الجمعة , أغسطس 18 2017
الرئيسية / مقالات / التأثيرات الحضارية المتبادلة بين الفرنجة وسكان مدن الساحل اللبناني (1097 – 1291)

التأثيرات الحضارية المتبادلة بين الفرنجة وسكان مدن الساحل اللبناني (1097 – 1291)

بقلم: أنيس الأبيض — التاريخ مليء بحركات الهجرة وانتقال الشعوب من مكان إلى آخر، ومن هذه الحركات العديدة ما اتخذ طابعاً سلمياً معتدلاً، ومنها ما اتخذ طابع الغزو العنيف الذي يستهدف تشريد أهل البلاد وأصحابها الشرعيين وحرمانهم من حقوقهم وأرضهم.
ومهما تعدّدت الأسباب الظاهرية لتلك الهجرات، فإنّ الاتجاه الحديث الذي سلكه بعض المؤرخين يحاول دائماً أن يفسّرها في ضوء العامل الاقتصادي. فتحت تأثير البيئة وقسوتها وتغيّر أحوالها، وما قد يعتريها من جفاف وجدب بعد مطر وخصب، هاجر الفينيقيون واليونانيون في العصور القديمة وانتشروا على سواحل البحر المتوسط وفي جزره ونزح الجرمان في فجر العصور الوسطى من بلادهم، حول شواطئ البلطيق، إلى جنوب أوروبا، واندفع المغول في القرن الثالث عشر، من جوف آسيا نحو الشرق الأدنى وشرق أوروبا. على أنّه من المبالغة أن تنسب جميع الهجرات الكبرى في التاريخ إلى العامل الاقتصادي وحده، فهناك أمثلة أخرى لحركات ضخمة شاركت في بعثها وتوجيهها عوامل دينية وفكرية واجتماعية وسياسية فضلاً عن العوامل الاقتصادية، ومن هذه الحركات، الحركة الصليبية.
والواقع أنّه لا توجد حركة في تاريخ العصور الوسطى أحقّ بالدراسة لكشف حقيقتها وإبراز معالمها واضحة خالصة من الأوهام التي علقت بها، من الحركة الصليبية، هذا فضلاً عن أهمية هذه الحركة بالنسبة للشرق العربي والغرب الأوروبي ثم بالنسبة للعلاقات بين الشرق والغرب جميعاً وموقف سكان المناطق التي دخلها الفرنجة.
ففي الحركة الصليبية التقى الشرق بالغرب، ولم يكن اللقاء حربياً في ساحة الوغى فحسب، بل كان أيضاً لقاء حضارياً بأوسع ما يحتمله هذا التعبير من معان وفي الحركة الصليبية وقف الإسلام والمسيحية وجهاً لوجه، لا وقفة الخصمين المتنافسين فحسب، بل أيضاً وقفة الأخوين المتعاتبين اللذين يربط بينهما رباط سماوي وثيق، وفي الحركة الصليبية خرج الغرب الأوروبي لأول مرة في التاريخ من عزلته وجرى وراء أطماعه مستخدماً كل الأساليب التي تكفل له الوصول إلى ما يريد من الديار المشرقية. وقد أفسحت هذه الحركة المجال الواسع لتدفّق العديد من الأوروبيين الفرنجة إلى بلاد الشرق عامة وبلاد الشام بخاصة، بفعل شريان الاتصال الذي أفرزته مع شعوب هذه المنطقة على جميع الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية. وهكذا انطلقت أفواج الفرنجة في موجات عدّة لحط عصا الترحال غزواً وتجوالاً في هذه البلاد لدراسة تاريخها ومعرفة عادات شعوبها، والوقوف على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمناطق الشامية بعامة واللبنانية بخاصة.
إنّ ما يهمّنا في هذا المقال ليس الوقوف على أسباب الحروب الصليبية ودراسة ظواهرها، وإنّما معرفة موقف سكان مدن الساحل اللبناني من الوجود الفرنجي، ومدى التفاعل الحضاري الذي نشأ عن الصلات اليومية والاحتكاك المباشر الذي نتج من هذه العلاقات.
والحقيقة أنّه يستحيل وجود مرجع واحد يستطيع أن ينقل الواقع السكاني لسكان مدن الساحل اللبناني، ويعطي تصوراً واضحاً لطبيعة التفاعلات المعيشية مع الفرنجة، ويبرز أهمية الروابط الحضارية والسياسية والاقتصادية التي ترتبت عنه، وردود الفعل المتفاوتة التي ظهرت عند سكان الساحل اللبناني والتي تبدّلت وتغيّرت بين المقاومة والرفض لهذا الوجود وبين المهادنة والمسالمة، تبعاً للظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي حكمت علاقة الطرفين، في أكثر الأحيان، بالإضافة إلى دراسة المؤثرات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والطبية التي برزت من خلال الاحتلال الفرنجي لمدن الساحل اللبناني ما يقارب القرنين من الزمن.
وإذا شئنا أن نستعرض حال سكان المدن اللبنانية من مسألة الوجود الفرنجي، فإنّ ذلك يتطلّب قراءة المراحل الأولى للاحتلال لبعض المدن، وطبيعة ردّات الفعل التي قام بها السكان ضد هذا الاحتلال، ولنتوقف هنا عند دراسة إحدى أبرز مدن الساحل اللبناني التي وقعت تحت الاحتلال الفرنجي، وهي مدينة طرابلس التي كانت أول فريسة لبنانية استهدفها الصليبيون.
فمنذ العام 1103م، استقر القائد الصليبي «صنجيل» (سان جيل) على مشارف المدينة وبنى القلعة ليستطيع من خلالها أن يُحكم الحصار ليتعذّر على أيّة قافلة بلوغ طرابلس أو الخروج منها من غير أن يلحظها رجاله، أما موقف سكان المدينة من هذا الحصار فقد تجلّى في دفاع أهلها عن مدينتهم دفاعاً مجيداً، كما عبّر عنه القاضي فخر الدين الذي كان يريد بأي ثمن هدم القلعة التي كانت تهدّد عاصمته بالاختناق، كما حاول رجاله القيام بعمليات حربية ضد الفرنجة، كطعن أحد الحراس أو الإضرار بسور في طور التشييد أو في ما قامت به حامية طرابلس بأسرها، عندما خرجت بقيادة القاضي وفتكت بعدد كبير من المحاربين الفرنجة وأضرمت النار في أحد أجنحة القلعة.
هذه الحوادث العسكرية التي رافقت حصار طرابلس، لم تمنع الطرفين المتحاربين من عقد اتفاق يتعهّد به أهالي المدينة بعدم مهاجمة القلعة، وبالمقابل يتعهّد القادة الفرنجة بعدم التعرّض لمسيرة المسافرين والبضائع. إنّ هذا الاتفاق الذي وافق عليه قاضي المدينة أفرز مساراً جديداً حدّد العلاقات التي انتظمت بين المحاصِرين والمحاصَرين، وكأن واقعاً طبيعياً نشأ، إذ استأنف ميناء طرابلس نشاطه وأخذت القوافل تروح وتجيء بعد دفع المكوس للفرنج وشرع الوجهاء الطرابلسيون يعبرون خطوط الأعداء مزوّدين بجوازات مرور.

حال طرابلس طيلة الوجود الفرنجي
لا شك في أنّ المدينة ظلّت تحتفظ بشهرتها العلمية التي عُرفت بها في العصور السابقة، وغدت مركزاً علمياً متفوّقاً يفِد إليه طلاب أوروبا لأخذه عن علمائها المسلمين والنصارى البلديين.
ورغم تبدّل الحياة السياسية والدينية فيها، إذ تحوّلت من إمارة عربية إسلامية إلى إمارة كونتية صليبية، ومع ذلك فإنّ جذوة العلم فيها لم تخمد، كما كان متوقعاً، بل إنّ الحركة العلمية والفكرية وجدت المناخ المناسب للتفاعل بين الفكر العربي والأوروبي والمعتقدات الدينية والتنافس الثقافي والتأثر والتأثير. فقد بقي في المدينة قسم من أهلها المسلمين، عندما دخلها الصليبيون، وعاد إليها قسم آخر ممن كانوا قد تركوها إبان الحصار.
وكان من الطبيعي أن يخبو نور النهضة الثقافية لفترة من الزمن عقب الاحتلال الصليبي لطرابلس سنة 502 هـ / 1109م. فالمكتبة العامرة أصبحت خراباً وأنقاضاً وكتبها أصبحت طعماً للنيران، ورماداً ذرّته الرياح، ومدارس ومساجد المدينة أصبح معظمها أثراً بعد عين. ولم يسلم من يد التخريب والتدمير إلا ما كان واقعاً في المنطقة التي دخلتها قوات «بلدوين» إذ إنها لم تقم بعمليات التخريب عندما افتتحت شوارع المدينة، كما فعلت القوات الجِنويّة. ولذا يمكن القول إنّ غالبية المساجد والمدارس الإسلامية قد بقيت في المدينة تؤدي دورها بين المسلمين من أبنائها الذين آثروا البقاء فيها، حيث أجاز رجال الدين المسيحيون للمسلمين أن يؤمّوا المساجد للعبادة. فكان المسلمون يعلّمون أبناءهم القرآن في المدارس القائمة، والتي كانت لا تزال في طرابلس وأنطاكية المسيحيتين.
وأعاد معهد الطب الذي أنشئ في تلك الفترة الشهرة العلمية والحضارية للمدينة، إذ كان بمثابة معهد أكاديمي يتلقى فيه الطلبة دراسة الطب على أيدي علماء متخصصين، واشتهر شهرة واسعة حتى قصده الطلاب من الأنحاء القاصية وأصبح أعظم معاهد الطب في الإمارات الصليبية على الإطلاق. وكان الطب من اختصاص اليعاقبة البلديين نخص بالذكر منهم اليعقوبي ميشيل الحلبي الذي مارس الطب محاطاً بتقدير رجال الدين وطبقة أشراف الفرنجة. وفي طرابلس أتمّ العالم الكبير «برهبراوس» دراسته العلمية على أستاذ نسطوري طرابلسي، ويشير أحد اليعاقبة الأنطاكيين إلى وجود عدد كبير من الأطباء اليعاقبة والمكاتبين والمسلمين في طرابلس كان يتردد عليهم في معامله وعالجوه في المستشفيات. وكان ممن تخرّج في معهد الطب المؤرخ المعروف بابن العبري، حيث تلقى علم الطب على يد مدرّسي هذا المعهد وهو «يعقوب النسطوري» ومعه زميله «صليبا بن يعقوب الرهاوي» الذي أصبح بعد تخرّجه أسقفاً لليعاقبة في حلب ثم «مقرياناً» باسم أغناطيوس. كما اشتهر إلى جانبه «باسيلوس الحلبي» أحد أساتذة معهد الطب بطرابلس، وميشيل الحلبي الذي مارس الطب محاطاً بتقدير رجال الدين وطبقة النبلاء من الفرنجة، كما كان في طرابلس عدد كبير من الأطباء على اختلاف مذاهبهم من اليعاقبة والملكانيين والمسلمين.
وبهذا يتّضح أنّ الطب كان متقدماً عند العرب مسلمين ومسيحيين في هذا العصر، وأنّ هذه النهضة العلمية والطبية لم تكن بفضل الصليبيين وحدهم. فقد ذكر المؤرخ «وليم الصوري» أسقف صور الذي عاصر الحروب الصليبية أنّ الأمراء الصليبيين الشرقيين بناء على رغبة نسائهم، وتحت تأثيرهم لا يعتقدون في الأدوية ولا يثقون بوسائل وطرق علاج الأطباء الصليبيين، ولكنهم يثقون بالأطباء اليهود واليعاقبة والمسلمين». وإلى جانب المؤرخ «ابن العبري» الذي تعلّم في طرابلس وأتقن العربية، فقد قصدها الكثير من النبلاء الصليبيين، وقد نبغ فيها الأسقف «وليم الطرابلسي» الذي أصبح أسقفاً على طرابلس منذ سنة 1250م. ووضع كتاباً عن الإسلام بعنوان «أبحاث في أحوال العرب» وبرهن في كتاباته على رؤيته النافذة في عبقرية الإسلام ومميزاته.
وإذا كان لنا أن نشير الى أهمية العلاقات التي تكوّنت بين سكان طرابلس والفرنجة ومدى التأثير الذي تركته تلك الروابط في دور طرابلس الثقافي، فإنه يمكن الإشارة إلى أنّ طرابلس كانت في العصر الصليبي، كما كانت في العصر الإسلامي، من أهم موانئ الشام وكانت تعيش التقدّم الحضاري والفكري والثقافي، فأقام الصليبيون فيها مائة وثمانين عاماً، وتأثّروا فيها بالعلم والثقافة والمظاهر الحضارية والإسلامية، كما تأثر الشاميون بالصليبيين، ونتج من هذا القيام حركة فكرية لا في طرابلس فحسب بل في بلاد الشام كلها، ونشطت حركة الترجمة، مما أدى إلى قيام مدارس لها اتجاهاتها في الفلسفة والأدب والأديان، ومن هذه المدارس، ارتقت في طرابلس مدرسة طائفة اليعقوبيين، التي بلغ فيها العلم أوجاً عالمياً، فقد كان جمع اليعاقبة هو الأهم في طرابلس بين الطوائف المسيحية الأخرى، ولعب هؤلاء دوراً كبيراً في المجال الفكري. كذلك كان الكاثوليك الروم – وعلى الأخص في طرابلس – يتمتّعون بوضع اجتماعي جيد فلمعوا بخاصة في الجانب الفكري وفاقوا أحياناً الموارنة.
وهكذا ظلّت طرابلس تحتفظ بشهرتها العلمية حتى في ظل الاحتلال الصليبي، وظلّت مركزاً علمياً متفوّقاً يفد إليه طلاب العلم من أوروبا لأخذه عن علمائها المسلمين والنصارى البلديين. وإذا كان الفرنجة في طرابلس يتكلمون باللغة الفرنسية، كما كان التجار الإيطاليون يتكلمون الإيطالية، فإنّ الكثيرين من الفرنجة أتقنوا العربية إذ وجد أمراؤهم وإقطاعيّوهم وتجارهم ورهبانهم أنّ من الخير لهم أن يتعلّموا العربية.
وممن أتقن العربية «ريموند الثالث» كونت طرابلس، حيث تعلّمها أثناء فترة وقوعه في الأسر بيد المسلمين في حلب عام 1165م. وأصبح يعرف الإسلام وعادات أهله معرفة الخبير. أما «وليم الصوري» و «وليم الطرابلسي»، وقد ولدا في لبنان كما ولِد كثيرون من الإفرنج – فقد كانا لا يجيدان اللغة العربية المحكية فحسب، بل العربية الفصحى أيضاً.
وفي مجال العلوم الفلسفية والمنطق والطب اشتهر «غريفوري بار إبراوس» أبو الفرج ابن أهرون المالطي، المعروف عندنا بابن العبري، ويُعرف عند اللاتين باسم «أبو لفرجيوس» وكان قد شخص إلى طرابلس في القرن الثالث عشر الميلادي لتحصيل المعارف، وفيها تعرّف الى زميله في الدراسة «صليبا بن يعقوب الرهاوي» الذي كان يتردّد معه على بيعة مار بهنام، وتلقّى الدروس على يد العالم النسطوري «يعقوب» الطبيب.
وقد أربت مؤلفات ابن العبري على ثلاثين كتاباً في الفلسفة والطب واللغة والشعر والأدب والمنطق والجغرافيا، إلا أنّ أشهر مؤلفاته هو كتاب «مختصر تاريخ الدول» وقد فاق كل ما اشتهر به من مؤلفات، إذ حظي هذا الكتاب باهتمام كبير بخاصة في العالم اللاتيني حيث اطّلع الأوروبيون منه على تاريخ الأمم الشرقية وأصلها كالعرب والتتار والمغول. وكتب تاريخه بالسريانية مطولاً، ثم اختصره بالعربية، وقام الدكتور «بوكوك» بترجمة المختصر إلى اللاتينية، وطبع في أوكسونيا أكسفورد سنة 1663م. ثمّ ظهر جزء من المتن العربي مع ترجمته اللاتينية بعناية الأستاذين «برونس» و «كيرش» في «لايبزغ» سنة 1788م. وترجمه الأستاذ «بور» إلى الألمانية سنة 1783م. وطبع في بيروت سنة 1890م ثم في سنة 1958م. بالمطبعة الكاثوليكية.
وإذا كان ذلك شأن الحالة العلمية للمدينة، فكذلك ازدهرت الحياة الاقتصادية في كونتية طرابلس ازدهاراً يُذكّر بما وصلت إليه في عهد بني عمار، فلقد كانت كونتيّة طرابلس تقوم بدور الوسيط التجاري بين داخل البلاد والخارج، فكانت على حدّ قول الإدريسي معقلاً من معاقل الشام مقصوداً إليها بالأمتعة وضروب المال وصنوف التجارات.
وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي سبّبها زلزال 1157م. في عمران الكونتيّة، فلقد ظل اقتصادها منتعشاً بخاصة في مدن الساحل وطرابلس على رأسها جميعاً. فمن حيث الثروة الزراعية كانت الكونتيّة تعتمد بوجه خاص على زراعة القطن وقصب السكر. وكانت تحيط بطرابلس بساتين ممتدة غرست فيها أشجار البرتقال، وكان فيها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير. ومن حيث التجارة كان ميناء طرابلس يجتذب إليه قسماً كبيراً من تجارة البحر المتوسط، فكان يُشحن منها إلى موانئ الغرب في إيطاليا وجنوبي فرنسا منتجات الشام والشرق، وكانت طرابلس على هذا النحو وثيقة الاتصال من الناحية التجارية مع الإمارات الإسلامية المجاورة.
ومن حيث الصناعة اشتهرت طرابلس بوجه خاص بصناعة المنسوجات النفيسة، وكان يصنع بها نوع من النسيج السميك يشبه الديباج يُعرف باسم المخمل Les camelots. وكانت تضمّ في القرن الثالث عشر أربعة آلاف نول لنسيج الحرير والمخمل. كذلك اشتهرت طرابلس بتفوّقها في صناعة الصباغة التي اختصّ بها يهود الكونتية وكانت هذه الصناعة تعتمد على نوع من النبات يُطلق عليه اسم الجرانس الذي كانت تُستخرج منه أصباغ أرجوانية اللون، وذاعت شهرة طرابلس أيضاً في صناعة الزجاج وأنواع الخزف.

صور بعد عكا
أمّا صور، فإنّها كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد عكا في الازدهار والعمران، أيام الفرنجة، فإنّ الإدريسي، الرحالة المغربي كتب عام 1154م. قائل: «وفي صور يُصنع أفخر الزجاج والخزف، ويصنعون فيها أيضاً نوعاً من القماش الأبيض لا يعادله قماش آخر من حيث النوع وجودة الصنع، ويُصدّرونه إلى جميع البلدان ولا يصنع قماش يضاهيه من حيث جودته في أي من الأقطار الأخرى».
ويصف صيدا، أيام الوجود الفرنجي، قائلاً: «إنّها مدينة كثيرة السكان وأسواقها مزدحمة والأسعار فيها منخفضة. وتحيط بها بساتين وأشجار والماء فيها وافر.
أما الرحالة اليهودي «بنيامين التودلي الاسباني» الذي مرّ في لبنان، بعد مضي خمس عشرة سنة، فإنّه أيضاً يذكر الزجاج الصوري الشهير. والصباغ الأرجواني الذي اشتهرت به هذه المدينة التجارية التي يؤمّها التجار من كل أنحاء المعمورة.
وذكر سائح ألماني اسمه «تيودورش» نحو عام 1172م. أنّه وجد مدينة صور أحسن المدن الفينيقية من حيث مناعة أبراجها ومتانة أسوارها. وقد وصف بيروت أنّها مدينة غنية قوية كثيرة السكان.
أما الرحّالة الأندلسي «ابن جبير» الذي مرّ في صور سنة 1184م و 1185 م/. فيقول: «إنه وجدها عظيمة في تحصيناتها التي يُضرب بها المثل ووجد أنّ أسواقها أحسن نظافة من أسواق عكا. وأنّ «الكفار «يعاملون المسلمين بشيء من التسامح».
أما «وليم الصوري فإنه يذكر المياه الغزيرة في ضواحي صور التي تسقي الجنائن وتروي بساتين قصب السكر. يقول «وليم الصوري»: «يصنعون من عصير هذا القصب مادة من أثمن المواد، وضرورية لصحة الإنسان كما أنّها الأكثر أهمية وإنتاجاً للتصدير. ويصدر التجار هذه المادة من صور إلى أقصى بلدان العالم وقد أُعجب راهب كريتي اسمه «يوحنا فوكاس» (1185م). بمدينة صور فهو يقول: «إنّ صور تفوق بجمالها سائر المدن الفينيقية، فهي مثل طرابلس، مبنية على شبه جزيرة، ولكنّها أكثر منها اتساعاً وأفخم منها دوراً» وبنايات. وقد وجد الراهب «فوكاس» بيروت «مدينة كبيرة السكان».
لقد أتاحت الفترات التي تقع فيها الهدنة بين الفرنجة وأهل البلاد أنّ يختلطوا اجتماعياً ويتعاطوا مختلف الأعمال الاقتصادية، فكانت الحروب الصليبية عاملاً في ازدياد وسائل النقل والمواصلات وفي تعميم الإنتاج الزراعي ونشر السلع الصناعية الشرقية في السوق الأوروبية، وقد شجعت هذه الحروب المشاريع التجارية بين الشرق والغرب، فاتسع نطاق التجارة، وفي أثناء إقامتهم في الشرق تعلّم الإفرنج أساليب العيش الشرقي واستخدموا خدماً من أبناء البلاد وممرضات وسائسي خيول.
وعلى مرّ الأيام، تعرّفوا إلى كثير من الغلال ومواد الأطعمة الشرقية كالسمسم والخروب والأرز والليمون والبرقوق والكرات. أهم من هذه جميعها مادة السكر وقصبه اللذان تعرفوا إليهما على الشاطئ اللبناني. وقد كانت السهول المحيطة بصور غنيّة بزراعة قصب السكر. فإنّ «فان دي متري» يقول «إنّه رأى حقولاً واسعة مزروعة بقصب السكر في هذه النواحي (نواحي صور) وقصب السكر في داخله كثير من العسل».
وكذك راجت في الأسواق الأوروبية الآنية الخزفية والزجاجية الشرقية التي اشتهرت في مدن لبنان الساحلية بصنعها منذ أقدم الأزمنة، وكانت المناطق المجاورة لبيروت وطرابلس تُعنى بتربية دود الحرير منذ العهد البيزنطي المتأخر (أواخر القرن السادس الميلادي). وقد اشتهرت صور بصنع قماش حريري رفيع يُعرف بالحرير السندي، وكذلك بيروت التي اشتهرت بصنع القماش الحريري السميك المقصب المسدس الخيطان.
كما أتاح الوجود الفرنجي في مدن الساحل، بناء الأبراج والقلاع على طول الساحل اللبناني والسوري. وقد حرص بُناة هذه القلاع أن يكون بناؤها عملا فنيا يتمشّى مع فن العمارة البيزنطي الشائع في البلاد. وكان بناء الكنائس يتبع الأسلوب الروماني والقوطي المألوف، أما زخرفها فكان يحتذي النماذج البيزنطية.
وكان من بين الكنائس، كاتدرائية نوتردام في صور، فقد بُدئ ببنائها عام 1127م. على موقع قديم لكنيسة تعود إلى القرن الرابع الميلادي، ولعلها الكنيسة التي كرّسها يوسبيوس، وبسبب أنّ صور كانت مدينة كبيرة جامعة، فقد كان أساقفة بيروت وصيدا وعكا وصولاً إلى البتراء جنوباً يُعتبرون كمساعدين لرئيس أساقفة صور. وكان لمدينة صور كنيسة ثانية كرّست للقديس مرقس بناها أهل البندقية تقريباً في هذه الفترة من الزمن. وتقع بين صور وصيدا خرائب بلدة الصرفند حيث أنشأ الصليبيون مقرّاً أسقفياً، أما في صيدا فإنّ حيطان الكنيسة المستطيلة التي بنتها الاستبارية وكرستها لشفيعها القديس يوحنا، فقد أصبحت جزءاً من الجامع الكبير، ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث عشر.
وقد كان لمدينة بيروت، قلعة ظلّت قائمة حتى سنة 1856م، وقد كان موقع برجها البالغ علوه ثمانين قدماً في ساحة البرج، وأهم ما تبقى من الآثار الفرنجية في بيروت كنيسة يوحنا المعمدان التي بناها الملك بولدوين عام 1110م. بعد استيلائه على المدينة بزمن قصير.
أما الكنيسة الصليبية في جبيل التي يعود زمن بنائها إلى 1115م، فهي اليوم كنيسة مارونية على اسم القديس مار يوحنا، وإلى الشمال في بلدة البترون كنيسة جديدة مسماة بكنيسة مار يعقوب فيها حائط واحد من العهد الصليبي.
وعلى هضبة جنوبي طرابلس يقوم دير عُرف بدير البلمند، وهو أحد الأبنية الصليبية القليلة التي احتفظت باسمها اللاتيني. وقد بُني هذا الدير عام 1157م. للرهبنة التي تُعرف بالسترسية، وسمي باللاتينية Abbatia Belimontis أي الدير القائم على جبل جميل. أما الجامع الكبير في مدينة طرابلس فيقوم على الموقع ذاته الذي كانت تقوم عليه كاتدرائية صليبية تُعرف بكاتدرائية القديسة مريم وقد شُيدت في أوائل القرن الثالث عشر، وعندما وقعت طرابلس في أيدي المسلمين بعد تحريرها من الصليبيين، هُدمت وأُقيم مكانها جامع هو الجامع المنصوري الكبير.

المصدر: الحياة

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مخطوطات الموصل والمصير المجهول بعد «داعش»

بقلم: مهند مبيضين — مع تنامي حدّة الصراعات الداخلية في البلاد العربية، التي ما زالت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *