الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / كتب / قراءة في مذكرات حاييم وايزمان

قراءة في مذكرات حاييم وايزمان

قراءة: د. محمد عبدالرحمن عريف* — جمع المؤلف الحسيني الحسيني معدي في هذا الكتاب مجمل مذكرات حاييم وايزمان، والتي في الحقيقة لم يكن وايزمان يقصد كتابتها كمذكرات، ولكنه كتبها ضمن الكتاب الوحيد الذي ألفه وهو كتاب “التجربة والخطأ” (Trail and Error)، والذي يحمل سيره الذاتية، وكان وايزمان قد كتبه عام 1949.
يبدأ الكاتب بعقد مقارنة بين اليهودية والصهيونية، وعلاقة حاييم وايزمان بالمنظمة الصهيونية العالمية، وكيف كان يفكر وايزمان، ثم يعرض لما بعد ثيودور هرتزل. ثم يقوم الكاتب بتقديم طويل عن حاييم وايزمان (1874-1952) ويعده أشهر الشخصيات الصهيونية بعد هرتزل، بما لعبه من دور يعد الأهم في استصدار وعد بلفور الشهير عام 1917م، وترؤسه للمنظمة الصهيونية العالمية بين 1920 و1946، وكذلك انتخابه كأول رئيس لإسرائيل عام 1949.
ولد حاييم وايزمان في بلدة “موتول” في ولاية “بنسك” إحدى ولايات روسيا البيضاء عام 1874، وكان والده من وجهاء موتول المتدينين، وكان يعمل تاجرًا للأخشاب. ويعرض الكاتب لبداية حياة وايزمان الدراسية في معبد البلدة، ودراسته مبادئ الدين والتاريخ اليهوديَّين واللغة الروسية ولغة “اليديش” التي كان يتحدث بها يهود روسيا، إلى أن أرسله أبوه إلى “بنسك” لتلقِّي تعليمه العالي هناك حيث تخصص في الكيمياء، وأكمل دراسته في مدرسة “البولتيكنيكوم” الألمانية، وحصل منها عام 1899 على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف.
وفي عام 1901 اختارته جامعة جنيف للعمل فيها محاضرًا مساعدًا، وفي عام 1904 أصبح أستاذًا في جامعة مانشستر في بريطانيا. ويعرض الكاتب لحياة حاييم الاجتماعية، وزواجه من فيرا وإنجابه منها ولدَين هما بنيامين وميخائيل، وقد توفي الأخير في حادث تحطم طائرة أثناء الحرب العالمية الثانية.
يعرض الكاتب لتوجهات وايزمان الفكرية الصهيونية، وإيمانه بضرورة إنشاء وطن قومي لليهود يحفظ لهم هويتهم وكيانهم من الذوبان في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، إذ وهب علمه وجهده وماله لتحقيق هذا الأمر، إضافة إلى سعيه الدائم إلى التقريب بين الفرقاء اليهود وجمع كلمتهم ومحاولة التنسيق بين جهودهم لخدمة الهدف الأعلى وهو إقامة هذه الدولة.
وكان وايزمان قد رفض فكرة اندماج اليهود في أوروبا حتى لا يفقدوا هويتهم وكيانهم، وقد كلّفه المؤتمر الصهيوني الثاني بتشكيل الوفد الروسي لحضور المؤتمر. وفي عام 1901 كلَّفه المؤتمر بحمل اليهود على شراء أسهم البنك اليهودي الدولي وبنك الاستعمار اليهودي، وبزغ نجمُه داخل المؤتمر واختير عضوًا في الحركة الصهيونية. ثم رفض وايزمان عام 1903 فكرة اختيار أوغندا مكانًا بديلاً لليهود يُنشئون عليه دولتهم بعيدًا عن فلسطين. وهنا يقول وايزمان عام 1906 أثناء مقابلته اللورد بلفور “إن اليهود يعتقدون أن استبدال فلسطين بأي بقعة أخرى في العالم نوعٌ من الكفر، فهو أساس التاريخ اليهودي، ولو أن موسى نفسه جاء ليدعو إلى غيرها ما تبعه أحد، وسيأتي اليوم الذي سننجح فيه في استعادة بلادنا، فهذا أمرٌ لا شكَّ فيه”.
وهنا تزعيم حاييم وايزمان تيار الصهيونية العالمية، حيث انقسمت الحركة الصهيونية بعد فكرة أوغندا والمؤتمر الصهيوني السابع عام 1907 إلى قسمين: الصهيونية السياسية التي كانت تسعى للحصول على تصريح من السلطان العثماني قبل التفكير في العودة إلى فلسطين؛ والصهيونية العملية التي عملت على إحياء اللغة العبرية والاهتمام بالناحية الروحية وخلق واقع صهيوني في فلسطين.
يعرض وايزمان بنفسه في مذكراته وكتابه الأصلي لجمله من رحلاته الطولية أهمها: سفره إلى فلسطين للمرة الأولى عام 1908. والمرة الثانية التي سافر فيها إلى فلسطين كانت عام 1918 ضمن وفدٍ صهيونيٍّ، قررت الحكومةُ البريطانية إرسالَه إلى هناك لدراسة الأوضاع على الطبيعة في ضوء تصريح بلفور، وقد نصحه الجنرال اللنبي، قائد القوات البريطانية في فلسطين، بزيارة الأمير فيصل بن الشريف حسين أمير مكة وقائد الجيش العربي وقتئذ، فقابله وربطت بينهما صداقةٌ استمرت مدى الحياة.
وبعدها وضع وايزمان حجر الأساس للجامعة العبرية التي افتتحت بعد ذلك بسبع سنوات (1925). وكان في طريقه إلى فلسطين مر في الإسكندرية في 14 أغسطس/آب 1918، حيث ألقى كلمة شرح فيها المتطلبات العاجلة للقضية الصهيونية، ولم ينسَ أن يوجه لأعضاء اللجنة الصهيونية هناك نصائحه وتوصياته.
أصبح وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية في عام 1920، حيث انتخبه المؤتمر الصهيوني الذي عُقد في لندن آنذاك، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1946. ثم يأتي دور وايزمان في إنشاء الوكالة اليهودية، وهنا دعا وايزمان المنظمات اليهودية العالمية للاجتماع عام 1929 لانتخاب أعضاء الوكالة، وتم الاجتماع وانتُخبت الوكالة وظهرت إلى الوجود في العام نفسه وأصبحت تتحدث باسم اليهودية العالمية.
يتناول وايزمان في مذكراته موافقته على “الكتاب الأبيض” الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1930 بعد اتصالات هادئة أجراها مع رئيس الحكومة ماكدونالد على السماح بهجرة 40 ألف يهودي إلى فلسطين عام 1934 و62 ألفًا عام 1935، وحصل بذلك على خطاب بالموافقة من ماكدونالد، فأعلن موافقته على “الكتاب الأبيض”، لكن المؤتمر الصهيوني رفض ذلك وطالب بوضع مواثيق تضمن ما أسماه بعدم التنازل ونصحهم وايزمان بالعمل، وبألا يضيِّعوا أوقاتهم في مثل هذه المواثيق. لكن المؤتمر رفض وأسقط وايزمان وانتخب مكانه سوكولوف للرئاسة، إلا أن وايزمان عاد ونجح في الانتخابات التي أُجريت عام 1935.
وفي هذه الأثناء اختير وايزمان مستشارًا كيمائيًّا فخريًّا لوزارة التموين التي كان يرأسها هربرت موريسون، وخُصِّص له معمل يُجري فيه أبحاثه وتجربه، وبدأ تجاربه في إنتاج البنزين الصناعي عن طريق التقطير وعن عمليات التخمير واستخراج الكحول والمطاط الصناعي. بعدها، غادر وايزمان بريطانيا عام 1942 لتلبية دعوة من الولايات المتحدة للإقامة فيها لمواصلة إنتاجه في المطاط الصناعي.
تأتي أهم انجازات وايزمان، في عام 1947 وأثناء إقامته في الولايات المتحدة حين عرضت بريطانيا القضية الفلسطينية برمَّتها على الأمم المتحدة، وركز وايزمان جهده لمتابعة مشروع تقسيم فلسطين كما عُرض آنذاك. واتفق وايزمان مع ترومان، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، على خطة التقسيم التي ستعمل الولايات المتحدة بثقلها على إقرارها في داخل أروقة الأمم المتحدة، واتفق معه على أن صحراء النقب ستكون تابعةً للكيان الصهيوني بعد أن أثبتت الأبحاث العلمية وجود المياه الجوفية فيها، وعلى أن يكون لإسرائيل منفذ على البحر الأحمر.
وصدر قرار التقسيم بالفعل في 29/11/1947 بموافقة 33 صوتًا ضد 13 صوتًا، وقبل اليهود القرار على الفور، بينما قاوم العرب هذا القرار، ولكي تتجنب واشنطن الغضب العربي والإسلامي تحايَلَت على الوضع فقرَّرت في 19/3/1948 إعادة النظر في الأمر وعرض الموضوع على الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتخاذ قرار بوضع فلسطين تحت الوصاية الدولية بمجرد انتهاء الانتداب يوم 15 مايو أيار 1948. لكن ردّ وايزمان كان قاطعًا: “إنني لا أقيم وزنًا لخرافة القوة العربية العسكرية ولا بدَّ لليهود من إعلان استقلالهم في اليوم التالي لانتهاء الانتداب، هذه هي الخطوة العملية للخروج من هذا الموقف”. وبالفعل في 14 مايو/ أيار1948 أعلن بن غوريون قيام الدولة اليهودية واعترفت بها على الفور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
منذ ذلك التاريخ، أضحى وايزمان أول رئيس للكيان الصهيوني (إسرائيل) إذ اختير عام 1948 رئيسًا للمجلس الرئاسي المؤقت وفي عام 1949 انتُخب كأول رئيس للدولة الصهيونية.
يقول وايزمان إنه صدرت عن الإنجليز أشياء إضطرته إلى أن يضيف فصلًا واحدًا إلى المذكرات، ويوضح أن الفصل “ليس من المذكرات، ولكني أضفته للضرورة”. هذا الفصل الأخير يتناول اتهام الانجليز منذ اعلان قرار 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 حتى تاريخ خروجهم، ويعرض لحرب 1948، والصراع مع العرب .
كان وايزمان من المطالبين بإدخال الصفة الإثنية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وقد كان على خلاف مع الزعيم الصهيوني اليميني فلاديمير جابوتنسكي الذي كان يتبنى الحد الأقصى ويعلن دائمًا عن الأهداف. ويُسجّل لوايزمان أنه وسّع الوكالة اليهودية لتضم يهودًا ليسوا صهاينة حتى يدعون بين جماعاتهم للمشروع الكبير.
يقول وايزمان عن طرد الفلسطينيين العرب من مدنهم وقراهم عام 1948: “إنها معجزة أدت الى تطهير أرض إسرائيل”. وحينما عُرض عليه أن يكون اليهود في فلسطين في وضع الأقلية، وأن عليهم بأن يتعايشوا مع العرب الفلسطينيين، تمتم بكلمات ذات نسق حلولي مثل: “الرب سيضع يده مرة ثانية ليستعيد بقية شعبه ويرفع راية لكل الأمم، وسيجمع المشردين من إسرائيل وسيجمع المشتتين من يهودا من أركان الأرض الأربعة”.
يختتم وايزمان مذكراته فيقول “في يوم 15-5-1948، سرى بين اليهود في العالم كلّه، شعور بالغ بالفرح والسرور. وبقيت حكاية الجيوش العربية التي أرسلتها الدول العربية السبع أو الست، أو الخمس إلى حدود فلسطين لتغزونا… وكان الخطر مضروبًا على استيراد الأسلحة. وحوصر اليهود في فلسطين، وتحركت جيوش الدول العربية لغزوتنا، إذًا فلقد رمينا أوراقنا، ولا مفر من مواجهة الواقع مهما كان”.
يقول وايزمان: “كان يوم 15-5-1948 يومًا تاريخيًا، فلقد توالت فيه اعترافات الدول بنا، وفي ذلك اليوم نفسه تسلمت أنا برقية لتولي الرئاسة، وقد أجبت أنا على البرقية برسالة ضمنها شكري. وبعد يومين وصلت إليَّ أنباء وأنا في الفندق في أميركا بأن مجلس المنتخبين اختارني رئيسًا للجمهورية”.
ألف وايزمان في عام 1949 كتابه الذي يتضمن سيرته الذاتية “التجربة والخطأ”، وهو النص الأصلي لهذه المذكرات.

الكتاب: مذكرات حاييم وايزمان
ترجمة: الحسيني الحسيني معدي
الناشر: دار الخلود للنشر والتوزيع – القاهرة – 2015

*كاتب وباحث مصري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

بقلم: ندى حطيط — لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *