والاعتقاد داخل صفوف الجيش أن المجتمع المدني لديه مهمة تحديث الدولة، كان لكل هذا تأثير مهم على سياسة التحول الديمقراطي. لكن، حقيقة أن الجيش ليس بإمكانه التحدث بصوت واحد والاتفاق على رأي واحد – في الوقت الذي كان لا يوجد فيه اتفاق واضح عن الكيفية التي ينبغي أن يتم من خلالها تحديث البرتغال – أدى إلى خلط وتشويش في الحكومة الجديدة فور توليها السلطة. ترأس الحكومة الجنرال سبينولا في 1974 بفضل موقفه المناهض للاستعمار وسمعته. بيد أنه لم يكن لديه انتماء سياسي حقيقي وكان بعيدا كل البعد عن أعضاء الحركة ومنظماتها التي اعتمدت عليها الثورة. كانت حركة القوى الإسلامية قادرة على صياغة توجه النظام الجديد، حيث تبنت الموقف المؤيد للاشتراكية. بيد أن التعاطف الشديد للاشتراكية والرغبة الحقيقية لفك الاستعمار (عن الدول الأفريقية التي احتلتها البرتغال) لم يؤدي إلى برنامج عملي للحكومة. فوجدت الحكومة نفسها مكتوفة الأيدي، ولاسيما في ظل الضعف وعدم كفاءة الدولة، التي قدمت في واقع الأمر بيانا عن حالة التراخي لضباط الجيش منذ توليهم زمام السلطة. فضلا عن أن التعاون مع النخب القديمة والمستبعدة لم يكن ممكنا، مما جعل مهمة الحكومة أكثر صعوبة. بالرغم من ذلك، حكم سبينولا البلد بوضعه ومكانته الشخصية. فضلا عن أن التأييد الشعبي للثورة جعلها قوية، حيث تلاقت أهداف الثورة مع أهداف الشعب البرتغالي. كما أن الحزب الشيوعي دعم الثورة، على الرغم من أن هذا الدعم كان يفتقد التنظيم، ويفتقد الخبرة نظرا لحداثة الحزب. وقد شكل الحزب بسرعة قاعدة قوية ووجود تنظيمي في أعقاب انتهاء حكم العسكر. أما الحزب الاشتراكي فجاء على النقيض من ذلك. فبالرغم من دعمه للثورة، كان حزبا هشا وحديثا، وقد دعمه الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، الذي كان – لأسباب سوف نتناولها لاحقا – حزبا فعالا وناشطا في جنوب أوروبا في أوائل السبعينيات.
وعدت الحكومة الجديدة بانتخابات دستورية في غضون عام من توليها الحكم في أبريل 1974. وبالفعل بدأت العمليات الانتخابية في هذا الميعاد، وبدأت الأحزاب الجديدة في الظهور. والقى سبينولا بثقله خلف الأحزاب الجديدة وقدم الدعم لهم مثل حزب اليمين الوسط، والحزب الديمقراطي الشعبي، والحزب الديمقراطي الوسط، تلك الأحزاب التي كان يأمل سبينولا في أن تكون قوة فعالة ومؤثرة بعد الانتخابات من أجل تقييد حركة القوى المسلحة في المجلس المنتخب. على الرغم من ذلك، جاء سبينولا بالشيوعيين إلى الحكم، تلك القوة السياسية الأكثر تنظيما في البلد، كنوع من أساليب المعارضة الوقائية، علاوة على كبح جماح الحركة العمالية. شكل الشيوعيون قوة كبيرة بمساعدة حركة القوى المسلحة، استطاعوا أن يجعلوا الثورة أكثر تطرفا وعمقا بدلا من جعلها معتدلة وغير متطرفة، الأمر الذى كان يسعى إليه سبينولا. وبناء عليه، أصبحت الحكومة ممزقة بين الايديولوجيات المتصارعة. اضطر سبينولا إلى الاستقالة في سبتمبر 1974 بعد اظهار الجناح اليساري قوته. استبدل سبينولا بالجنرال المعتدل كوستا جومز، لكن ظل الجناح اليساري له اليد الطولى. وعندما حاول سبينولا العودة عام 1975، اجبروه على الرحيل إلى اسبانيا، وتبع ذلك جولة جديدة من الاستقالات لحزب اليمين الوسط. تحولت الحكومة بعد هذا نحو الجناح اليساري عندما بدأت الكفة تميل نحوهم. فقد تم تأميم البنوك، وقدمت الحكومة وعدا بمصادرة الممتلكات من أراضي وأطيان وخلافه.
شاعت هذه الإجراءات وبدت حركة القوى المسلحة قوية. غير أن الحركة استمرت في تفككها داخليا نظرا لعدم وجود اتفاق بين أعضائها. وبناء عليه، افتقدت الحكومة القيادة. وكانت الحكومة على وشك الانهيار في نهاية عام 1975. بالنسبة لماكسويل إن التفكك السريع للحكومة الثورية جاء نتيجة للانقسام الايديولوجي داخل حركة القوى المسلحة، ذلك الانقسام الذي اتسعت هوته نتيجة لعملية التفكك الاستعماري، والوضع الاقتصادي المتدهور، وإزاحة الحزب الشيوعي ليتصدر المشهد الحزب الاشتراكي الأكثر شعبية. كان التحول من الشيوعية إلى الاشتراكية واضحا منذ بداية الانتخابات الدستورية في أبريل 1975. وقد حصد الحزب الاشتراكي أصوات كاسحة في المجلس الدستوري الجديد، حيث وصل عدد أصواته إلى 37.9%، في حين حصل الحزب الشيوعي على نسبة تصويت بلغت 12.5%. وفي أثناء الانتخابات، اقتنعت الأطراف الخارجية بأن هذا التصويت كان تصويتا من أجل الديمقراطية من خلال الثورة، وانتهزت هذه الأطراف فرصتها لتحويل البرتغال إلى قضية جدلية من قضايا الحرب الباردة. فالقوى الأوروبية الغربية والولايات المتحدة، الذين تفاجئوا بالأحداث في البرتغال عام 1974، تنبهوا إلى الانقسام الراديكالي في حركة القوى العسكرية، ووجود الشيوعيون في الحكم، وقاموا بتقديم المساعدة والدعم للحزب الاشتراكي على أمل عرقلة الثورة. وفي أعقاب الانتخابات الدستورية، زعمت هذه الأطراف بأن النصر الاشتراكي المعتدل ينبغي أن يمنع الحكومة من التحرك بعيدا نحو الجناح اليساري.
لكن الشيوعيون وفصيل من حركة القوى العسكرية استمروا في الإصرار على أن الثورة لازالت حية ونابضة. ولعدم رغبتهم في الإقرار بأن الديمقراطية الليبرالية قد تنتج عن العملية الدستورية، قاموا بدفع ومساندة السياسات الراديكالية. ولكن وعند هذه اللحظة، اختارت مجموعة من حركة القوى العسكرية صعود الحزب اليساري. وهكذا، شهد عام 1975 أزمة حادة نظرا لأن مصير البرتغال كان معلقا بين عدم التوجه الداخلي من جهة، وسياسات الحرب الباردة من جهة أخرى. وقد قام هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الذي لعب دورا محوريا في هزيمة الجناح اليساري في تشيلي فقط قبل عامين، وقد تم تكليفه بمنع الشيوعيين من تأسيس هيكل ثوري للحكومة في بلد لا يتميز بموقعه فحسب الذي يقع في قلب أوروبا، ولكن يتميز أيضا بموقعه الجيوسياسي الذي يعتبر قلب الدفاع عن دول الغرب. وبالرغم من أن الموقف كان غامضا بشأن الأفعال التي يمكن أن تقوم بها الأطراف الخارجية تجاه البرتغال، إلا أن التهديد الخارجي اقترب كثيرا من البرتغال.
وفي خضم التوترات والمظاهرات الشعبية والاضرابات والعنف، قامت الجمعية التأسيسية التي يسيطر عليها الاشتراكيون بكتابة الدستور الجديد. وقد جاء سقوط دستور 1976 في مصلحة الديمقراطية الليبرالية، واختفت المنظمات الثورية المعنية التي خلقتها الثورة. وبرغم وجود موروثات هامة من فترة الثورة، إلا أن كثير منها كان يتعارض مع الاتجاه نحو الديمقراطية الليبرالية:
أولا: لم يعرض الدستور للاستفتاء الشعبي، مما يشير إلى اعتقاد قوي بسلطة الدولة وعدم احترام سيادة وإرادة الشعب.
وثانيا: أعلن الدستور حزمة من الإجراءات الراديكالية عام 1975 مثل حركات تأميم البنوك، وجعلها قانونية وملزمة. وبناء عليه، يصف جالاجير الدستور بالورطة، فضلا عن أن الطريق الثوري بمرارته كان له آثارا سلبية على السياسة بعد عام 1976. لم تثمر عملية التحول الديمقراطي عن وجهات نظر مشتركة تخبرنا عن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية. لم تكن الديمقراطية الليبرالية – بكل تأكيد – ضاربة بجذورها في المجتمع البرتغالي في هذه الفترة، ولم يكن الإيمان بالنظام الجديد كبيرا. فلم يقدم الدستور الفرصة للمصالحة بين الأطياف المتعارضة. فقد ازدادت بالفعل الانقسامات داخل النخب السياسية عمقا – ولاسيما الجناح اليساري – بين عامي 1974 و 1976، ووحد الاشتراكيون والشيوعيون أنفسهم على محك المعارضة والتناحر في الجدل السياسي.
أجريت الانتخابات الديمقراطية العامة في 1976، وفاز بها الاشتراكيون. ففي حكومتهم التي استمرت لمدة عامان، لم يفعل الحزب الاشتراكي سوى القليل من أجل مجابهة إما الاختلاف الثقافي الذي كانت تتميز به الحياة الاجتماعية للبرتغاليين، أو علاج التأثيرات بالغة السوء للتنمية غير المتكافئة، التي لم تعد بالخير على طبقة العمال والفلاحين في البرتغال، هاتان الطبقتان هما الناخبين الذي أدلوا بصوتهم للحزب الاشتراكي. وقد تم استبعاد سورس من منصبه كرئيس للوزراء في خضم المعارضة البرلمانية والاقتصاد المنهار. أعقب هذه الحكومة ثلاثة حكومات دامت لوقت قصير. وقد فاز تحالف اليمين الوسط في الانتخابات عام 1979 و 1980. كان هذا التحالف – آنذاك – ضحية عدم الاستقرار وسلاسة نظام الأحزاب الجديد. كانت الأحزاب محاطة بالنخب السياسية، تلك النخب التي فصلها نظام التمييز الاجتماعي عن جموع الناخبين. لم يفعل النظام الجديد شيئا ليتصدى للمشاكل الواضحة للنخبوية السياسية أو يقوي القواعد الاجتماعية للديمقراطية. بمعنى آخر، عانت البرتغال من نقص موروثها الديمقراطي، ولم تكن الديمقراطية الجديدة قادرة على خلق فرص لتوسيع قاعدة المشاركة أو تعميق المواطنة. في الوقت نفسه، حتى لو كانت الثورة في البرتغال قد فشلت، إلا أنها حصدت دعم كافي لفصل الطبقات السياسية. كان هذا يعني أن الديمقراطية المستقرة التي تقودها النخبة أمر يصعب تحقيقه أيضا. فقد تم تقزيم الديمقراطية وإعاقتها. فالديمقراطية حسب وصف ماكسويل كانت مجرد هدنة تغطي على الانقسامات السياسية بدلا من التوافق والوصول لحلول وسطية أو إحداث إصلاحات ديمقراطية.
3) التحول الديمقراطي في اسبانيا: توفى الجنرال فرانكو في نوفمبر 1975 بعد صراع طويل مع المرض. وقد تولى فرانكو مقاليد الحكم في اسبانيا في 1939 في أعقاب حرب أهلية دامت ثلاثة أعوام، غير أن المطالبة بالتغير كانت قد بدأت في اسبانيا قبل وفاته بفترة طويلة. تأسس حكم فرانكو بعد انتصار القوميون في أعقاب هزيمة الجمهوريون. وتعرضت البلد أثناء حكمه لأزمة طاحنة في الستينيات. وبعد سنوات من العناء والقمع، حققت الدولة تنمية اقتصادية ناجحة، تلك التنمية التي جلبت الرخاء لبعض أجزاء من البلد، وخلقت طبقة متوسطة متزايدة وقادرة على الإفصاح عن نفسها، ولاسيما في مدن مثل مدريد وبرشلونة. غير أن التحول السياسي كان بطيئا وعلى استحياء ويفتقد الإقناع. وفي أوائل السبعينيات، حدث ضغط اجتماعي متزايد من القوميين الإقليميين والطلاب والاتحادات التجارية وعامة الشعب وحتى الكنيسة الكاثوليكية. أدى هذا الضغط إلى جعل مهمة الحكومة تكاد تكون مستحيلة. وفي غضون ذلك، أعربت باقي دول أوروبا عن قلقها لأحداث العنف والقمع التي ازدادت في السنوات الأخيرة للحكم الديكتاتوري في البرتغال، في نفس الوقت كانت النخب من التكنوقراط إبان حكم الملك فرانكو ترغب بشدة في الانضمام للسوق الأوروبية المشتركة لأغراض النمو الاقتصادي والسوق الحرة. ظهرت الأزمة بوضوح في ظل الحكم الديكتاتوري قبل وفاة الملك فرانكو. كانت أزمة الحكم في الستينيات وأوائل السبعينيات مسئولة عن التغيير البيروقراطي والسياسي داخل حكم فرانكو نفسه. كان من ضمن هذه التغيرات التعاون الذي حدث بين جناحي اليمين واليسار في أعقاب وفاة الملك فرانكو. وفيما يخص الشعب الاسباني، فإن التعاون في تأسيس الدولة الديمقراطية بعد عام 1975 كان إشارة للالتزام الايديولوجي تجاه الديمقراطية، وانعكاس لحاجتهم إلى النظام. وقد وافقوا لكنهم كانوا كارهين لذلك، على أن تعذر الديمقراطية كان رغم ذلك مؤشرا مهماً على أن جناح اليمين كان متمدناً وعاقلاً ومصقولاً بالفكر، حيث وافق على التسوية الديمقراطية والتوصل إلى توافق بشأن الديمقراطية كان هذا التحول في سياسة جناح اليمين في اسبانيا بالغ الأهمية لأنه كان يعني أنه من الممكن للمرة الأولى في تاريخ الشعب الاسباني أن يرى الحرب الأهلية كتراجيديا وطنية، وتجنب تكرارها مهما كانت التكاليف.
لذا، كانت عملية دعم واستمرار التحول الديمقراطي في اسبانيا بطيئة ومؤلمة لعملية التصالح الوطني. بدأت عملية التحول الديمقراطي على نحو متردد في بداية الأمر، ثم بدأ الناس يتحدثون عن مستقبل التسامح ووضع نهاية للخوف، تاركين جانباً الحديث عن فوز حزب دون الآخر، أو أن هذا الحزب ينتمي إلى جناح اليمين أو اليسار من الممكن أن يتم توثيق هذه العملية من خلال الصحافة والانفتاح الثقافي ومن الممكن أن يكون لها صدى في بيانات الطبقة السياسية والنخب، لذا، أصبحت الديمقراطية موضوع مُدرك ذاتياً في عملية التحول، إنها الدين المدني الجديد. إنه الاقتناع والإيمان الذي سمح ببناء الديمقراطية في إسبانيا ولا سيما منذ اختفاء الصراعات التي أدت إلى الحرب الأهلية، تمثلت هذه الصراعات في مشكلة الإقليمية، الدور الغامض للجيش في السياسة والصراع الاجتماعي والطبقي الشديد.
لم ينفصل التحول الثقافي عن التغير الاجتماعي والسياسي، وتم الانتقال إلى التحول الثقافي بطريقة تدريجية في أعقاب وفاة فرانكو، ترأس ارياز نافارو حكومة غير مؤثرة، واستمرت لفترة قصيرة، وأفسحت هذه الحكومة الطريق إلى أدولفو سواريز لترأس الحكومة في عهد الملك فرانكو، ويعتبره الكثيرون المهندس المعماري لأسبانيا الجديدة بالاشتراك مع الملك نفسه. انتصر سواريز في الانتخابات الديمقراطية الأولى في يونيو 1977، وشكل حزباً بسرعة أطلق عليه “اتحاد الوسط الديمقراطي”، وقاد البرلمان المنتخب بطريقة ديمقراطية للمرة الأولى منذ الثلاثينات وقد اتضح سريعا نية سواريز في التعاون مع أحزاب المعارضة من أجل خلق إطار سياسي ديمقراطي جديد، مع تهميش جماعات داخل الدولة سعت إلى الاستمرارية وبما أن الحكومة حددت عملية التحول الدستوري الذي انبثق عن المؤسسات الديكتاتورية، فإن الطريق إلى الديمقراطية أيضا تم تحديده بطريقة تدريجية وتضمينية، بحيث جمعت بين النخب القديمة والجديدة، بدلاً من الاستعانة بالحديث فقط والانفصال عن الماضي تماماً.
وقد صرح مارافال بأن عملية التحول الديمقراطي أصبحت من مهام النخبة السياسية بعد عام 1977، انصب تركيز النخبة السياسية على مهمة كتابة الدستور الجديد قام بهذه المهمة ممثلين من سبعة أحزاب سياسية، بما فيهم الجناح اليساري (الاشتراكي والشيوعي)، والجناح اليميني (التحالف الشعبي)، والقوميين الكاتلاونيين إضافة إلى ذلك الحزب الحاكم (إتحاد الوسط الديمقراطي) أما المناقشات التي تمخض عنها الدستور فقد تم الاحتفاظ بها سراً خوفاً من معاداة الجيش وجناح اليمين المتطرف. شهدت الفترة من 1977- 1987 أيضا عملية تسريح من الجيش جراء تهديد اليمين المتطرف باتخاذ إجراءات انتقامية غير أن الضغط الشعبي لم يختفي تماماً، وعاد للظهور بقوة بعد عام 1979، دفاعاً عن النظام الديمقراطي الذي لا يزال في مهده.
وافق البرلمان على الدستور الجديد في أكتوبر 1977 وقد وضع الدستور قاعدة للحكم الذاتي الإقليمي، وأشار إلى الجنسيات المختلفة الموجودة داخل الدولة وتم طرح الدستور للاستفتاء الشعبي، وصوت نحو 89,7% من الشعب الاسباني لصالح الدستور، وكان التصويت مدوياً رغبة في التطلع إلى مستقبل ديمقراطي أفضل. لكن الأسوأ كان في إقليم الباسك، حيث امتنع 50% من السكان عن التصويت، وصوت 30,86% فقط لصالح الدستور.
أما الأقاليم الانفصالية، وهي إحدى أسباب الحرب الأهلية في الثلاثينيات، فلم تكن على وشك التلاشي مع الهجوم العنيف لعملية التحول الديمقراطي، وكان السؤال المطروح: هل القوميون سوف يتكيفون مع الديمقراطية، فضلا عن أنه لا يزال ثمة شكوك بنوايا الجيش واليمين المتطرف، وإلى أي مدى نثق في أنهم سوف يتصرفون داخل إطار القانون، فكلاهما يعارض تقديم أي تنازلات للقومية الإقليمية.
ركزت عملية التحول الديمقراطي (1977- 1982) على الإطار النظري الديمقراطي الرسمي، والمؤسسات الجديدة التي ترشد الدولة وتحكمها وكان الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي اهتماما قليلاً وقد خلقت الحكومة الانتقالية بالفعل بقيادة سواريز نوع من الاتفاق التعاوني مع اتحادات العمال في محاولة لتلبية الطلبات الاجتماعية والاقتصادية، تمخضت اتفاقات مونكلوا (بين الحكومة الأسبانية ومعظم الأحزاب السياسية الممثلة) من نتائج المفاوضات الثلاثية في خريف 1977 بين الحكومة والمعارضة والاتحادات، وقد اتفقت الاتحادات على رفع الأجور وفقا لمعدل التضخم لكي لا يتم زعزعة النظام السياسي الهش، في مقابل الوعد بحزمة من الإصلاحات الشاملة بعد اكتمال عملية التحول وقد انتهزت الأطراف الثلاثة الفرصة ليظهروا أنهم بالفعل قادرون على تحمل المسؤولية في نهاية الأمر، كانت مساهمة الحركة العمالية في إبطاء خطوة الطلبات الاجتماعية وتأجيلها في مقابل عنف ومعارضة من السلطويين (أنصار الخضوع إلى السلطة والطاعة للحاكم)، مساهمة غاية في الأهمية غير أن الاتفاقيات أيضا كان لها تأثير سيء على الديمقراطية الاسبانية، حيث تم اغلاق مفاوضات النخبة والسياسة عن الضغط الاجتماعي، وجعل الطلبات القطاعية من أسفل تبدو كأنها غير ديمقراطية.
لذا، ظل التحول الديمقراطي هشاً في اسبانيا، حتى بعد الموافقة على الدستور، وفي أعقاب عام 1979، ازدادت حركة العنف من جناح اليمين المتطرف الذي عارض عملية التحول الديمقراطي، الذي ظل ملتزماً تجاه الفرانكوزم بأنها حرب صليبية قومية كاثوليكية كبرى، كما صعد المنشقين الباسك من نشاطهم. أجهدت حكومة سواريز نظراً لفشلها في السيطرة على جناح اليمين المتطرف من جهة، والقوميين من جهة أخرى، فضلا عن عدم القدرة على مواجهة التدهور الاقتصادي والتصدي له. فاز سواريز في انتخابات 1979، غير أنه استطاع فقط تشكيل حكومة أقلية. دخلت أسبانيا حينذاك في أزمة، ولكنها لا تختلف تماما عن تلك التي في البرتغال. وسعى الحزب الاشتراكي الاسباني، وهو أكثر الأحزاب المعارضة، إلى إبعاد نفسه عن الحكومة من أجل كسب ميزة انتخابية عن طريق إضعاف حكومة الأقلية وتم إيقاف العمل باتفاقيات مونكولا في ديسمبر 1978.وفي غضون هذا، حاولت الحكومة تنفيذ برنامج الحكم الذاتي الإقليمي مع دعم سياسي ضئيل من الأحزاب الأخرى، ومعارضة من القوميين الباسك أصبح الموقف أكثر صعوبة بسبب ارتفاع حدة العنف، في الوقت الذي سعت فيه جماعة الباسكو الإرهابية في إجبار الحكومة على منحها امتيازات أكثر. وعلى نحو ينذر بالخطر، شرعت الجماعة اليمينية أيضا في شن حملات إرهابية وعنيفة، نتج عنها مقتل 123 فرد في عام 1979 بسب العمليات الإرهابية.
عدم قدرة الحكومة على السيطرة على الأحداث وعدم التوصل إلى رؤية يتفق عليها الأغلبية، مهد الطريق لعودة الجيش ففي فبراير 1981، حدثت محاولة انقلاب واحتجزت وحدة من الحرس الوطني أعضاء البرلمان كرهينة، فضلا عن التعبئة العسكرية التي قامت بها وحدات الجيش في برونيت، فقط خارج مدريد، وأحكمت سيطرتها على فالنسيا، لقد كانت محاولة انقلاب على التجربة الديمقراطية قادها مجموعة من العسكريين (الحرس الوطني) في 1981، إلا أن موقف الملك كارلوس آنذاك كان حاسماً في إجهاض تلك المحاولة ونزع الشرعية عنها، وهو ما أدى إلى الفشل في النهاية.
ما بين عامي 1981 و 1982 عندما كانت الانتخابات العامة قد تقررت, السياسة في البرلمان كانت حذرة ومتعاونة. عندما تم انتخاب الاشتراكيين في أكتوبر 1982، كان من بين المهام الرئيسية للحزب إصلاح القوات المسلحة. نجحت هذه الإصلاحات في مجملها، لكن ظهر على السطح المؤامرة التي كانت تهدف إلى الإطاحة بالديمقراطية في أواخر 1985. فليس بالكثير أن الجيش الآن ديمقراطي، الاستطلاعات تشير دائما إلى مستويات عالية للحنين إلى الماضي، إلى أيام فرانكو لكن التهديد تم احتوائه على مستوى المؤسسات.كان للجيش دور اجتماعي و لكنه الآن ضعيف حتى بالعدد.
كانت عملية التحول الديمقراطي في أسبانيا بطيئة وتدريجية، تخللها صراعات وتوترات كثيرة. لم تكن الديمقراطية محصلة يتعذر اجتنابها في أعوام 1975 أو 1977 أو 1979، برغم وجود أمور مواتية للديمقراطية مثل الهيكل الاجتماعي، والمحيط الجيوسياسي، والسياق الثقافي. لكن في أوائل الثمانينيات، أصبح من الصعب تخيل العودة إلى النظام السلطوي. كان تحول الجناح اليميني مهماً لاستقرار النظام الأسباني. أثناء فترة التحول، كان جناح اليمين هشاً من الناحية الانتخابية، وغير ذات شأن من الناحية الثقافية. إن موافقته على الدستور الجديد، بما فى ذلك إصلاح التعليم، وعلاقات الدولة بالكنيسة، وانتقال السلطة، ما هو إلا إشارة إلى طاغوت التغيير الذي لا يقاوم. لكن، وافق جناح اليمين مع مرور الوقت- على أن التسوية الدستورية لا يمكن ردها أو نقضها، ووافق تدريجياً على المشاركة الكاملة في الديمقراطية. وبرغم ذلك، أصبح اليمين في وئام مع الديمقراطية في التسعينات. لكن وبالرغم هذا النجاح، لم تُحل بعض المشاكل مثل الاشتمال أو التضمين، والدولة، وتقسيم البلد إلى أقاليم منفصلة متميزة لها استقلال محلي.
4) الديمقراطية تعود إلى أثينا: التحول في اليونان: وضع التحول الديمقراطي في اليونان، الذي بدأ في عام 1974، نهاية لديكتاتورية فاقت الحكم الديكتاتوري الذي كان يعاني منه كل من البرتغال وأسبانيا. حيث تولى الكولونيلات، بقيادة جورج بابا دوبولوس السلطة في عام 1967. واستبدلوا تماما الديمقراطية بدون سبب. وظلت الناحية السياسية في اليونان غير مستقرة سواء قبل الحرب العالمية الثانية أو بعدها، الأمر الذي كان غريبا تماما بالنسبة إلى دولة أوروبية، وقبيل عام 1945، أدى الصراع الطبقي، والتخلف الواضح، والهزيمة العسكرية, والخوف من اندلاع الثورة كل هذه الأسباب اجتمعت لجعل البرجوازية اليونانية تشتبه بالقدر الكبير من الليبرالية. واستبعد النظام السياسي الطبقة العاملة من الريف والحضر بينما كان يلبي مطالب النخبة في الحصول على امتياز اقتصادي داخل نظام اقتصادي ناقص. وقد استعيد العمل بالنظام الملكي، – بعد أن كان قد ألغي في عام 1923- و ألقت بثقلها وراء الدولة المناهضة للشيوعية التي ظهرت في اليونان قبيل الحرب العالمية الثانية.
وفي أعقاب احتلال محور اليونان وانتهاء الحرب العالمية الثانية، نشبت حرب أهلية (1946-1949) حرضت اليسار ضد جناح اليمين من أجل السيطرة على الدولة. هذا كان بمساعدة القوى الغربية التي كانت تحتاج إلى دعم اليونان ضد التوسع الشيوعي المنتظر في البلقان. بالنسبة لدياماندوروس أنه عقب عام 1949 تحولت المعاداة الشيوعية من مجرد أداة لإضفاء الشرعية على الدولة إلى مبدأ تخضع له استراتيجية قوية للتسريح والضوابط الاجتماعية التي وضعت لحماية النظام السياسي اليوناني ذو الطبيعة المنغلقة، تعزيزا له ولضمان استمراره قبل كل شيء.
وقد أدت الحرب الأهلية إلى اضطهاد اليسار اضطهادا شديدا. وبعد مرور عدة سنوات، صدر دستور ليبرالي، لكنه لم يطبق أبدا تطبيقا كاملا. لذلك فالعودة إلى الحكم المدني المحافظ الذي كان معمولا به في خمسينات القرن العشرين يقل كثيرا عن الديمقراطية الشكلية نظرا لأن الحقوق السياسية لعدد كبير من اليونانيين ما زالت تخضع لقيود. وفي الوقت ذاته، لعب الجيش دورا مهما في السياسة، ولعل مرجع ذلك، المشاكل المتعلقة بالأمن القومي، وفي ظل هذه الساحة التي تخضع للقيود والرقابة السياسية، كان اليمين تحت ضغوط قليلة للتحديث أو للدمقرطة. غير أنها في نهاية الأمر لم تتمكن من أن تمنع عدد من الحركات اليسارية من الظهور. ولقد ساعد في هذا النمو الاقتصادي الذي شهدته اليونان في 1950. وهكذا نجد أن السياسة في اليونان في فترة الخمسينات كانت تعاني من ثلاث أزمات: أزمة المؤسسات الليبرالية التي كانت تتمتع بقدر قليل من الشرعية في الداخل بسبب استبعادها على المستوى الشعبي، والأزمة الثانية أن الجيش، نظريا وعمليا، هو الضامن للنظام الحاكم البرلماني، والأزمة الثالثة – التي جاءت نتيجة لما سبق – أن اليسار الذي كان يتسم بالضعف كان في مواجهة النظام الحاكم. وكانت الدولة الليبرالية تقريبا جوفاء تماما.
وخسر اليمين الانتخابات العامة التي جرت في 1963. وتأكدت هذه الهزيمة بعد عام، ولكن حكومة الوسط الجديدة التي حلت محل اليمين كانت ضعيفة. ووسط هذا الفراغ السياسي والمساندة من قبل اليمين، تولى الكولونيلات السلطة في عام 1967، بهدف استعادة النظام، ولم يستطع الانقلاب في أحسن الأحوال إلا الحصول على رد غامض من حلفاء اليونان الدوليين في الناتو تعهدوا فيه بإصلاح المؤسسات الرسمية الديمقراطية على الأقل. وفي الوقت ذاته, كان التدخل العسكري قادرا على توحيد المعارضة في اليسار الوسطي بشكل لم يسبق له مثيل. لذلك فمن المفارقات أن نجد الانقلاب العسكري الذي قام لمنع ظهور اليسار، عمل على إحيائه وتوحيده بشكل مؤقت، ووقع المزيد من المشاكل عندما حاول النظام العسكري الحاكم إقصاء نفسه عن الصفوة من المحافظين وتمادى في حكم البلاد حكما ذاتيا، وغادرت العائلة المالكة اليونان احتجاجا على اتجاهات الجيش نحو الجمهورية.
ومع عدم وجود دعم اجتماعي قوي، تحول الجيش، على نحو سيئ للغاية، إلى عباءة الأمة أملا في إطلاق شرارة الإحياء القومي والوحدة الوطنية بعد زوال النظام الحاكم. حيث شرع المتشددون من العسكر الذين يتولون السيطرة على الحكومة بعد عام 1973 في محاولة مع الخارج من خلال الانخراط في المغامرة. حيث أصبحت قبرص، التي يسكنها كل من اليونانيين والأتراك والتي حاولت اليونان على مدى سنوات طويلة أن تؤكد بعض سيطرتها عليها، مركز اهتمام. وتبدو مغامرة قبرص وكأنها عرض على الحكومة أن تنتهز الفرصة وتلعب كرت القومية. وتقدم نفسها كحكومة تتعهد بحماية اليونانيين الذين يعيشون خارج البلاد وحماية القيم المسيحية، وساندت الحكومة اليونانية محاولة الانقلاب الذي حدث في عام 1974 ضد حكومة قبرص المنتخبة بشكل ديمقراطي بقيادة الأسقف مكاريوس، وسرعان ما أدت الأزمة في قبرص إلى انهيار النظام الحاكم.
وورد في كتاب المؤلفين لينز وستيفن, أنه على الرغم من أن المغامرة العسكرية كانت السبب في إنهاء الديكتاتورية، إلا أن أزمة النظام السلطوي اليوناني الحاكم كانت مؤسسية: فكان أساس السلطة داخل الدولة – حتى داخل القوات المسلحة – دائما ضعيفا. لا ينبغى اعتبار معارضة النظام الحاكم عاملا للضغط عليه نحو التفكك لأنه أبدا لن يزول تماما. وعلى الرغم من أن لينز وستيفن دون شك صححا تأكيد فشل تحويل الديكتاتورية إلى مؤسسات، ومن المهم التعرف على سبب شيء ثبت استحالة تحقيقه. وفي النهاية, فإن السلطوية لن تجد لنفسها مكانا في أوروبا الستينات والسبعينات, لذلك, كان البعد البيئي عاملا أساسيا في تقويض النظام الحاكم، ولم يتمكن الكولونيلات أبدا من تحقيق الشرعية الدولية.
ومع ذلك، كما هو الحال في التحول الذي حدث في البرتغال، إن محاولات زوال النظام السلطوي نهائيا قد باءت بالفشل, بسبب عجز النظام الحاكم عن التصدى للأزمات الخارجية. فهناك علاقة تربط بين بلاغته القومية وضعف قدرته العسكرية. وبالنسبة إلى الجيش اليوناني، فقد لعبت مشكلة قبرص دورا مماثلا لإنهاء للاستعمار الافريقي في البرتغال. حيث بدأ الكولونيلات بمحاولة إزالة الحكومة المنتخبة في قبرص ومن ثم التدخل في شؤون البلاد، بحجة حماية الرعايا اليونانين، في أعقاب الغزو التركي لقبرص. ولم تمر سوى أيام على الغزو، حتى أطيح بهم. المجتمع المدني والنخبة المدنية دعمت الانقلاب والجيش تم هزيمته لأنهم لم يستطيعوا فرض شروط على خروجهم.
وسرعان ما أتضح أن ما يركز عليه المحافظين هو استعادة المدنية، حيث أن السياسي المحافظ قسطنطين كارامانليس، الذي كان يسيطر على السياسة قبل عام 1967، قد عاد من المنفى. وإلى حد ما، فإن الأحداث التي وقعت في عام 1974 تعد بمثابة محاولة لاستعادة سياسة اليمين حسبما كان معتادا، وعودة إلى ليبرالية المحافظين المعادية لليسار والتي كانت سائدة في فترة ما قبل 1967. ولكن الاستراتيجية التي وضعها كارامانليس للسياسة المتبعة في فترة ما قبل عام 1974 كانت تشتمل أيضا على بعض العناصر الجديدة التي حملت بشرى التحرك نحو المصالحة الوطنية.
وكان التحول إلى الديمقراطية بشكل رسمي – تأسيس الإطار المؤسسي الجديد– يسير بسرعة ملحوظة تفوق السرعة التي سار بها في كل من البرتغال واسبانيا. ويرجع السبب في ذلك إلى أن النخبة السياسية قد أثبتت قدر أكبر من الاستقلال أثناء التحول الذي حدث في اليونان يفوق ما حدث في البرتغال واسبانيا. وفي نوفمبر 1974، أجريت أول انتخابات ديمقراطية انتصر فيها المحافظين بقيادة كارامانليس، وقد ضعفت المعارضة الشعبية والطلابية للجيش، بعد أن بدأت قوية في شهر يوليو عندما سقط الجيش، وأصبحت التهديدات بالحرب على قبرص تتصدر جدول الأعمال، وحققت السياسة التي انتهجها كارامانليس بشأن التنازلات الحكيمة لليسار نجاحا، ولكنها كانت محدودة، كما دفعهم فصل المحافظين عن الجيش في وقت متأخر إلى تبني شكلا لليبرالية، على ما يبدو، يستوعب عدد أكبر مما كان في الماضي. وقد وافق على وجوب تشكيل حكومة برلمانية تضم الأحزاب اليسارية. وكان الحزب الشيوعي يكتسب الشرعية. وقام كارامانليس بتأجيل محاكمات الجيش، ولكنه كان يوافق على أنها ستتم في نهاية الأمر. لقد ظهر، باختصار، شخصية قوية، يوفر الاشراف والإصلاح الحقيقي للطبقة السياسية، والدليل على ذلك القرار الذي اتخذه بشأن إجراء استفتاء حول مستقبل النظام الملكي، الذي لطخ في الماضي كل الأسر المالكة في أوروبا، وفي ديسمبر 1974، أدلى ما يقرب من 70 في المائة من الشعب لصالح الجمهورية.
وفي أكتوبر 1981، انتصر الاشتراكيون في الانتخابات العامة، بما يعني أن التناوب في تشكيل الحكومة وتسليم السلطة سلميا لليسار كان أمرا ممكنا. ومع ذلك فإن أكبر مشكلة كانت تواجه الديمقراطية, هي فصل الطبقة السياسية عن المجتمع عموما. وعمل النظام الجديد على توسيع المجتمع السياسي بفتحه أمام اليسار، ولكنه ظل لا يستجيب للضغوط التي تأتي من أسفل. فكان حزب (باسوك)، وهو حزب اشتراكي يوناني، كان في الواقع حزبا شعبيا ولم يكن حزب ديمقراطي اشتراكي وكان يستنسخ أشكالا تقليدية من الشخصيات, والتعاون وكأنها مبادئ تنظيمية. وكانت العلاقات التي تربط بين الأحزاب والمجتمع المدني ضعيفة، وقدم الاشتراكيون أنفسهم على أنهم حزب الشعب، وليس بضم الشعب على حسب مراتبهم، ولكن بدلا من سياسة الرعاية الأبوية. فقد كانت الشخصيات المسرفة والفساد الذي صاحب الحكومة الاشتراكية باباندريا في فترة الثمانينات دليلا واضحا على احتقار النخبة السياسية من قبل المجتمع، كما أن أسلوب تشغيل الدولة كان يؤكد الاحتفاظ بالامتيازات ويحمي الطبقة البرجوازية التجارية والصناعية التي تعتمد على الدولة، وبالتالي ظلت الدولة العقبة الكؤود التي تواجه تعميق الديمقراطية.
5) تنظير التحول: لقد تم تنظير التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا بعدة أساليب. ويدافع جينر على أن الاقتصاد السياسي ركز على التحول في جنوب أوروبا. هذا سمح له بتحديد نموذج وتفسير مشترك يمكن تطبيقه على الثلاث حالات جميعها. ويقول إنها نتاج النموذج المشترك للتطور: فالتاريخ يمضي في مراحل من السيطرة الأوليجارشية (الاعتمادية في السلطة على عدد قليل من الناس) إلى الهيمنة البرجوازية، ومن الديكتاتورية الفاشية إلى النظام الدستوري. وعلى نحو مشابه يقول سول تورا (1988) أن جنوب أوروبا يشكل منطقة متميزة في أوروبا في عاداتها السياسية وإيقاعها في التطور. وتقوم هذه المقولات على ما هو أكثر من الحالات الثلاث كلها، حيث بدأت كل من البرتغال واليونان واسبانيا في غضون سنوات قليلة من بعضها البعض. وهم يؤكدون النموذج الإقليمى للتطور الرأسمالي والدور الأساسي الذي تلعبه الدول الثلاث في تشجيع عملية التطور وتشكيلها. بمعنى آخر سول تورا يتبنى تفسير هيكلي يجعل الدولة في نهاية المطاف مركز تحليله، فالتركيز على الدولة يعطي تفسيرا لأسباب ظهور التحول في وقت واحد تقريبا.
وعلى العكس من ذلك، فقد ركز الباحثون على الوكالة (وكالة النخبة) والاختيار المحتمل في الفترة التي تلت انهيار النظام الحاكم. وحلل أخرون أنشطة التحول الديمقراطي للمنظمات الاجتماعية، ووضع ديسفور أدليس تحليلا ثقافيا للتحول في اسبانيا الذي يعطي الأولوية للتحولات الثقافية للشعب والنخبة، الأمر الذي أدى إلى ظهور أسلوب جديد حقيقي لفهم التاريخ القومي. كما ركزت دراسات أخرى جزئية عن التحول الديمقراطي في اليونان على أهمية التحولات الثقافية بمرور الزمن في تفسير كيفية تأصيل الديمقراطية. وتركز هذه الدراسات جميعها على أن هذه التحولات لم تكن حتمية بل كانت نتيجة تصرفات عن وعي أو غير وعي قام بها أفراد ومؤسسات.
كل هذه التفسيرات تعطي شيئا مهما يمكن فهمه فيما يتعلق بعملية تغيير النظام الحاكم في جنوب أوروبا. ودون تمييز لمستوى من التحليل (القومي أو العالمي) أو عنصر من العناصر التي تقوم بالتغيير (الحركات التي تقوم بها النخبة أو الشعب) وسوف نحاول الآن تحديد العوامل المختلفة التي أسهمت في تحقيق الديمقراطية في أسبانيا والبرتغال واليونان والتي تختص بدور الدولة والمجتمع المدني والنظام العالمي.
أ‌- الدولة:
• الدولة باعتبارها الفاعل في التحول الديمقراطي:
كان ضعف التصنيع في أوروبا الجنوبية يعني ضرورة تدخل الدولة من أجل التوسع في الرأسمالية الصناعية، وكان المجتمع المدني خاصة في شكل البرجوازية ذات العقلية المستقلة, يفتقر إلى التطوير في جميع أنحاء المنطقة حتى الستينيات على الأقل. وكانت النتيجة أن أصبحت الدولة قوية ولديها قدرات متميزة للبنية التحتية. وقد أثار التطور الذي حدث مؤخرا فكرة أن تكون جنوب أوروبا شبه هامشي في العالم الرأسمالي تابعة للمراكز الرأسمالية العالمية من خلال التجارة والاستثمارات ومع السياسات المعمول بها، على الأقل بشكل جزئي، وفقا لمتطلبات إصلاح النظام الرأسمالي، وكانت الدولة قوية في مواجهة مجتمعها المدني ولكنها ضعيفة في مواجهة العوامل الخارجية وخاصة القوى الرأسمالية أو الشركات الدولية. وكان من المفترض بعد ذلك أن غياب الديمقراطية سيكون في صالح الرأسمالية الموجودة في الإقليم.
لم تكن الدولة شبه الهامشية التي تقع في جنوب أوروبا تحكم حكما ذاتيا أو مستقلا عن جميع المجموعات الاجتماعية. وفي الحالات الثلاث، كانت الدولة تتمتع تاريخيا بعلاقات وطيدة بالطبقات العليا. ففي اليونان، على سبيل المثال، كانت مجموعة من الأسر الأولجارشية تسيطر قليلا أو كثيرا على الدولة حتى قيام الانقلاب العسكري في عام 1967. وفي الواقع فقد كانت الصعوبات التي تواجه إضفاء الشرعية على التدخل الذي حدث في عام 1967 يرجع بشكل جزئي إلى تعطل النماذج التقليدية في الطبقات العليا عن الوصول إلى الدولة، تاركين الكولونيلات بدون قاعدة قوية تدعمهم في المجتمع. وفي البرتغال، نجد أن مصالح كبار أصحاب الأراضي وصغار البرجوازيين التجاريين والصناعيين يحميها نظام سالازار الحاكم. وفي اسبانيا، نجد أن علاقة فرانكو الوثيقة برأس المال موثقة توثيقا جيدا ( باستثناء الرأسمالية الكتالونية).
ولذلك نجد في الحالات الثلاث أن الدولة نفسها تمثل أهمية في السياسة وأن دور الدولة كان مهما في سياسة التحول الديمقراطي، وكان ذلك مؤكدا تماما في حالة أسبانيا. حيث ظهر حزب التحول، حزب اتحاد الوسط الديمقراطي والقيادة السياسية الرئيسية من داخل بيروقراطية الدولة. وقام العديد من أعضاء نخبة فرانكو أو البيروقراطية بتشكيل أحزاب للجناح اليميني في الديمقراطية الجديدة. وقد كان هذا صحيحا بطرق مختلفة في البرتغال، فقد جاءت ثورة 1974 من داخل الدولة نفسها، من القوات المسلحة. فقد كانت الدولة قاعدة سياسية مهمة بعد انهيار نظام كايتانو. لقد كان، في الواقع، أقوى بكثير من أي منظمة من داخل المجتمع المدني. وها يفسر لنا كيف استطاعت حركة القوى المسلحة أن يكون لها مثل هذا التأثير في السياسة بهذه السرعة. وفي اليونان، فشلت الكولونيلات في أن تبني على الماضى أو أن تنشئ إطار جديد حقيقي لنشاط الدولة، وعلى الرغم من ذلك فلم يستطعوا إزالة الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي تتمتع بها الطبقة العليا، فكانت جهودهم تهدف إلى بناء دولة أكبر تحكم حكما ذاتيا على حساب فشل المجتمع المدني. والنتيجة أن الدولة نفسها كانت تمثل أهمية أقل بكثير في التحول وأحد تلك الأسباب لماذا كانت فترة التحول قصيرة – المقصود الفترة التي بين الانهيار والانتخابات الديمقراطية–: كانت النخبة المدنية تستطيع أن تعيد تأكيد نفسها بسرعة فائقة ولكنها أساسا لم تتغير.
يكمن وزن الدولة في إثبات وجود عنصر لتحقيق الاستقرار في السياسة الاسبانية خلال الفترة الأولى من التحول. وقد تحقق ذلك في البرتغال بقدر أقل بكثير، فاحتلال البلاد لم يحقق للقوى المسلحة أية ميزة هيكلية طويلة المدى، ولا الاشتراكيون الذين تولوا السلطة لم يستخدموا الدولة كوسيلة للتحول الديمقراطي، لأنه قد ثبت في نهاية المطاف انها ضعيفة و أكثر من ذلك فهي أداة لدى الطبقات العليا. ويشير جلاديش أن هيكل الحزب في فترة ما بعد التحول، وتكمن أهمية ذلك آنذاك في أنها كانت تمثل الأدوات التي تستخدمها الدولة المسيطرة والمتنازعة، ظل حقيقة أساسية لصورة المنافسة بين النخبة. ويقول بيرميو أن الدولة البرتغالية كانت مرتبطة على مدى فترة التحول بالبرجوازية التجارية والصناعية. وفي حالة اليونان، كانت قوة الدولة مرتبط بفقدانها السيطرة أثناء مرحلة التحول. وفي أعقاب أول انتخابات عادت الدولة مرة أخرى لتحتل مكان الصدارة في السياسة اليونانية. ومع ذلك، مهما لعبت الدولة دورا في مساندة التحول الديمقراطي، فإنه أمر مشكوك فيه للغاية؛ إذ إنها تظل في الأساس وسيلة متاحة للنخبة تستخدمها لتزيد من قوتها.
• مؤسسات الدولة والتحول الديمقراطي: يعتبر تحول الدولة أساس الديمقراطية، وقد عاشت أسبانيا والبرتغال واليونان تحول مهما للدولة منذ بدأ التحول الديمقراطي. فقد قدمت الدول الثلاث مؤسسات ديمقراطية ليبرالية، يجرى فيها بانتظام انتخابات حرة ونزيهة ولديها أنظمة متعددة الأحزاب. وقد واجهت الدول الثلاث، التي قدمت نظاما برلمانيا أثناء التحول، أزمات سياسية واقتصادية وظلت في مكانها، فهناك حد أدنى للتوطيد، وعلى الأقل في أنحاء المنطقة.
ومع ذلك فإن السؤال الأكثر أهمية هو إلى أي مدى التغيير المؤسسي تم تحقيقه. لذلك فإن الصورة لم تكتمل تماما وهناك اختلافات مهمة بين الدول الثلاث، ففي أسبانيا واليونان، نجد أن العلاقة بين النخب الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية وبين الدولة أثبتت وجود صعوبة في التغيير – حيث تستمر النخب في استخدام الدولة كوسيلة لتحقيق مكاسب خاصة. فقد الاشتراكيون في اليونان سلطتهم في أواخر الثمانينات وسط فضائح فساد وسوء إدارة, والتي لم تشر سوى إلى أى مدى رأى السياسيون أنفسهم أنهم فوق المجتمع عموما. والأمر نفسه في اسبانيا، حيث فقد الاشتراكيون الاسبان مناصبهم في أوائل التسعينات وسط اتهامات بالفساد واختلاس المال العام. فلازال ينظر إلى أن الحصول على منصب سياسي يعد وسيلة لجمع الأموال – إحدى الوظائف التقليدية للسياسي في جنوب أوروبا.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تحققت أيضا نجاحات حقيقية من حيث كيفية عمل المؤسسة. على وجه الخصوص، هناك نموذج ثابت في تأصيل الدولة الديمقراطية من خلال إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، ويعرض مارافيل كيف انخفض التفاوت في الدخل بشكل ملحوظ في كل من اسبانيا والبرتغال نتيجة للتحول الديمقراطي. ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه نحو الديمقراطية من خلال نظام الرعاية الاجتماعية كان أكثر وضوحا في السنوات الأولى التي تلت التحول مما هي عليه اليوم. وفي الحقيقة فإن الدول الثلاث قد شهدت اقتصادا سياسيا جديدا في أواخر الثمانينات التي صممت لإضعاف الدور المباشر للدولة في الاقتصاد, بعد خوض طريق مماثل خاضته دول أوروبية أخرى عند انكماش الدولة، وقد كان لذلك تأثيره في إضعاف الدولة كمصدر لإعادة توزيع الدخل.
• الدولة كعقبة في طريق تعزيز الديمقراطية: ومن الدول الثلاث، فإن وحدة الدولة في البرتغال مشكلة تواجه البرتغال ولاشك في ذلك، أما القومية فى مقدونيا فلازالت حتى الآن مشكلة صغيرة تواجه اليونان. ولكن في اسبانيا, فقد ثبت أن مشكلة الفصل مشكلة مستعصية، غير أنها لازالت حتى الآن لا تشكل تهديدا خطيرا يهدد الدولة الأسبانية نفسها، ولكنها دون شك قللت من جودة الديمقراطية. كما أن ظهور الدولة الفيدرالية نتيجة لوضع القانون الجديد لم يضعف شرعية جماعة الباسك الوطنية المسلحة في دولة الباسك. ونظراً لاستمرار الصراعات القومية، فقد شارك كل جماعة الباسك الوطنية المسلحة وقوات الأمن الأسبانية في أعمال ضد الديمقراطية. وفي عام 1977، أدى التشريع ضد الإرهاب إلى تعليق عدد من حقوق المعتقلين ومن بينها حق توكيل محام لحضور التحقيقات. ويضاف إلى ذلك أن الشرطة في محافظات الباسك التي أساءت استخدام سلطاتها في المعتقل. وضمن جهودها أيضا لهزيمة جماعة الباسك الوطنية المسلحة، خاضت وزارة الداخلية حرب قذرة في فترة الثمانينات وقتلت خلالها عدد من الأبرياء في هذه العملية. وأخفى الحزب الذي كان يشكل الحكومة آنذاك، الحزب الاشتراكي، هذا السر عن العامة وعن المحاكم، في محاولة منه لتهميش العملية القضائية. باختصار وجود القومية الانفصالية دفع الدولة الأسبانية نحو تبني أساليب تتسم بالعنف وغير ديمقراطية، ومع ذلك فسوف تظل القومية الانفصالية قضية مثيرة للجدل ولكنها أقل بكثير مما يدور في قضايا شرق ووسط أوروبا.
ب‌- التحول الديمقراطي والمجتمع المدني: لقد أسهم التطور الاقتصادي الذي شهدته الخمسينات والستينات في تقوية المجتمع المدني في المنطقة، وحتى ذلك الحين، فقد كانت المرونة الاجتماعية والثقافية التي تتمتع بها الطبقات العليا تعني أنهم وحدهم الذين يمكنهم الوصول إلى الدولة. وفي حالة اسبانيا والبرتغال، نجد أن سيطرة الكنيسة الكاثوليكية والربط بين الكنيسة والأنظمة الديكتاتورية قد أسهم في منع ثقافة الحكم الذاتي المدني القوي من التطور، ووفر التحول الديمقراطي فرصا تهدف إلى توسيع منظمات المجتمع المدني في المنطقة. ومع ذلك فقد اتجهت قوة الدولة إلى الحد من فعالية منظمات المجتمع المدني، لقد حقق التحول الديمقراطي في المجتمع السياسي (الأحزاب السياسية والنخبة السياسية) نجاحا بينما ظلت الدولة تشتبه في قوى المجتمع المدني.
• التعبئة الجماهيرية والديمقراطية: قبل ظهور التحول الديمقراطي، كانت الطبقات العليا، كل من النخب التجارية والنخب من أصحاب الأراضي، تتمتع بامتيازات هائلة. ففي البرتغال واسبانيا، كانت الطبقات العليا تفضل بشكل مباشر الحكومة السلطوية الاستبدادية كوسيلة للدفاع عن ثرواتهم ومكانتهم. وكانت الحركات التي تأتي من أسفل بمثابة قوة تساند التحول الديمقراطي، على الرغم من أن الموازين تتغير في الحالات الثلاثة من حيث طبيعة وفعالية الحشد الجماهيري حيث تبلغ ذروتها ثم تنخفض في أوقات مختلفة خلال عملية التحول الديمقراطي.
وظهرت معارضة شعبية واسعة ومستمرة للأنظمة الديكتاتورية لأول مرة في أواخر الستينات. وكان ذلك أمرا حقيقيا خاصة في اسبانيا حيث تأسست المعارضة منذ أوائل الستينات عندما دخلت الحركات الشعبية الريفية والحضرية تاريخ المنظمات ويرجع تاريخ تلك الحركات إلى فترة ما قبل نظام حكم فرانكو. واندلعت احتجاجات عمالية واضطرابات طلابية في اسبانيا ومعارضة من القومية الكتالونية والباسك بأسلوب بارز ولأول مرة. وكانت هذه العملية أقل وضوحا في البرتغال من أي مكان آخر في المنطقة لأن ما وراء الحزب الشيوعي كان هناك القليل من التقليد على المنظمة مقارنة مع المجموعات من غير النخب. كان عدد كبير من البرتغاليين لا يزالون منعزلين عن الحياة السياسية حتى أوائل السبعينات. وفي اليونان، واجه الكولونيلات احتجاجات طلابية مكثفة في أوائل السبعينات. وكما كان يحدث في اسبانيا، نجد أن هذه الاحتجاجات كان يؤججها أوضاع النظام الحاكم والاتجاه الدولي الواضح نحو النشاط الشعبي، لفت الطلاب في اليونان واسبانيا الأنظار والانتباه وخطفوا القلوب حيث انفجرت على أثارهم موجة من الاحتجاجات الطلابية والاحتجاجات الجماعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة آنذاك.
نشاط المجتمع المدني له تأثير محدود على الأنظمة الديكتاتورية في اليونان والبرتغال على وجه الخصوص. وكان من الصعب أن نقول أن سبب انهيار النظام الديكتاتوري في اليونان يرجع إلى الاحتجاج الجماهيري. ولا أن نقول أن المنظمات الشعبية كانت قادرة على تحديد، بأي أسلوب بارز، أشكال التحول. وعلى نحو مماثل, فعلى الرغم من تدفق مشاعر العامة نحو الانقلاب العسكري الذي قام في عام 1974, في لشبونه وبورتو على وجه الخصوص إلا أن دينامكية الثورة كانت تحددها النخب من داخل الدولة . لم تكن هناك دائرة خلاف سوى في اسبانيا مما كان له أثره في سياسة التحول. وقد تأسست حركات احتجاجية من بعض الجماعات التي تقوم في الأساس على المجتمع وجماعات إقليمية ومنظمات عمالية وطلاب وجماعات نسائية في الفترة ما بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات, الأمر الذي دفع النخبة إلى التوجه نحو الجماعات والتوقف عن الاستمرارية في مساندة الديكتاتورية بعد زوال فرانكو نفسه. ومن أسباب نجاح تلك الجماعات أن المنظمات الشعبية خاصة التي كانت في مدريد وبرشلونة كانت تعتمد على العادات والتقاليد المعروفة تماما والتي كانت ترجع إلى الأساطير لتشجيع الآخرين على المشاركة. وهناك سبب آخر, وهو نضج المنظمات وتبنيهم لجدول أعمال سياسي واضح. وتقريبا فقد كانت جميع المنظمات الشعبية في أواخر السبعينات تهدف إلى الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية وتعزيز التحول الديمقراطي في المجال السياسي – على الرغم من أنه لم يكن من الضروري توضيح ما كانوا يقصدونه بالضبط وفقا لبلاكلي:
وكان الفرق الأساسي بين المجتمع المدني في فترة ما قبل الحكم الديكتاتوري لفرانكو وتلك التي تطورت من قبل فرانكو…, هو إعادة تسمية المؤسسات والحركات الاجتماعية في المجال السياسي المؤسسي. وعلى عكس ما كان يدور في فترة الثلاثينات فإن هذا النشاط الذي شهدته الحركات والمؤسسات الاجتماعية في الصراع ضد الفرانكونية كان يقصد بها شكل الدولة وطبيعتها وعلاقات تلك المنظمات بالأحزاب السياسية … لذلك فلم تعد المشاركة وحدها تفهم من حيث وجود المنظمة نفسها داخل المجتمع المدنى ولكن كانت تتوجه بشكل متزايد للتأثير في نشاط الحكومة داخل المجال السياسي.
وعلى الرغم من هذا النشاط, فإن دور المجتمع المدني في تشكيل إطار الديمقراطية الجديدة أصبح محدودا جدا. وفي أعقاب عام 1977 بادرت الأحزاب السياسية بالمزيد من المشاركة الديمقراطية ثم توقفت عن ذلك على نحو بطئ. وتسعى الحركات العمالية إلى دمج المؤسسات بعد تحقيق التحول الديمقراطي وتتجه الجماعات الإقليمية إلى المنظمات المجتمعية التي لا تعترف بها الدولة. والنتيجة فإنه حتى اسبانيا لديها حاليا موروث من المؤسسات يرجع عهدها إلى فترة القيام بهذا النشاط الاجتماعي المكثف.
ت‌- العوامل العالمية: كانت جنوب أوروبا تمثل أهمية بالنسبة لعدد من العوامل الخارجية المختلفة أثناء فترة التحول. وفي الوقت ذاته فقد كان السياسيون في اسبانيا واليونان والبرتغال يدركون جيدا القيود التى تفرضها بلادهم التي تعتمد اقتصاديا وجغرافيا وسياسيا على أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وبوجه عام فقد كانت الأبعاد الخارجية تمثل جانبا إيجابيا بالنسبة للتحول الديمقراطي في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك فإنه يرجع السبب في ذلك من ناحية إلى التحول الديمقراطي الذي أدى بشكل واضح إلى تحقيق المنطق الداخلي ومن ناحية أخرى لأن التحول الديمقراطي لم يكن يمثل خطابا دوليا كاملا في فترة ما قبل السبعينات لأن ثقل العالم على الدول كان في جنوب أوروبا أقل من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وشرق أوروبا ووسطها.
• الانضمام مجددا إلى أوروبا: يكمن السبب وراء اعتماد المنطقة على الخارج إلى أنها وصلت متأخرة إلى التطورات الأساسية التي وضعت أسس السياسة في أوروبا. كانت اليونان وأسبانيا والبرتغال تسير ببطئ نحو الرأسمالية الصناعية وكانت الطبقة البرجوازية في جنوب أوروبا أيضا متأخرة عن مثيلاتها في أوروبا الغربية في التعلم والحاجة إلى التعلم والتكيف مع حالة عدم اليقين في الديمقراطية. ونظرا لهذه الأسباب, فإن دول أوروبا الجنوبية وصلت إلى التكامل الإقليمى والمجتمع الأوروبي في وقت متأخر. والنتيجة أن أوروبا قد احتلت مكانتها في التنمية والديمقراطية, ولعبت دورا مهما في تأسيس الأيديولوجيات المعارضة في أسبانيا واليونان والبرتغال. وبالأسلوب نفسه كانت مقاومة أوروبا تمثل أهمية بالنسبة للنخب المعارضة للديمقراطية. لذلك فإنه بالنسبة لأنظمة فرانكو التي لا تموت بسهولة والعناصر الرادكالية للحزب الاشتراكي التي ترفض الانضمام إلى أوروبا كانت تمثل أسلوبا لمقاومة الديمقراطية الليبرالية لذلك فإن قبول جنوب أوروبا كجزء من أوروبا بمفهوم سياسي واقتصادي يمثل خطوة مهمة على طريق التحول الديمقراطي.
كان تأثير أوروبا الغربية على الأحداث في أوروبا الجنوبية كبيرا بسبب ما تمثله أوروبا من الناحية الرمزية. ويصعب تتبع ذلك على وجه الدقة وتحديده. كما وحددت أوروبا الغربية نتائج تخرج بها أوروبا الجنوبية بسبب التأثير الذى تمارسه عليها. ومن المؤكد أن المجتمع الأوروبي لم يقبل اسبانيا والبرتغال واليونان كأعضاء إلا بعد ترتيب أمورهم وكان ذلك مدعوما بالديمقراطية في أوروبا التي صارت يدا بيد لتحقيق مستويات معيشية أفضل لجميع فئات المجتمع أكثر من أوروبا الجنوبية. وكان التأثير الثقافي الذي يتمثل في الأفلام والموسيقى والخيال والسياحة وكل هذه الأمور مجتمعة قدمتها أوروبا كاختيار صارخ شديد الوضوح لتختار بين: أوروبا والتطور أو القومية والاضمحلال. وضعت حسابات ردود الأفعال في باقي دول أوروبا بالنسبة للأحداث المحلية والقومية أساسا للاختيارات التي قادت إلى إشراق النخب في التحولات. ولكن بالنسبة لعامة الشعب فكان الاقتراب من أوروبا يجعلهم يشعرون أن الديمقراطية هي حقهم. فالحقيقة أن مجرد تباطأ تلك الدول في أن تتصور نفسها جزءا من أوروبا وأنها ليست دولا لاتينية (أسبانيا – البرتغال), البالقان (اليونان) أو مجرد أنها مختلفة وفريدة يعتبر دليلا على حدوث تغير ثقافي كبير لأن كلا الدولتين مهدتا الطريق نحو التحول الديمقراطي و جعلته ممكنا.
وجه المجتمع الأوروبي اللوم إلى أوروبا الجنوبية وشجعها على المضي قدما نحو الديمقراطية من خلال عدد من الأساليب الملموسة. وعلى الرغم من أن العضوية في المجتمع الأوروبي كانت تمثل أمرا حيويا بالنسبة إلى تطورهم الاقتصادي, إلا أن المجتمع الأوروبي لم يقبل كلا من البرتغال وأسبانيا واليونان إلا بعد تحولهم الديمقراطي. ويضاف إلى ذلك, أنه كان من الواضح أن الديمقراطية تتخطى ما هو أكثر من الانتخابات وقد أكد المجتمع الأوروبي على وجه الخصوص – وخاصة البرلمان الأوروبي – احترامه لحقوق الإنسان ولضم هذه الدول إلى المجتمع الأوروبي بدون عضوية، وفي الوقت ذاته، وكعلامة على التشجيع، فقد عقدت الاتفاقيات المتوسطية في السبعينات للتشجيع على التبعية التجارية.
• البعد الجيوسياسي: كانت أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على دراية كاملة بالقيمة الاستراتيجية الهائلة الناتجة عن امتلاك أوروبا الجنوبية للأمن. فدول هذه المنطقة مجتمعة تتحكم في المرور من خلال البحر المتوسط وتشكل الجبهة الغربية مع أفريقيا والعالم الثالث. ولعل ذلك هو السبب الذي ترجع إليه أهمية تلك المنطقة حتى أن الولايات المتحدة دفعت الدول الأوروبية الغربية الرافضة إلى قبول اسبانيا كجزء من أدوات الدفاع في الحرب الباردة في الغرب في 1950. وأصبحت البرتغال السلطوية واليونان التي لا تكاد تكون ديمقراطية جزءا من خط الدفاع الرسمي وانضمت إلى حلف شمال الأطلنطي (الناتو).
لقد كان البعد الجغرافي السياسي للغرب مساندا للديمقراطية الوليدة في المنطقة و بشكل واضح في حالة البرتغال. وبواعث القلق الأمريكية التي أثيرت حول الأحداث التي وقعت في البرتغال في عامي 1974و 1975 موثقة توثيقا جيدا. وكما أشار ماكسويل بأن جهود الولايات المتحدة الأمريكية لاحتواء الثورة قيدتها الولايات المتحدة قبل الاحتلال بسياسات داخلية كانت موجودة آنذاك نتيجة فضيحة ووترجيت ونتيجة ضعف مصادر المعلومات في البرتغال:
حسب كوردماير, أن رئيس الاستخبارات الأمريكية في لندن آنذاك ذكر قائلا (عندما قامت الثورة في البرتغال خرجت الولايات المتحدة لتناول وجبة الغداء لقد اندهشنا تماما) وكان السفير الأمريكي في لشبونة خرج ليزور إحدى القواعد العسكرية هناك عندما قام الانقلاب العسكري. ولأن مطار لشبونة كان مغلقا قرر الذهاب إلى بوسطن لحضور لم الشمل في هارفرد. والنتيجة أن الحركة في البرتغال أصيبت بالشلل بسبب نقص الإدارة والإرتباك في واشنطن.
وأدى ذلك إلى تهديدات نتجت عن استياء الغرب ومخاوف من تدخل الولايات المتحدة في السياسة البرتغالية، فالاعتماد على القوة الخارجية يولد فكر وعقلية خائفة تقود البشر إلى سلب حرياتهم وفي نفس المعنى نجد فكرة كسر البرتغال للتحالف مع الدفاع الانجليزي – الأمريكي حيث رغبت القوة المسلحة في ذلك وتحالفت مع بلاده بدلا من تطوير السياسة العالمية الاستعمارية السابقة ولم يكن كل هذا إلا أضغاث أحلام وأوهام وأخيرا فقد شعروا أن المزيد من التهور سوف يؤدي إلى التدخل في شئون بلادهم.
لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة الحريص على الحفاظ على أمن وسلامة أوروبا الجنوبية من أجل الغرب حتى في حالة اسبانيا حيث إن القوى الغربية قد لعبت دورا واضحا في التحول. والجدير بالذكر، على سبيل المثال، أن الملك خوان كارلوس ذكر أول إعلان قاطع له بشأن تأييد الديمقراطية في خطاب وجهه إلى الكونجرس الأمريكي واجتهدت الولايات المتحدة في إقناع الحزب الاشتراكي الحاكم في فترة الثمانيات أن عضوية الناتو سوف توطد التحول، وفي الحقيقة كان ذلك ضغط من جانب الولايات المتحدة وأن قولها أن عضوية الناتو سوف تدعم التحول قد أدى في النهاية إلى قبول الاشتراكيين لعضوية الناتو حيث قالو أن ذلك أمر لابد منه.
• التأييد الدولي من أجل التحول الديمقراطي: بدأت السياسة المعاصرة بشأن الوكالات غير الحكومية في تقديم المساعدات الديمقراطية منذ أن بدأت التحولات في جنوب أوروبا. فقد حددت الأحزاب السياسية الأوروبية ذلك ونفذته وقللت من فرصتها في أن تلعب دورا دوليا وتدفع ما ينظر إليه على أنه حلول أوروبية لمشاكل الصراع الاجتماعي وتكفل مناخ سلميا للتطور الأوروبي. وهكذا نجد الأحزاب السياسية بالعديد من الأساليب هي المهندس المعماري الذى يبني أول سياسة مؤيدة للديمقراطية من الموجة الثالثة. ويقول بريدهام أن تقديم المساعدات لأحزاب سياسية أثناء فترات التحول له أثر ذو عدة أبعاد: فهو لا يقوي الحزب فقط عن طريق تلقي الأموال والتدريبات والتقنية ولكنها أيضا تقوي نظام الحزب وتساعد على ابتكار نظام حزبي واسع الأطياف.
ولعبت الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية دورا مهما في دعم الديمقراطية في جنوب أوروبا من الخارج. وكان ذلك على وجه الخصوص في اسبانيا والبرتغال حيث قام الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني (ثم الغرب بعد ذلك) بأنشطة عديدة على وجه الخصوص. حيث وهب ليس فقط موارد مالية كبيرة و لكن أيضا قام بمهمة دولية واضحة, وقام الديمقراطيون الاشتراكيون الألمان الغرب بابتكار أو بتقديم مساعدات للأحزاب الاسبانية و البرتغالية. كما ساعدت تلك الأحزاب فكريا ودفعتهم نحو سياسات الاعتدال والتخلي عن الماركسية. وقد نجحوا بشكل ملحوظ في ذلك فقد ساعدت الأحزاب الألمانية على إنشاء حزب قادر على الفوز في الانتخابات في البرتغال بل كان الحزب يلبي تماما احتياجات التحديث الاقتصادي. تخلى الاشتراكيون الاسبان عن الماركسية قبل وصولهم للسلطة وتبنوا التطور الرأسمالي بحماس وطبقوه في الحكومة ثم نشر الاشتراكيون الاسبان أخبارا جيدة بعد ذلك بشأن الاشتراكية المعتدلة في أمريكا اللاتينية وكان ذلك في فترة الثمانينات وبهذه الطريقة استطاع الاشتراكيون الأوروبيون في الجنوب من إلقاء صورتهم الراديكالية المعادية والمتهورة لرأس المال.
6-الخاتمة: بالنسبة للتحولات الديمقراطية الحديثة تعتبر الديمقراطية في جنوب أوروبا هي الأقوى. فهي أيضا المنطقة التي تقوم فيها الديمقراطية على مؤسسات محلية قوية والدليل على ذلك شديد الوضوح ويعد المناخ الدولي عنصرا إيجابيا لتوسيع الديمقراطية. والسبب في ذلك من ناحية أن الديمقراطية تعتبر فرصة جيدة ولها تاريخ في المنطقة كما أنها كانت جديدة وشمولية بشكل معقول. إن الدول الديمقراطية التي ظهرت بعد التحولات التي قامت في فترة السبعينات ينظر إليها على أنها مؤسسية وليس على أنها يعاد تأسيسها بعد فترات التوقف. ويضاف إلى ذلك أن الديمقراطية ترتبط لأول مرة بتحسين الرعاية والأوضاع الاجتماعية.
ثم أدت التحولات الأوروبية الجنوبية إلى تأسيس أنظمة ديمقراطية رسمية وجوهرية. حيث استفادت من المناخ الدولي الذي يدعم الديمقراطية فقد كان لديهم الخيار في الانضمام إلى منظمة إقليمية تابعة للأنظمة الديمقراطية, حيث سمح المجتمع الأوروبي والظروف الاقتصادية في فترة السبعينات بتبني سياسات النمو لتحقيق الرفاهية للدولة. وفي الحالات الثلاث كانت التحولات الديمقراطية تقودها عناصر من الداخل وكانت عناصر المجتمع المدني مهمة و دفعت بقوة من أجل الديمقراطية. ولكن العناصر الأساسية في ضمان التحول السلمي كانت النخبة وبخاصة من داخل الدولة. ويستثنى من ذلك اليونان فقد تصرف اتحاد النخب المحافظ إلى حد ما على أنه أمر اختياري.
ولا يمكن أن نقول أن التحول الديمقراطي جاء بدون مشاكل في المنطقة. ففي بعض الحالات كانت توجد عيوب خطيرة للغاية. فقد حدث التحول في البرتغال لمواجهة تحديات نماذج قديمة من الاحترام. ولذلك تجعل حقوق المواطنة تحمل قدر أكبر من الرسمية. ففي اليونان واسبانيا نجد أن التوسع في الحقوق الديمقراطية تواجهها تحديات من العادات الشخصية وتأثير الإصلاحات الاقتصادية. وفي اسبانيا, قوة المنظمات الشعبية أثناء التحول تقترح أحد الأسباب وهي لماذا يعد التحول الديمقراطي في اسبانيا أكثر نجاحا بالنسبة للحالات الثلاث, وخاصة من حيث التأسيس والمشاركة والمواطنة. ولكن الدول الثلاث شهدت تطورا لأشكال الشمولية الاجتماعية والعملية التدريجية للتحول الديمقراطي في المجتمع السياسي وكانت العقبة الكؤود التي تواجه التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا تظهر لتكون الدولة ذات نفسها, حيث إن الموروث المؤسس من الفترات السابقة لازال باق كما هو في مكانه.
7-تقييم الدراسة: لقد قامت الباحثة في البداية بتحديد هدف رئيس و قامت بتحقيقه, حيث تمثل الهدف بتحليل الأحداث التي حصلت في كل من البرتغال واليونان واسبانيا وشرح بزوغ نماذج محددة للديمقراطية. و لقد تميز أسلوبها بالتسلسل التاريخي للأحداث التي حصلت في كل من الدول الثلاث حتى وصولها لكيفية حدوث عميلة التحول الديمقراطي.

الكتاب:
Jean Grugel, “Democratization: A Critical Introduction”, New York: Palgrave
2002,pp287.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية

صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية”؛ وهو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *