الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / مقالات / ميثاقا “حماس” ومنظمة التحرير: اختلافات كثيرة ومصير واحد

ميثاقا “حماس” ومنظمة التحرير: اختلافات كثيرة ومصير واحد

بقلم: د.عقل صلاح* —

إن إصدار حماس لميثاقها الخاص جاء بسبب رفضها للانضمام لأي أطر أو هياكل تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لأن الحركة لم تعترف بالمنظمة كممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وباءت كل محاولات انضمامها للمنظمة بالفشل. فمعوقات انضمام الحركة للمنظمة – من وجهة نظرها – تقوم على ثلاثة ركائز، الأولى نهج المنظمة العلماني وعدم التزامها بالنهج الإسلامي، والثانية برنامجها السياسي المتعلق بالتسوية مع الاحتلال(1)، والثالثة نسبة تمثيلها بالمنظمة، فقد اشترطت الحركة أن تمثل بنسبة تتراوح بين أربعين وخمسين بالمائة(2).

وعليه، يمكن توضيح أوجه الإختلاف بين ميثاق الحركة وميثاق منظمة التحرير، فميثاق الحركة تغلب عليه اللغة الإنشائية، والنصوص الدينية، والإقتباسات الشعرية، وتغيب عنه الصياغة السياسية واللغة القانونية، بينما نجد أن ميثاق المنظمة غلبت عليه الصبغة السياسية والوطنية. لقد صيغ ميثاق الحركة بلغة فضفاضة عامة وغير محددة كاستخدام مصطلحات الأوطان والطغاة ودولة الباطل، بينما تميز ميثاق المنظمة بلغته الواضحة والمحددة والمباشرة في تحديد النصوص. وفي ميثاق الحركة كان الحديث موجهًا للناس، بينما كان ميثاق المنظمة يخاطب الشعب الفلسطيني.

وبخصوص الحدود الجغرافية لدولة فلسطين، فقد كانت محددة في ميثاق المنظمة في المادة الثانية التي نصت على “فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ”(3) ، بينما لم يتم تحديد الحدود الجغرافية لفلسطين في الميثاق، وإنما ورد في الميثاق بعدها المكاني حيثما تواجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهجًا، ومن ثم تعود لتبين بأنها حركة فلسطينية متميزة تسعى لرفع راية الله على كل شبر من أرض فلسطين. ولكن تم تحديد حدود فلسطين في المذكرة التعريفية وتصريحات قادة الحركة بأنها من البحر إلى النهر.

لقد استند ميثاق المنظمة في مقاومة الاحتلال على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه واسترداد أرضه المحتلة، فنظر لفلسطين من منظور وطني قومي على خلاف الحركة التي قرنت قضية فلسطين بالبعد الديني، فربطت الوطنية بالعقيدة الدينية. وهنا نتسائل حول ربط القضية الفلسطينية بكل النصوص الدينية التي أثقلتها بالرغم من أن حق الفلسطينيين واضح فشعب احتلت أرضه له كامل الحق في الدفاع عنها واستردادها، فهذه أبسط حقوقه دون إغفال المكانة الدينية لفلسطين ومقدساتها (الإسلامية والمسيحية)، فالشعب الفلسطيني يتكون من مسلمين ومسيحيين، والجهاد على أساس ديني يخرج المسيحيين من دائرة الجهاد، فلماذا نلجأ للنصوص الدينية للدفاع عن أرضنا، فحقنا واضح لا يحتاج لأي اثبات. ويبين خالد الحروب المختص بالحركات الإسلامية في هذه المسألة أنه ” في الوضع الفلسطيني ليست هناك حاجة إلى عبقرية فائقة لاجتراح تسويغ أو صوغ خطاب «سوبر» مقنع، إنها حالة احتلالية واضحة، لكنها تحتاج إلى محامين يقظين للدفاع عنها، وليس إلى نصوص صادمة”(4).

إن صبغ الميثاق بالصبغة الدينية كان لعدة اعتبارات، أولها أن الحركة هي حركة إسلامية، وثانيها -ربما لإعطاء مبرر لوجود ميثاق آخر، لمنافسة ميثاق منظمة التحرير الذي وصفته الحركة بالميثاق العلماني كون المنظمة لا تضم ضمن أطرها أي فصيل إسلامي، فربما وجدت الحركة في نفسها البديل الإسلامي للمنظمة. وثالثها وفقًا لمؤسسي الحركة هو مقارعة الأيديولوجية الصهيونية المبنية على مصطلحات ذات مرجعية دينية مماثلة (5).

إن المنظمة هي ممثلة لكل الفلسطينيين، وفي المادة التاسعة من ميثاقها تبين بشكل واضح بأن المذاهب العقائدية لا تشغل الفلسطينيين عن واجبهم الأول، ألا وهو تحرير فلسطين، فالفلسطينيون جميعًا جبهة وطنية واحدة، باختلاف معتقداتهم الفكرية يعملون لتحرير فلسطين. بينما وضحت الحركة في ميثاقها أنها ستتعاون وتساند القوى على الساحة الفلسطينية، ما دامت لا تعطي ولاءها للغرب الصليبي أو للشرق الشيوعي، أي حددت حماس شروط التعاون في تحرير فلسطيني بالإطار العقائدي. وقد اتفق الميثاقان على أن هناك طريقًا وحيدًا لتحرير أرض فلسطين المحتلة من قبل الصهاينة ألا وهو الكفاح المسلح الذي يعتبر استراتيجية وليس تكتيكًا (ميثاق المنظمة- المادة التاسعة قبل التعديل)، والجهاد عند حركة حماس الذي تم ذكره في أكثر من مادة من مواد الميثاق.

لقد حدد الميثاق الوطني في نصوصه بشكل صريح وواضح إمكانية تغيير بنود الميثاق بموافقة أغلبية الثلثين من أعضاء المجلس الوطني. بينما ميثاق حماس غير قابل للتغيير لارتباطه بمبادئ ومواثيق مشبعة بالقداسة الدينية الأزلية (6). إن الميثاق الوطني قد تم تعديله في عام 1996 بحضور الرئيس الأمريكي بل كلينتون، فقد صادق المجلس على إلغاء وتعديل عدد من المواد التي تدعو للقضاء على إسرائيل (7). لقد تم تعديل بنود الميثاق بناءً على اتفاق أوسلو الذي اشترط أن يقوم المجلس الوطني بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني بتعديل الميثاق الوطني بما ينسجم مع بنود الإتفاق (8).

وفي المقابل تجاوزت حماس نصوص الميثاق من خلال مشاركتها في النظام السياسي الفلسطيني القائم على أساس اتفاقية أوسلو، ومن خلال تصريحات وممارسات قادتها. فقد دعا عدد من قيادات الحركة إلى تغيير الميثاق في بداية التسعينيات من القرن الماضي، أي قبل مشاركة الحركة في انتخابات المجلس التشريعي الثانية، ولا يعطي المفكر الحمساوي أحمد يوسف أهميةً خاصة للميثاق ويعتبره نصًا أدبيًا أصدرته الحركة في بداية نشأتها، إلا أن الحركة قد تجاوزته ولم يعد يقر في الأطر الحركية (9). وفي نفس السياق، صرح عضو المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق “أن كثيراً من سياسات الحركة اليوم يعارضها الميثاق، لذلك لا ينبغي الحكم على حماس من خلال الميثاق، ويؤكد بأن كثيرين داخل الحركة يطالبون بإعادة كتابة الميثاق. وأنا موقفي الشخصي أن الميثاق لم يفد حماس بشيء يذكر، بل أضر بها كثيراً منذ صدوره، وكان ينبغي أن يستجمع قادة حماس الشجاعة لإعادة كتابته وتنقيته مما شابه من أخطاء سياسية وتاريخية ومنهجية ” (10). أما رئيس المكتب السياسي للحركة فقد صرح في مقابلة معه في عام 2007 بأن تغيير الميثاق مسألة تنتمي للمستقبل، وصرح في عام 2009 بأن الميثاق يعود لعشرين عامًا مضت، والتجارب هي التي تحدد سياستنا (11). بالرغم من أن مشعل قد وضح في عام 2006 ردًا على سؤال حول إمكانية تراجع الحركة عن منطلقاتها الفكرية والأيديولوجية تحت ضغط الواقع في حوار مع صحيفة الأهرام بأن” الحركات التي تحترم نفسها هي التي تغير في التكتيكات ووسائل التطبيق دون أن يطول التغيير ثوابتها وإستراتيجياتها وحماس من هذا النوع من الحركات” (12). لقد تجاوزت الحركة نصوص ميثاقها بعد كل التطورات التي طرأت عليها منذ انطلاقتها وذلك باعتراف قادتها، لذلك كان من الطبيعي أن تعديل الميثاق بناءً على تجاربها وتوجهاتها وأهدافها الجديدة كي لا يكون الميثاق مصدر انتقاد للحركة.

نلحظ أن منظمة التحرير قد عدلت بنود ميثاقها بعد ثلاث سنوات من توقيع اتفاق أوسلو الذي ألزمها بالتعديل بينما حركة حماس مازالت غير ملتزمة بعهود واتفاقيات حتى تقوم بتغير بنود ميثاقها بطريقة إلتفافية على الميثاق من خلال إصدار وثيقة سياسية تحدد أهداف وسياسات الحركة مع العلم أنها عام 1996 أصدرت “مذكرتها التعريفية” لتحديد موقفها السياسي وهي “وثيقة سياسية” ولكن الحركة أرادت أن تغادر الميثاق بطريقة العامل الزمني. فالزمن سوف يطوي صفحة الميثاق المثقل في القداسة والمرهق لفكر وسياسة الحركة وليفتح لها التعديل الباب نحو الاعتدال. وفي المقابل نجد ان إسرائيل على الرغم من مررو أكثر من عقدين من الزمن على أوسلو لم تحدد حدودها، وترفض الاعتراف بحدود عام 1967. وعلى الرغم من ذلك، قبلت المنظمة بحدود الـ 1967، وها هي حماس تقع بنفس خطأ المنظمة وتؤيد الحل على نفس الحدود، وفي هذا الإطار يرى كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أن الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل ربما كان خطأ “لأنه كان علينا أن نطلب من إسرائيل في ذلك الوقت أن تحدد حدودها كي نعترف بها في تلك الحدود”(13).

وثبت بالوجه القاطع أن ما ردده الكثير من الحركات الإسلامية على أنه ثوابت لا يمكن المساس بها أو الحياد عنها، أنها لم تعد كذلك، وإنما تم تطويعها وإعادة إنتاجها من جديد لتتلاءم مع الواقع السياسي المتغير، بما يكفل لهم تحقيق مصالحهم الحزبية، وتسهيل عملية وصولهم إلى سدة الحكم. أن حماس تسير بخطى سريعة نحو التعاطي مع الواقع المحيط، والمستجدات السياسية المتلاحقة، وهو ما يؤهلها لأن تتبوأ المكانة السياسية التي تتبوّأها حركة فتح ممثلة بالسلطة. انتهت حركة فتح بالمعنى القديم، وستنحو حماس مستقبلاً منحىً أكثر براغماتية يحل فيه السياسي مكان الأيديولوجي بصورة كاملة. يستنتج مما سبق، أن هناك قاعدة أساسية تتحكم في السياسة الفلسطينية ومفادها: الشيء الوحيد الثابت، هو المتغير اللحظي.

إن حركة حماس التي نشأت كمشروع إسلامي يسعى إلى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ورفضت الدخول في مفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، ورفضت أيضاً المشاركة في الانتخابات التشريعية الأولى، لأنها نتاج اتفاق أوسلو، هي كغيرها من الحركات الأيديولوجية التي تكيّف وتطوّع أيديولوجيتها مع تغيرات الواقع السياسي من أجل تحقيق أهدافها، مناقضة في ذلك مبادئها الأيديولوجية الأساسية؛ إذ عندما أدركت حماس أن البيئة السياسية مواتية للمشاركة، وأن فرصتها في الفوز كبيرة، قررت المشاركة في الانتخابات التشريعية الثانية من أجل الوصول إلى السلطة.

وفي ضوء ماسبق, يتضح أن الوثيقة الجديدة التي ستقوم بإصدارها حماس تريد من خلالها تحديد استراتيجيتها للمرحلة القادمة على مختلف الصعد من أجل أن تقوم مستقبلًا بـالخطوات الآتية:

اتمام المصالحة الفلسطينية وخوض انتخابات تشريعية ورئاسية من خلال دعم مرشح إما من قبل الحركة ويرجح أن يكون خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة سابقا هو رئيس الشعب الفلسطيني القادم، أو بالاتفاق مع أحد المستقلين المقبولين شعبيًا.
تأييد الحل السلمي عبر قيام دولة فلسطينية على مناطق 1967.
التفاوض مباشرة مع إسرائيل.
وهذا عائد بالدرجة الأساسية إلى قدرة إسرائيل على استغلال هذا التحول الحمساوي، وتهيئة الفرص السياسية لإنجاحه بحكم أن إسرائيل هي ذاتها التي لم تساعد حركة فتح رغم كل ما قدمته من تنازلات ذات آثار عميقة في الواقع السياسي الفلسطيني والمستقبل المنظور.

*كاتب وباحث فلسطيني

**salah.nablus@yahoo.com

الهوامش:

1- Hamade Joyce, The Construction of Palestinian Identity: Hamas and Islamic Fundamentalism, p72.

2- إبراهيم ابراش، العلاقة الملتبسة بين منظمة التحرير والسلطة وحركة حماس، 16 نيسان/ابريل 2008، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://www.palnation.org/vb/showthread.php?t=5

3- منظمة التحرير الفلسطينية، الميثاق القومي الفلسطيني، 2 حزيران/يونيو 1964، المادة الثانية

4- خالد الحروب، حتى لا يتحول ميثاق حماس إلى عبء على المشروع الوطني الفلسطيني، 9 أيار/مايو 2007، وذلك على الموقع الإلكتروني لعرب 48: http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=45197

5- محمد نمر، في بيان التغيرات التي طرأت على ميثاق حركة حماس، سلسلة ترجمات الزيتونة (45)، كانون أول/ديسمبر 2009، ص 4.

6- شاؤول مشعال وابرهام سيلع، وعلي بدوان (معلق)، عصر حماس،تل أبيب، يديعوت أحرونوت،1999، ص 71.

7-لمزيد من المعلومات عن مواد الميثاق الملغاة والمعدلة انظر: قرار المجلس الوطني الفلسطيني بتعديل الميثاق، غزة، 24 نيسان/أبريل 1996، وذلك على الموقع الإلكتروني لمجلة الدراسات الفلسطينية: http://www.palestine‐studies.org/ar_index.aspx

8- جميل هلال، النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص 183.

9- جريدة القدس، “حماس تتغير وميثاقها في ذمة التاريخ”، 2 كانون أول/ديسمبر 2012، وذلك على الموقع الإلكتروني لجريدة القدس: http://www.alquds.com/news/article/view/id/401642

10- عزام التميمي، “خطاب حماس في حديث أبو مرزوق لصحيفة فورورد اليهودية، 22 نيسان/أبريل 2012، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://altaghieer.com/node/69519

11- فادي عبد اللطيف، “الحركات الإسلامية بين المراجعات والتراجعات، الجزء الأول: قراءة للواقع”، 9 تشرين ثاني/نوفمبر 2013، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://hizb.net/?p=3973

12- المكتب الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، “حوار مجلة الأهرام العربي المصرية مع الأستاذ خالد مشعل”، 18 شباط/فبراير 2006، وذلك على الموقع الإلكتروني: http://www.hamasinfo.net/ar/default.aspx?xyz=U6Qq7k

13-حبيبة عبد الرحمن، عريقات يائس: ربما أخطأنا بالاعتراف بإسرائيل قبل تحديد حدودها، 8حزيران/يونيو2013، http://arabsolaa.net/articles/view/119509

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *