الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / دراسات / العاصفة العارمة في الشرق الأوسط ذات دلالة بالنسبة لإسرائيل

العاصفة العارمة في الشرق الأوسط ذات دلالة بالنسبة لإسرائيل

بقلم: يعقوب عميدرور — النص هو مقتطفات من كتاب “فوضى سببها عاصفة عارمة في الشرق الأوسط”؛ مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية، جامعة بار إيلان، حزيران/ يونيو 2015، ص ص 27-33 —

•تقف دولة إسرائيل في لجة هذا البحر الهائج مثل جزيرة متوحدة. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة غير المسلمة وغير العربية في هذا الفضاء الشاسع، من مضيق جبل طارق حتى الهند. وفوق هذا، إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في هذا الفضاء القائمة على مجتمع منفتح بالمفهوم الأعمق لهذه الكلمة. وقد شاع، ذات مرة، وصف تركيا أيضاً بأنها دولة ديمقراطية، بيد أنه من الواضح اليوم أن هذه مقولة إشكالية جداً من الناحية الواقعية. وثمة من يصفون تونس مؤخراً بأنها شعاع ضوء في عتمة الدكتاتوريات القديمة والحديثة، غير أنه بالرغم مما يزرعه هذا من أمل، يجدر تقصّي مدى قدرتها على الصمود كدولة ديمقراطية لمدى زمني أطول، وهي بالتأكيد لا تمثل بعد نموذجاً لأية دولة أخرى في المنطقة.

•إن قدرة إسرائيل على التأثير وتغيير ما يجري في المنطقة محدودة جداً، فهي لا تستطيع تغيير الشرق الأوسط بالقوة ولن يكون لأي اتفاق بينها وبين الفلسطينيين أثر على ما يحدث في المنطقة. لم يكن للنزاع بين إسرائيل وجيرانها القريبين تأثير على الأحداث الهامة في المنطقة أو على العوامل الأساسية التي ساهمت في إحداث الهزة الأرضية وولّدت الصدع الحالي في الشرق الأوسط. ومن هنا، لا ينبغي تعليق أي شيء على حل هذا الصراع، سوى الحل في حد ذاته. فالاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي لن يخفف من الصراعات الأخرى ولن يخفف من حدة أي من الخلافات التي تغذي التطورات الحالية في المنطقة. وهذا النزاع لا صلة له بأي من عوامل الشقاق التي تمزق الشرق الأوسط، وهو ذو أهمية بالنسبة لإسرائيل والفلسطينيين، ولن يكون له أثر في ما يتعدى ذلك.

•ومع ذلك يتعين على إسرائيل أن تكون متيقظة لاحتمال أن تؤدي التغيرات في البيئة الشرق أوسطية وفي العالم إلى تهيئة فرص جديدة للتعاون مع بعض جاراتها، من بين تلك التي تفضل الوضع القائم على تغييرات راديكالية، وتلك التي تتخوف من إيران النووية. والطريق إلى تعاون علني كهذا لا بد وأن تمر بالضرورة عبر اتفاق مع الفلسطينيين. وللاتفاق أهمية حيوية لأن أياً من القادة العرب يعتبره مهماً، ولا لأن حكام الدول العربية معنيون بمصير الفلسطينيين – فهم ليسوا كذلك، لكن أياً منهم لا يستطيع تجاهل الشارع في هذه الأيام، وبالتأكيد ليس بعد أحداث الربيع العربي. ففي الشارع، لأسباب مختلفة، لا تزال القضية الفلسطينية تمثّل رمزاً ولا تزال تحتل مركز اهتمام وعاطفة الكثيرين جداً. ولذا، فإن الفائدة الوحيدة التي سيجنيها الشرق الأوسط من اتفاق إسرائيلي – فلسطيني ستكون في مجال القدرة على تغيير منظومة العلاقات بين إسرائيل وجزء من الدول العربية. وربما، في فترة ما بعد الاتفاق، وجرّاء فقدان الثقة التي توليها عدة دول عربية للولايات المتحدة، قد يكون مِن بين الدول العربية مَن سيتّخذ إسرائيل، القوية والمستقرة، بديلاً عن المرساة الأميركية الآخذة في التلاشي. وإذا ما حصل ذلك، وتطور التعاون مع تلك الدول وتعمق، فمن المحتمل أن تساهم تطورات ما بعد الاتفاق في تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط. غير أنه من الضروري التأكيد على أن أياً من مشكلات الأساس في المنطقة لن تجد طريقها إلى الحل ولن تتأثر نتيجة الاتفاق الذي سيحل الصراع الطويل والمستمر بين إسرائيل والفلسطينيين.

•لا تستطيع إسرائيل، سواء باتفاق أو بدونه، تجاهل ما يحدث على طول حدودها وفي ما وراء الحدود، نظراً لوجودها في قلب العالم العربي والإسلامي الكبير. إن جزءاً هاماً من الجيوش النظامية في المنطقة، تلك التي كانت تهدد إسرائيل منذ إنشائها، تفكك وتبدد (الجيش العراقي) أو تضرر جداً (الجيش السوري). لكن ثمة قوى من العالم الظلامي في الشرق الأوسط الهائج تعزز مواقعها على حدود إسرائيل: في شبه جزيرة سيناء – قوى سلفية متطرفة وبراعم تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)؛ في قطاع غزة ـ الذراع الفلسطينية المسلحة التابعة لتنظيم “الإخوان المسلمون”، “حماس”، و”الجهاد الإسلامي”؛ في لبنان – أُنشىء، بواسطة الإيرانيين، تنظيم “حزب الله”، التنظيم الإرهابي الأقوى في العالم، الذي يمتلك قدرات عسكرية متقدمة، أكثر من مائة ألف صاروخ وقذيفة، وصواريخ مضادة للسفن، وصواريخ مضادة للطائرات وعشرات آلاف المقاتلين المسلحين، المنظَّمين والمدرَّبين على مستوى عالٍ، والذين اكتسب بعضهم خبرة قتالية خلال مشاركتهم في القتال في سورية. وفي سورية ذاتها، دمار وخراب وفوضى عارمة – جزء منها أصبح تحت سيطرة مجموعات سنيّة متطرفة بدرجات متفاوتة، فيما تنظيم “الدولة الإسلامية” هو الأكثر تطرفاً. وهو التنظيم الذي أعلن الرئيس الأميركي، براك أوباما، الحرب عليه. نظام الأسد لا يزال صامداً بفضل التدخل الإيراني ومقاتلي “حزب الله” (بدعم روسي هادئ، لكن فعّال). والأسد محتاج لتنظيم “حزب الله” ومرتبط به، لذا فهو يقدم له المساعدة قدر طاقته، كجسر من إيران، كما ينقل إليه جزء من قدراته العسكرية الأكثر تطوراً وتقدماً، ويتيح له إنشاء منظومة حديثة لمواجهة إسرائيل في هضبة الجولان. إن إسرائيل محاطة بتنظيمات إرهابية من جميع الجهات تقريباً وهي تمتلك قدرات هجومية غير قليلة. وقد لا تكون قدرات هذه التنظيمات على مستوى قدرات الجيوش النظامية (“حزب الله” هو استثناء في هذا السياق فيما يتعلق بقدراته القتالية)، لكن طابعها يحتّم أخذها في الحسبان إزاء احتمال الانتقال من الوضع الروتيني المعتاد إلى حالة من المواجهة القتالية المباشرة معها خلال وقت قصير ودون تحضيرات كثيرة (أي، بصورة مفاجئة). سيتعين على إسرائيل، خلال السنوات القريبة، مواجهة تنظيمات مسلحة غير دولتية مجهزة ومستعدة تنتشر حولها. وفي محاربة هذه التنظيمات، ينبغي الأخذ في الحسبان الصورة الأشمل والأوسع في الشرق الأوسط، وصعود تيار الإسلام الراديكالي. ومن شأن هذا الفهم أن يوضح أن ما يجري الحديث عنه، ليس مواجهة تنتهي بزرع الدمار في ساحة القتال وبإلحاق هزيمة ماحقة وواضحة للعيان بالعدو، بل هو صراع سيزيفي يتداخل فيه مقاتلو التنظيمات الإرهابية مع المواطنين المدنيين، سواء كانوا مؤيدين للإرهاب أو غير مبالين، لكن مجرد وجودهم هناك يجعل القتال أكثر صعوبة وتعقيداً، ويحدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على العمل بحرية.

•وينبغي أن نتذكر أنه بالرغم من الفوارق العديدة بين التنظيمات الإرهابية المختلفة، وبالرغم من أن بعضها يعتبر البعض الآخر عدواً، بل هو مستعد لإبادته، فإن جميع التنظيمات الإسلامية الراديكالية تقوم على أساس مشترك: جميعها يؤمن بأن الإسلام ينبغي أن يحكم العالم. والنقاش بينها، حتى الموت أحياناً، يدور حول السؤال: أي إسلام؟ وعلى هذا الأساس المشترك، أي أفضلية الإسلام وتفوقه، هي جميعاً متحدة في كراهيتها لإسرائيل (وليس لإسرائيل وحدها فقط)، بل ومستعدة لتجاوز الصراع فيما بينها في بعض الحالات، ومساعدة بعضها بعضا لمحاربة إسرائيل، مع بقاء كل منها في موقعه على جانبيّ المتراس الإسلامي. وهكذا تستطيع إيران، التي تقتل السنّة هذه الأيام في كل من سورية والعراق وبلوشستان، بناء تنظيم “الجهاد الإسلامي” السنّي وإرسال المعونات إلى حركة “حماس” السنيّة الراديكالية، قدر مستطاعها. ويُعتبر المثل العربي القائل “أنا على أخي، أخي وأنا على ابن عمّي وثلاثتنا على الغريب” (هكذا في الأصل) تجسيداً عملياً جلياً جداً. جميعهم، تقريباً، يستعدون لتوحيد قواهم ضد الغرب وإسرائيل، بالرغم من الكراهية المتبادلة بينهم واستعدادهم لقتل بعضهم بعضاً في المواقع التي يتنافسون فيها على الصدارة والقيادة. والمشترك فيما بينهم أقوى مما يفرقهم حينما يتعلق الأمر بعدوّ من خارج الإسلام، ذلك أن جميعهم يؤمنون بأن “الإسلام هو الحل”.

•سواء شاءت إسرائيل أم لم تشأ، هي تقريباً دولة غربية في كل مكوناتها، ولذا فهي تُعتبر في نظر غالبية سكان المنطقة عنصراً غريباً، كولونيالياً، وموقعاً خارجياً للعالم الآخر، المعادي، الديمقراطي الليبرالي، والذراع الطويلة للغرب بقيادة الولايات المتحدة، “الشيطان الأصغر” الذي يمثل “الشيطان الأكبر”، على حد تعبير إيران. وعلاوة على ذلك، يريد الإسرائيليون، في أغلبيتهم، البقاء هكذا، ولا يريدون التشبه بجيرانهم، رغم ما يرتبه الأمر من تقييدات غير بسيطة على إسرائيل في تصرفاتها، في السلم وفي الحرب. وفي رأيي المتواضع، حسن أن الأمر كذلك. لكن ينبغي، عدم نسيان الجوهر: لن يكون ثمة مكان لإسرائيل في عالم متوحش يستخدم فيه أعداؤها أسلحة القرن الحادي العشرين، لكنهم يتحاربون ويقتلون وفق قواعد سلوكية من القرن السابع، وسوف تتعرض للإبادة إنْ تراجعت قوتها أو ضعف تصميمها المطلوب لاستخدام القوة. سيمر وقت طويل وحروب غير قليلة حتى يصبح في الإمكان نقل التقاليد والأعراف الأوروبية المعاصرة، أو منظومة العلاقات بين كندا والولايات المتحدة، إلى الشرق الأوسط دون التسبب بوقوع كارثة.

•أبلغني، مؤخراً، زعيم دولة غربية – أنهى مهام منصبه في هذه الأثناء – أنه لا يقول ذلك بصوت عالٍ لجمهور بلاده، إلا أنه يدرك أن إسرائيل تتصدر جبهة الصراع الذي يخوضه العالم الديمقراطي والحديث ضد قوى الإسلام الراديكالي. وهذا تشخيص صائب تترتب عليه استنتاجات عملية: ثمة أهمية قصوى لنصل السيف الإسرائيلي، واستعداد إسرائيل لاستخدامه أيضاً، وليس لصالحها هي فقط، حتى وإن كانت الدول الديمقراطية الأخرى غير مستعدة للاعتراف بذلك.

•لن يكون ثمة أي معنى عملي للاتفاقيات التي ستتوصل إليها إسرائيل وتبرمها في العالم المتشكّل الآن في الشرق الأوسط إذا لم تكن تمتلك القوة اللازمة لحماية هذه الاتفاقيات. وعلاوة على ذلك، فإن بعض التطورات، مثل تعاظم قدرة القوى الإسلامية (تنظيم “الدولة الإسلامية” وسواه) أو حيازة إيران قنبلة نووية، من شأنها جعل الاتفاق مع الفلسطينيين إشكالياً جداً. في مثل هذه الأحوال، ازداد بصورة كبيرة جداً احتمال ألا يكون الطرف الذي يوقع على اتفاق مع إسرائيل هو نفسه المسيطر في الميدان في نهاية المطاف، والقادر على تحديد العلاقة معها. ومن المحتمل، بل من المعقول، أن تصبح العناصر الأكثر راديكالية في العالم الإسلامي هي المسيطرة في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال مبعوثين، وهم من سيقرر قواعد السلوك حيال إسرائيل. وبناء على ذلك، ينبغي لأي اتفاق مع الفلسطينيين أن يرتكز على إدراك حقيقة أنه ليس في مقدور مَن يوقع على الاتفاق، أو أية جهة ضامنة له، منع التطرف الإسلامي بين أوساط الفلسطينيين أنفسهم أيضاً. لقد فازت حركة “حماس” في الانتخابات الحرة التي جرت بين الفلسطينيين في العام 2006، ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن قوتها قد ضعفت منذ ذلك الوقت، بل إنها، كما يبدو، أصبحت أقوى من ذي قبل. وحتى لو تم انتخاب وريث لأبي مازن من بين مؤيديه، فليس هناك مَن يستطيع ضمان قوة السلطة الفلسطينية وقدرتها على الوقوف في وجه موجة الإسلام الراديكالي التي قد تفضي إلى سلطة أكثر تطرفاً من سلطة “حماس”. ومن أجل مواجهة السيناريو المحتمل بشأن نشوء سلطة راديكالية جداً في رام الله، على مسافة قذيفة من مبنى الكنيست في القدس، يجب أن تكون الإجراءات والوسائل الأمنية المعتمدة كجزء من الاتفاق على أعلى مستوى من الصرامة والحزم. إن مثل هذه التخوفات لم تؤخذ في الحسبان في اتفاقيات أوسلو، مما أدى إلى وضع أتاح لفلسطينيين خرجوا من المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الفلسطينية في الضفة الغربية قتل مائة وعشرين مواطناً إسرائيلياً خلال شهر واحد في ربيع العام 2002. ولم تفلح إسرائيل في تغيير الوضع إلا بإعادة احتلال الضفة الغربية كلها مجدداً (بقيت السيطرة المدنية على الفلسطينيين في المنطقة بأيدي السلطة الفلسطينية). لا يجوز تكرار الخطأ نفسه في المستقبل.

•يتعين على إسرائيل مواصلة المحاولات للتوصل إلى اتفاق، على الرغم من أنه لا يلوح في الأفق الآن. لا توجد طريقة سهلة لتحقيق ذلك، والخلافات بين إسرائيل والفلسطينيين لن تزول وتختفي بحركة سحرية أو لقاء تنازل إسرائيلي، كهذا أو ذاك. المشكلة الرئيسية التي تضايق الفلسطينيين ليست الاحتلالات التي حصلت في العام 1967 والسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. إنهم لا يتقبلون نتائج المواجهة التي أعقبت قرار الأمم المتحدة في العام 1947. إنهم لا يتقبلون وجود دولة إسرائيل في حدود اتفاق وقف إطلاق النار من العام 1949. ويتضح الآن أن معادلة “المناطق مقابل السلام” كانت مجرد وهم، إذ ليست هي لبّ المسألة الفلسطينية فيما يتعلق بالنزاع، وإنما المسألة هي وجود دولة يهودية في الحيز الذي يعتبره الفلسطينيون وطنهم. وجود يافا، طبريا وصفد تحت السيطرة الإسرائيلية يؤرّق الفلسطينيين أكثر من حواجز الجيش الإسرائيلي عند مخارج الخليل أو نابلس. لذلك، ينبغي على الفلسطينيين أولاً استبطان حقيقة أن إسرائيل ستظل قائمة كدولة قومية للشعب اليهودي، واللاجئون الفلسطينيون سيكونون ملزمين بتقبل حقيقة أنهم لن يعودوا إلى داخل إسرائيل. وأبعد من ذلك، على خلفية الشرق الأوسط الهائج والمتطرف في معظم أجزائه، ومهما كان في الأمر من حساسية وصعوبة، ينبغي على الفلسطينيين أن يدركوا أن جزءاً من ضمان أمن إسرائيل منوط بنشر قوات من الجيش الإسرائيلي في مناطق حيوية، وبأن وجود الجيش في هذه المناطق سيؤدي، بالضرورة، إلى فصل فعلي بين العالم العربي والدولة الفلسطينية. وبغير ذلك، قد تساعد إسرائيل بتوقيعها على اتفاق، وإخلاء مناطق، في بناء قوة أصولية خطيرة بالقرب من مراكز تجمعاتها السكانية، قوة ستقوم باستغلال الاستقلال الفلسطيني لبناء قدرات إرهابية غايتها إبادة دولة إسرائيل. لا يجوز الافتراض أنه بالقرب من إسرائيل سوف يزدهر الكيان العربي الوحيد الذي سيكون ديمقراطياً وساعياً للسلام. قد يكون من الممكن إعادة النظر في الأمر بعد جيل واحد أو اثنين. أما اليوم، على خلفية الشرق الأوسط الراهن، فإن التوصل إلى اتفاق ضرورة حيوية. إنه، كما ذكرنا، لن يخفف من حدة أي من مصادر الضائقة التي تعصف بالشرق الأوسط، لكنه قد يتيح لإسرائيل تطوير علاقاتها مع بعض دول الجوار في المنطقة.

الخلاصة
•كتب هنري كيسنجر في أحد كتبه أن “دوافع المواجهات في الشرق الأوسط مشابهة للدوافع التي كانت في أوروبا خلال القرن السابع عشر”… والتي “أدت إلى حرب الثلاثين عاماً”. ومعنى ذلك أن الشرق الأوسط يتصرف كما تصرفت أوروبا قبل “اتفاق وستفاليا” الذي أُبرم في العام 1648، بعد حرب دامت ثلاثين عاماً. ومن هنا، يتضح أن الشرق الأوسط متخلف عن العالم الحديث بما يزيد عن ثلاثمائة وخمسين سنة في كل ما يتعلق بالحرب والسلم وبمنظومات العلاقات بين الدول والجماعات المختلفة. غير أن الدلالة ليست تقنية، تتصل بعدد السنوات، بل جوهرية. ففي “اتفاق أوستفاليا”، صاغت الدول الأوروبية المعنية منظومة العلاقات فيما بينها على قاعدة الاعتراف بسيادة كل من الدول المختلفة وإخراج العامل الديني من جملة العوامل المقررة فيما يتعلق بإعلان الحرب. أما الشرق الأوسط، فيسير في الاتجاه المعاكس: حدود الدول تتفكك وتزول، السيادة تفتقر لأي معنى، الفوارق الدينية تؤثر تأثيراً كبيراً جداً على منظومات العلاقات بين الجماعات المختلفة، ويفوق في جزء كبير من المواقع تأثير أي فارق آخر، ويدور كثير من الحروب على خطوط التماس بين قبائل، وطوائف دينية. وزيادة على ذلك، تحتل منظمات غير دولتية مكان الدول في مناطق مختلفة، بل وحتى في الدول المستمرة ظاهرياً في السيطرة دون منازع، تقيم تنظيمات قوية منظومات دعم وجيوشاً لا تقل قوتها عن قوة جيوش الدولة ذاتها. هذه السيرورة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر قوة في سياق ما يوصف بـ”الربيع العربي”، وخاصة جراء ضعف العامل الدولتي وتعاظم القوى العاملة على بثّ التفرقة في المجتمع العربي. ويشكل هذا التفتت عامل إقصاء عن أية سيرورة من شأنها الدفع نحو النضوج السياسي على غرار “وستفاليا”. لقد أنقذ “اتفاق وستفاليا” أوروبا من خطر التحول إلى فضاء مدمَّر تماماً، لكن ليس من الواضح ما إذا كان ثمة مَن يقود إلى اتفاق مشابه في الشرق الأوسط ومتى.

•إذن، إلى أين يسير الشرق الأوسط؟ في حالة الفوضى العارمة التي تسود الشرق الأوسط الآن من الصعب جداً أن نعرف. وكما يقول بروفيسور يوسف دان في وصف مجمل الظواهر في عالم الطبيعة وفي المجتمع البشري في سياق “فهم الفوضى”: “ثمة أسباب، لكن نتائجها الدقيقة غير قابلة للتنبؤ، ومن خلال منظومة مكونة من عوامل قليلة تتطور نتائج مختلفة ذات تنوع لا نهائي لا يمكن التنبؤ بها على نحو دقيق”. ومن هنا، يبدو واضحاً أنه من الواجب التحلي بقدر من التواضع في كل ما يتصل بقدرتنا على التقدير والتنبؤ بشأن التطورات المستقبلية في المنطقة. أي، حتى لو كانت في حوزتنا معلومات ومعطيات جيدة وتفصيلية عن العوامل المختلفة التي أوصلت إلى الوضع الحالي، فليس في وسعنا معرفة ما سيحصل من الآن فصاعداً استناداً إلى تلك الظواهر ذاتها بالضبط. كما أنه من شأن التدخل الخارجي في مجريات الأحداث وسيرورتها أن يؤدي إلى ظواهر مختلفة وغريبة لا يمكن لأحد أن يتخيّلها اليوم. على سبيل المثال، الهجمات التي يشنها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” والتعاون الفعلي الميداني بين المليشيات الشيعية والولايات المتحدة قد تفضي إلى توحيد قوى سنيّة سترى أن الولايات المتحدة هي عدو العالم السنّي برمّته، وأنها انحازت إلى طرف ضد الآخر في الصراع الموغل في القدم في العالم الإسلامي، في المعركة بين الشيعة والسنّة. وذلك لأن إحجام الولايات المتحدة عن شنّ هجمات على الأسد، العلوي الذي قتل عشرات آلاف السنّة واستخدم الغاز ضدهم، يبدو في نظر كثيرين من السنّة موقفاً غير معقول وغير منصف على خلفية الهجمات ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي قتل أعداداً أقل بكثير. كما يعزز هذا الشعور أيضاً التعاون مع إيران أو مع مليشيات شيعية ضد “الدولة الإسلامية”، لأن الشيعة يعتبرون جميع السنّة في العراق، وليس مقاتلي “الدولة الإسلامية” فقط، عدوّاً محتملاً، وهم يتصرفون على هذا الأساس في أية منطقة مأهولة بالسنّة. وفي المقابل، سيسعى السنّة إلى توحيد القوى ورص الصفوف، إن لم يكن حُباً بتنظيم “الدولة الإسلامية” فمقتاً للشيعة. مثل هذا الشعور بالاضطهاد قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة لصالح التنظيمات السنيّة المتطرفة كـ”الدولة الإسلامية”، على نحو معاكس تماماً للنوايا الأميركية. وإضافة إلى ذلك، قد يؤدي مثل هذا المسلك، في مدى أبعد، إلى مقاومة أوسع ضد الولايات المتحدة، رغم أن دولاً سنيّة كثيرة تؤيدها اليوم وتحظى بدعمها. ليس هذا إلا مثالاً لاحتمال بعيد، لكن ليس مستحيلاً، ولم يخطر على بال أحد حينما قرر مهاجمة تنظيم “الدولة الإسلامية” لاحتواء الخطر والتهديد اللذين شكّلهما. ففي السيرورات التي شهدناها خلال في المنطقة خلال السنوات الأخيرة حصلت أحياناً تطورات بدت أنها أقل احتمالاً.

•يبقى السؤال الأكثر أثارة للاهتمام من وجهة تاريخية هو: هل سيتميز هذا القرن في الشرق الأوسط بصراع متواصل لسنوات عديدة بين الإسلام الراديكالي من جهة، وبين الغرب الديمقراطي ودول أقل ديمقراطية لكن ذات أقليات مسلمة (مثل الصين وروسيا)، من جهة أخرى، وبين الشيعة والسنّة، بما يرافق ذلك من عمليات إبادة متبادلة في الصراعات الخاصة بكل منطقة ومنطقة، أم أن الأحداث التي تقع أمام بصرنا اليوم، والتي تبدو أنها صراع شرس على مستقبل المنطقة، ليست سوى حالة موقتة وعابرة ستخرج المنطقة بعدها من الأزمة نحو حقبة أكثر تفاؤلاً؟ إذا ما حصل ذلك، فسيتضح لاحقاً أن هذه الأحداث كانت بمثابة الاختلاج الأخير لقوى الشرّ قبل اندثارها واختفائها من المنطقة التي ستصبح أكثر حرية، واستقراراً وأمناً. وعلى أية حال، ليس من الممكن فهم الأحداث والتطورات الحاصلة دون إدراك واستبطان حقيقة أن جميع الأحداث الحالية في الشرق الأوسط تحمل طابعاً مركّباً، وتتفاعل فيها قوى تجسد توتراً يمتد مئات السنين بين السنّة والشيعة وقوى الإسلام الراديكالي الذي يبحث عن مكان له في العالم، مقابل قوى أخرى تشدّ نحو حداثة اجتماعية، وولاءات محلية حلّت مكان الانتماء إلى الدولة التي فقدت قوتها كلياً أو جزئياً وقوى دولتية تحاول المحافظة على الوضع القائم وعلى مكانتها.

•كما قلنا، من الصعب التكهن بما سينتج في نهاية المطاف عن مجمل الصراعات المعقدة هذه، غير أنه بقدر ما يمكننا ذلك، واستناداً إلى تجربة الماضي (بمدى ما لها من صلة وأهمية)، يبدو، للأسف، أن المنحى المرتسم هو الأكثر تشاؤماً.

___________
– ترجمه عن العبرية: سليم سلامة.
– راجع الترجمة: أحمد خليفة.
. Henry Kissinger, “Does America Need a Foreign Policy?: Toward a Diplomacy for the 21st Century”, Simon and Schuster, New York, United States, 2001,
p. 164-165.
. يوسف دان، نظرية الفوضى وعلم التاريخ، تل أبيب، دفير 2009، ص 17.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الحزب الإسلامي التركستاني في سوريا: دوره ومصادر تمويله

بقلم: علاء حلبي* — في شهر حزيران – يونيو من العام 2014، أعلن “الحزب الإسلامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *