الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / دراسات / إيران والولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب

إيران والولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب

بقلم: إلداد شافيط وسيما شاين وأنّا كتران – باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي —

•كانت الإدارة الأميركية الجديدة وإيران على مسار تصادمي حتى قبل تنصيب الرئيس ترامب. وقوبلت التجارب الصاروخية التي أجرتها إيران (في 29 كانون الثاني/يناير 2017) بعد أيام قليلة من قيام الرئيس [الأميركي الجديد] ترامب بأداء اليمين الدستورية، برد فوري عليها. والرد لم يختلف جوهرياً عن مواقف إدارة أوباما واتخذ شكل عقوبات ضد 13 شخصاً و12 شركة مرتبطة بصناعة الصواريخ وشمل أفراداً من الحرس الثوري (وفق قائمة كانت معدة سلفاً على الأرجح). وفي 3 شباط/فبراير 2017، أعلن مستشار الأمن القومي آنذاك مايكل فلين أن الإدارة الأميركية “حذرت إيران رسمياً” دون أن يقدم تفاصيل. وبعد هجوم للمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن استهدف بارجة سعودية، شدد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس على أن إيران هي “أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم”.

•أقرت إيران بمسؤوليتها عن التجربة الصاروخية، لكنها أكدت أنها ليست انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن وإنما كانت جزءاً من برنامج الاختبار السنوي. وتمنت إيران على الإدارة الأميركية عدم استخدام الاختبار لمفاقمة حدة التوتر بين البلدين، وشددت على أن خطوات الولايات المتحدة ستقابل بخطوات مماثلة من قبلها. وفي الوقت نفسه، واصلت إيران سلسلة مناوراتها العسكرية التي قالت إنها جزء من برنامج عملها السنوي. ومن المرجح مع ذلك أن يكون هذا أيضاً من ضمن محاولة فرض حقائق على الأرض واختبار ردود فعل الولايات المتحدة عليها.

•وفي الأيام التي أعقبت تنصيب ترامب، حرصت إيران على إبقاء لهجة خطابها العلني معتدلة نسبياً ولم تصدر إدانات قاسية بحق الرئيس الجديد. تعليقاً على تصريحات ترامب قال علي أكبر ولايتي، المستشار السياسي للمرشد الأعلى علي خامنئي، إن “إيران لا تأخذ سلوك ترامب على محمل الجد”. وقال علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إن إيران يجب أن تتصرف بحكمة وتعزز استراتيجيا معتدلة في مواجهة الولايات المتحدة. وفي 16 شباط/فبراير، شكك علي خامنئي نفسه في صدقية تهديدات ترامب بشأن القيام بعمل عسكري ضد إيران، طارحاً مقولة إن الحرب الحقيقية “للعدو [الولايات المتحدة] هي في المجال الاقتصادي، والغاية منها بث اليأس من الثورة في نفوس أبناء الشعب”.

•وانعكست لهجة إيران المعتدلة نسبياً في الاحتفالات بمناسبة ذكرى الثورة الإيرانية. فإلى جانب ترديد الهتافات التقليدية مثل “الموت لأميركا” ودوس الأعلام الأميركية والإسرائيلية بالأقدام، طرحت هذا العام شعارات ميّزت بين ترامب والإدارة الأميركية من جهة، والشعب الأميركي من جهة ثانية. وقال الرئيس الإيراني روحاني إن ترامب “مبتدئ في عالم السياسة”، وعلّق على “تهديدات” ترامب، بأنها ستلقى “رداً مناسباً”. وانعكس التمييز بين ترامب والشعب الأميركي أيضاً في لغة تغطية وسائل الإعلام الإيرانية. فقد تناولت عدة افتتاحيات موضوع مشاركة الولايات المتحدة في بطولة المصارعة العالمية التي عقدت أخيراً في إيران، مع التنويه بأن مواقف الإيرانيين من أعضاء المنتخب الأميركي تثبت أن الشعب الإيراني لا يشعر بأي ضغينة تجاههم.

•من جهة الإدارة الأميركية الجديدة يبدو أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، على الأقل، علناً، تؤشر إلى حدوث تغيير عن السنوات الأخيرة. هناك تشديد على تبني نهج حازم وتهديدي، على الأقل في التصريحات العلنية، على الأرجح في محاولة لإفهام الإيرانيين بأنه خلافاً لرئاسة أوباما، لا تنوي إدارة ترامب تجاهل خطوات طهران الاستفزازية. وهذا يعكس الاعتقاد بأن الردع الأميركي يمكن تعزيزه بهذه الطريقة، ويثبت للعالم أن انتقادات ترامب لسياسة إدارة أوباما التي أطلقها إبان الحملة الانتخابية قد ترجمت في نهج أميركي جديد.

•وفي الوقت نفسه، من الواضح أن الإدارة الجديدة تتصرف بحذر في كل ما يتعلق بالاتفاق النووي، وهي بالتأكيد لا تكرر تصريحات ترامب عشية الانتخابات حول عزمه على اتخاذ تدابير لإلغائه. ويظهر أن الإدارة تحاول التمييز بين موقفها من الاتفاق وردودها على سياسة إيران في منطقة الشرق الأوسط. وقد شدد تقرير للبيت الأبيض عن محادثة لترامب مع الملك السعودي على أن “الزعيمين اتفقا على ضرورة التنفيذ الصارم لبنود الاتفاق”، وهذا يعني تفاهماً على أن يبقى الاتفاق ساري المفعول، وهذا أيضاً وفقاً لرغبات سعودية على الأرجح.

•وبغض النظر عن هذه التصريحات الأولية، يفترض أن تكون الإدارة الأميركية الجديدة في مرحلة بدء عملية صياغة سياستها البعيدة المدى حيال إيران. وسيركز الهدف المحدد على الأرجح على تقليص نفوذ إيران الإقليمي إلى أدنى حد ممكن بالترافق مع تعزيز الردع في مواجهة خطوات استفزازية وخروقات للاتفاق النووي. وفي هذا السياق، سيكون على الإدارة التعامل مع التحديات المعقدة التي تواجهها، وعلى رأسها ضرورة دعم أقوالها الحازمة بأفعال ملموسة تثبت جدية نياتها. وتعي الإدارة تماماً أن إحجامها عن ذلك سيكشف خواء تصريحاتها ويرتد سلباً عليها. وتستطيع الإدارة بالتأكيد استخدام القوة العسكرية ضد أهداف إيرانية و/أو ضد حلفاء إيران. ولكن، ثمة شك في أن تكون الإدارة على استعداد، في هذه المرحلة بالذات، للانجرار إلى تصعيد سريع، وهو سيناريو محتمل في حال وقوع مواجهة عسكرية.

•وأحد السيناريوهات المحتملة هو تكثيف العقوبات الأميركية في مجالات غير نووية، سواء من خلال أمر تنفيذي [مرسوم رئاسي] أو سن قانون في الكونغرس. وفي الوقت نفسه، وبهدف زيادة العبء على إيران بشكل ملحوظ، سيتوجب على الرئيس إقناع الأوروبيين والروس بالمشاركة في هذه الخطوات. بيد أن هذا المسعى سيرفض على الأرجح، لأن أوروبا وروسيا لن تكونا راغبتين في إغلاق الباب مجدداً في وجه الاستثمارات والتعاملات المالية مع إيران التي استؤنفت غداة توقيع “خطة العمل المشتركة الشاملة” (JCPOA).

•وقد تحاول الولايات المتحدة أن تفرق بين روسيا وإيران عن طريق إقناع موسكو بثني إيران عن التدخل في سورية في مقابل تنازلات أميركية في سياقات ذات أهمية بالنسبة لروسيا. لكن هذه مهمة شاقة نظراً للشوط الذي قطعه التعاون بين روسيا وإيران في سورية. وعلاوة على ذلك، يبدو أن مساهمة إيران في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” بما في ذلك في العراق أضحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، ومن المستبعد أن تعرّض الولايات المتحدة إنجازاتها للخطر في هذا الميدان. ويكرر الجانب الروسي أيضا القول إنه من الخطأ استبعاد إيران عن تحالف يستهدف مكافحة الإرهاب الإسلامي.

•من جانبها لا تسعى إيران إلى مفاقمة حدة التوتر ومن المستبعد، على الأقل في الوقت الحاضر، أن تتبنى نهجاً أكثر تشدداً من ذي قبل. وستكون مهمة روحاني الرئيسية في الأشهر المقبلة منع تصعيد حدة الصراع الداخلي في إيران. ومن جهة، فمن شأن زيادة تهديدات إدارة ترامب ضد إيران، أن تعزز المعسكر المحافظ المتشدد في إيران الذي عارض الاتفاق النووي وأصر على أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، وأن تضعف معسكر روحاني الذي سعى لتشجيع سياسة الانفتاح على الغرب، من جهة ثانية. وستكون هذه المسألة على الأرجح محور تركيز الأحزاب السياسية الإيرانية على اختلافها في الأشهر المقبلة حتى موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في أيار/مايو 2017.

•كما أن من شأن تطرف لغة الجدل السياسي الداخلي في إيران جرّاء مزيد من التصعيد في الردود الأميركية أن يدفع روحاني إلى تبني خطوات وخطاب شديد التطرف، خشية أن يتم تصويره كشخص خاضع للولايات المتحدة، أو يتم تصوير سياسته وكأنها أثبتت فشلها. واللافت في هذا السياق أنه للمرة الأولى منذ سنوات، اضطر المعسكر الإصلاحي إلى الوقوف إلى جانب النظام ضد تهديدات الولايات المتحدة معلنا أنه في ضوء التهديد الخارجي الشعب الإيراني مستعد للتوحد.

خلاصة
•بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، يتطلب تغيير قواعد اللعبة في مواجهة إيران- أي تحقيق نجاح في كبح نفوذ إيران الإقليمي من دون الإنجرار إلى نزاع، من دون دفع إيران إلى اتخاذ تدابير انتقامية. بتعبير آخر، يتطلب تعزيز الردع في مواجهة إيران) صياغة استراتيجيا شاملة جديدة تبدو الآن بعيدة المنال نظرا لتعقيد التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة.

•رداً على سياسة الإدارة الأميركية، ستركز إيران على الأرجح جهودها في الحفاظ على مكانتها الإقليمية وفي مواصلة تطوير قدراتها النووية دون انتهاك “خطة العمل المشتركة الشاملة” (JCPOA). ومن الممكن أن يحقق النهج الأميركية الهجومي “ردعا محليا” ويمنع تاليا خطوات استفزازية بارزة في الوقت الحالي. لكن عندما سيحين الأوان، ومع زيادة ضغط الولايات المتحدة، ستزداد أيضا مقيدات روحاني، ورغماً عنه سيتعين عليه تنفيذ مطالب المتطرفين.

•إن كلاً من الإدارة الأميركية الجديدة وإيران يختبر نوايا الطرف الآخر من دون الرغبة في التسبب بتصعيد عنيف من شأنه زعزعة منطقة الخليج ويمتحن جدية تصميمه على تنفيذ ما يقوله. وفي الوقت نفسه، إن التوتر على مستوى لغة الخطاب، حتى لو لم يسع إلى صب الزيت على النار، قد يؤدي إلى تصعيد [عسكري] من جراء تقدير خاطئ من أحد الطرفين لنوايا الطرف الآخر.

•المقيدات والتحديات التي تواجهها إدارة ترامب في صياغة سياسة حيال إيران تتطلب من إسرائيل أن تركز نقاشاتها مع الولايات المتحدة على السبل الآيلة إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية: حث على تغيير سياسة إيران في منطقة الشرق الأوسط؛ وفي السياق الشامل، منع تآكل امتثال إيران للقيود المفروضة عليها بموجب الاتفاق النووي؛ والتحضير لمرحلة ما بعد انتهاء مدة الاتفاق. وعلى إسرائيل أن تسعى لجعل السياسة الأميركية تركز جهودها على تعزيز العناصر المعتدلة في النظام السياسي الإيراني بقيادة الرئيس روحاني، وتجنب الوقوع في فخ المتشددين. والجمع الصحيح بين خطوات رادعة من جهة، وانفتاح من جهة ثانية، بالتعاون مع لاعبين دوليين سيتيح الفرصة لإفهام روحاني – الذي لديه على ما يبدو أفضل فرص للفوز في الانتخابات القادمة- أنه بشكل خاص وإيران بشكل عام لديهما الكثير ليخسرانه من قبل إدارة ترامب إذا كسرا قواعد اللعبة.
_______
المصدر: مجلة “مباط عال” الإسرائيلية، العدد 903، 6/3/2017 — ترجمته عن الإنكليزية: يولا البطل – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا: دوره ومصادر تمويله

بقلم: علاء حلبي* — في شهر حزيران – يونيو من العام 2014، أعلن “الحزب الإسلامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *