الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / مقالات / في معنى الثورة

في معنى الثورة

yemen_revolution

بقلم: د. هيثم مزاحم* — نشر باحثون ومفكّرون غربيّون دراسات مهمّة عن الثورة، هي في معظمها دراسات للثورات العالمية الشهيرة، بغية فهم دوافعها وأسبابها ومآلاتها واستخلاص القواسم المشتركة بينها. فما هي بعض العناصر المشتركة للثورة التي تمكنّنا من فهم أسباب الثورات ودوافعها؟ ولماذا تحدث الثورات، على الرغم من تباين الأسباب أحياناً، واختلاف العوامل والدوافع أحياناً أخرى؟

كلمة ثورة تعني في الأصل أمراً مختلفاً باللغتين العربية واللاتينية. فمصدر كلمة “ثورة” في اللغة العربية هو فعل (ثار – يثور) ومعناه غضب وهاج، ومنها اشتقاق اسم الثور، ذكر البقرة. فقد استخدم العرب إذاً كلمة ثورة بمعنى الغضب والهياج، ولم تستخدم الكلمة كاصطلاح سياسي واجتماعي بمعنى التغيير الجذري والانقلاب والتمرّد وتغيير النظام إلا في العصر الحديث. واستخدم العرب كلمة “الخروج” للتعبير عن التمرّد أو الثورة على الحاكم والنظام القائم.

أما استخدام كلمة ثورة باللغة اللاتينية Revolution كاصطلاح سياسي واجتماعي وعلمي، بمعنى التغيير الجذري والتحوّل، فهو حديث أيضاً. أصل الكلمة نشأ في علم الفلك واستُخدم على سبيل التشبيه في السياسة. وكانت كلمة Revolution في الأصل اصطلاحاً فلكياً، اكتسب أهمّيته المتزايدة من خلال العالم الفلكي نيكولاس كوبرنيكوس. الاصطلاح لا يشير إلى العنف، بل يشير إلى حركة دائرية متكرّرة للنجوم، بما أن هذه الحركة هي خارج تأثير الإنسان، أي لا يمكن مقاومتها. وعندما نقلت الكلمة إلى المجال السياسي، كان معناها تعاقب الحكومات والدول في دورة لا يمكن للبشر تبديلها وتغييرها.

لا بدّ من العودة إلى اللحظة الأولى التي استخدمت فيه كلمة “ثورة” بهذا الاسم. ففي 14 يوليو/ تموز 1789 سقط سجن الباستيل في باريس. وحين سمع الملك الفرنسي لويس السادس عشر من مبعوثه ” ليانكورت” بسقوط الباستيل، وتحرير بضعة سجناء منه، وتمرّد القوات الملكيّة قبل وقوع الهجوم الشعبي، قال الملك في وجه رسوله “إنه تمرّد”، فصحّحه “ليانكورت” قائلاً: “كلا يا صاحب الجلالة، إنها ثورة!”. تقول الفيلسوفة الأميركية – الألمانية “حنّة أرندت” معلّقة: “حين قال لويس السادس عشر إن اقتحام الباستيل هو تمرّد، كان يؤكّد على سلطته وعلى الوسائل المختلفة بين يديه لمواجهة المؤامرة والتحدّي الواقع على سلطانه”.

ليس ثمّة تعريف واحد للثورة. يقول الباحث والمؤرّخ الأميركي “كرين برينتن” في كتابه “تشريح الثورة” إن الثورة من الكلمات التي تتّصف بالغموض، وقائمة الأحداث والأفعال المرتبطة بهذه الكلمة غير محدودة. فهناك “الثورة الفرنسية الكبرى”، و”الثورة الأميركية”، و”الثورة الصناعية”، و”الثورة في هاييتي”، و”ثورة اجتماعية”، و”ثورة السود في أميركا”، و”ثورة في تفكيرنا”، و”ثورة في صناعة السيارات”..إلخ. أي أن كلمة “الثورة” صارت مرادفاً لكلمة “تغيير”، ربما مع الإيحاء بأن هذا التغيير مفاجئ أو لافت للنظر. ويعرّف “برينتن” الثورة بالاستبدال المفاجئ والعنيف للفئة الحاكمة بفئة أخرى لم يكن لها نصيب آنذاك من إدارة الدولة والحكم، وذلك عبر انتفاضة عنيفة أو انقلاب أو عصيان مسلّح أو …… ويتساءل “برينتن” إن كان يمكن إطلاق تسمية الثورة على التغيير من دون اللجوء إلى العنف.

أما الباحث آرثر باور، فقد عرّف الثورات في بداية القرن العشرين، بأنها المساعي الناجحة أو غير الناجحة التي تهدف إلى إيجاد تغييرات في بنية المجتمع من طريق استخدام القوّة والعنف.

التعريف الذي يتبنّاه علم الاجتماع لاصطلاح الثورة هو أنها تغيير جذري أساسي وعميق في المجتمع وبناه الاجتماعية، وخصوصاً حين يكون فجائياً ومصحوباً بالعنف. أما التعريف السياسي، فهو أن الثورة تعني تغيير النظام السياسي الحاكم ورموزه. وإذا جمعنا بين التعريفين، يمكن الخروج بتعريف أشمل هو: “الثورة تغيير جذري غير سلمي للنظام السياسي ورموزه وبناه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهذا التغيير يكون عادة فجائياً ومصحوباً بالعنف”.

أما المفهوم الحديث للثورة، بحسب “حنّة أرندت”، فيرتبط “ارتباطاً لا انفصام له بالفكرة التي تقول إن مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تماماً، قصة لم تروَ سابقاً ولم تُعرف قط، هي على وشك أن تظهر”.
هذا المفهوم لم يكن معروفاً قبل اندلاع الثورتين الفرنسية والأميركية في نهاية القرن الثامن عشر. أما عقدة هذه الحكاية الجديدة، فهو ظهور الحرية. وقد عبّر عن ذلك أحد منظّري الثورة الفرنسية، جان كوندورسيه، بقوله: إن كلمة ثورة “لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية”.

وترفض أرندت إمكانية تشبيه الثورات ــ بحسب تعريف أفلاطون لها ــ بأنها تحوّل شبه طبيعي في شكل من أشكال الحكومة إلى شكل آخر. فالثورة ليست مجرّد تغيير، بل هي بداية جديدة لتاريخ لم يكن معروفاً قبل الثورتين الأميركية والفرنسية.

كانت العصور القديمة على معرفة بالتغيير السياسي والعنف الذي يصاحب التغيير، لكنّها لم تكن ترى أن هذا التغيير والعنف من شأنهما أن يأتيا بشيء جديد تماماً.

وترى أرندت أن الشيء الحديث، والمميّز والجديد في الثورتين الأميركية والفرنسية، هو “ظهور الحرية”. وهي تفرّق بين “الحرية” و”التحرّر”. فهما ليسا مثل بعضهما. فالتحرّر (liberty) قد يكون هو شرط الحرية (Freedom)، ولكنه لا يقود إليها آلياً. والحرية المقصودة هي الحرية السياسية. فالحرية لا تعني سوى التحرّر من الكبح، أي القدرة على التنقّل والتجمّع للمطالبة بالحقوق، والتحرّر من الحاجة والخوف. إن هذه الحريات كلّها هي نتائج للتحرّر، لكنّها ليست المحتوى الحقيقي للحرية، والذي هو المشاركة في الشؤون العامة أو الدخول في الميدان العام. والثورة هدفت إلى ضمان الحقوق المدنية، وكذلك إلى التحرّر من الحكومات التي تجاوزت سلطاتها وانتهكت الحقوق القديمة والثابتة.

هل يمكن توقّع الثورات؟

اختلف الباحثون في الثورات بشأن إمكان توقّع الثورات، فذهب البعض إلى أنها تكون فجائية، وذهب البعض الآخر إلى أن الحديث عن الثورة ينتشر عادةً في المجتمع الذي سيشهد ثورة لاحقاً.
وأعطى بعض المؤرّخين والباحثين العامل الاجتماعي والاقتصادي، الدور الأبرز في دفع الناس إلى القيام بالثورات، فيما رأى البعض الآخر أن الدافع السياسي نتيجة الاستبداد والظلم، هو الذي يجعل الشعوب تنتفض ضدّ الحاكم الظالم والمستبد.

وفي حالات أخرى، لعب العامل الثقافي الديني الدور الرئيس في وقوع الثورة، من دون أن يعني ذلك أن عاملاً واحداً يكفي وحده لإشعال الثورة. بل إن اجتماع عوامل عدّة وتراكم الدوافع والأسباب هي التي تؤدّي إلى اندلاع الثورة، بحيث يطغى عامل أو سبب ما على العوامل والأسباب الأخرى.

لكنّ الثورة تحتاج إلى فترة زمنية حتى تختمر هذه العوامل وتتراكم الدوافع وتنضج ظروف الثورة. فكم من ثورة فشلت في التاريخ، بسبب عدم نضوج ظروفها وعدم توافر عواملها الموضوعية.

كما تتطلّب الثورة قائداً أو قيادة تلهمها وتوجّهها وتقودها نحو النصر. فكم من انتفاضة أو حركة معارضة أو ثورة فشلت في تحقيق أهدافها أو انحرفت عن مسارها بسبب غياب القيادة وافتقادها للقائد الملهم والحكيم.

والثورة تحتاج عقيدة أو أيديولوجيا تحدّد مبادئها وأهدافها المنشودة وتساعد في تحريض الجماهير على الخروج والانتفاض والاحتجاج في سبيل تحقيق هذه الأهداف. وقد تكون هذه العقيدة دينية أو فلسفية، سياسية – اقتصادية ليبرالية أو شيوعية.

وتحتاج الثورة في الغالب إلى إعداد وتنظيم من قبل حزب أو تنظيم أو جماعة، يقوم بتعبئة الجماهير وتحريضهم على الانتفاض ضدّ السلطة. والتعبئة عمادها الإعلام، الذي تطوّر من الخطابة والمنشور السرّي، إلى الكتاب والصحيفة، ومن ثم الإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

وثمّة ثورات اندلعت فجأة من دون تخطيط وإعداد من أيّ حزب أو حركة، ولكن سرعان ما تلقّفها حزب أو تيار سياسي واستثمرها للوصول إلى السلطة. حتى في الثورات الفرنسية والأميركية والروسية، لم يخطّط الثوريون لها، بل بدأت كاحتجاجات محدودة وسرعان ما انفلت زمامها وتحوّلت إلى ثورات، انضمّ إليها أحزاب وقوى وتيارات وشخصيات.

*باحث وإعلامي لبناني، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط.

المصدر: نشرة أفق – مؤسسة الفكر العربي.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *